لم تكن الأفكار كافية – مارك كوياما / ترجمة: سهام محمد

لم تكن الأفكار كافية – مارك كوياما / ترجمة: سهام محمد

د. مارك كوياما، بروفيسور علم الاقتصاد في جامعة جورج ميسون

د. مارك كوياما، بروفيسور علم الاقتصاد في جامعة جورج ميسون

لوك ، سبينوزا وفولتير كانوا عباقرة ولكن حرية الأديان في أوروبا كانت مدفوعة بالتدابير السياسية لا الفلسفة.


أصبحت الحرية الدينية قيمة رمزية في الغرب وجزءًا لا يتجزأ من الدساتير بل تعد القيمة المطلقة عند الغالبية حيث يدعمها السياسيين والمفكرين عبر الأطياف السياسية. ، ولكن السؤال الأهم هو كيف ظهرت ولماذا يساء فهمها على نطاق واسع حتى الآن ؟

وفقًا للسرد التقليدي فإن الحرية الدينية في الغرب نشأت عقب الحروب الطاحنة التي حدثت ضد الدين. حيث دعمها وجود حجج قوية لفلاسفة ومفكرين مثل جون لوك، سبينوزا، بيير بايل وفولتير ، لقد كانت استجابة هؤلاء المفكرون والمنظرون السياسيون لوحشية الحروب الدينية عن طريق نشر المفاهيم الراديكالية حول التسامح والحريات الدينية لتصبح الليبرالية بعد ذلك جزءًا لا يتجزأ من المؤسسات السياسية الغربية عقب الثورة الأمريكية والفرنسية.

قد يبدو هذا التفسير مقبولًا عند أغلب الفلاسفة السياسيين وعلماء الاجتماع ولكن الأدلة لا تدعم هذا التأكيد على قوة الأفكار في صعود الحرية الدينية والتقليل من حجم الدور الحاسم الذي تقوم به المؤسسات.

وقد كانت أفكار الفلاسفة مهمة حقا ففي كتابه (“Dictionnaire Historique et Critique”1697 ) أشار بايل إلى أن دعوى أحد الأديان أنه الاعتقاد الحقيقي الوحيد تعني ضمنًا أحقيته في اضطهاد الآخرين ، كما أن كل الأديان تمتلك نفس الحق في هذا الادعاء.

وبإظهار الحساسية الكامنة في مزاعم الحق الدينية هذه  جادل بايل أيضًا عن صعوبة اعتبار الناس مذنيين حتى وإن اكتشفوا أخطاء دينهم لمحاولاتهم المخلصة في مراعاة تعاليمه.

وقال لوك أن الإيمان الحقيقي لا يتم بالإكراه بالإضافة لذلك يرى أن تقييد حقوق الأقليات الدينية ينبغي أن لا يتم إلا لأسباب تتعلق بالدولة ، لا بالإيمان ولا الخلاص . لم يكن دور فولتير أقل بالطبع فقد وثق ساخرًا وبلا هوادة حالات الاضطهاد الديني باستمرار حتى أظهر المتعصبين لعقائدهم الدينية بتفاهة. هذه الأفكار مهمة ومقنعة وتستحق مزيدًا من الدراسة والقراءة.

ولكن التركيز عليها لا يفسر تمامًا ظهور الحرية الدينية في الغرب ، إن الأهمية الفكرية لبايل، لوك وفولتير لا تعني محورية أفكارهم في تطور الحرية الدينية واقتحامها للحياة الاجتماعية والسياسية الحالية.

مع زميلي بجامعة جورج ماسون، الخبير الاقتصادي نويل جونسون ، أكملت مؤخرًا كتاب «الاضطهاد والتسامح» (2018)، الذي نوضح فيه عدم كفاية الأفكار لبلوغ الحرية الدينية. والأهم من ذلك أن التغيرات السياسية والمؤسسية قد ساهمت بالذات في تعزيز قدرة الدول على وضع وتطبيق القوانين لجعل الحرية الدينية في الغرب ممكنة ومطلوبة.

لم تكن أفكار بايل أو سبينوزا أو لوك التي قادت قوة الدولة للصعود بل كانت الحاجة لجمع موارد الحكم والحرب. فبالنسبة للدول العسكرية-المالية الصاعدة أصبح توحيد مظهر الدين والاضطهاد الديني مكلفان للغاية وعاجزان.

تميزت أوروبا في قرونها الوسطى بحدود سياسية وقضائية متداخلة ومتعددة بخلاف ما تقوم عليه الدول بمعناها الحديث اليوم. كان الحكام يطبقون فقط القوانين الموجودة على الأرض ولا يمررون غيرها. لم تكن الضرائب ترتفع في العادة وعاش الحكام على عوائد أراضيهم كما أن وجود الجيش لم يكن دائمًا وإنما يستدعى وقت الحاجة، وقد يكون للمناطق والمدن المختلفة داخل المملكة تعريفاتها الجمركية الداخلية وقوانينها وأوزانها ومقاييسها التي تخصها ، إذ لم تطغى عليها البيروقراطية آنذاك.

تتنوع القوانين على المستوى المحلي ويعتمد تطبيقها على هوية الفرد. وكثيرًا ما يعفى النبلاء من دفع الضرائب وكان للفلاحين حقوق و واجبات تختلف عن سكان المدن وتتحكم النقابات بالتجارة.

تعرف القوانين المتعددة للناس المختلفين بقواعد الهوية حيث كانت المعيار السائد. وقد اعتمدت سياسات العصور الوسطى على هذه القواعد لأنها أقل أشكال الحكم تكلفة فقد كانت السياسات آنذاك تفتقر للقوة من أجل تطبيق القوانين العامة وهذا ما جعل تطبيق قواعد الهوية منطقيًا.

وبشكل أعمق ، فإن قواعد الهوية كانت تساهم في تماسك النظام السياسي من خلال معاملة الأفراد باختلاف وفقًا لوضعهم القانوني أو دينهم. كما كانت هذه القواعد تحد من المنافسة الاقتصادية بين الجماعات وتولد إيجارات اقتصادية للنخبة السياسية حيث استخدمت هذه الإيجارات بدورها للحفاظ على النظام السياسي التمييزي.

وكثير من هذه القوانين التمييزية كانت تقوم على الدين ، أحد الأمثلة كان الربا عند اليهود. حيث كانت الكنسية تحرم على المسيحين القروض ذات الفوائد ولكن اليهود لم يخضعوا للقانون الكنسي، ونظرًا لتجاوزهم هذا فرض عليهم الحكام ضريبة نتيجة الفوائد التي يحتكرونها مقابل حمايتهم من العنف ومنحهم الحق في إدارة شؤونهم.

كذلك كان الدين مصدرًا محتملًا للشرعية السياسية ، فالدول الحديثة تستمد شرعيتها من خلال المؤسسات الديمقراطية أو من خلال توفير المنافع العامة والنمو الاقتصادي ، في حين كانت الدول ما قبل الحداثة تميل للاعتماد على الدين بشكل أكبر.

كان منطقيًا للدول في القرون الوسطى الاعتماد على المؤسسات الدينية للقيام بالمهام الإدارية وتوفير المنافع العامة، “المؤسسات الدينية مثل الكنائس والأديرة في أوروبا، والمساجد والأوقاف في البلدان الإسلامية” حيث وفرت التعليم وأغاثت المحتاجين و غيرها من المصالح الأخرى. ومقارنة مع المنظمات غير الدينية فقد نجحت في استقطاب مساهمات الأعضاء واستبعاد المنتفعين بلا مقابل.

إن الشراكة بين الكنيسة والدول الحديثة لها تأثير هام على الحرية الدينية في العالم ما قبل الحداثي. ففي مقابل منح الحكام شرعيتهم السياسية فإن السلطات الدينية يمكن أن تطلب من الحكام العلمانيين فرض الامتثال الديني، وهي الصفقة التي طالب بها الحكام العلمانيين كذلك حيث يعتقدون أن المنافسات الدينية تولد عدم الاستقرار السياسي.

فرض الامتثال الديني واضطهاد كل معارضة دينية مختلفة كان بمثابة الحفاظ على النظام السياسي وفي ظل عالم كذاك لا يمكن تخيل وجود حرية دينية.

طبيعة هذه الصفقة السياسية واضحة في تطور آراء مارتن لوثر عن الحرية الدينية عندما تجاوز روما لأول مرة ودعا إلى الحرية الدينية في أعماله المبكرة مثل “رسالة مفتوحة إلى النبلاء المسيحين” (1520) ، بالإضافة لاعترافه بحق كل مؤمن للحكم على نفسه واعتراضه على الإكراه في اعتناق المعتقدات الدينية. لكن لوثر بدل موقفه في حرب الفلاحين 25-1524 التي كانت سبب مباشرًا لتغيره ، وعارض الحرية الدينية للأنابابستين. ثم أدان أتباع زميله الإصلاحي “هولدريخ زوينجلي” في سويسرا. حروب لوثر الداخلية ضد الحريات الدينية والمعاصرين له تشير إلى أن الإكراه الديني كان يستلزم وجود قوة تعمل على فرضه. لقد توصل إلى قناعة بأن الامتثال الدیني – أي للوثریة – بات مطلوبًا.

هناك كذلك قضية جون كالفن ومايكل سيرفيتوس ، كان سيرفيتوس مفكرًا مستقلًا ومعروفًا في تاريخ الطب لاكتشافه وظيفة الدورة الدموية الرئوية، ثم نفى الثالوث ليصبح عدوًا لكل من البروتستانت والكاثوليك معًا. وهكذا تآمر كالفن مع المحققين الكاثولييك في فيينا لقمع سيرفيتوس بسبب هرطقاته، وسعى لملاحقته حين كان في جنيف حتى تم إحراقه حيًا لتهلل أوروبا البروتستانتية.

انتقد اللاهوتي الفرنسي سيباستيان كاستيليو حكم القتل الذي أصدره كالفن ضد سيرفيتوس ليسجل بذلك واحدة من أقوى الحالات الفكرية للتسامح الديني. ليسبق بحججه للتسامح لوك وبايل بقرن ونصف ولكن لم يكن لكتاباته تأثير حقيقي وفاته التكريم كبطل للحرية الدينية كما كان.

مع هذا لم تنتشر الحرية الدينية في بداية القرن الـ16 ، ليس بسبب ذكاء الناس في القرن الـ 18 وقدرتهم على التفكير في التسامح أكثر من قبل ، بل كان الاختلاف في أن الدين لعب دورًا أكبر في الحفاظ على النظام السياسي في القرن السادس عشر.

إذًا مالذي تغير؟ لماذا غزت الحرية الدينية الغرب؟ لم أصبح لوك وفولتير أبطال الحرية الدينية بخلاف كاستيليو؟ الجواب يكمن في التغيرات المؤسسية الأساسية التي حدثت في الدول الأوروبية بين 1500 و 1800

كان التغيير الأول هو التحول الذي حدث على نطاق الدول الأوروبية في أواخر العصور الوسطى، فقد بدأ فيها الحكام بالاستثمار لبناء القدرات الإدارية ورفع تكاليف الضرائب بانتظام. مع ذلك فإن أكثر التطورات دراماتيكية كانت بعد عام 1500نتيجة تطور التكنولوجيا العسكرية التي وصفها المؤرخون بالثورة العسكرية.. وبسبب هذا السباق القاري للتسلح الذي أحدثه تطور البارود اضطر الحكام للاستثمار في زيادة القدرات المالية والإدارية.

ولأجل نفقات الجيوش الكبيرة توجب رفع الضرائب وإنشاء نظام للاقتراض الحكومي، وفوق هذا حدث تحول عن النظم الضريبية الإقطاعية واللامركزية نحو توحيد المعايير والمركزية. وبدل الاعتماد على ضرائب المزارعين قامت الكنيسة أو الشركات برفع الضرائب نيابة عنهم واستثمر الحكام البيروقراطيات الواسعة لتنفيذ هذا مباشرة. هذه كانت طريقتهم الوحيدة لدفع ثمن جيوشهم المتزايدة.

حجم الجيوش الأوروبية يشرح لنا حجم التحول، الجيوش التي خاضت حرب المائة عام بين انجلترا وفرنسا تعد بالآلاف. كان جمع فرنسا لقوة تجاوزت 10،000 رجل في معركة أجينكورت عام 1915 حدثًا مختلفًا ولكنهم هزموا في النهاية على يد قوة إنجليزية أقل منهم بكثير.

ومع بداية القرن الثامن عشر ترأس القادة الفرنسيون والأنجليز جيوش يصل حجمها لـ 100،000 في عهد لويس الرابع عشر ، وكان الحجم الإجمالي للجيش الفرنسي في أرض المعركة 400،000.

كان لابد من زيادة الإيرادات الضريبية لدفع ثمن هذه الجيوش الضخمة والقوات البحرية المكلفة التي شكلتها الدول الحديثة في وقت مبكر.

بين الثورة المجيدة عام 1688 وختام الحروب النابليونية في عام 1815 ارتفعت إيرادات الضرائب التي اتخذتها الدولة البريطانية بعامل 15 مع زيادة نمو إجمالي الناتج المحلي بنحو ثلاثة عوامل.

كما نجحت دول أوروبية أخرى في زيادة حجم الإيرادات الضريبية التي جمعتها ( على الرغم من أن البعض مثل فرنسا لم يحقق ذلك بالمعدل الذي يسمح لها بمواكبة النفقات).

وتمثل هذه التحولات الدرامية للمؤسسات ما يعرف بصعود الدولة المالية-العسكرية التي أدى ظهورها لقيام حروب مكلفة على نطاق واسع . إن القدرة العسكرية والإدارية للدولة الحديثة في بداياتها تعني قدرتها على اصطياد الزنادقة بفعالية تفوق أسلافهم في القرون الوسطى مثل هابسبورغ وفيليب الثاني في هولندا وماري الأولى في انجلترا التي أحرقت المئات بسبب معتقداتهم الدينية.

تأثير هذه التغيرات على المدى الطويل أضعف مكانة الدين كأداة للسياسة الشرعية وأدى لاستبدال القوانين القديمة المعتمدة على الهوية بأخرى أكثر عمومية. عملت الدول الحديثة التي ظهرت في أوروبا عام 1600 على إخضاع كل مصادر القوة -النبلاء والكنيسة- لصالح سلطة وسيادة واحدة. ليقل بذلك دور الدين كمصدر للشرعية السياسية وتضعف الصفقة التي عقدتها الكنيسة مع الدولة. وهكذا لم تسعى هذه الدول لفرض أي تلازم مع الدين نتيجة لبعدها عنه وعدم قيامها عليه.

يشرح لنا الكاردينال ريشيلو هذه التطورات حين دمر السلطة المستقلة للنبلاء في فرنسا ليوسع من سلطة النظام الملكي. وعلى الرغم من رتبته الكاردينال فقد جعل مصلحة فرنسا فوق إيمانه الكاثوليكي. وتمثل الجزء الهام من هذا الإنجاز في تدميره للقوة العسكرية للهوغونت أو البروتستانت الفرنسي وسحق وجودهم داخل الدولة إلا أنه ضمن لهم حقوقهم في ممارسة العقيدة البروتستانتية، وبذلك تحول الدين لنشاط خاص بعد أن كان مصدرًا للسلطة السياسية. بكل بساطة، جاءت الحرية الدينية الكبيرة على حساب السلطة السياسية للدين.

وأدى هذا التمركز والبيروقراطية لنتائج مهمة أخرى، فقد تم التخلي عن قواعد الهوية واستبدالها بقوانين عمومية، فقدت النقابات امتيازاتها الاحتكارية وأصبحت القوانين موحدة بصورة متزايدة والضرائب أكثر تنظيمًا. وبالنسبة للدول البيروقراطية وعمال جمع الضرائب فإن معاملة الجميع بتساو لا يكلف الكثير . ومع مرور الوقت لم تعد هناك حاجة لقواعد تمييزية بين الكاثوليك والبروتستانت واليهود وتم إلغاءها في النهاية. وعلى الرغم من أن هذا المستوى من الإجراءات كان تدريجيًا ونافعًا فقد ثبت أنه حتمي وعلى المدى الطويل لا رجعة فيه.

حاولت بعض الدول فرض الالتزام الديني حيث وضعت هابسبورغ محاكم التفتيش في أسبانيا وطردت سكانها اليهود والمسلمين، وتخلص لويس الرابع عشر من البروتستانت في فرنسا ، ولكن هذه المحاولات للعودة للقرون الوسطى سببت أخطاء فادحة وأدت لإضعاف الأنظمة والحكومات التي قامت بها.

لم يعد هناك حاجة للشرعية الدينية من أجل قيام دول قوية نسبيا وعلمانية، فقد تحول التوازن السياسي لصالح الحرية الدينية بعد تفكك النظام القديم لقواعد الهوية فبمجرد حدوث هذا التغيير المؤسسي تحول الرأي النخبوي لصالح الحرية الدينية.

قضية تحرر اليهود تقدم مثالًا هامًا على حدوث الحرية الدينية في التاريخ ، في عام 1782، أصدر الإمبراطور هابسبورغ جوزيف الثاني واحد من أهم مراسيم التسامح لليهود في القارة الأوروبية ومنحهم حقوقًا مدنية بشرط دمجهم مع بقية السكان كمواطنين فاعلين، بهذا توقفت المساواة الكاملة لليهود ولكنها أحدثت تغيرًا جذريًا في طريقة معاملتهم. إلا أن الحرية الدينية لم تكن الدافع خلف تحريرهم بل الاعتقاد أن بقاء التعامل بقواعد الهوية القديمة أصبح يكلف سياسيًا واقتصاديًا. كان جوزيف الثاني مقتنعًا بكتابات كريستيان ويلهليم فون دوهم الذي رأى أن القوانين القائمة تقوم بعزل الحياة اليهودية مما يجعلهم غير منتجين كمواطنين عاملين ورأى أن تحريرهم من القوانين التمييزية سوف يساهم  في تعزيز الاقتصاد.

كانت إصلاحات جوزيف مثيرة للجدل إلا أن فرنسا تبنت نفس السياسية التي سرعان ما انتشرت في أوروبا وأحدثت تأثيرًا مثيرًا. فسابقًا تم استبعاد اليهود من معظم الصناعات والمهن ومنعهم من الجامعات والقانون وعضوية النقابات مما جعلهم يقتصرون على البيع والإقراض ، كانت الغالبية اليهودية تعيش في الغيتو حيث الفقر والحاجة. لكن كل هذا تغير بعد التحرير في غضون جيل، فقد دخل اليهود التعليم العالي والصناعة والتجارة على نطاق واسع.

أدت الزيادة في الحرية الدينية إلى تغير الحياة الثقافية والفكرية في أوروبا بين العصور الوسطى والعصر الحديث، تقف الثقافة الفكرية اليهودية بطرق متعددة خلف أوروبا المسيحية بغض النظر عن عبقريتهم الاستثنائية مثل سبينوزا أو موسى مندلسون. وهكذا أدى تحرير اليهود لازدهار الإنجازات الثقافية والفنية بينهم مما أثرى المجتمع الأوروبي.

ساهمت التغيرات الاقتصادية في صعود الحرية الدينية وأبرزها بداية النمو الاقتصادي الحديث. وكما في المثال اليهودي فإن الحرية الكبيرة سمحت للأقليات الدينية بالازدهار، فقد حظيت هولندا وسويسرا وبروسيا بمهارات متقدمة وخبرات صناعية بفضل البروتستانت الفرنسيين الذين طردهم لويس الرابع عشر. وفي الثورة الصناعية البريطانية كان الكويكرز وغيرهم من المعارضين الدينيين يمثلون عددًا زائدًا من رجال الأعمال ، ممولي المشاريع والمبتكرين.

هناك عواقب غير مباشرة ومهمة للانتقال من قواعد الهوية للقوانين العامة فقد كانت القواعد القديمة تحد من نطاق التجارة وتقسيم العمال. أما بعد إزالتها فقدت النيابات سلطتها وفقدت المدن قدرتها على فرض رسوم جمركية على التجارة ، فتوسع النشاط التجاري.

وأدى هذا النمو التجاري إلى تعزيز الاتجاه نحو الليبرالية ، التجارة بحسب رؤية مفكرين مثل مونتسكيو الذي شجع الأفراد على رؤية العالم بنظرة المجموع الإيجابي حول تبادل المنفعة بدلًا من نظرة المجموع الصفري للصراع. وهكذا كانت الحرية الدينية مثل وصفة تقلل من الحروب الأهلية والاضطرابات الاجتماعية، واقتراحًا مربحًا للطرفين.

ما تداعيات حجننا على العالم الحديث؟ والأهم من هذا هو حاجتنا للاعتراف أن الأفكار الليبرالية ليست بالضرورة المسؤولة عن ظهور المجتمعات الليبرالية ، فقد صعد بدلًا منها نوع جديد من التنظيمات السياسية متمثلًا في الدولة الحديثة التي سعى حكامها لأسباب خاصة لفرض قوانين عامة في السلوك لا تتفق مع الامتيازات الدينية.

غالبًا ما ينظر البروتستانت للإصلاح كتفسير لأصول الحرية الدينية ولكن مثال كالفن وكاستيليو لا يشير للبروتستانتية نفسها كطريقة لهذه الحرية ، تعزو الأساطير الأمريكية أصول الحرية الدينية إلى البرويتانيين “أحد المذاهب البروتستانتية” الذين فروا من الاضطهاد في انجلترا إلى انجلترا الجديدة ولكن البرويتانيين لم يؤمنوا بالحرية الدينية لغيرهم وكانوا صارمين في تطبيق التزاماتهم الدينية أكثر من الدول الأوروبية. لم تكن حجج الفلاسفة ولا المعتقدات البروتستانتية هي السبب الفعلي لاعتماد معاني الحرية الدينية بل لاستحالة تحقيق التوافق السياسي بعد عام 1600 في ظل تنامي الطوائف البروتستانتية.

وأخيرًا، تاريخ ظهور الحرية الدينية يذكرنا أن الالتزام بالقيم الليبرالية وحده لا يكفي للازدهار الليبرالي وأنها تحتاج لمؤسسات اقتصادية وسياسية مناسبة، وكما تشير التجربة الألمانية عام 1930 فإن الاضطهاد الديني قد يعاود الظهور سريعًا ولن نستطيع الاعتماد على فاعلية الأفكار الليبرالية وحدها ، فإذا كنا نقدر الحرية الدينية والإنجازات الليبرالية يجب علينا النظر إلى متانة قواعدها المؤسسية.

 

المصدر

 

error: المحتوى محمي