كنت لا أميّز الألوان – زينب الخضيري

كنت لا أميّز الألوان – زينب الخضيري

 زينب نائل الخضيري، ماجستير ضعف وتقويم البصر وأخصائية عسر القراءة البصرية ومهتمة باعتلال إدراك الألوان


 

قصة حقيقية لأم عاشت حياتها بلا ألوان:

في الرابع من نوفمبر سنة 2015 وردتني هذه الرسالة النصية على هاتفي من أحد المريضات اللاتي يراجعن العيادة:

 

“اليوم الأول، هو أول يوم أرتدي فيه نظارتي، وللمرة الأولى في حياتي شعرت أن عيني تقعان على كل الألوان، أو بالأحرى كأن الألوان بارزة من أماكنها لأراها.

ولعلي وبسبب عمى الألوان تبرمجت على عدم التدقيق على ألوان الأشياء من حولي وتجاهلتها؛ فلست أنتبه أبدا لألوان ملابس الناس، ولا ألوان السيارات، وحتى الأدوية، قد أُسئل عن الدواء الذي لونه كذا؟ فلا أعرف!

كان أكثر ما يزعجني متابعة أبنائي الصغار، فلم أكن ألاحظ أي تغير في الألوان على جلودهم أو أعينهم، إلا إذا نبهني أحد، كنت لا أعرف إن كان قيؤهم به دم أم لا!!

ولأول مرة – مع النظارة- أرى مفتاح منزلي الأزرق، الذي طالما نعته بالأخضر. وكم بدا زر الإجابة في الجوال أخضرا جميلا وقد كنت أراه أحمرا!

الألوان نعمة في حياة الإنسان، قد لا يعي تماما معناه إلا من حُرم من رؤيتها.”

 

ما هو عمى الألوان

إن عمى الألوان يعني عدم القدرة على تمييز الألوان الرئيسية الثلاثة: الأحمر والأخضر والأزرق أو اللون الناتج عن خلطهم وذلك نتيجة خلل في وظيفة بعض الخلايا المخروطية المسؤولة عن هذه الألوان الثلاثة في الشبكية. هو في الغالب وراثي حيث أن هناك من يرى العالم بلا ألوان تماما اي بالأبيض والأسود، إلا أن هذه حالة نادرة جدا. وكي نفهم هذه الحالة الخاصة جدا علينا أن نغوص عميقا جدا وبشكل مايكروسكوبي دقيق في خلايا شبكية العين كي ندرك كيف لنا أن نرى الألوان وما الذي يسببه اعتلال في تلك الخلايا المسئولة عنها. فشبكية العين تحتوي على نوعين من الخلايا المسئولة عن التقاط الضوء:

1-   الخلايا النبوتية (Rods) والتي تساعدنا على إدراك حركة الأشياء وخيالها في الظلمة، دون الألوان.

2- الخلايا المخروطية (Cones) وهي تساعدنا على رؤية الأشياء وتفاصيل الألوان في الضوء وهي مقسمة إلى ثلاثة خلايا مخروطية رئيسية كل واحدة منها تتفاعل وتنقل إشارات للدماغ عن لون محدد (الأحمر أو الأخضر أو الأزرق) حيث تستقبل موجة الضوء المنعكسة من الأجسام إلى العين وتحولها إلى شحنات كهربائية تتنقل إلى المخ عن طريق العصب البصري. لتنتقل بعدها إلى النواة الركبية الوحشية

 (lateral geniculate nucleus) ، المقسمة إلى ستة أقسام، الأربعة العلوية منها مسئولة عن دقة التمييز المكاني (spatial resolution) والألوان ثم منها إلى القشرة البصرية الموجودة في الفص الخلفي من الدماغ ليتعرف على الألوان.1

إن العامل الوراثي هو أحد أهم أسباب نقص وظائف أحد أو بعض أنواع الخلايا المخروطية في الشبكية إلا أن هناك عوامل مكتسبة أيضا مثل تقدم السن وتلف العصب البصري نتيجة ارتفاع ضغط العين أو ما يسمى بالماء الأزرق، التهاب مركز الإبصار نتيجة استخدام بعض الأدوية واعتلالات الشبكية أو تضرر الدماغ.2

صورة توضح كيف يرى الشخص الطبيعي والشخص المصاب بعمى الالوان

coloor

تشخيص عمى الألوان:

يوجد العديد من الاختبارات التي تساعد على تشخيص عمى الألوان من أشهرها

ISHEHARA COLOR VISION TEST اختبار إيشيهارا

col

سمي اختبار إيشيهارا على اسم العالم الياباني شينبو (Shinbou Ishihara). ويستخدم لاختبار عمى الألوان للونين الأحمر والأخضر وهو الشائع. يأتي الاختبار على هيئة كتيب صغير من 38 لوحة فيها بقع مختلفة الألوان وأرقام حيث يطلب من الشخص المصاب قراءة هذه الأرقام ويسجل عدد الأخطاء. ويعتبر الشخص مصاب بعمى الألوان إذا لم يستطع قراءه أكثر من 10 أرقام، كما يوجد كتيب خاص بالأطفال يتميز بالأشكال عوضا عن الأرقام.coloooor

علاج عمى الألوان:  
إذا كان الشخص يعاني من عدم القدرة على تمييز الألوان فيجب عليه مراجعة طبيب العيون حيث يمكن معالجة مشاكل عمى الالوان المكتسبة أما بالنسبة للوراثية فيمكن للمريض أن يستخدم عدسات كروماجين وهي عبارة عن 8 عدسات هالوسكوبية بألوان مختلفة تعمل بتقنية خاصة بتغيير أطوال الموجات لكل لون يتجه إلى العين الواحدة أو العينين، وهذا يرفع من درجة إدراك اللون.

 

في دراسة نُشرت مجلة البصريات الجنوب أفريقية (South African Optometrist) المنشورة عام 2011 تحت عنوان عدسات الكروماجين والإدراك المعتل الألوان

(Chromagen Lenses and abnormal color perception) خَلُص الباحثون بعد دراسة أثر عدسات الكروماجن على 13 شخص حيث استخدمت الإيشيهارا لتشخيص اعتلال رؤية الألوان في أطفال المدارس في المملكة لعربية السعودية بأن يمكن لتلك العدسات أن تحسن من إدراك رؤية الألوان في بعض حالات قصور رؤية الألوان (الأحمر- الأخضر) على أن يُعامل كل شخص مصاب باعتلال إدراك الألوان كحالة مستقلة بذاتها.2

قد يغير عمى الألوان من مجرى حياة الأشخاص المصابين به وقد يزيد من صعوبة تعلم القراءة، وقد يحد من إمكانية التقدم في العمل في مجالات معينة. إلا أن أولئك الذين يعانون من عمى الالوان، سواء الاطفال منهم او البالغين، يستطيعون مع الوقت التأقلم والتعويض عن عدم قدرتهم على رؤية ألوان معينة. مثل تغيير لون الشاشة والصفحة الالكترونية أو القراءة باستخدام ورق ملون بدلا من الورق الابيض.

 

 


1- http://bit.ly/264gLvX

2-انظر حالة الرسام المصاب بعمى الألوان في:

 An Anthropologist On Mars: Seven Paradoxical Tales, Oliver Sacks.

3- http://avehjournal.org/index.php/aveh/article/view/101

error: المحتوى محمي