كيف تثري الفلسفة علم الاجتماع ؟ – راندل كولنز / ترجمة: محمد عبدالنور

كيف تثري الفلسفة علم الاجتماع ؟ – راندل كولنز / ترجمة: محمد عبدالنور


كيف تُفهم العلوم الاجتماعية مِن قِبل مَن لا ينتمي إليها؟ ماريو بونغيه فيلسوف اشتغل في عمله على تحليل مسلّمات ومضامين جميع أصناف العلوم، هاهو يقدم وعلى نطاق واسع نظرته حول كل تخصصات العلوم الاجتماعية تقريبا، وهي نظرة يتوقع أن تكون مستثناة من الانغمار وسط اختلاف المقاربات والموضوعات فلا تغرق بين التفاصيل، لكن رؤية بونغيه واضحة وموجزة، لقد جعل منها ممكنة الاستيعاب من مدخلين مفهوميين: فلسفته حول النسق وما تحت النسق، وجدله ضد ما يراه العائق الرئيسي في سبيل تقدم العلوم الاجتماعية.

عند بونغيه كل شيء له أسباب متعددة ومن ثم يمكن أن يكون كل شيء موضوعا لمستويات مختلفة من التحليل، فأنساق العلاقات لها خصوصيات جلية، في حين أنها تصبح جزئيا محددة بخصوصية مضامينها، هكذا فالعالم الاجتماعي قائم خارج الأشياء المادية الحسية، التي هي فيزيائية وكيميائية وهو على ذلك كله ذاتٌ بيولوجية، لكن المستوى الاجتماعي الظاهري له عدة جوانب متفاعلة، لكن يمكن تحليلها كمكونات ضمن النسقية الإجتماعي هي: البيولوجيا، الاقتصاديا، السياسة، والثقافة.

قال بونغيه (ص48) بأن الانتروبولوجيا التي تدرس الحياة الإنسانية في مظاهرها المختلفة هي العلم الاجتماعي العام، وأن كل العلوم الاجتماعية الأخرى هي تخصصات داخل الانتروبولوجيا،  وفي مكان آخر (ص61) قال بأن علم الاجتماع هو “الدراسة العلمية للأنساق الاجتماعية الخاصة لكل الأنواع والقطاعات”، وأن المجتمع هو نسق الأنساق، أصناف الجماعات، والعائلات، ومؤسسات الدولة.

يبدو أن هذا يمنح لعلم الاجتماع مكانة راقية، بالإضافة إلى أن بونغيه لم يعالج علم الاجتماع فقط بل استعاده كنقطة مرجعية بالنسبة إليه عند مروره بالتخصصات ذات العلاقة (الاقتصاد، العلوم السياسية، علم الثقافة، التاريخ) في اشتغال نقدي شامل.

فضلا عن ذلك ضم بونغيه كل هذه الموضوعات إلى بعضها البعض من خلال جدل ثنائي الاتجاه، أولا هاجم “الفردانية” كاختزال للآليات الاجتماعية إلى سلوكات الفرد وتصوراته، وثانيا هاجم “الكلانية” كتحليل شمولي يفتقد للتعيين في وحدة التحليل و تطور العالم التاريخي.

عند بونغيه، التحليل العلمي الحقيقي يجب أن يكون واعيا بكل الشروط السببية والتفاعل بين المستويات، وعليه أن يحدد الأجهزة التي منها تنتج الآليات. عوضا عن الفردانية والكلانية التي لم تعد معتبرة في هذا السياق، ينافح بونغيه عن “المنظوماتية”: بوصفها وسيلة للبحث عن بذور الحقيقة في مقاربات ذات وجهة موحدة وتشكيل نموذج فهمي لتفاعل الأسباب.

ولمزيد من التحديد فإن بونغيه اقتحم أيضا الصراع الفكري الحاد ضد الصيغة المعاصرة للفردانية كذيوع صيت الاختيار العقلاني أوالاقتصاد الأداتي، والكلانية كالتقاليد الإنسانوية أو علوم الروح، التي أصبحت في العالم الفكري المعاصر التأويلية أو الدراسات السيميائية للمعنى أو التناص الثقافي، بالإضافة إلى ما بعد الحداثة، هذا الجدل أعطى للكتاب أكثر طاقته وجاذبيته، وكذلك بعض مبالغاته.

كعلماء اجتماع نميل إلى التشاؤم نوعا ما بخصوص تحقيق الكمال وكذا استشراف تخصصنا، لذلك فسيكون من المفاجئ تلقي موافقة إيجابية عامة مثل تلك التي يقدمها بونغيه لعلم الاجتماع، فهو يدرك تعددية المقاربات والتخصصات في علم الاجتماع، لكنه يرغب  فيما يعتبره “توجه رئيسي” أو مقاربة جوهرية بوصفها تقوم بقطيعة مع الاختزال الفرداني (لاسيما نظرية الاختيار العقلاني) ونفس الامر يقال للجناح الذاتوي الذي يضم النظرية النقدية، الفينومينولوجيا والإثنوميتودولوجيا، فما يقترحه التحليل الجوهري هو النظر إلى الوحدات الفردية لكل الأنواع، سواء الأشخاص، المؤسسات أو الدول بأنها متضمنة في علاقاتها مع الوحدات الأخرى.

هكذا فإن بونغيه معجب بالعمل الشبكي لعلماء الاجتماع على غرار غرانوفاتر وبورت، وعامة هو يعتبر “علم الاجتماع الاقتصادي المعاصر” [economic sociology] (المقاربة الشبكية والمؤسساتيةللفعل الاقتصادي) و “اقتصادات المجتمع” [socioeconomics]  (إتزيوني)، كمفتاح لتصحيح الاقتصاد الأداتي، أعجب بونغيه أيضا بالمقاربة المتعددة الأبعاد لعلماء الاجتماع من أتباع نموذج الطبقة-الدولة-السلطة الفيبري (رغم نقده لفيبر بخصوص فردانيته وكتاباته المنهجية حول التأويلية-الإنسانية)، وذكر أيضا عمل ميشال مان “مصادر السلطة الاجتماعية” (1993)، الذي فسر التغير كتحول بين دائري (Overlaps) داخل أربع شبكات مصدر للسلطة (الاقتصاد، الثقافي والأيديولوجي، السياسي، العسكري)، كخلاصة شمولية كبرى وكمثال للتقدم الاستكشافي للعلم الاجتماعي.

بونغيه أفرد أيضا عمل جاك غولدستون حول تغير الاندماج السكاني (i.e., the biological subsystem) ضمن أزمة الضرائب، صراع النخب، نموذج الحراك الجماعي للدولة المنهارة والثورة، وعموما فإن بونغيه يرى بأن علم الاجتماع التاريخي ذو قدرة على تحقيق تقدم حقيقي في التفسير المتعدد الأبعاد آخذا العلاّمتين تيلي وبرودال كمثال نموذجي على ذلك.

رغم كلامه القليل عن مدرسة النظم العالمية، فقد كانت أفضل مرجع للعمل على المدى الطويل في مجال الاقتصاد، النقطة المركزية في حركية النظم العالمية تشير إلى أن هذا التوجه في علم الاجتماع أحرز أيضا تقدما علميا حقيقيا، في هذا المجال وفي غيره، يحكم بونغيه بأن العالم الاجتماعي مضطرد قانونيا وأننا على الأقل نحن من نصوغ أحد قواعده الممكنة.

يوظف بونغيه علم الاجتماع كبراديغم على الأقل لاعتبار وحيد آخر، حيث قام بمناقشة جدلية الجزئي-الكلي في علم الاجتماع، وخلص إلى أن ريمون بودون وجيمس كولمان يقدمان بشكل عام صيغة مفيدة: هي أن المبادئ الاستكشافية يجب أن يتم تخطيطها من أجل أن تقدم الآليات التي بها يصطدم أعلى مستوى للسياق الكلي (الماكرو) بالفعل الفردي، والتبادل الذي يربطه بالسياق الكلي مجددا، ولقد استعاد بونغيه نموذج “بودون-كولمان” ضمن الفصول التالية، حيث وضع عددا من الرسوم البيانية حول الروابط البينية جزئي-كلي وتصور أنها ستكون أفضل من الصيغة الأحادية في التحليل السياسي والتخطيط الاجتماعي  وفي مجالات أخرى.

الاقتصادات صارت تحظى باهتمام متزايد، كثير من النقد اللاذع، عندما قدم بونغيه المعايير التقنية للملاءمة الرياضية وقوة الاستكشاف العلمي  التي رافع عنها علماء الاقتصاد أنفسهم، كانت انتقاداته مدمرة [من وجهة نظر متخصص في فلسفة الفيزياء]، لقد اعتبر أن الاقتصاد الأكاديمي هو مجرد لعبة في عالم خيالي محض، المفاهيم المفتاحية (القيمة، المنفعة، رأسالمال، الطلب) معرفة بشكل غير مثمر، غير قياسية ولا تقبل القياس، أما المفاهيم  الكيفية الطابع مثل نوعية المنتَج، الرضى الوظيفي ونمط التسيير فهي مهملة.

تستعمل التقنيات الرياضية في إظهار البراعة الفنية عند غياب الدليل التجريبي أو وثاقة الصلة بالموضوع، يرى بونغيه أيضا بأن “قانون” العرض والطلب لا أساس له:  أجريت بين الحين والآخر تجارب مخبرية مع طلاب جامعات، حيث أعطوا الرهان للمقامرة بها، خلافا لرجال الأعمال الحقيقيين لم يكن ما يدعو للقلق بشأن العمالة، الإنتاج، دخول الأسواق أو البيئة التنظيمية.

بسبب المقدمات الفردانية لمؤسسي نظرية الاقتصاد الجزئي (على مستوى الاشخاص والمؤسسات)، فإن الاقتصاد الكلي فقد فشل إلى حد كبير في تعامله مع القضايا الأساسية للتنمية الاقتصادية، الأعمال التجارية، التضخم، اللامساواة. يعتقد بونغيه أن علم الاجتماع الاقتصادي هو الأنسب لكل هذه الميادين لكونه يقدم أفضل توجيه.

أهم تأثير فعلي على الاقتصاد في نظر بونغيه هو أيديولوجي لدعم أهمية السوق الحرة غير المقيدة، من رغم أن تطور الاقتصاد من الناحية التاريخية دائما يحصل تحت غطاء الضوابط الحكومية، تتأرجح بين الريغانية و”العلاج بالصدمة” السوفياتي ذات التكاليف البشرية الباهظة، ينظر بونغيه إلى الجاذبية الصورية لنظرية الاقتصاد كاحتيال فكري أيضا، خاصة عندما انتقلت إلى التخصصات المجاورة، بالخصوص علم السياسة، وحركة “الاختيار العقلاني” ونسختها الأوضح أدلجة نظريات “الاختيار العام” و “الاختيار الاجتماعي”.

الثلث الأخير من الكتاب كرسه بونغيه لما سماه التقنيات الاجتماعية “السوسيوتكنولوجيا”، حيث أراد من العلم الإجتماعي أن يكون أداة للديمقراطية، والصناعة الجماعية للسياسات، خبراء العلم الاجتماعي (هؤلاء الذين يملكون بين أيديهم أفضل القوانين العلميات الاجتماعية راهنا، جمع المعلومات، وتقنيات الاستكشاف) يجب أن يتصرفوا كمستشارين عند الناس: بتقديم مخططات الفعل البديلة من أجل مصلحتهم، أو تشخيص مخططاتهم التي يسعون لتحقيقها.

يعلل بونغيه فشل المشروعات السياسية النموذجية بالتذبذب، والتي تجهل الارتباطات النسقية (مثل جوانب التأثيرات على البيئة، أو على نزوات الجماهير الثقافية)، أو الفشل في الحفاظ على رغبة الناس ذاتها في المشاركة، لأن المخططات تفرض بطريقة فوقية عليهم. إن فشل أنظمة الدول الاشتراكية في القرن العشرين، إضافة إلى الإنهاك الذي أحدثه “العلاج بالصدمة” عند أفولها، يظهر أي نوع من التخطيط يجب تطويره.

في هذه النقطة أصبح بونغيه برمجيا، ففي نظره أن أكبر تقدم للعلم الاجتماعي يُظهر الخلل في كل من الدولة الاشتراكية ورأسمالية السوق الحرة، إن اقتصاد دولة الرفاه في القرن العشرين أثبت وهنه هو الآخر اقتصاديا وسياسيا، فضلا عن اللامساواة اجتماعيا والاستهلاكية ثقافيا.

مطالبات بونغيه بـ”الديمقراطية التكاملية” تظهر جذابة بادي الرأي، إلا أنّ آليات الانتقال من هنا إلى هناك ما تزال مفقودة. فحسب بونغ هي مهمة علماء الاجتماع في صف القوانين التي تحكم الحياة الاجتماعية، ذلك ما يفترض أن يكون مفيدا في التخطيط الديمقراطي الاجتماعي، وبالنتيجة فإن بونغيه يوافق على الجمع بين النقد الدوركايمي للأداتية و رؤية الماركسية المحدثة للتدميرية الرأسمالية، مقاربة شبكية للاجتماعي المتضمن للاقتصاد وعلم الاجتماع التاريخي المتعدد الأبعاد لصعود وأفول مختلف أشكال القوة.

هل هذا يلائم مهمة تقديم نصائح للسياسة الرشيدة؟ ليس بعد، ما أود قوله على كل ذلك، هو وجود مشكل في فهم صراع المصالح والمثل كيف هو قائم بالفعل. رغم أنع على المخططين ذوي النزعة اللبرالية، مثلا، أن يتفقوا على وجهة نظر مجردة بأنه حري بنا التحكم في المشاكل الاجتماعية من الفقر، العنصرية، الجنسانية، التدهور البيئي، في الواقع الفعلي هذه مشاكل أكثر أهمية عند البعض مما هي عند آخرين، كلاهما ضحيتان وعناية القائمين عليها الفائقة  يجب أن تشملهما معا، لكن أيضا الخصوم الذين لم يحصلوا على توعية بالقضايا الخاصة، الحل الديمقراطي للمشاكل الاجتماعية لا يكون صالحا بشكل تلقائي للعامة بمجرد ظهور تقرير الخبراء عنها،  لأنه يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار من يفضل حلا دون آخر، أو إضافة أي اختيار متعلق به أيا كان.

هنا نحتاج بشكل كبير إلى فهم دينامية الثقافة، بالمعنى الواسع عن سبب تحول رغبات الناس ومصدر الاغتراب، أو القبول المطلق للمثل والمعتقدات الاجتماعية، في هذا الموضوع،  نقمة بونغيه على أكثر البرامج البحثية فيما سماه “علم الثقافة” التي تعيق السير نحو الهدف النهائي الذي يسعى لبلوغه، هكذا رفض دراسة غوفمان حول طقوس الحياة اليومية باعتبارها مبتذلة، وأن الاثنوميتولوجيا لا تمثل شيئا إلا بوصفها راديكالية فردانية، كما أن تلك المقاربات المحصورة في تصور الحياة اليومية والوحدة الإجتماعية الصغرى التي تعطينا الآلية المفتاحية لكل اعتقاداتنا والتزاماتنا، إضافة إلى التقاليد التي تمنح الشرعية السياسية أو تنزعها عنها، تصبح كلها استهلاكية، الاثنوميتودولوجيون و الاحسان اللبرالي.

بونغيه ناقم على التحليلات التي تكشف كيفية تشكل الثقافة في بعض الظروف التاريخية في المؤسسات أشباه-السوق الحرة، نفس الأمر بالنسبة للتأويلات القائمة على الأنساق السيميائية والدلالات الرمزية. هنا أطلق العنان لعواطفه لتبتعد عنه ويتعدى على نصائحه الخاصة بأنه علينا أن نبحث عن بذور الحقيقة في برامج بحثية متفرقة.

جاء كتاب بونغيه في أغلبه جدليا وأحيانا متفردا بالرأي، لكن بونغيه قدم فيه بوضوح رؤية عقلانية ومعتدلة حول صناعة المعرفة العلمية، وبالمقابل تصوره أين صُنع التطور الأمثل للعلم الاجتماعي، وأين تقع عوائقه، بطريقة إقناعية، وفي كل الأحوال جاء الكتاب مغازلا لعلماء الاجتماع، وهو سبب كاف لتحقيق أفضل تلق لكتابه.


هذه ترجمةٌ لمقال برفسور علم الاجتماع بجامعة بنسلفانيا راندل كولِنز:

Randall Collins “Sociology Rates High with Philosophy”, Contemporary Sociology, Vol. 28, No. 3 (May, 1999), pp. 282-284.

والمقال عرض لكتاب الفيسلوف الكندي الأرجنتيني ماريو بونغيه المعنون بـ العلوم الاجتماعية على محك الحجاج: منظور فلسفي:

Social Science under Debate: A Philosophical Perspective, by Mario Bunge. Toronto: University of Toronto Press, 1998. 538 pp.

 

error: