من جناحي ابن فرناس إلى السيارة الطائرة: البشر والرغبة القديمة بالتحليق كالطيور – نيكولاس كار / ترجمة: جوزاء الشلوي

من جناحي ابن فرناس إلى السيارة الطائرة: البشر والرغبة القديمة بالتحليق كالطيور – نيكولاس كار / ترجمة: جوزاء الشلوي

nicholascarr23

د. نيكولاس كار، كاتب في التكنولوجيا والثقافة، له كتابات عدة في مجلة Nature, The Atlantic, The Wall Street Journal, The New York Times, Wired, Nature and MIT Technology Review


نشر ساميول أو بور Samuel O Poore، جراح التجميل ومعلم في كلية الطب بجامعة ويسكونسن، في عام ٢٠٠٨ مقالاً في مجلة جراحة اليد تحت عنوان “الأساس للعملية الانتقالية من الذراع إلى الجناح”، وبالاعتماد على الأدلة التطورية والتشريحية، قال يأنه وضع طريقة عملية لاستخدام تقنيات الجراحة الحديثة، بما في ذلك صهر العظام، والتطعيم الجلدي والعضلي لصنع أجنحة للإنسان من أذرعه. وعلى الرغم من ذلك؛ فإن هذه الأجنحة في تقدير الدكتور لن تكون قادرة على توليد القوة اللازمة لرفع الشخص من على الأرض، قد تأخذ دور مميزات تجميلية محاكية لا أكثر، كالأجنحة غير الوظيفية للطيور الطائرة.

ولطالما حسدنا الطيور على أجنحتها، فالإنسان الطيري الهجين مثبت في الأساطير والخرافات والفن، وفي القرن التاسع صنع المخترع الأندلسي الشهير عباس بن فرناس زوجاً من الأجنحة بواسطة الخشب والحرير، وعلقها على ظهره، وغطى بقية جسمه بالريش، ثم قفز بارتجال، وقد نجى من مصير سابقه إيكاروس Icarus. لكن أفاد شاهد عيان بأنه “أثناء الهبوط… ظهره تضرر كثيرًا”. و رسم ليوناردو دافينشي العشرات من الطائرات المجنحة التي تعمل بالطاقة البشرية المسماة بـ أورنيثوبتر ، وأثّر الرأس المحدد لباتمان الطائر على الثقافة الشعبية، وفاز بيردمان بأفضل صورة في أوسكار عام 2015. وكان “ريد بول تعطيك أجنحة” مبشراً لإعلانات مشروبات الطاقة.

واعتبر بور بحثه تجربة فكرية، وختمه بتحذير : “ينبغي أن يظل البشر بشراً، وأن يستمروا في تأمل الأرض ودراسة تعقيدات الطيران، والسماح للطيور أن تكون طيوراً، وللملائكة بأن تكون ملائكةً “. ولم يوافق الجميع على هذا، حيث وجد دعاة تعزيز الراديكالية البشرية ” بعد الإنسانية” هذا البحث نافعاً لهم، وقد اقترح واحداً منهم في مدونة مشهورة لما بعد الإنسانية أنه قد يكون من الممكن قريبًا العمل على صناعة أجنحة للإنسان، من خلال الجمع بين التقنيات الجراحية مع العضلات الاصطناعية والتعديلات الجينية. فقد كتب المدون “العديد من البشر يرغبون في الطيران ولا يوجد خطأ أخلاقي في هذه الرغبة”. وحصل هذا المنشور على أكثر من ٧٠٠ تعليق ، أريد أجنحة، لطالما تشوّقتُ للإحساس بالهواء يتخلل ريشي .

فأن تكون بعد إنساني يعني أن تستخدم التكنولوجيا في تغيير الحالة الطبيعية لجسد أحدهم، وقد تكون جميعًا بعد إنسانيين، ولكن قدرة البشر على تغيير وتطوير أنفسهم قد تزداد بقوة في العقود المقبلة، وذلك بفضل التقارب في التقدم العلمي والتقني في مجالاتٍ منها: الروبوتات، والإلكترونيات، البيولوجية، والهندسة، الوراثية وعلم الصيدلة.

والتقدم في مجال معروف على نطاق واسع كمجال التكنولوجيا الحيوية بمثابة مبشّر لجعلنا أقوى وأذكى وأقدر، وتملّكنا لحواس قوية، وعقول وأجسام أكثر قدرة. ويمكن أن يستخدم العلماء بالفعل الأداة الأكثر مناقشةً هنا، وهي أداة التعديل الجيني الشهيرة كريسبر، والمأخوذة من جهاز المناعة البكتيرية، لإعادة كتابة الشفرة الوراثية بسرعة، وبدقة أكبر، وبتكلفة أقل بكثير مما كانت عليه من قبل، وبعبارات أبسط يحدد كريسبر بدقة سلسلة مستهدفة من الحمض النووي في الجين، ويستخدم الإنزيم البكتيري لقصه من تسلسل الحمض النووي، ثم تتخلل سلسلة جديدة في مكانها، وليس شرطاً أن تكون المادة الوراثية المدرجة من نفس النوع، فيمكن للعلماء خلط ومطابقة أجزاء من الحمض النووي من مختلف الأنواع لتكوين حمض نووي جديد لكائنات خرافية (كميرات) في الحياة الواقعية.

وفي عام 1923 القى عالم الأحياء الإنجليزي هالدين Haldane محاضرة أمام جمعية الملحدين في كامبريدج حول كيف سيشكل العلم الإنسانية في المستقبل. وقال “نحن يمكن أن نغير بالفعل أنواع الحيوانات إلى حد هائل وعلى ما يبدو أنها مسألة وقت قبل أن نكون قادرين على تطبيق نفس تلك المبادئ على أنفسنا.” وشعرت الجمعية أن هالدين كان واثقاً فأرجت ذلك إلى علماء وتقنيين لتعيين حدود للجنس البشري.

يقول نيك بوستروم Nick Bostrom أستاذ الفلسفة في جامعة أكسفورد، وأحد المؤيدين قبل كل شيء لمفهوم تعزيز الراديكالية البشريةـ “للاستفادة القصوى من مفهوم بعد إنسانية لابد أن توسع ‘الإمكانات البشرية ” مما يتيح للأفراد حرية أكبر” لتشكيل أنفسهم وحياتهم وفقا لرغباتهم المستنيرة”، وأزال مفهوم بعد الإنسانية القيود بسبب طبيعتنا وأتخذ النقاد وجهة نظر سوداوية اتجاهه مما يوحي بأن الترقيع البيولوجي والوراثي معرضان أكثر للتحقير من شأنهما، أو حتى لتدمير الجنس البشري، بدلاً من تطويره.

المناقشة الأخلاقية عميقة حول هذا الموضوع، ولكن من المؤكد أنها مسألة ثانوية، ولن يتعامل الرأي العام مع مفهوم بعد الإنسانية كمسألة أخلاقية كبيرة، بل هي مجموعة من المنتجات والخدمات، كل منها يوفر الإمكانيات الخاصة للتعبير عن الذات والتعريف الذاتي. وأياً كان الإحساس الذي يفتقده الناس في أنفسهم أو حياتهم  – قوة الرحلة المجنحة ربما – فسوف يسعون للحصول عليه مع بأي وسيلة ممكنة. نحن صناع الأساطير وكذلك صناع الأجهزة، والتكنولوجيا الحيوية تبشر بعودتنا إلى التعايش الأسطوري كما نطور أجهزتنا الجديدة في محاولة لجعل أنفسنا الخيالية مناسبة تماماً للعالم.

يبكي إيكاروس في المتاهة ” أريد أن أطير! ” ويرد والده المخترع ديدالوس Daedalus ” ستستطيع”ـ فهي قصة قديمة ولكن ما زلنا نلعب دورنا فيها.

في فصل الربيع لعام ٢٠١٥، وفي مساء سبت بارد، تسلق دين بوتر Dean Potter صخرة مع جين راب Jen Rapp وغراهام هانت Graham Hunt من منطقة وقوف السيارات على طول الطريق نقطة الجليدية إلى حافة تافت Taft Point، حوالي 3،000 قدم فوق نهر الرحمة في وادي يوسمايت. وكان بوتر وهانت يخططان لقفزه BASE، وهي اختصار لقفزه من أعلى مبنى، أو قفز هوائي أو قفز من فوق جسر أو قفز من الكرة الأرضية، وأرادوا الهيوط من الحافة الى النقطة، ثم نزلوا لمسافة ربع ميل باستخدام سترة الطيران ذات الاجنحة على الوادي، وذلك قبل أن يمروا عبر الشق في خط القمم بالقرب من البروز الصخري المسمى بالأخ المفقود ، وعندئذ فتحوا مظلاتهم للهبوط في أرض خالية على قاع الوادي، حيث أراد راب التقاط بعض الصور.

قفزة BASE هي الأكثر خطورة في الرياضات الخطرة، وهي محظورة في المنتزهات العالمية، ولكن كان بوتر وهانت مغامرين مخاطرين، إذ لم يعيروا الأنظمة اهتمامًا. وقد قفزوا لسنوات عدة من المنحدرات والقمم في جميع أنحاء يوسمايت، بما في ذلك نصف القبة الشهيرة، وقد هبطوا من نقطة تافت عدة مرات سواءً بشكل جماعي أو فردي، وكان المسار الذي وضعوه لنفسهم في ذلك المساء خطير، وكانت الرياح تمشي بعكس الاتجاه الذي يريدونه، ولكنهم كانوا واثقين من مهاراتهم ومعداتهم. وحصل بوتر جائزة لأطول رحلة في زي مجنح على الإطلاق، بعد أن غطى ما يقرب من خمسة أميال في قفزة عام 2011، من ايجر في سويسرا، وقد ظهر في فيلم وثائقي على قناة ناشيونال جيوغرافيك يسمى بـ “الرجل الذي يستطيع الطيران”. يعتبر هانت أيضا من أوائل لاعبي القفز في العالم.

ويعتبر فرانز رايكلت Franz Reichelt الخياط المولود في فينا، والذي كان يدير محل خياطة في باريس، أول من ارتدى سترة للطيران. فقد قام بتصميم وخياطة سترته المظلية وأسماها بالسترة المجنحة. وقام باختبارها في الرابع من فبراير من عام ١٩١٢، بالقفز من أعلى برج إيفل، ولكن السترة لم تنجح، فصارت هذه القفزة هي السبب في وفاته. وبعد مرور أكثر من ٨٠ سنة، قامت شركة فنلندية تدعى بيردمان الدولية بتصنيع سترة مجنحة يمكن الاعتماد عليها وبيعها لهواة القفز بالمظلات وقفز BASE، وهذه  السترة الحديثة كانت خفيفة الوزن ومنسوجة من القطن الكثيف، وتغطي جميع جسم القافز، ولها جناحين بين أذرعه وظهره وآخرى بين أرجله؛ ومن خلال التوسع الكبير في مجال الإطار الإنساني؛  خلقت هذه السترات ما يكفي من الدعم للسماح لشخص بالهبوط للأسفل لعدة دقائق، مع التحكم بالمسار من خلال حركات الكتفين والوركين والركبتين البسيطة، وفي كثير من الأحيان يحقق مرتدوها سرعة تبلغ ١٠٠ ميل للساعة أو أكثر، ويعطيهم ذلك شعوراً مبهجًا، وكأنهم بالفعل يطيرون ذاتيًا.

في مرة من المرات وصل بوتر وهانت للحظة الانطلاق بالقرب من نقطة تافت بتمام الساعة السابعة، وأحكموا اغلاق سترهم، وقفز بوتر أولاً، وسرعان ما تبعه هانت، في حين التقطت راب الصور على بعد بضعة ياردات. وسقط بوتر وهانت وكأنهم حجارة لبضع ثواني قبل أن تصبح سترهم مملؤة بالهواء ومن ثم ارتفعت أجسامهم وحلقوا في السماء بأجنحةً ممدودة كزواج من الطيور العلاقة ذات الألوان الزاهية، وقد قال بوتر لمراسل صحيفة نيويورك تايمز قبل بضع سنوات: “جزء مني يقول بأنه نوع من الجنون أن تعتقد أنه يمكنك أن تطير بجسمك البشري، وجزئي الأخر يفكر بأننا جميعاً نحلم بالطيران، فلما لا نتبع هذا الحلم؟ فربما يجلب لنا أمراً آخر!”.

واستمرت راب بالتقاط الصور، حتى عبر بورت وهانت الشق بعيداً عن الأنظار، وتهيأ لها أنها سمعت صوت لارتطامين ولكنها قالت لنفسها أنه ربما يكون صوت الشلال، وانتظرت رسالة تخبرها بأنهما هبطا بسلام..  ولكن لم يصلها أي شيء، وفي صباح اليوم التالي انتشل بارك رينجرز جثتهما.

 

المصدر

error: المحتوى محمي