كود الذاكرة – جو تسيين

كود الذاكرة – جو تسيين

يقترب الباحثون من تعرّف القواعد التي يتبعها الدماغ لتثبيت الذاكرات.
وقد يقود اكتشاف كود الذاكرة هذا إلى تصميم حواسيب وإنسالات(1)
أكثر ذكاء وحتى إلى طرق جديدة لإنعام النظر في العقل البشري.

 

مفاهيم مفتاحية

يعتمد الدماغ على جمهرات كبيرة من عصبونات تعمل بتناغم لتمثِّل وتشكِّل ذاكرة خبرات الكائن الحي.

لقد تبيّنَت في حصين hippocampus الجرذ (وهي منطقة حاسمة بالنسبة إلى تشكيل الذاكرة) مجموعات جزئية من مثل هذه الجمهرات (أُعطيت لقب «عُصْبات عصبية») تستجيب لنواح مختلفة لحادثة. ويمثل بعضها معلومات عامة مجردة حول موقف معين، وبعضها الآخر يشير إلى معالم أكثر انتقائية.

يمكن تطبيق الانتظام التراتبي hierarchicalorganisation نفسه الذي يستخدمه الدماغ لتسجيل الذاكرات، وذلك لغرض تحويل مجموعات من الدفعات  impulses الكهربائية إلى إدراك ومعرفة وسلوك. وإذا كان الأمر كذلك، فإن عمل الدماغ يقرّب الدارسين أكثر فأكثر من كشف الكود العصبي الشامل؛ أي القواعد التي يستخدمها الدماغ لتحديد خبرات الجسم وفهمها.

لقد حوّل المؤلف وزملاؤه تسجيلات نشاط العُصبة إلى كود ثنائي  binary code. ويمكن لهذا التمثيل الرقمي للإشارات الدماغية أن يكوّن أساسا لتجميع دليل كودي  codebookخاص بالمخ ـ بمعنى أداة لأرشفة الأفكار والخبرات ومقارنتها عبر الأفراد، وربما عبر الأنواع الحية المختلفة.

محررو ساينتفيك أمريكان

يمتلك أي شخص وجد في مكان أثناء تعرضه لهزة أرضية ذاكراتٍ مفعمة عنها: تهتز الأرض، ترتجف، تعلو وتنخفض؛ يزدحم الهواء بأصوات الهزيم والتصدُّع وتشظّي الزجاج؛ تتفتح الخزن وتتكسر؛ تتهاوى الكتب والأطباق والحلي من على الرفوف. إننا نتذكر مثل هذه الوقائع بوضوح مؤثِّر ولسنوات عديدة، لأن ذلك هو ما تطوّرت أدمغتنا كي تفعله: استخلاص المعلومات من أحداث بارزة واستخدام تلك المعرفة لتوجيه استجاباتنا تجاه أوضاع مشابهة في المستقبل. وهذه القابلية للتعلم من الخبرات السابقة تتيح لجميع الحيوانات أن تتكيَّف مع عالم معقّد ودائم التغيّر.

وطوال عقود من الزمن، حاول علماء الأعصاب إماطة اللثام عن كيفية تمثيل الدماغ للذاكرات. والآن، عبر ضمّ مجموعة من تجارب جديدة ذات تحليلات رياضياتية قويّة وقدرة على تسجيل متزامن لنشاطٍ يشمل ما ينوف على 200عصبون لدى فئران يقظة، اكتشفتُ وزملائي ما نعتقده الآلية الأساسية التي يستخدمها الدماغ لاستخلاص معلومات حيوية من الخبرات experiencesوتحويل تلك المعلومات إلى ذاكرات  memories. وتنضاف نتائجنا هذه إلى جملة متنامية من الأبحاث تشير إلى أن التدفق الخطي للإشارات من عصبون إلى آخر لا يكفي لشرح كيفية تمثيل الدماغ للمدركات والذاكرات [انظر: «البحث عن الكود العصبي»،العلوم، العددان  7/8 (2007)، ص  10]، بل ما نحتاج إليه هو النشاط المتناسق لمجموعات كبيرة من العصبونات.

إضافة إلى ذلك، تشير دراساتنا إلى أن المجموعات العصبية المضطلعة بتكويد الذاكرات تقوم أيضا باستخلاص نوع المفاهيم العامة التي تسمح لنا بتحويل خبراتنا اليومية إلى معارف وأفكار. وهكذا قرّبت نتائجُنا علماء البيولوجيا من فكّ رموز الكود العصبي الشامل؛ أي القواعد التي يتَّبعها الدماغ لتحويل الدفعات  impulses الكهربائية إلى إدراك وذاكرة ومعرفة، وفي نهاية المطاف، إلى سلوك. إن مثل هذا الفهم يمكن أن يتيح للباحثين تطوير حدود مشتركة بين الماكينة  machine والدماغ أكثر حبكا، وتصميم جيل جديد كليا من حواسيب وإنسالات(1) ذكية، وربما أيضا تجميع سجل يتضمن كودات العقل قد يُمكّن من تفكيك رموز ما يتذكره المرء أو يفكر به، وذلك من خلال رصد نشاطه العصبي.

الفأر الذكي «دوگي» يثير أسئلة(**)

لقد نما بحث مجموعتي في الكود الدماغي من عمل ركّز على الأساس الجزيئي للتعلُّم والذاكرة. ففي خريف عام 1999 أمكننا استيلاد سلالة فئران تمت هندستها لتمتلك ذاكرة محسّنة [انظر: «إنتاج فئران أكثر ذكاء»،مجلة العلوم، العدد  5 (2001) ، ص  28]. فهذا الفأر الذكي الذي حمل اسم «دوگي» Doogie (نسبة إلى الدكتور الشاب الذكي <دوگي هاوزر> في الدراما التلفازية لأوائل تسعينات القرن الماضي) يتعلم بسرعة أكبر من فئران النمط البرّي wildtype ويتذكر الأشياء لمدة أطول. ونشير هنا إلى أن هذا العمل أثار اهتماما ونقاشا كبيرين لدرجة أنه شكل صورة غلاف لمجلة  Time. بيد أن نتائجنا جعلتني أتساءل: ما هي الذاكرة بالضبط؟

عرف العلماء أن تحويل الخبرات الإدراكية perceptual  experiences إلى ذاكرات طويلة الديمومة يتطلب وجود منطقة دماغية تسمى الحُصَيْن hippocampus. وعرفوا أيضا أي الجزيئات يكون ضروريا من أجل ذلك، مثل المستقبل النمداوي(2) الذي عدّلناه فولّد الفأر «دوگي». لكن ما من أحد عرف بالضبط كيف أن تنشيط الخلايا العصبية في الدماغ يمثل ذاكرة. ومن جانبي فقد بدأتُ منذ سنوات قليلة أتساءل ما إذا كنا نستطيع إيجاد طريقة لتوصيف ماهية الذاكرة رياضياتيا أو فيزيولوجيا. فهل نستطيع أن نحدِّد ديناميّة الشبكة العصبية ذات الصلة وأن نصوِّر نمط النشاط الذي يحدث لدى تشكُّل ذاكرة ما؟ وهل نستطيع استبيان المبادئ الناظمة التي تمكِّن المجموعات العصبية من استخلاص وتسجيل أكثر التفاصيل حيوية لخبرة ما؟

ولكي نتعلم شيئا ما حول الكود العصبي المعني بالذاكرة، فقد احتجنا أولا إلى تصميم تجهيزات رصد دماغية أفضل. لقد أردنا مواصلة العمل على الفئران، بحيث نستطيع جزئيا في آخر الأمر إجراء تجارب على حيوانات ذات مقدرات معدّلة وراثيا  genetically altered لغرض التعلُّم والتذكر، مثل الفأر الذكي «دوگي» وفئران طافرة ذات ذاكرة متضرّرة. ونشير هنا إلى أن الباحثين قد رصدوا أنشطة مئات العصبونات لدى قرود يقظة، لكن الباحثين الذين عملوا على الفئران حقّقوا في أحسن الحالات تسجيلات من  20 أو 30 خلية في آن معا ـ وذلك لأن دماغ الفأر ليس أكبر بكثير من حبة فول سوداني. وهكذا قمت مع <L.لين> [الذي كان حينذاك زميلا ما بعد الدكتوراه في مختبري] بتطوير أداة تسجيل سمحت لنا برصد أنشطة أعداد من عصبونات فرادى أكثر من ذلك بكثير في فئران يقظة وسلوكها حرّ.

 لقد صممنا تجارب تستفيد مما يبدو أنه أفضل ما يفعله الدماغ: تسجيل ذاكرات حوادث مثيرة

ومن ثم صمّمنا تجارب تستفيد من المزية التي تجعل الدماغ يؤدي على ما يبدو أفضل الأداء: ألا وهي تثبيت ذاكرات الأحداث المثيرة التي يمكن أن تكون لها تأثيرات عميقة في حياة المرء. فمشاهدة هجمات 11/9 أو النجاة من هزة أرضية أو حتى التهاوي المرعب ل13 طابقا في برج ديزني هي أشياء يصعب نسيانها. وهكذا طوّرنا اختبارات تقلِّد هذا النمط من الأحداث البارزة المشحونة انفعاليا؛ إذ إن خبرات كهذه تولّد ذاكرات قوية وطويلة الديمومة. ولقد فكرنا بأن تكويد مثل هذه الذاكرات المنيعة، يمكن أن يتضمن عددا كبيرا من الخلايا في الحصين، ولذلك يزيد احتمال أن نعثر على خلايا تتنشّط بهذه الخبرة وأن نجمع بيانات كافية لحل ألغاز أي أنماط ومبادئ ناظمة ضالعة في هذه العملية.

[أساسيات] مقر الذاكرة(***)

يُركِّز المؤلف وزملاؤه بحثهم على الحصين (المبين في صورة الدماغ البشري)، ولاسيما منطقة تسمى CA1، وهي مهمة لتشكيل ذاكرات الحوادث وتوجد في الإنسان والقوارض على السواء. وللتوصل إلى فهم أعمق للعملية، فقد طوّر هؤلاء الباحثون طريقة لتسجيل أنشطة أكثر من 200 خلية عصبية منفردة (أو عصبونات) في المنطقة  CA1بشكل متزامن لدى فئران يقظة وحرة الحركة.

 

تتفرع عصبونات CA1 بشكل مثير، وهي خاصية بارزة في هذا المصور الميكروي الذي يرسم خلايا عصبية فأرية مهيأة لإنتاج پروتين أصفر متألق.

وتتضمن الحوادث البارزة التي اخترناها نسخة مختبرية لزلزال (أثاره خضُّ وعاء صغير يحتجز فأرا)، وكذلك لتوجيه نفثة هوائية مفاجئة إلى ظهر الحيوان (تشبه انقضاض بومة من السماء)، وأيضا لسقوط حرّ وجيز داخل مصعد صغير (زوِّد بمرطبان حلوى كان لدينا في المختبر يوم ابتدأنا هذه التجارب). ولقد تم إخضاع كل حيوان لسبع وقائع من كل حادثة، بحيث يفصل بعضها عن بعض فترات سكون تدوم عدة ساعات. وقد سجلنا خلال هذه الحوادث ـ وخلال فترات السكون الواقعة بينها ـ نشاط ما يزيد على  260 خلية في المنطقة CA1 من الحُصَيْن، التي تمثل منطقة رئيسية لتشكيل الذاكرة لدى الحيوان والإنسان على السواء [انظر المؤطر في الصفحتين 44 و  45].

أنماط رائعة(****)

وبعد تجميع البيانات، حاولنا أولا استخلاص أيّ أنماط يمكن أن تكوِّد ذاكرات هذه الحوادث المريعة. فقمت، بالاشتراك مع <R.أوسان> (زميل آخر لمرحلة ما بعد الدكتوراه)، بتحليل التسجيلات مستخدِمَيْن طرائق استعراف قوية للنمط، ولاسيما التحليل المميِّز المتعدد (multiple  discriminant  analysis (MDA. ولولا هذه الطريقة الرياضياتية لواجهنا حل مسألة ذات عدد كبير من الأبعاد (فمثلا، فعاليات  260 عصبونا قبل حادثة ما وبعدها، قد يجعل عدد الأبعاد  520بعدا) داخل فضاء بياني  graphical space ذي ثلاثة أبعاد فقط. ومن المحزن بالنسبة إلى البيولوجيين المدرَّبين تدريبا كلاسيكيا، أن المحاور axes لم تعد تقابل أي قياس واقعي للنشاط العصبي، بل إنها ترسم فضاء رياضياتيا جزئيا mathematical  subspace قادرا على تمييز أنماط منفردة ولدتها حوادث مختلفة.

وحينما خطّطنا الاستجابات المجتمعة التي سجلتها كافة العصبونات من حيوان منفرد في هذا الحيز الثلاثي الأبعاد، حدثت فجأة أربع «فقاعات» مميزة لنشاط الشبكة: واحدة ترافق حالة سكون الدماغ وثانية ترافق الزلزال وثالثة ترافق النفثة الهوائية ورابعة ترافق سقوط المصعد. وهكذا فإن كل واحدة من وقائعنا المريعة سببت نمطا مميزا للنشاط في التوليفات العصبية (CA1). إننا نعتقد أن هذه الأنماط تمثل معلومات متكاملة عن نواح فكرية وانفعالية وواقعية للحوادث.

ولكي نعرف كيفية نشوء هذه الأنماط ديناميا أثناء تعرض الحيوانات لخبراتها المختلفة، قمنا بتطبيق تقنية «النافذة المنزلقة» sliding  windowلساعات تسجيل البيانات لكل حيوان ـ وذلك بالتنقّل عبر التسجيلات لحظة بلحظة وتكرار التحليل  MDA لكل نافذة مدتها نصف ثانية. ونتيجة لذلك، استطعنا أن نتصوّر كيفية تغيّر أنماط الاستجابات حينما يثبِّت الحيوان ذاكرات كل حادثة أثناء وقوعها. فبالنسبة إلى حيوان عاش زلزالا، على سبيل المثال، تمكنا من مراقبة مجمل النشاط المؤتلف الذي يبدأ في فقاعة السكون ويمتد إلى الفقاعة الزلزالية ومن ثم يعود إلى حالة السكون، راسما مسارا ذا شكل مثلثي مميّز.

لقد كشف هذا التحليل الزمني شيئا أكثر أهمية؛ إذ تكررت أنماط الفعالية التي رافقت تلك التجارب المريعة تلقائيا بفواصل زمنية تراوحت بين ثوان ودقائق بعد الحادثة الفعلية. وقد أظهرت إعادات العرض هذه مسارات متشابهة، بما في ذلك الشكل الهندسي المميز، ولكنها أبدت مطالات amplitudes أصغر من استجاباتها الأصلية. وتكرار حدوث أنماط الفعالية هذه يقدِّم تأكيدا بأن المعلومات الجائلة عبر منظومة الحصين قد تسجلت داخل دارات الذاكرة الدماغية ـ وإننا نتخيّل أن إعادة العرض هذه توافق إعادة تجميع للخبرة بعد الواقعة. وإن هذه القدرة على القياس التلقائي الكيفي والكمي لإعادة تفعيلات أنماط تكويد الذاكرة تفتح بابا لإمكانية رصْد كيفية توطيد الآثار الذاكرية المتشكلة حديثا في ذاكرات طويلة الديمومة، وكذلك لإمكانية فحص كيفية تأثُّر مثل هذه العمليات لدى الفئران الذكية والفئران المصابة بأذية في التعلُّم.

قدرة العُصْبات(*****)

وبمعرفتنا الأنماط الدالة على ذاكرات نوعية، سعينا إلى فهم كيفية العمل التشاركي بين العصبونات التي اخترناها عمليا لتكويد هذه الحوادث المختلفة. فمن خلال دمج وسيلة رياضياتية أخرى تسمى التحليل التجميعي التراتبي hierarchical  clustering analysis مع الطرائق  MDA المتوالية استطعت أن أكتشف، بالاشتراك مع <أوسان>، أنَّ هذه الأنماط ذات المستوى الشبكي المجمل إنما تولِّدها مجموعات جزئية متميِّزة لجمهرات populations عصبية أعطيناها لقب العُصْبة العصبية  neural cliques. ونقصد بالعصبة هنا مجموعة عصبونات تستجيب بشكل متماثل لحادثة منتقاة، ومن ثم تعمل بشكل جماعي كوحدة تكويد متماسكة.

 من خلال مشاهدة حيوان يعيش موقفا زلزاليا، نستطيع مراقبة مجمل نشاطه العصبي، الذي يبدأ في فقاعة السكون وينطلق إلى فقاعة الزلزال، ومن ثم يعود إلى حالة السكون

إضافة إلى ذلك، وجدنا أن كل حادثة نوعية تتمثل دائما بمجموعة من عُصْباتٍ عصبية تُكوِّد معالم مختلفة تتفاوت بين ما هو عام وما هو نوعي. وبالتحديد، تنشِّط واقعة الزلزال عُصْبة مريعة عامة general  startle clique(عُصبة تستجيب لجميع المنبهات المروعة الثلاثة)، كما تنشِّط عصبة ثانية لا تستجيب إلاّ للحوادث التي تتضمن اضطرابا حركيا فقط (مثل الزلزال وسقوط المصعد)، وهناك عصبة ثالثة تتنشط بالارتجاج حصرا، وعصبة رابعة تشير إلى مكان وقوع الحادثة (مع العلم أننا وضعنا الحيوان في واحدة من حاويتين مختلفتين قبل كل زلزلة). وهكذا فإن المعلومات الخاصة بهذه الحوادث البارزة إنما تتمثل في توليفات عُصْبات عصبية تنتظم تراتبيا  hierarchically دون ما تغيير (من العمومي إلى النوعي). ونحن نتصور هذا الانتظام التراتبي على أنه يشكل هرما مكوِّدا للمعالم حيث تكوِّد قاعدته خصيصة(3) عامة (مثل حادثة مروعة) وتمثل قمته معلومات أكثر نوعية (مثل «الارتجاج  shaking» أو «ارتجاج في الصندوق الأسود») [انظر البند 4 في مؤطر الصفحة  45].

[مكتشفات]

الخطوات الأولى للكشف عن كود الذاكرة(******)

للتوصل إلى استبصار بخصوص الكود الذي يستخدمه الدماغ لتثبيت الذاكرات، عمد المؤلف ومساعدوه إلى تحليل إشارات دماغية في سلسلة من الطرائق المبتكرة

1-خبرات مُسجَّلة
عرّض الفريق فئرانا لثلاث خبرات مريعة: نفثة هوائية على ظهر الفأر وسقوط في حاوية (يشبه سقوط المصعد) والارتجاج في قفص (يشبه الزلزال)؛ في حين قامت مسجِّلة بتخطيط الاضطرام firing الصادر عن عدد كبير من العصبونات  CA1. وكل صف في المخطط السفلي (من الزلزلة) يأسر اضطرام خلية منفردة طوال الوقت.

2-نمط تطبيقي لخوارزميات
الاستعراف recognition
قامت برمجية softwares بترجمة البيانات الصادرة عن فأر منفرد إلى مخطط ثلاثي الأبعاد يمثل نشاط توليفة كاملة من العصبونات المسجَّلة حين كان الحيوان في حالة سكون أولا وفي حالة معاناته حوادث مروعة ثانيا. وقد مكّنت مثل هذه المخططات الباحثين من قراءة ما كان يحصل للحيوان لدى مجرد رؤية حركة الإشارة المسجلة تتحرك ضمن حيز ثلاثي الأبعاد. (انظر قصاصة فيلم سينمائي على الوب: www.SciAm.com/ontheweb).

3-عُصبات تكويد مُكتشَفة
كشفت التحليلات الإضافية أن التوليفات العصبونية الناشطة أثناء حادثة ما إنما تضمُّ مجموعات جزئية تُعرف باسم عُصبات عصبية neural  cliques. وتبدي جميع الخلايا في عصبة ما أنماط اضطرام متشابهة جدا وليست جزءا من العصبات الأخرى.

4-التعضّي المُكتشف للذاكرات
أظهرت تحاليل أخرى أن كل عُصبة تكوِّدُ ناحية مختلفة من الخبرة، بدءا من العامة وانتهاءً بالنوعية. ويُصوِّر الكاتب هذا التعضّي التراتبي كهرم تقع فيه العُصبة الأكثر عمومية في الأسفل حسبما هو ظاهر أدناه فيما يخص حادثتين. (إن قدود «الطبقات» الهرمية لا تعبر عن عدد العصبونات في العُصْبات).

                  هرم سقوط مصعد                                                                  هرم زلزال أرضي

مجسم هرمي كثير السطوح لحادثة مروعة
إن أي هرم مفروض يمكن أن يكون أحد مكونات مجسّم هرمي كثير السطوح يمثل جميع الحوادث التي تنتمي إلى فئة معينة، مثل «جميع الحوادث المروعة».

5-نشاط دماغي مُترجَم إلى كود ثنائي
بعدئذ، قام الباحثون بتمثيل نشاط العُصبة على هيئة وتر  string لكود ثنائي يبرز تفاصيل الحادثة التي تعرض لها الحيوان. ففي أجزاء الوتر الظاهر هنا، يشير الرقم  1 إلى أن عُصبة معينة كانت ناشطة، ويشير الرقم 0 إلى أنها غير ناشطة (خاملة). ويمكن للترجمات الثنائية binary  translation للنشاط العصبي أن تثبت نفعها في عدة حقول، مثل مساعدة الباحثين على التوغّل في عقول أولئك الذين لا يستطيعون الكلام أو لتحسين تطوير الإنسالات (الروبوطات) التي تتحكم فيها الأفكار وحدها.

تستقبل منطقة الحصين CA1 مُدخلات  inputs من عدة مناطق دماغية ومن منظومات حسية. وفي الغالب، يؤثر هذا المَعْلَم في نمط المعلومات التي تكوِّدها عصبة معينة. وعلى سبيل المثال، فإن العصبة التي تستجيب لجميع الحوادث المروعة الثلاث تستطيع مكاملة معلومات واردة من اللوزة الدماغية amygdala(التي تعالج انفعالات كالخوف أو الخبرة المتعلقة بحادثة جديدة)، وبذلك فإنها تكود كون «هذه الحوادث مفزعة وتثير الصدمة». ونشير هنا إلى أن العُصْبات التي تتنشط بكل من الزلزال وسقوط المصعد، قد تكون من ناحية أخرى تعالج مدخولا يأتيها من الجهاز الدهليزي  vestibular system (الذي يقدم معلومات عن اضطراب حركي)، وبذلك فهي تكود كون «هذه الحوادث تجعلني أفقد توازني». وبطريقة مماثلة، فإن العُصْبات التي تستجيب فقط لحادثة معينة تجري في مكان معين، ربما تكون آخذة بمكاملة مدخول إضافي يرد إليها من خلايا المكان  place cells (وهي عصبونات تنقدح لدى مرور مخلوق عبر نقطة معينة مألوفة في بيئته)، ومن ثم فهي تكود كون «هذا الزلزال قد حدث في حاوية سوداء.»

الطريق إلى المعرفة(*******)

 توحي مكتشفاتنا بعدد من الأمور حول المبادئ الناظمة التي تحكُمُ تكويد الذاكرة

توحي نتائجنا بعدد من الأفكار حول المبادئ المنظِّمة التي تحكم تكويد الذاكرة. أولا، نحن نعتقد أن العُصْبات العصبية neural  cliques تعمل كوحدات تكويد وظيفية لإنشاء ذاكرات وأنها متماسكة بما يكفي لتمثيل معلومات، حتى إن كانت بعض العصبونات الإفرادية في التوليفة تختلف بشكل ما في نشاطها. ومع أن فكرة كون الذاكرات والإدراك قد تتمثل بوساطة جمهرات عصبية ليست بالأمر الجديد، فنحن نعتقد أننا نمتلك البيانات التجريبية الأولى التي تكشف كيفية انتظام مثل هذه المعلومات بشكل واقعي ضمن الجمهرة العصبية. فالدماغ يعتمد على عُصبات مُكوِّدة للذاكرة لغرض تسجيل واستخلاص المعالم المختلفة للحادثة بعينها، وهو بشكل أساسي ينظم المعلومات المتعلقة بحادثة ما ضمن هرم تُنظم مستوياته تراتبيا، بدءا من المعالم المجردة الأكثر عمومية وانتهاءً بالنواحي الأكثر نوعية. ونحن نعتقد أيضا أن كل هرم من هذا النوع يمكن اعتباره مكونا من مجسم كثير السطوح polyhedron يمثل جميع الحوادث المنتمية إلى فئة متشاركة مثل «كافّة الحوادث المروعة».

إن هذه المقاربة التراتبية التوليفية لتكوين الذاكرة تقدم للدماغ طريقة لإنشاء عدد غير محدود تقريبا من أنماط فريدة شبكية المستوى  network-level بغية تمثيل عدد لانهائي من الخبرات التي يمكن لكائن حي أن يواجهها خلال حياته ـ بما يشبه الطريقة التي يمكن أن تتحد بها أربعة «أحرف» أو نكليوتيدات لتؤلف جزيئات الدنا  DNA ضمن عدد غير محدود عمليا من الأنماط بقصد إنتاج ما يبدو تنوعا لانهائيا من كائنات حية على كوكب الأرض. وبالنظر إلى أن كود الذاكرة تبويبي وتراتبي  categorical and  hierarchical، بحيث يمثل خبرات جديدة، فإنه قد يتضمن استبدالا للعُصْبات النوعية التي تشكل ذرا أهرامات الذاكرة كي تشير، على سبيل المثال، إلى أن الكلب الرابض خلف السياج الآن هو «پودل» poodle وليس كلب الراعي الألماني، أو إلى أن الزلزال قد حدث في كاليفورنيا وليس في أندونيسيا.

كذلك فإن حقيقة كون كل هرم مكوِّد للذاكرة يتضمن دون تغيير عُصبات تعالج المعلومات ولا تستخلصها، قد تعزّز فكرة اعتبار الدماغ ليس فقط مجرد أداة تسجل كل تفصيل لحادثة معينة؛ بل بدلا من ذلك، فإن العُصْبات العصبية في منظومة الذاكرة تسمح للدماغ بأن يكود المعالم الرئيسية لوقائع نوعية وأن يستخلص في الوقت نفسه من هذه الخبرات معلومات عامة يمكن تطبيقها في موقف مستقبلي قد يشترك معها في معالم أساسية، ولكنه يختلف عنها في التفصيل الفيزيائي. وإن هذه المقدرة على توليد مفاهيم ومعارف مجردة من الوقائع اليومية إنما تمثل جوهر ذكائنا وتتيح لنا حل مشكلات جديدة في العالم المتغير باستمرار.

وماذا بعد؟(********)


يأمل 
المؤلف القيام مستقبلا بمحاولة الإجابة عن الأسئلة التالية، من بين أسئلة غيرها، فيما يتعلق بالفئران:

هل تقوم جمهرات فرعية لعصبونات داخل عُصبة معينة بتكويد نواح مختلفة لحادثة ما؟ فمثلا، هل تتضمن العصبات التي تسجل ذاكرات الخوف مجموعة جزئية تستجيب لشدة  intensity الخوف، في حين تقتصر مجموعة جزئية أخرى على تسجيل الطبيعة المرعبة لهذه الحادثة؟

كيف تختلف آثار الذاكرة (بمعنى تكرارات أنماط الاضطرام التي حصلت حين تثبتت الذاكرة لأول مرة) بعد الحادثة مباشرة وكيف تختلف كذلك بعد مدة طويلة من الحادثة؟ وكيف تنشأ الذاكرات الزائفة بمرور الزمن؟

كيف يمكن للكودات الثنائية المستخلصة من التأشير  signalling الكهربائي في الدماغ أن تستخدم لتنزيل الذاكرات والأفكار بشكل مباشر داخل الحواسيب، وكذلك للتحكُّم في الماكينات الإنسالية أو المساعَدة على مراقبة عمليات التعلم في زمن حقيقي؟

دعونا نأخذ، على سبيل المثال، مفهوم «السرير»  bed. فالناس يستطيعون الدخول إلى أي غرفة فندق في العالم ويتعرفون السرير بشكل مباشر، حتى لو لم يروا قط مثل هذا السرير. إن توليفاتنا المكودة للذاكرة هي التي تسمح لنا ليس فقط بتذكُّر صورة سرير معين، بل أيضا بمعرفة عامة عن ماهية السرير. وفي الواقع، لقد لمستُ مع زملائي إثباتا على ذلك لدى الفئران؛ إذ اكتشفنا بالمصادفة، في سياق تجاربنا، عددا صغيرا من عصبونات حُصينيّة يبدو أنها تستجيب للمفهوم المجرد «للمأوى»  nest. فهذه الخلايا ترتكس react بقوة لجميع أنماط المأوى، بغض النظر عمّا إذا كانت مستديرة أو مربعة أو مثلثية الشكل أو كانت مصنوعة من القطن أو من البلاستك أو من الصوف. أما إذا وضعنا قطعة من الزجاج فوق المأوى، بحيث يرى الحيوان المأوى ولكنه لا يتمكن من التسلق فوقه، فإن الخلايا الخاصة بالمأوى تتوقف عن الارتكاس. وهنا نستنتج أن هذه الخلايا لا تستجيب للمعالم الفيزيائية النوعية للمأوى، بمعنى مظهره أو شكله أو مواده؛ بل تستجيب لوظيفته، بمعنى أن المأوى مكان للتكوُّع فيه من أجل النوم.

هو صحن بالنسبة إليك، ومأوى بالنسبة إلي(*********)

يُدعّم عملٌ نشر حديثا فكرة كون بعضالعُصْبات العصبية في الحُصَيْن تكوِّدُ حقا مفاهيم مجردة. ويتبين أن بعض الخلايا لدى الفئران لا ترتكس react لأشياء ذات أشكال وحياكات مختلفة إلاّ إذا اشتملت هذه الأشياء في بنيتها على منخفضات depressionsيمكن بلوغها، وبذا تصلح أن تكون مأوى. وإذا قمنا بتغطية هذه المنخفضات فإن تلك الخلايا تتوقف عن الاستجابة.

فأر يسترخي في صحن يتصوّره مأوى nest

غالبا ما يمثل الانتظام التبويبي والتراتبي للعُصبات العصبية آلية عامة ليس فقط لتكويد الذاكرة، بل أيضا لمعالجة وتمثيل أنماط أخرى من المعلومات في الباحات  areas الدماغية خارج الحُصين، بدءا من الإدراكات الحسّيّة وحتى الأفكار الواعية. ويوحي بعض الأدلة بأن هذا الافتراض صحيح. ففي المنظومة البصرية، على سبيل المثال، اكتشف الباحثون عصبونات تستجيب «للوجوه»، بما في ذلك وجوه البشر والقردة أو حتى أوراق الشجر التي لها هيئة الوجه. ووجد آخرون غيرهم خلايا تستجيب فقط لبعض الوجوه. وبالعودة إلى الحُصَيْن، اكتشف الباحثون الذين يدرسون مرضى الصرع مجموعة جزئية subset من خلايا تتزايد معدلات اضطرامها  firing rates حين استجابتها لصور أشخاص مشهورين. ونشير في هذا الصدد إلى أن <I.فريد>  [من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس] سجّل، إضافة إلى ذلك، ملاحظة ساحرة عن وجود خلية معينة في حصين أحد المرضى يبدو أنها لا تستجيب إلاّ للممثلة هالّ بَرّي(4). (ربما كانت هذه الخلية جزءا من عُصْبة هالّ برّي!). ومثل هذه المشاهدات تُدعّم فكرة كون الانتظام التراتبي من العام إلى الخاص لوحدات معالجة المعلومات إنما يُمثِّلُ مبدأ تنظيم عام في جميع أرجاء الدماغ.

حول قراءة العقل البشري(**********)

إن تزايد قدرتنا على قراءة عقول الفئران يثير إمكانية محيّرة مفادها: إذا ما أمكن القيام بتسجيل متزامن لقدر كاف من العصبونات في دماغ الإنسان، فإن مثل هذه التسجيلات قد تجعل من الممكن كشف أفكار بشرية.

وبالتأكيد، كي نكون عمليين، يجب أن تكون هذه التقانة غير باضعة  noninvasive. صحيح إن الأدوات المتوافرة حاليا، مثل أجهزة التخطيط  EEG وأجهزة التصوير بالتجاوب المغنطيسي الوظيفي (MRI)، هي أجهزة غير باضعة لكنها غير كافية الحساسية. إنها تسجل متوسط الإشارات الصادرة عن ملايين الخلايا العصبية أو استهلاكها من الأكسجين. وقد يكون استخدام مثل هذه الأدوات شبيها بالتنصُّت من خارج ملعب مكتظ لكرة القدم على أية محادثة إفرادية تجرى فيه.

وإذا ما أمكن إيجاد طريقة حساسة فإن استخدامها يحتمل أن يحدِّد ما إذا كان الشخص الذي يبدو أنه في حالة إنباتية (إعاشية) vegetative  state يستطيع التفكير فعليا، أو ما إذا كان الشخص المصاب بمرض ألزايمر والذي لم يعد قادرا على التكلم، يستطيع فهم محادثة ما. إن قراءة العقل هذه يمكن أن تساعد أيضا على تشخيص الاضطرابات العقلية أو على تقدير صلاحية عمل بعض الأدوية. وإن وجود أجهزة أفضل لكشف الكذب قد يكون ممكنا كذلك.

وعلى الرغم من وجود مثل هذه الفوائد تبرز أسئلة رئيسية أخلاقية وفلسفية واجتماعية لابد من مواجهتها لها. صحيح إن كلا منّا قد يرغب في قراءة عقول الآخرين، ولكن من منّا يريد أن يقرأ آخرون أفكاره؟

                                                                                                           J.Z.T.

تذكُّر المجموعة الرقمية 11001؟(***********)

وكذلك فتح لنا عملنا على الفئران طريقا لمقارنة أنماط مأخوذة بين دماغ وآخر، ووصلَ الأمر حتى إلى تمرير معلومات من دماغ إلى حاسوب. فباستخدام معالجة رياضياتية تسمى انقلاب مصفوفة matrix  inversion، تمكنا من أن نترجم فعاليات توليفات عُصْبات عصبية إلى وتر كود ثنائي string  of binary  code، حيث يمثل الرقم  1 حالة ناشطة ويمثل الرقم 0 حالة غير ناشطة (خاملة)  inactive لكل وحدة تكويد ضمن توليفة معينة أخضعناها للفحص. فعلى سبيل المثال، يمكن تكويد ذاكرة زلزال ما بالمجموعة الرقمية 11001، حيث يمثل الرقم  (1) الأول تنشيط العصبة المريعة، ويمثل الرقم (1)الثاني تنشيط العصبة التي تستجيب لاضطراب حركي، ويشير الرقم (0) الأول إلى انعدام الفعالية في عصبة النفثة الهوائية، أما الرقم (0) الثاني فيشير إلى انعدام الفعالية في عصبة سقوط المصعد، ويدل الرقم (1) الأخير على تنشيط عصبة الزلزال. لقد قمنا بتطبيق كود ثنائي مماثل على النشاط التوليفي العصبي لدى أربعة فئران مختلفة، وتمكنا من التنبؤ بدقة بلغت 99 في المئة بنوع الحادثة التي اختبرتها الفئران وبالمكان الذي جرت فيه تلك الحادثة. وبعبارة أخرى، لقد سمحت عملية مسح scanning الكود الثنائي بقراءة عقول الحيوانات ومقارنتها رياضيّاتيا.

الفأر دوكي

جزيئات الذاكرة(************)

في عام 1949 افترض عالم النفس الكندي <O.D.هب> أن الذاكرة تتولد حينما تتآثر interact خليتان عصبيتان بطريقة تعمل على نحو ما على تقوية التأشير المستقبلي  futuresignaling عبر المشبك  synapse وهو نقطة التماس بين عصبونين. لكن لم يحدث حتى الثمانينات من القرن الماضي أن استطاع العلماء رؤية سريان قاعدة «هِب» في شرائح دماغية. فمن خلال تنبيه أزواج من العصبونات في الحصين بواسطة إلكترودات، وجد <H.ويكشتروم> وزملاؤه [من جامعة كوتنبرگ في السويد] أن تنشيط عصبون قبل مشبكي  presynaptic (وهو عصبون التأشير) في نفس وقت تنشيط عصبون بعد مشبكي postsynaptic (وهو العصبون المتلقي للإشارة) إنما يفضي إلى تعزيز كفاءة المشبك؛ بمعنى أن العصبون بعد المشبكي يغدو أكثر استعدادا للاستجابة للمقدار نفسه من المدخول  input الوارد من شريكه قبل المشبكي. وهنا اقترح هؤلاء الباحثون أن المستقبِل النمداوي (NMDA)، وهو پروتين معقد موجود في أغشية العصبونات بعد المشبكية، قد قام بدور مكشاف للتوافق مسؤول عن هذه التقوية العصبية.

ولاختبار هذه الفرضية، قرر مختبرنا إجراء معالجة وراثية لنسخة من المستقبل النمداوي NMDA، تظهر بأشكال مختلفة. وقد أكّدنا أن الفئران البالغة المفتقرة للمستقبلات النمداوية في الحصين قد أبدت أعوازا شديدة في الذاكرة. ولكننا أظهرنا أيضا أن العكس صحيح؛ فحينما عزّزنا إنتاج وحدة فرعية لمستقبل نمداوي نوعي (وهو المعروف بالرمز NR2B) في الحصين وفي قشرة المخ، تعلّمت سلالة الفئران الحاصلة (وهي التي أسميناها «دوگي») بشكل أسرع، كما احتفظت بالذاكرات لمدة أطول مما فعلته نظائرها الفئران غير المعدلة.

ونعتقد أن تنشيط المستقبل النمداوي (وإعادة تنشيطه) يمكن أن يفيد في تسجيل أنماط النشاط المؤتلفة للعصبونات العصبية التي تكود الذاكرات، ومن ثم في وصل آثار الذاكرة الواردة من المستوى الجزيئي إلى المستوى الشبكي.

                                                                                                          .J.Z.T

ويمكن أيضا لمثل هذا الكود الثنائي للدماغ أن يقدم إطار عمل موحَّد الاحتمال لدراسة الاستعراف cognition حتى على امتداد الأنواع الحيوانية، ويمكنه أيضا أن يسهل إلى حد كبير تصميم اتصالٍ متساوقٍ تماما(5) في زمن حقيقي(6) بين الدماغ والآلة. فعلى سبيل المثال، لقد جهزنا منظومة تحوِّل النشاط العصبي لفأر يعيش زلزالا إلى كود ثنائي يرشد إلى تدبير هروب يسمح للحيوان بمغادرة حاوية الارتجاج. ونحن نعتقد أن مقاربتنا تقدم بديلا حدسيا أكثر لفك الكود لغرض توفير الطاقة لمختلف الأدوات التي أتاحت حتى الآن لمرضى مُزوّدين بغرائس implante عصبية بأن يتحكموا في مؤشر على شاشة الحاسوب أو لقرد بأن يحرك ذراع إنسالة عن طريق استخدام إشارات مسجلة من قشرته المخية المحركة  motor cortex. إضافة إلى ذلك، فإن معالجة كودات الذاكرة في الزمن الحقيقي بالدماغ قد تؤدي في يوم من الأيام إلى تنزيل(7)  dowmloading الذاكرات بشكل مباشر إلى حاسوب من أجل تخزين رقمي دائم [انظر: «حياة رقمية»،مجلة العلوم، العدد 4 (2007) ، ص  34].

إضافة إلى ذلك، بدأنا ومهندسون آخرون للحاسوب بتطبيق ما تعلمناه عن تعضية  organization جهاز الذاكرة في الدماغ بغية تصميم جيل جديد كليا من حواسيب ذكية ومنظومات ذات شبكات متراكزة(8)، لأن الأجهزة الحالية تخفق إلى حد كبير في مجال صنع القرار الاستعرافي الذي يجده الإنسان أمرا سهلا، مثل تعرف رفيق المدرسة الثانوية حتى لو أطلق شعر لحيته وبلغ من العمر  20عاما. وفي يوم من الأيام قد تتمكن الحواسيب الذكية والآلات المزودة بحساسات متقنة وبمعمارية منطقية logical  architecture مشابهة للتعضّي التبويبي التراتبي للوحدات المكودة للذاكرة في الحصين من القيام بأكثر من مجرد التقليد، وربما تتعدى مقدرتنا البشرية على تنفيذ مهام استعرافية معقدة.

وبالنسبة إليّ، فإن اكتشافاتنا تثير عدة إمكانيات فلسفية مهمة ـ وغير مثيرة للأعصاب. فإذا أمكن ترجمة جميع ذاكراتنا ومشاعرنا ومعارفنا وخيالاتنا إلى واحدات وأصفار، فمن يعرف ماذا سيعني ذلك بالنسبة إلى من نحن منهم وكيف سنتصرف في المستقبل. هل سنتمكن بعد 5000 سنة من تنزيل (تحميل) عقولنا على حواسيب والسفر إلى عوالم بعيدة والعيش أبدا في الشبكة؟


المؤلف

  Joe Z. Tsien

  أستاذ الفارماكولوجيا والهندسة الطبية البيولوجية (الحيوية)، ورئيسُ مركز منظومات البيولوجيا العصبية في جامعة بوسطن. وقد حقق إسهامات كبيرة لفهم التعلم والذاكرة. ويُعدُّ رائدا في تطوير تقنيات فصل الجينات أو الپروتينات في زمن معين ونسيج معين. وقد قدَّم إسهامات رئيسية في عام 1999 في جامعة برينستون، حينما ولّد سلالة فأر ذكي يلقب «دوگي»، الذي تعلَّم بشكل أسرع وتذكَّر الأشياء مدة أطول من الفئران المختبرية المعهودة. وحديثا أسّس <تسيين>، الذي انتقل إلى جامعة بوسطن في عام 2004، معهد شنگهاي للجينومات الدماغية الوظيفية، في الجامعة East China Normal University التي تخرّج فيها.


  مراجع للاستزادة  

the Oxford Handbook of Memory. E. Tulving and F.I.M.Craik. Oxford University press, 2000.

Identification of Newwork-Level Codinf Units for Real-Time Representation od Episodic Experiences

 in the Hippocampus. L. Lin, R. Osan, S.Shohman, W. Jin, W. Zuo and J.Z. Tsien in proceedings of the

 National Academy of Sciences USA, Vol. 102, No. 17, pages 6125-6130; April 26, 2005.

Organizing Principles of Realtime Memory Encoding: Neural clique Assemblies and Universal Neural

codes. L. Lin , R. Osan and j.Z. 29, No. 1, pages 48-57; January 2006.

Neural Encoding of the concept of Nest in the Mouse Brain. L. Lin, G. Chen, H. Kuang, D. Wang

and J.Z. Tsien in proceedings of the National Academy od Sciences USA, Vol. 104, No. 14. pages 6066-6071;

 April 3, 2007. 


(*) THE MEMORY CODE

(**) DOOGIE RAISES QUESTIONS

(***) A SEAT OF MEMORY

(****) Startling Patterns

(*****)The Power of Cliques

(******) FIRST STEPS TO UNCOVERING THE MEMORY CODE

(*******) The Road to Knowledge

(********) WHATS NEXT?

(*********) TO YOU, A DISH TO ME, A NEST

(**********) ON HUMAN MIND READING

(***********) Remember 11001?

(************) MOLECULES OF MEMORY


(1) robots  ج: إنسالة وهذه نحت من إنسان-آلي ومنها نشتق إنسالية robotics.

(2) nmda receptor

(3) characteristic

(4) (… – 1966) Halle Berry   الممثلة الأمريكية الإفريقية الوحيدة التي حازت جائزة أفضل ممثلة. وكانت ملكة جمال أمريكا عام 1986.  (التحرير)

(5) seamless

(6) real-time

(7) أو تحميل.

(8) network-centric systems

 (9) معلومات إضافية على الويب

*مجلة العلوم

error: المحتوى محمي