لماذا أؤيد حركة المقاطعة، وسحب الاستثمارات، وفرض العقوبات على إسرائيل؟ – طلال محمد أسد / ترجمة: نواف النفجان

لماذا أؤيد حركة المقاطعة، وسحب الاستثمارات، وفرض العقوبات على إسرائيل؟ – طلال محمد أسد / ترجمة: نواف النفجان

د. طلال أسد، والمترجم: نواف النفجان

د. طلال أسد، والمترجم: نواف النفجان


لم يسبق لي زيارة إسرائيل، أوالضفة الغربية المحتلة وغزة، لكن لدي العديد من الأصدقاء من اليهود والفلسطينيين الذين يُدرّسون بالجامعات هناك والتحقوا بالحركة الوطنية لمقاطعة إسرائيل BDS، ولست مضطرا لقطع علاقتي معهم. إلا أن التدمير الوحشي المتكرر لغزة قد أفزعني، وكذلك الخنق المعيشي الإجتماعي الفلسطيني البطيء تحت الإحتلال – بمافي ذلك غزة، والمحاصرة غير المبررة للأراضي من قبل إسرائيل لعدة سنوات براً، وبحراً، وجواً. تزعجني حقيقة أن أغلبية الإسرائيليين يعبرون عن دعمهم القوي للإعتداءات المتكررة لغزة والتي قتل على إثرها آلاف الفلسطينين، حيث قام الجيش الإسرائيلي بإستخدام – على نطاق واسع – أسلحته المتفوقة ضد المسلحين المعارضين الضعفاء. لقد أصبح هناك الكثير من الإضطراب حول الآلاف من صواريخ حماس التي سقطت في إسرائيل! على الرغم من أنه فعلياً لم يكن هناك أي ضرر لحق بالمدنيين والمباني الإسرائيلية نتيجة لذلك. وحتى الآن وإسرائيل تقدم نفسها على أنها الضحية لهذا الصراع.

لم تعرب الجامعات الإسرائيلية قط عن تأييدها لإعتداءات الجيش الإسرائيلي في غزة، ولكنها تقوي روابطها العملية معه؛ فالمؤسسات التعليمية والثقافية والإخبارية تشجع على العنصرية ضد الفلسطينيين. ولذلك يبدو المجتمع الإسرائيلي مزدرياً ومتعسكراً على نحو متزايد ضد الفلسطينيين الخاضعين لسيطرتهم. وعليه يتسأل المنتقدون للحركة الوطنية لمقاطعة إسرائيل BDS عما إذا كانت المحادثات بين الإسرائيليين والفلسطينيين لم تعد مجدية في تغيير وجهات النظر كما تفعل المقاطعة – بغض النظرعن كون هذه المؤسسات الثقافية والتعليمية والتي ليس بالضرورة أن تكون أكاديمية – تتيح المجال للناس لعرض أفكارهم ومناقشتها دون أية شروط مسبقة. لذا أليست مقاطعة المؤسسات التعليمية والثقافية الإسرائيلية رفضاً لحرية التعبير، كما يقولون؟! قد تكون إحدى الإجابات أن النقاشات لا طائل منها بين الخصوم السياسيين، لاسيما عندما يكون أحد الأطراف ليس قط أقوى بكثير من الآخر ولكن أيضاً ينظر له بالإحتقار والكراهية. وقد يلاحظ إلى حد بعيد فشل محادثات السلام على مدى العقدين الماضيين. إلا أنها لم تفشل حقاً؛ فلقد تم شراء وقت ثمين للمستوطنيين – الممولين علناً، الذين تشجعهم وتحميهم الدولة الإسرائيلية – للإستيلاء على المزيد من الأراضي والمياه الفلسطينية، ولتكثيف الحصار التأديبي على غزة، وترسيخ الإحتلال على الضفة الغربية. وللحصول على نتيجة عادلة في محادثات السلام ينبغي على الطرفين أن يوسّطوا طرفًا ثالثًا ملزمًا بتحقيق العدالة  لتسوية خلافاتهم، ولم يكن بالطبع هذا هو الحال حينما كانت الولايات المتحدة هي “الوسيط النزيه”.

يعتقد معظم الإسرائيليين، على ما يبدو، أنهم يواجهون “تهديداً وجودياً” من الفلسطينيين. و يشكل هذا الإعتقاد عقبة خطيرة أمام تحقيق سلام عادل. فعندما يعيش الناس في بلد غني وقوي ويمتلك واحدًا من أكثر الجيوش تطوراً وضخامة في عالم التسليح ومزوداً بالسلاح النووي، ويستند على إقتصاد متقدم من الناحية التكنولوجية، ويتمتع بدعم لا يتزعزع من أوروبا وأمريكا الشمالية، ويمتلك معاهدات متينة مع جارتيها مصر والأردن، وعلاقات ودية على نحو متزايد مع دول الخليج. ثم يقولون إنهم يواجهون “تهديداً وجودياً” من سكان عزل موزعين على أراضي صغيرة متشظية تسيطرعليها إسرائيل سياسياً واقتصادياً وجغرافياً، إذا هم مصابين بالشك أو يتوهمون هذا الامر لغرض ما!! إن الإفتراض الأول الذي يستخلص من “عقدة عقلية الضحية”; أن الدولة الإسرائيلية القوية تعزز دفاعاتها لمواجهة الوهم الذي فرضته على نفسها. إن العنف ليس بالإستجابة المثلى في هذه الحالة. بل يجب أن تُستخدم وسائل سلمية بدلا من ذلك لتوعية الإسرائليين وفتح أعينهم لإدراك العالم الحقيقي من حولهم. وقد يٌمنى جهدُ كهذا بالفشل إلا أنه لابد من المحاولة.

تستهدف الحركة الوطنية لمقاطعة إسرائيل المؤسسات لا الأفراد، ويحتج المعارضون بأنه لايمكن بسهولة التفريق بين الأفراد والمؤسسات لذلك سيعاني الأفراد الأبرياء من ذلك. مع أنه من الناحية القانونية كلا الأفراد والمؤسسات يندرجون تحت تعريف “أشخاص”، في حين يعتبر الأشخاص “الأفراد” ذوي قدرة على التشريع، وهم في الوقت ذاته مختلفين عن الأشخاص الإعتباريين “المؤسسات والشركات”،  لذا لا ينبغي أن يكون هناك مشكلة في التفريق بينهما.  فمن وجهة نظري أن الشخص –بصفته فرداً- الذي يشجع النشاط الظالم لمؤسسة إجتماعية ما يقطن فيها، أوعلى أرض مؤسسة تتسم بالسلطة فإنه محاسب على الدمار الأخلاقي الذي تتسبب به، وليس بمستغرب إن أصر الناس على تحميله مسؤولية كهذه. وبالتالي، فإنه يمكن للمرء أن يبدي رغبته في مقاطعة خطاب نتنياهو أمام الكونغرس، أو أن يسعى لتجاهل دعوة الباحث القانوني الذي أجاز التعذيب في محاضرة ألقاها في إحدى الجامعات الأمريكية. من وجهة نظري – وأشدد على أنه بمعزل عن دعم الحركة الوطنية لمقاطعة إسرائيل – أن السؤال ليس عما إذا كان بمقدور المرء أن يميز بين الأفراد والمؤسسات ؟ – وبالطبع يمكنه ذلك – ولكن السؤال هو كيف للمرء أن يميز ويرد على الأفراد الذين يدعمون ويحرضون الأفراد المزيفين –المؤسسات- على الظلم والذين هم جزء منها. وإجابة هذا السؤال تأتي بعد دراسة كل حالة على حدة.

لكن هل من الممكن أن تكون مقاطعة المؤسسات الأكاديمية تساعد فعلاً على إزالة عقدة الإضطهاد الإسرائيلية؟ إن أصدقائي الإسرائيليين المنشقين يؤمنون أن ذلك سيساعد على إثارة نقاش عام حقيقي حول ما قامت به إسرائيل ولا تزال تقوم به ضد الفلسطينيين. أحترم حكمهم على هذه المسألة– مثل إعجابي بجرأة وترابط الموقف من شخصيات بارزة مثل هنري سيغمان الذي استحضر القيم الدينية اليهودية في معارضتهم لسياسات الحكومة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين داخل وخارج حدود عام 1948، إن هؤلاء الأفراد يقدمون البديل للعالم السياسي الذي نعرف، وللمتسوطنين الاسرائيليين المتطرفين. إن الجيل العلماني الحديث من الشباب الأميركيين والإسرائليين والأوربيين تعهدوا بمساندة الحركة الوطنية لمقاطعة إسرائيل، بالإضافة إلى حركات أخرى تسعى للضغط على الدولة الإسرائيلية في مختلف المؤتمرات. (من هذه الحركات وربما الأكثر أهمية ضمن الداخل الإسرائيلي هي القائمة المشتركة التي ظهرت في الإنتخابات الأخيرة والتي سعت إلى تحقيق العدالة السياسية للفلسطينيين وكذلك العدالة الاقتصادية للجميع. و سنرى عما إذا كان لذلك أثر على سياسة الكنسيت الرسمية).

وصحيح أن المقاطعة غالباً ما تضر أناساً أبرياء – كما حصل مع المقاطعة في حركة الحقوق المدنية في أمريكا الجنوبية، أو كجزء من الحركة المناهضة للفصل العنصري في جنوب أفريقيا. ولكنها “أضرار جانبية” لا ترتقي إلى قتل الناس أو جعلهم بلا مأوى. إنه لمن الصعب الجزم بنجاح –إلى حد ما- الحركة الوطنية لمقاطعة إسرائيل في مساعيها وتحقيق أهدافها لأن الممارسات السياسية لها عواقب لا يمكن حسابها بالكامل. ويعتمد هذا النجاح في نهاية المطاف على استجابة إسرائيل لكل من الضغط السياسي-الاقتصادي والأخلاقي لسن نظام عادل للفلسطنيين. إن دور اليهود الإسرائيليين المنشقين سيكون حاسما وعلى المؤسسات والأفراد خارج إسرائيل دعمها. إن مقاطعة المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية التي أعانت على استمرارية ظلم الدولة الإسرائيلية قد ساعد على تحسين حياة الطبقة العاملة من نواح عدة. وكذلك كان للعصيان المدني أثر في تعزيز نطاق الحقوق المدنية. وقد  يعاب على مثل هذه الحركات عدم فاعليتها، لكنها لطالما كانت الوسيلة الأنسب لتحقيق العدالة تحت ظل الظروف الصعبة.

المصدر

error: المحتوى محمي