لماذا لم يتحدث الفلاسفة عن العبودية؟ – كريس مينز / ترجمة: ميعاد الحربي

لماذا لم يتحدث الفلاسفة عن العبودية؟ – كريس مينز / ترجمة: ميعاد الحربي

د. كريس مينز، بروفيسور الفلسفة في جامعة يوتركت

د. كريس مينز، بروفيسور الفلسفة في جامعة يوتركت 


أدى الظهور والتوسع السريع للعبودية وتجارة البشر الذي عبر المحيط الأطلسي في حقبة 1600 إلى تشكيل العالم الحديث على النحو المادي والفكري بشكل عميق، والذي ما زال تأثيره منعكسا اليوم. بيد أنك حينما تتجه لدراسات فلسفة الفترة الحديثة المبكرة، ستجد هوة من الغياب. فنادرا ما دُرست العبودية في التاريخ الفلسفي الحديث إن لم يكن أبدا.

إني باحث نوعا ما في الفلسفة الحديثة المبكرة، لذلك أنا حساس مهنيًا لما يجري في هذه الفترة، فهو يزعجني حقيقة. بدأ هذا المقال كسلسلة من التغاريد عن غياب موضوع العبودية بشكل كبير في البحوث وتدريس الفلسفة الحديثة المبكرة، منذ ذلك الحين وأنا مقتنع أن هناك شيء ما خاطئ هنا.

خلال العقد الماضي، من كانون الثاني/يناير2007 وحتى كانون الأول/ديسمبر ،2016 نشرت خمس مجلات كبرى مقالات في تاريخ الفلسفة الحديثة المبكرة (دراسة أكسفورد في تاريخ الفلسفة الحديثة المبكرة، وأرشيف فور جيسشيشت دير فيلسوفي، والمجلة البريطانية لتاريخ الفلسفة، ومجلة تاريخ الفلسفة وتاريخ الفلسفة الفصلية) إذ نشرت نحو 990 مقال, 5% منها فقط كانت العبودية موضوعها الرئيسي. لم تنخرط أي من تلك الخمسة بشكل منصف مع الفترة الحديثة المبكرة. إذ تطرقت اثنين منها إلى تقريع نيتشه ضد العقلية العبودية، بينما غطت اثنتين فلسفة أرسطو القديمة، والتفت الأخيرة إلى المؤمن بحرية الإرادة في القرن التاسع عشر، جون ستيورت ميل.

ولا يملك قسم فللسفة القرن السابع عشر والثامن عشر في موقع popular philpapers repository حتى قسما فرعيا لموضوع العبودية. فعلى سبيل المقارنة، سخر الموقع أقسام فرعية لأفكار كانط عما يجب أن يكون ليكون المرء عبقريا حول (34 مدخل) و “هوة ما هو كائن وما يجب” في الأخلاقيات (27 مدخلا).

كما أن الغياب لا يقتصر على البحث، فدورات الفلسفة الحديثة ستغطي الأوهام المشككة والعقود الاجتماعية والأدبيات ولكن لن تقول شيئا عن الاستعباد. حتى مجموعة التنوع والشمول المنهجي لجمعية الفلسفة الأمريكية تقع قاصرة هناك. لم تتوجه أي من المناهج المدرجة تحت “تاريخ الفلسفة” نحو الاستعباد، وتطفو العبودية مرتين فقط في في دورات الفلسفة الاجتماعية أو السياسية. لم العبودية مفقودة من تاريخ الفلسفة الحديثة المبكرة؟

يمكن لكل هذا أن يكون صدفة. ينبغي على الباحثين أن يكتبوا عما هم شغوفين به، أليس كذلك؟ لا أحد مجبر على دراسة موضوع معين. لكن الفلاسفة ليسوا بأغبياء. دُربوا على أن يجلسوا بعيدا ويتأملوا وعليهم أن يلاحظوا حين يتحول عملهم المنساق بالشغف إلى حذف جمعي.

لعل هناك القليل مما يمكن الحديث عنه بسبب شح المصادر. لكن هل ناقش فلاسفة العصر الحديث المبكر الاستعباد حتى؟

لقد فعلوا، هناك أسماء كبيرة لفلاسفة نعرفهم ونحبهم مثل جون لوك الذي أصر في الأطروحة الثانية عن الحكومة (1690) أن كل “البشر” في “حالة من الحرية التامة… والمساوة”، وألا يمكن لأحد أن يبيع نفسه للعبودية مقابل المال حتى لو أراد ذلك. ويسارع البعض في الاحتفال بالمنشورات المناهضة للعبودية مثل زعم (مونتيسكو) عام 1748 م “أن حالة العبودية سيئة في طبيعتها”.

هناك بعض الأسماء الأقل شهرة كذلك. تعرف على فيليس ويتلي، أحد أول المؤلفين الأمريكيين الأفريقيين، التي تعكس قصيدتها “عن احضارك من أفريقيا إلى أمريكا” تجربتها الشخصية. وتعرف كذلك على كوبانا أوتوبا كونغو (1791ـ1757) الذي ولد في غانا ونجا من الاختطاف والإجبار على العمل في مزارع السكر في غرينادا. فند كتابه أفكار وخلجات حول حركة العبودية وتجارة أجناس البشر الشريرة والخبيثة (1787) جميع محاولات “الأوربيين البربريين اللاإنسانيين” لتبرير العبودية نقطة نقطة. وحث كوغوانوعلى واجب دولي لتحرير المستعبدين: “مثلما على الرجل الذي استعبد أن ينتزع نفسه من أغلال العبودية، على المجتمع الشريف من الناس أن يخرجوهم من أيدي من قام بسلب حريتهم”. تعرف كذلك على أولوداه اكيوانو (1797ـ1746) الذي يقدم كتابه السرد الكثير وحياة أولوداه اكيوانو أو غوستافوس فاسا، الأفريقي عام 1789م اعتبارات عن الاستعباد والكرامة والتمكين. ودكتور الفلسفة أنطوان وليام امو (1759ـ1703) القادم في الأصل من أكسيم (غانا اليوم) والذي ارتبط لاحقا بجامعات ألمانية مثل جينا وهال. نشر امو ضد العبودية بالإضافة لكاتباته عن فلسفة العقل والمنهج الفلسفي. ولكون هؤلاء الفلاسفة ذاقوا الاستعباد شخصيا، فإنهم يكتبون من مرجعية معرفية.

كما أن ثمة موجة من الفيلسوفات الأوروبيات البيض اللاتي تحدين أوضاعهن الشخصية الخاضعة في المحتمع كما لو أنها نوع من الاستعباد. فماري أستيل تتسائل في كتابها بعض التأملات في الزواج (1706) “إذا ولد الكل البشر أحرارا، كيف ولدن كل النساء إماء؟” الذي أصدرته عام 1706. وتشكو جوديث دريك في مقال دفاعا عن جنس الإناث عام 1696 “النساء كزنوج في مزارعنا الغربية، ولدن إماء ويعشن سجينات طيلة حياتهن” أخذن تلك النسوة البيض الصور من الاستعباد المزارع الكاريبية الأفريقية لرثاء وضعهن الاجتماعي.

لا ينبغي أن تُحرج إن لم تكن سمعت عن هؤلاء الفلاسفة. إذ لن يتمكن الكثير من العاملين في أقسام الفلسفة على ذكر عمل واحد من أعمالهم أيضا. يمكن “للآثار المتصلبة للتقديس”، كما وصفها رئيس تحرير المجلة البريطانية لتاريخ الفلسفة مايكل بيني، أن تكون خداعة للغاية، إذ أنها تجعلنا بهدوء ننسى إنجازات الرموز والأسئلة.

مع توفر الكثير من المواد حول الفلسفة الحديثة المبكرة للرق، كيف أُهمل هذا الجانب من الحقبة؟ الجواب: لأنه لا يتناسب تماما مع ما نود أن نعتقد عن قصة العلم الحديث. استخدم الكتاب العصر الحديث بحرية عباءة العلم والفلسفة لتوفير “تبريرات” بادية لاستعباد الناس. إن مراحل كهذه تلطخ الصورة العريقة لتراثنا المحبوب. بيد أنه أحيانا يصير تاريخ الفلسفة بشعا بسرعة فائقة.

توجد أنظمة الرق بصيغ وثقافات عدة، من بينيستي في اليونان القديمة، إلى الطبقة النبيلة في أوائل السلالات الكورية، والتجارة العثمانية للرقيق، وحتى عبودية الدين في أوروبا الوقت الحاضر. يعيش نحو45.8مليون شخص حالياً في صيغة ما من الاستعباد وفقاً لـ Global slavery index. ومع ذلك، جلبت الفترة الحديثة المبكرة تغييراً أساسياً ودائماً في مفاهيم الرق..

 لطالما ميزت المجتمعات مجموعات الشمول والإقصاء. بيد أن الكثير من المجتمعات الإغريقية القديمة والعبرية والمسيحية مكنت أشخاصا من المجموعة المقصاة للهروب من وضعهم المتدني عبر التحول (دينيا) أو عبر الامتثال لممارسات المجموعة الاجتماعية المهيمنة. ففي يونان القديمة على سبيل المثال، يمكن لمن يدعون “البرابرة” (الأشخاص الذين بدا حديثهم للأذن الإغريقية مثل “بر بر بر”) أن يندمجوا عبر الحديث والكتابة والعيش مثل الإغريقي.

بدأ الوضع يتغير في أوروبا خلال القرن الخامس عشر، كما يسجل روبرت ديبلو سسمان في خرافة العرق.  فالمحاكم الإسبانية قدمت صيغة بيولوجية جديدة من تفرقة مجموعة الشمول والإقصاء. بدأت أساس التفرقة بأن تشمل ليس الاعتقادات أو الممارسات فحسب الاعتبارات المتعلقة بالعرق أيضا بما في ذلك “نقاء الدم”. انبثقت الفكرة بوجود أنواع مختلفة بيولوجياً من البشر. وفي حين أن التفرقة كانت مستحثة اقتصاديا وسياسيا، غير أن هفة النظرية العلمية المحيطة بها منحتها مظهر التبرير.

يمكن أن يبدو التحول من أساس للتفرقة إلى أساس آخر ثانويا، لكنه مزلزل. يمكنك تغيير عاداتك ومعتقداتك واللغة التي تتحدث بها، لكن الأساس البيولوجي، المبني على الدم، ينزع هذا الخيار وبكلمات سسمان: “لا يمكن للأقلية أو الشعوب المستعمرة أن تغير هوياتها طالما لم تتمكن من التحول أو الاندماج في تيار المجتمع الرئيسي.”

في القرون اللاحقة، ومع حماسة المفكرين الأوروبيين الوقادة، نجد أن هذه الأفكار الاساسية تمتد في اثنين من الابتداعات المهلكة الابتداع الأول هو أن ثم ةفصائل مميزة من الجنس البشري.وتتخذ هذه لفكرة صيغة أحيانا بأن في حين يشترك جميع البشر في أصل واحد في خلق الله لحواء و آدم (نظرية معروفة بأحادية التسلسل)، فإنه وبسبب  تأثيرات البيئة والعادات، تحولت مجموعة معينة من الأشخاص من كمال إلى انحطاط النوع البشري. وأحيان كانت الفكرة بأنه في الحقيقة لا ينتمي جميع الناس إلى نفس المصدر وإنما لديهم أصولا مختلفة (تعدد الأصول البشرية).

وبناء على هذا، فالادعاء الثاني هو أن هناك تراتبية تحدد أي من هذه الفصائل حقيقة وعلى النحو الأمثل بشرية-  والتي شملت أبعادا كالقدرة على التعليل والحضارة والمعنى الأخلاقي. وللأسف كما ليس مستغربا، قرر الأوربيون البيض الذين صمموا هذه التراتبية أن يخرج الأوربيون البيض في القمة.  وقيل إن “الأنواع” الأخرى من البشر يحتلون المراتب الدنيا من هذا الترتيب المصفوف. قسم كانط على سبيل المثال البشر إلى “بيض” و”سود” و ” والعرق الهوني (المغولي أو كالموك)” و “الهندو أو الهندستناي”، ذاكرا بشكل عارض في محاضراته عن الجغرافية الجسدية أن ” تكمن الإنسانية في أعظم كمالها في العرق الأبيض.”

استخدمت الأفكار عن تراتبية الفصائل البشرية لتسويغ كيف أساء الأوربيون معاملة السكان المحليين رحلاتهم الغازية كما يضعها سسمان:

“على الرغم من أن هذه الممارسات التمييزية بدأت نتيجة للظروف الاقتصادية والسياسية، فإن النظريات ‘العلمية’ التي تبرر هذا النوع من العنصرية بدأت تظهر في إسبانيا والبرتغال في القرن الخامس عشر، وبعد اكتشاف أمريكا توسعت تلك النظريات لتبرير أفكار عنصرية مماثلة تجاه السكان الأصليين والآسيويين وفي وقت لاحق الأفارقة المستعبدين.”

لو كان الأمريكيون الأصليون والأفريقيون ليسوا بشرا كاملين على أي حال، فإنه لا بأس من إساءة معاملتهم واستغلال أجسادهم ومواردهم وكسر روابطهم الأسرية ومسح تاريخهم الشخصي. لقد اخترع الأوربيون مفهوم العرق لتبرير الاستعباد وسموه علما.

لقد تصور الفيلسوف تشارلز ميلز هذه الأحداث الحديثة المبكرة على أنها ابتداع “العقد العرقي” في كتابه الذي ألفه عام 1997 تحت نفس العنوان. وهو اشتقاق مغاير عن الكتاب الشهير “العقد الاجتماعي”، إذ يوافق هذا العقد العرقي لمجموعة من البشر المصنفين أنفسهم كبيض بناء على معايير ظاهرية معينة، بأن يصنف جميع البشر المتبقين على أنهم “غير البيض”. والموافقة على معاملة البيض كأشخاص كاملين، بينما ينحدر الملونون في منزلة أقل من الأشخاص الكاملين أو “أقل بشرية” ومع “منزلة أخلاقية أدنى”. وبهذا المنظور، فإن العقد العرقي اتفاق ضمني بين البيض لمنحهم امتيازا مختلفا ولكي يستغلوا أجساد وأراضي وموارد أولئك المصنفين على أنهم “غير بيض” وحرمانهم من الفرص الاجتماعية والاقتصادية. فالأخيرون مجرد “أغراض” حية يحكمها العقد.

لم يخترع فلاسفتنا المحبوبون مرواغات الفكر هذه. ولكن غيروا النتيجة: فحماستهم التكيفية المبكرة ساعدت بالتاكيد في ترسيخ مسوغات العبودية المبنية على العرق على أنها مبادئ فكرية محترمة.

زعم (لوك) بسعادة أن جميع الناس ولدوا طبيعيا أحرار، في حين شارك أيضاً في تأليف الدساتير الأساسية لكارولاينا 1669م والتي كانت تنص فيها المادة 110 على ما يلي: “لدى كل رجل حر في ولاية كارولينا القوة والسلطة المطلقة على الزنوج العبيد، من أي رأي أو دين،” لأن أي خيار آخر من شأنه أن ينتهك حقوق الملكية للمُستعبِد.

كان ديفد هيوم، والذي لايزال محل تقدير بسبب تشككه عن الذات والسببية، ضمن أوائل من قبل بتعدد الأصول البشرية، واعتبر أن الناس الملونين “أدنى طبيعيا” من البيض. هنا (هيوم) في مقاله “عن الطابع الوطني” (1748):

“لم توجد قط دولة أكثر تحضراً من أي سحنة أخرى أكثرمن البيضاء. ولاحتى شخص بارز سواء في العمل أو التفكير، ناهيك عن مستعمراتنا، هناك عبيد زنوج منتشرون في جميع أنحاء أوربا لم يكتشف أي منهم أعراض الإبداع على الإطلاق، على من أن الأشخاص الأدنى وبلا تعليم سيبدأون بيننا ويميزوا أنفسهم في كل مهنة.”

ستقدر القليل من الأشياء على تحطيم موقف كانط كواحد من أكثر المنظرين الأخلاقيين تأثيرا في العصر الحديث. ولكن كانط، بانيا على هيوم، أطلق الأنثروبولجيا العنصرية. يقبل كانط بتعددية الأصول البشرية وأنه يمكن للبيض فقط أن يحصلوا على الإرادة الحرة والقدرات الأخلاقية والعقلانية الكاملة في النظام التراتبي للفصائل البشرية – أن يكون بشرا أصيلين. كان لمساواتية كانط الأخلاقية نطاق محدود الكمية، إذ أنه انطبق على البيض فقط. سمح له بروزه أن تصبح تلك الأفكار مغروزة في تصنيف الإنسانية حتى عمق القرن العشرين (عنصرية كانط ناشزة بحيث جذبت الآن بعض الاهتمام البحثي.).

لقد تشرب بعض رموزنا “الجوهريين” في العصر المبكر الحديث أفكار تفوق البيض الحديثة الأساسية فلسفتهم، مانحة إياهم مصداقية فلسفية، وبذا مساهمة في انتشارهم تصاعدياً عبر القرون. يؤذي الصمت المستمر عن الاستعباد في أوائل العصر الحديث بالفلسفة.  إنه يفعل ذلك بكل تأكيد لأنه تاريخيا غير دقيق. كتب الفلاسفة عن العبودية في ذلك الوقت، لكن الكثير من أعمالهم أخفيت وحذفت. كنتيجة، أصبح فهمنا لفلسفة هذا العصر في أفضل حالاته محدود وانتقائي وعقيم وهذا مضر.

كما أنه مضر معرفيا. نفقد الحجج والرؤى والمفاهيم البديلة.هذا القلق ليس سؤالا تعريفيا فحسب – ماهو الاستعباد، كيف تؤثر على الناس، وكيف يمكن للناس أن يجعلوا الأمر مبرراً – ولكن يتضمن الكثير من القضايا المرتبطة بالحرية والإنسانية والدين والملكية والجسد والعقل والقوة. هل الأمر مصادفة أن يحاج سبينوزا البشرممسوكون في حالة من “تقييد” (“استرقاق” في اللاتينية) مشاعرهم؟ وهل صدف فقط أن كتب هيوم في تأريخ العلاقة والإرادة:” على المنطق ووجب عليه أن يكون فقط عبدا للعواطف”؟ كلا المؤلفين يطلقان حالة حيث شيء واحد (البشر، المنطق) يفتقر الحوكمة الذاتية ويساعدهم الاخضاع لتصوره. نحن عرضة لتفويت هذا حين لا نقر بكيف زحفت العبودية إلى الفكر الفلسفي حول ذلك الزمن.

While the cogito functions as a universal formula, performable by all, Mills charges that it only reflects an extremely limited angle on the range of philosophical issues around uncertainty of personal existence.

غالباً ما برزت الذات بشكل ظاهر في المناهج الحديثة المبكرة وقد أظهر ديكارت في كتابه خطاب عن المنهج والتأملات أنه في حالة شك عالمي يمكن للفرد “أنا” أن يملكوا اليقينية بأن أنفسهم موجودة: أنا أفكر إذن أنا موجود. في حين أن الكوجيتو يعمل كصيغة عالمية قابلة للتحقيق من قبل الجميع، فإن ميلز يدعي بأنه هذا يعكس فقط زاوية محدودة للغاية من مدى القضايا الفلسفية حول عدم اليقين الوجود الشخصي.

يمكن للإنسان الذي يتم تجاهل انسانيته بشكل منظم بناء على المظهر أن يواجه مشاكل مختلفة راديكاليا. إذ يكتب ميلز:

“إن كان يُعرّف وجودك اليومي بشكل كبير من خلال القمع والمعاملة القسرية مع العالم فلن يخطر ببالك أن يكون وجود قامعك بأي حال من الأحوال مشكلة فلسفية خطيرة وملحة؛ تبدو هذه فكرة عابثة ببساطة، غطرسة امتياز اجتماعي.”

ليس باستطاعتي الحيلولة دون سماع ميلز كمتحدٍ للفلاسفة، مثلي، يدرس حقبة العصر الحديث المبكر. هؤلاء أبطالنا وهذا عصرنا، إنه إغفال لنا إذا فشلنا في تنظيره.  لكن هل تُبني هذا التحدي؟ بالكاد توجد من بين 2629 اقتباس لنصوص ميلز (اعتباراً من أغسطس 2017) أي بحث عن ديكارت أو الفلسفة الحديثة المبكرة بشكل أكثر عمومية.

تحدث قلة من أبطال الفلسفة في القرن السابع عشر والثامن عشر ضد العبودية. غير أن اليوم نزر قليل من مؤرخي فلسفة العصر الحديث المبكر تحدثوا عن العبودية على الإطلاق. يمكننا أن نسكيه أن نسميه “إهمالاً مهنياً.” لست متأكد عما إذا كان الاستعباد هو المبدأ الصحيح المنظم لمواجهة الحقائق الفلسفية ذات الصلة. ومثل الإبادة الجماعية أو الفقر أو التحيز الجنس، على العبودية ألا تؤخذ باستخفاف، فهو ليس مجرد شرفة بحثية أخرى. واقع العبودية بشع، ولا زال يشعر العديد بوصمة شخصية حول انحدار نسبي من الرق؛ كما لم تُجسد الإصلاحات ذات معنى بعد. على الفلاسفة أن يتجنبوا دعم “الخيال العبودي للمشاهدين” كما قال روكسان غاي عن مخطط شركة HBO لتاريخ بديل كونفدرالي للحرب الأهلية الأمريكية.

. As student-led campaigns such as “Why is My Curriculum White?” at UCL, “Decolonising the University” at SOAS and “Rhodes Must Fall” at the universities of Cape Town and Oxford have pointed out, many university curricula retain a whitewashed, colonialist slant. If we continue to revere some of its white supremacist figureheads – Kant and Hume were respectively the most and third-most discussed authors in the BJHP between 1993–2013 – while letting “slip” many of the authors interrogating slavery (including women and men of colour, white women), that sends a message. That message is not pretty.

ولكن بالتسليم أن الاستعباد حقيقة العالم الواقعي، في نسخته العرقي الخبيث الناشئ في العصر الحديث، فإنه يمكن لأي فيلسوف مهتم بالحقائق سيتصارع بطريقة ما معه. لو بقينا صامتين عن النقاشات الفلسفية حول العبودية كما لو أن شيئا لم يحدث وكما لو أن عواقبه انبثقت من العدم. أشارت حملات يقودها طلاب مثل حملة “لماذا منهجي أبيض؟” في جامعة كاليفورنيا وحملة ” حلحلة استعمار الجامعة” في كلية الدراسات المشرقية والأفريقية بجامعة لندن وحملة “على رودز أن يسقط” في جامعة كيب تاون وجامعة أكسفورد، أن العديد من الجامعات تحوي تشويها مبيضا واستعماري. إذا واصلنا تبجيل بعض الرموز الرئيسية المؤمنة بتسيد البيض – كان كانط وهيزم على التوالي أكثر وثالث أكثر الكتاب مناقشة في المجلة البريطانية لتاريخ الفلسفة بين 1993ـ2013 – بينما يُسمح للعديد من المؤلفين الذين يحققون في العبودية أن “يفلتوا” (بما فيهم نساء ورجال ملونون ونساء بيض)، ذلك يبعث رسالة وتلك الرسالة ليست جميلة.

في الفيلم الوثائقي الحديث لراؤول بيك لستُ بزنجيك، يظهر صوت (جيمس بالدوين): “التاريخ ليس الماضي وإنما الحاضر.”  كيف نكتب تاريخ الفلسفة هو الحاضر. ننتقي موضوعات معينة ونحذف أخرى أن لهذا أثره. حان الوقت ليبدأ الفلاسفة الذين يدرسون الفترة الحديثة المبكرة بالحديث عن العبودية.

 

 

المصدر

 

error: المحتوى محمي