كيف أكتب؟ – برتراند راسل / ترجمة: حمد الدريهم

كيف أكتب؟ – برتراند راسل / ترجمة: حمد الدريهم

كيف أكتب؟

 


 

ليس لي أن أزعم معرفة الكيفيةالتي ينبغي أن تكون عليها الكتابة، أو إلام قد يرشدني ناقدٌ حاذقٌ بغية تطوير أسلوبي. غاية ما أستطيعه أن أروي بعض الأشياء المتعلقة بالكتابة من تجربتي الخاصة.

قبل بلوغي سن الحادية والعشرين، كنتُ أتمنى أن أكتب بأسلوب مقاربٍ -على نحوٍ ما- لأسلوب جون ستيوارت ميل (٠)؛ فقد كنت معجبًا بطريقته في بناء الجمل وأسلوبه في التسلسل الموضوعيّ .

كانت طريقتي مختلفة على أية حال، مشتقّة – كما أتصور – من الرياضيّات، وهي: أن أقول ما أُريد بأقلّ عدد من الكلمات التي توضّحُ المراد، وربما ظننتُ أن على المرءِ محاكاة أسلوب بيدكر (١) أكثر من أيّ أسلوبٍ أدبيٍ آخر . كنت أمضي الساعات الطوال وأنا أحاول العثور على أقصرِ طريقة لقول شيءٍ ما دون أن يكتنفه الغموض؛ ولأجل تلك الغاية كنتُ مستعدًّا لأن أُضحي بكلّ محاولاتي الكتابية في سبيل الوصول للقيمة الجمالية العالية.

وعندما بلغت الحادية و العشرين، كنت تحت تأثير جديد، تأثير: لوجان برسال سميث (٢) ، وقد صار صهرًا لي في ما بعد .كان سميث من أنصار الشكلِ على حساب المضمون، كما كان متأثرًا جدًا بملهِميه: فلوبير (٣) و والتر باتر (٤) ومعجبًا بهما، وكنتُ ميالاً إلى حدٍ بعيدٍ حينها إلى التصديق بفكرة أن الطريقة المثلى لتعلّمِ الكتابة كانت في محاكاة أسلوبيهما .

أتذكر بأن لوجان أسدى إليّ عدّة نصائح وقواعد بسيطة في الكتابة، أذكرُ منها :

-ضع فاصلة كلّ أربع كلمات .

-لا تستعمل (و) إلّا بداية الجملة .

والنصيحة التي كان يردّدها ويُشدّدُ عليها هي : ((يلزم المرء دائمًا أن يراجع ما يكتبهُ للمرّةِ الأولى )).

استفرغت جهدي في محاولة تطبيق تلك التوجيهات، على الشكلِ فقط دون المضمون،ولكني اكتشفتُ بأن مسودتي الأولى غالباً ما تكون أجود من الثانية، وهو ما وفر علي كثيرًا من الوقت . وكنت أعيدُ كتابة أطروحاتي كاملةً حين أكتشفُ خطأً جوهريًّا في تضاعيفها، وكان يتعسرعلي تنقيح جملةٍ ما حين أجد نفسي راضيًا عن مؤداها.

وبمرور الوقت، تعلمت بعض الطرائقِ للكتابة بأقل قدرٍ من القلق و التوتّر، خلاف ما كان عليه الأمر عندما كنتُ شابا ، فقد كان كل عملٍ كتابيٍ جادٍ يستغرقُ منّي وقتا طويلاً ويستنزفُ طاقتي وربما لا يكون مستحقًا كل ذلك الجهد ، لكني كنتُ أعيش حالة من القلق خشية ألا يكون ذلك بالشكل الصحيح . كنت أكتبُ المرة تلو الأخرى ثم أمزق كل ما كتبت لأني لست راضيًا عنه.واكتشفت في النهاية أن كل تلك المحاولات البائسة ليست إلا مضيعةً للوقت. وبدا لي- بعيد إنعامي النظر في كتابٍ كان يعالج قضيةً معينة وأوليت طرحه اهتمامًا جادًا- أني كنت بحاجةٍ إلى فترة من الزمن لاستيعابه ووعيه جيدًا، إذ لا يمكن التعجل، أو أن يوجد ما يعوق التأمل والتفكير المتأني. وكنت أجد أحيانًا –وبمرور الوقت – أني ارتكبت خطأ، وبسببه لم أستطع تأليف الكتاب الذي أحمله في مخيلتي. ولكنما أكثر ما كنت محظوظًا، وذلك أني كنت أستلهم المسألة وأعالجها في ذهني خلال فترةٍ من التركيز الشديد.وعلى حين غرة تبرز لي أبعاد تلك المسألة متضحةً وضوحًا شديدا، بحيث لا يتبقى علي فقط إلا أن أكتب ما كان قد ظهر لي كما لو كان وحيا.

وكان ما حدث لي في بدايات عام ١٩١٤م أحد أكثر الأمثلة إثارة حول هذه الطريقة، مما دفعني لاعتمادها في ما بعد، فقد تعهدت بأن ألقي محاضرة في مركز “لويل” للمحاضرات في بوسطن، واخترت “معرفتنا للعالم الخارجي” لتكون عنوانًا لها وموضوعا.

كنت مشغل الذهن بالتفكير في هذا الموضوع كثيرًا خلال العام الذي سبقه :
في الغرف التي كنت أقيم فيها في أثناء الفصل الدراسي في كامبردج،في الإجازات التي كنتُ أقضيها في نزل هادئ حول الروافد العليا لنهر التايمز. كنت أفكر كثيرا في هذا الموضوع لدرجة أني كنت أنسى أن أتنفس أحيانًا ثم ألهث كما لو كان سيغمى علي! ..وكان كل ذلك بلا جدوى، كانت كل فرضية فكرت فيها لأكتب في الموضوع تنتهي بي إلى الرفض والاستبعاد. وفي آخر مطاف اليأس، سافرت إلى روما في إجازة عيد الميلاد أملًا في استعادة الحيوية الموهونة. وعدت إلى كامبريدج في آخر يوم من عام ١٩١٣م، ومع بقاء كل الصعوبات التي واجهتها بلا حل، ولضيق الوقت المتبقي،اتخذت ناسخة كي أملي عليها أجود ما استطعت تدوينه.في صباح اليوم التالي، عنَّت لي الأفكار التي كنت أرتقبها فجأة! ثم شرعت في إملاء نص المحاضرة كاملًا دون لحظة تردد.

لا أقصد نقل انطباعٍ مبالغٍ فيه حول ما حدث لي. كان نص المحاضرة شديد القصور،وأظن أنه يحتوي أخطاء قاتلة ، لكنها كانت الطريقة الأجود التي استطعتُ تنفيذها في ذلك الحين. كان استخدامي طريقةً أخرى أكثر إراحة –في زمن يكون تحت تصرفي- سينتج على الأغلب شيئًا أسوأ ! وبغض النظر عما يعتقده الآخرون إلّا أنني وجدت هذه الطريقة ملائمة لي وآمنتُ أن عليّ نسيان فلوبير و باتر .

ومع أن تصوري الحالي عن كيفيّة الكتابة لا يختلف عنه حين كنت في الثامنة عشرة ، إلا أنّ تطور أسلوبي لم يكن مخططًا له.

مررت بفترة من الزمن في أوائلِ القرن العشرين كان حينها طموحي الخطابي في أوجِّه. كان ذلك عندما كتبت (عبادة الإنسان الحرّ) ،العمل الذي لست راضيا عنه الآن. كنت حينها غارقًا في نثريات ميلتون التي كان يتردد صداها في تجاويفِ عقلي . ولا أقول إنني لم أعد معجبًا بأعماله الآن، ولكن محاولة محاكاتها كانت تعني لي أنها تنطوي على شيءٍ من النفاق والتصنع.

في الواقِع، المحاكاة والتقليد كله خطر.لن يوجد ما يمكنه أن يكون أجمل أسلوبًا من الإنجيل أوالنسخة المعتمدة من كتاب الصلوات؛ لكنها تعبرُ عن طريقةِ تفكير ومشاعر تختلف عما يوجد في زماننا. ولن يكون أسلوبٌ جيدًا ما لم يعبر بعفوية تلقائية عن صميم أعماق الكاتب وشخصيته. وهذا كله مقيدٌ بأن تكون شخصية ذلك الكاتب جديرة بالتعبير عنها! ومع رفضنا أبدًا منهج المحاكاة التقريرية، إلا أن الإلمام بجيد المنثوريعود بكثيرٍ من النفع، خاصةً من جانب صقل الحس الإيقاعي النثري.

وتوجد بعض المبادئ البسيطة- وربما ليست ببساطة تلك المبادئ التي عرضها علي صهري لوجان برسال سميث- التي أظن أنها يمكن أن تقدم لكُتَّاب النص التوضيحي:

– أولاً : لا تستخدم عبارةً طويلة إذا كانت عبارة قصيرة تؤدي الغرض.

– ثانيًا: حين تهم بكتابة بيانٍ يتضمن نطاقًا واسعًا من النعوت، فلتضع بعض تلك النعوت في جمل مستقلة.

– ثالثًا : لاتدع بدايات الجمل تقود القارئ لأن يتوقع ما يتناقض مع نهاياتها .

خذ-مثلاً- الجملة التالية كمثال قد يساق في مبحث في علم الاجتماع :

” يُعفى البشر تمامًا من أنماط السلوك غير المرغوبة،حين تكون بعض شروطٍ أساسيةٍ بعينها- وهي التي لا تحقق فعليًا إلا في نسبة ضئيلة من الحالات-متحققة، في لقاءات الصدفة في ظروف مواتية، سواءٌ أكانت تلك الظروف فطرية ذاتية أم مكتسبة من البيئة، مما يجعل الفرصة مواتية بالتقاء تلك الظروف لإيجاد فرد تتحقق في ذاته عوامل عدة تشذ به عن المعيار المُتبَّع على نحو اجتماعي إيجابي.”

لننظر ما إذا كان يمكننا تبسيط الجملة السابقة، وأقترح ما يلي:

“كل البشر أشرار، أو على الأقل معظمهم، وأولئك الذين ليسوا كذلك لا بد أن لهم حظًا غير عاديٍ سواء في مولدهم أم في نشأتهم .”

هذه الجملة أقصر وأوضح من الأولى وتؤدي المعنى نفسه، ولكنني أخشى على أي أستاذ قد يستخدمها بدلاً عن الأولى أن يُطرَد من عمله!

هذه نصيحة مني أقدمها لمستمعيّ الذين قد يصبحون من أساتذة المستقبل. ويجوز لي استخدام الإنجليزية البسيطة لأن الجميع يدركون أنني قادر على استخدام المنطق الرياضي لو أردت ذلك.
لنأخذ الجملة التالية مثلاً : “بعض الرجال يقترنون بأخوات زوجاتهم الراحلات.” يمكن لي أن أعبر عن هذا بلغةٍ لن تتضح إلا بعد سنواتٍ من الدراسة، وهو ما يمنحني فضاءً من الحرية. أقترحُ على الأساتيذ الشباب أن يكتبوا أعمالهم بلغة اصطلاحية حصرية على النخبة المثقفة، وليقولوا بعد ذلك ما شاءوا أن يقولوا بلغة العوام .

في هذه الأيام، وقد أصبحت حياتنا تحت رحمة الأساتذة، أتصور إنهم يستحقون التقدير والعرفان فقط إن هم أخذوا بنصيحتي!

 

 

 


الهوامش :
(٠)
جون ستيوارت ميل
(١٨٠٦م-١٨٧٣م)
فيلسوف واقتصادي بريطاني معروف .
(١)
كارل بيدكر
(١٨٠١م-١٨٥٩ م)
ناشر ألماني واشتهر بتأسيسه شركة بيدكر الألمانية التي كانت تنشر كتب الدليل السياحي في أوروبا .
(٢)
لوجان برسال سميث
(١٨٦٥م -١٩٤٦م)
كاتب مقالة وناقد أمريكي وحصل على الجنسية البريطانية في وقت لاحق . أخته أليس برسال سميث كانت الزوجة الأولى لبرتراند راسل .

(٣)
جوستاف فلوبير
(١٨٢١م-١٨٨٠م)
روائي فرنسي معروف .

(٤)
والتر باتر
(١٨٣٩م-١٨٩٤م)
كاتب وناقد انجليزي.

مصدرُ المقالة /

PORTRAITS FROM MEMORY and Other Essays by by Bertrand Russell (Page 210 )

https://archive.org/details/portraitsfrommem005918mbp

 

 

error: المحتوى محمي