كارل ماركس – موسوعة ستانفورد للفلسفة

كارل ماركس – موسوعة ستانفورد للفلسفة

د. جونثان وولف، بروفيسور الفلسفة في جامعة إكسفورد، ومتخصص في كتابات كارل ماركس

د. جونثان وولف، بروفيسور الفلسفة في جامعة إكسفورد، ومتخصص في كتابات كارل ماركس


حول حياة كارل ماركس وأعماله، وكتاباته المبكرة، وحول فكرته في المسألة اليهودية، ونظريته في الاقتصاد، ونقده لفلسفة الحق عند هيغل؛ نص مترجم لد. جوناثان وولف، من ترجمة: مصطفى سامي رفعت، والمنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة. نسخة PDF


 لا يعد كارل ماركس (١٨١٨ – ١٨٨٣) معروفا كفيلسوف بقدر ما هو معروف كثوري، حيث ألهمت أعماله العديد من أنظمة الحكم الشيوعية التي تأسست في القرن العشرين، ومن الصعب أن تجد أشخاصاً كان لهم نفس التأثير في خلق العالم بشكله الحديث. بدأ ماركس بتعلم الفلسفة، لكنه قرر الانتقال من الفلسفة إلى الاقتصاد والسياسة حين كان عمره في منتصف العشرينيات. بالرغم من ذلك، وبالإضافة إلى أعماله الفلسفية المبكرة فقد كانت كتاباته اللاحقة ذات صلة بالنقاشات الفلسفية المعاصرة، خصوصاً فيما يتعلق بفلسفة التاريخ، العلوم الاجتماعية، وفلسفة الأخلاق والسياسة.  المادية التاريخية – نظرية ماركس عن التاريخ – تتمحور حول الفكرة القائلة بأن الاشكال الاجتماعية تصعد وتنهار بمقدار نمو الطاقة الإنتاجية البشرية، حيث يرى ماركس التاريخ كسلسلة حتمية من أنماط الإنتاج التي يشكلها الصراع الطبقي، الذي يبلغ ذروته وصولا إلى الشيوعية. إن تحليل ماركس للرأسمالية يقوم على نظريته الخاصة بقيمة العمل، كما يتضمن تحليلاً للربح الرأسمالي باعتباره استخلاص فائض القيمة من طبقة البروليتاريا المستغَلة، ويجتمع التحليل التاريخي والاقتصادي معاً في توقع ماركس للانهيار الحتمي للرأسمالية، ليتم استبداله بالشيوعية. على الرغم من ذلك، رفض ماركس التكهن بالتفصيل عن طبيعة الشيوعية، معللاً ذلك بأنها ستنشأ عن عمليات تاريخية وليس لتحقيق نموذج أخلاقي معدّ مسبقاً.

 

١. حياة ماركس وأعماله
٢. الكتابات المبكرة
٢. ١. في المسألة اليهودية
٢. ٢. مساهمة في نقد فلسفة الحق لهيجل: مقدمة
٢. ٣. مخطوطات ١٨٤٤
٢. ٤. أطروحات حول فيورباخ
٣. الاقتصاد
٤. نظرية التاريخ
٤. ١. الأيديولوجيا الألمانية
٤. ٢. مقدمة ١٨٥٩
٤. ٣. التفسير الوظيفي
٤. ٤. العقلانية
٤. ٥. التفسيرات البديلة
٥. الأخلاق
. قائمة المراجع
. الأدوات الأكاديمية
. موارد الانترنت الأخرى
. المدخلات ذات الصلة


 

 

 

١. حياة ماركس وأعماله

ولد كارل ماركس في مدينة ترير بألمانيا سنة ١٨١٨ لعائلة يهودية تحولت بعد ذلك إلى المسيحية، لكي يستطيع والده الاستمرار في مساره الوظيفي كمحامي، وذلك تبعًا لقوانين بروسيا المعادية لليهود.
درس ماركس القانون في مدينتي بون وبرلين، في مراحل دراسته المبكرة، وحصل على درجة الدكتوراة في الفلسفة، وكانت أطروحته تتناول مقارنة بين رؤى كل من ديمقريطس وأبيقور. أمل ماركس في عام ١٨٤١ أن يجد وظيفة أكاديمية كنتيجة لحصوله على درجة الدكتوراة، لكنه تورط مع مجموعة من المفكرين المتطرفين الذين أفقدوه أي أمل حقيقي في حدوث ذلك. ومع اتجاهه للعمل في مجال الصحافة؛ تورط ماركس سريعًا في مشاكل سياسية واجتماعية، ووجد أن عليه أن يضع فكرة الشيوعية موضع اهتمام. تبرز أربعة من كتابات ماركس المبكرة بشكل خاص: “مساهمة في نقد فلسفة الحق لهيجل: المقدمة”، و”في المسألة اليهودية” اللذان كتبا عام ١٨٤٣، ثم “المخطوطات الاقتصادية والفلسفية” التي كتبت في باريس عام ١٨٤٤، وأخيراً “أطروحات حول فيورباخ” وكتبت عام ١٨٤٥ لكنها لم تنشر في حياة ماركس .

كان كتاب “الأيديولوجيا الألمانية” الذي كتبه ماركس عام ١٨٤٥ بالاشتراك مع انجلز هو نقطة البداية في تطوير نظريته في التاريخ، إلا إن “البيان الشيوعي” هو بلا شك أكثر أعمال ماركس قراءةً، حتى ولو لم يكن هو المعبر الأفضل عن أفكاره، وقد تمت كتابته بالاشتراك مع انجلز وتم نشره في جو من الإثارة حيث كان ماركس عائداً من منفاه إلى ألمانيا للمشاركة في ثورة ١٨٤٨.

انتقل ماركس مع فشل الثورة إلى لندن، حيث استقر لبقية حياته، وبدأ في التركيز على دراسة الاقتصاد والإنتاج حيث قام عام ١٨٥٩ بكتابة “مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي” والتي رسم في مقدمتها ما يسميه ‘ المبادئ التوجيهية ‘ لأفكاره، والتي تقوم عليها العديد من التفسيرات للمادية التاريخية. إن العمل الاقتصادي الرئيسي لماركس هو بالطبع كتاب “رأس المال” والذي نشر المجلد الأول منه عام ١٨٦٧، وبالرغم من ذلك كان المجلد الثاني الذي قام انجلز بتكملته ونشره بعد وفاة ماركس عام ١٨٩٤ أكثر إثارة للاهتمام. وأخيرا فإن كراس “Kritik des Gothaer Programms “، نقد برنامج جوتة (١٨٧٥) هو مصدر مهم لتصورات ماركس عن طبيعة وتنظيم المجتمع الشيوعي.

إن الأعمال المذكورة حتى الآن ليست إلا جزءاً ضئيلاً من مؤلفات ماركس ، والتي تصل الى حوالي 100 مجلد كبير عند جمعها. ومع ذلك فإن الأعمال الموضحة أعلاه تمثل النواة الأهم من جانب ارتباط ماركس بالفلسفة، بالرغم من أن الأعمال الأخرى مثل “الثامن عشر من برومير- لويس نابليون” (١٨٥٢) غالبا ما تعتبر مهمة بنفس القدر في تقييم تحليل ماركس للأحداث السياسية الملموسة. وفيما يلي سيتم التركيز على النصوص والقضايا التي حظيت بالاهتمام الأكبر في الأدب الفلسفي الأنجلو أمريكي.

 

٢. الكتابات المبكرة

كان تأثير هيجل يسيطر على المناخ الفكري الذي يعمل به ماركس ، وأيضا تأثير مجموعة الهيجليين الشباب الذين رفضوا ما اعتبروه التداعيات المحافظة لأعمال هيجل. كان أهم هؤلاء المفكرين هو فيورباخ الذي حاول تغيير الميتافيزيقا الهيجلية، وبالتالي قدم نقدا لمعتقدات هيجل عن الدين والدولة. كُتب جزء كبير من المحتوى الفلسفي لأعمال ماركس في أوائل أربعينيات القرن التاسع عشر، ليسجل صراعه لتحديد موقفه الشخصي من الرد على هيجل وفيورباخ وبقية الهيجليين الشباب.

 

٢. ١. في المسألة اليهودية

في هذا النص يبدأ ماركس توضيح موقفه من الليبراليين الراديكاليين المتواجدين بين الهيجليين الشباب، على وجه الخصوص برونو باور. كان باور قد قام لتوه بالكتابة ضد التحرر اليهودي من وجهة نظر لادينية، مجادلا أن كلا من الدين اليهودي والمسيحي يقفان عائقا أمام التحرر. في رده على باور، استخدم ماركس منذ الكتابات المبكرة واحدة من أكثر الحجج الدائمة له، وهي التمييز بين التحرر السياسي -ضمان الحقوق والحريات الليبرالية بالأساس- والتحرر الإنساني؛ وكان رد ماركس على باور أن التحرر السياسي يتناسب تماما مع استمرار تواجد الدين، والمثال المعاصر الذي يبرهن على ذلك هو الولايات المتحدة. بالرغم من ذلك تم دفع الأمور في اتجاه أكثر عمقا، في حجة أعادها عدد لا يحصى من منتقدي الليبرالية، يقول ماركس إن التحرر السياسي ليس فقط غير كافٍ لتحقيق الانعتاق البشري، بل إنه يشكل أيضاً حاجزاً ما.

تستند الحقوق والأفكار الليبرالية عن العدالة إلى فكرة أننا نحتاج للحماية من البشر الآخرين الذين يشكلون تهديدا لحريتنا وأمننا. لذا فإن الحقوق الليبرالية هي حقوق الانفصال التي تم تصميمها لحمايتنا من مثل هذه التهديدات المتصوَرة، فالحرية في هذا الرأي هي التحرر من التدخل. مايغفله هذا الرأي -من وجهة نظر ماركس – أن الحرية الحقيقية يمكن تحقيقها بشكل إيجابي في علاقاتنا مع بقية البشر، ويمكن العثور عليها في المجتمع البشري وليس في الانعزال عنه. وبناءً على ذلك، فإن الإصرار على هذا النظام للحقوق يشجعنا على النظر إلى بعضنا بطريقة تعوق إمكانية تحقيق الحرية الحقيقية التي يمكننا ايجادها في التحرر البشري.
علينا أن نوضح الآن أن ماركس لا يعارض التحرر السياسي حيث يرى أن الليبرالية هي تطور عظيم بالنسبة لأنظمة الإقطاع والتعصب الديني والتمييز الموجودين في ألمانيا في عصره. ومع ذلك، يرى أنه يجب تجاوز هذه الليبرالية الخاصة بالتحرر السياسي إلى التحرر البشري الحقيقي. ولسوء الحظ، لم يخبرنا ماركس أبدا ما هو التحرر البشري، رغم أنه من الواضح أن له علاقة بفكرة العمل المغترب والتي سنستكشفها فيما يلي.

 

٢. ٢. مساهمة في نقد فلسفة الحق لهيجل: مقدمة

كان هذا العمل حيث كتب ماركس عبارته أن “الدين أفيون الشعوب”، وأنه مسكن مؤذِ، ومولد للأوهام، وهنا وضع ماركس رؤيته للدين بأكثر تفاصيلها. وعلى نفس القدر من الأهمية، فإن ماركس يدرس أيضاً مسألة كيفية تحقيق الثورة في ألمانيا، ويحدد دور البروليتاريا في تحقيق تحرر المجتمع ككل.

فيما يتعلق بالدين، قبل ماركس تماما ادعاء فيورباخ بمقابل النظرية التقليدية القائلة بأن البشر قد اخترعوا الإله في صورته الشخصية. كانت مساهمة فيورباخ تنص على أن عبادة الله قد أثنت البشر عن التمتع بقواهم البشرية الخاصة. وفي حين يقبل ماركس الكثير من روايات فيورباخ، فإنه ينتقد فيورباخ على أساس أنه فشل في فهم سبب سقوط الناس في العزلة الدينية، وهو بالتالي غير قادر على شرح كيف يمكن تجاوزها. يبدو أن رأي فيورباخ هو أن الإيمان بالدين هو خطأ فكري محض ويمكن تصحيحه عن طريق الإقناع، بينما يفسر ماركس الدين على أنه رد فعل على الاغتراب في الحياة المادية، وبالتالي لا يمكن إزالته حتى يتم تحرير الحياة المادية للإنسان، وعندها سيتلاشى الدين. لم يتم تحديد ما يخلق الدين في الحياة المادية على وجه الدقة بشكل كامل، لكن يبدو أن نوعين من الاغتراب على الأقل مسؤولان عن ذلك. الأول هو العمل المغترب، والذي سنستكشفه قريبا، والثاني هو حاجة البشر لتأكيد جوهرهم الطائفي. وسواءً اعترفنا بذلك أم لا، فإن البشر يتواجدون كمجتمع، وما يجعل حياة الإنسان ممكنة هو اعتمادنا المتبادل على الشبكة الواسعة للعلاقات الاجتماعية والاقتصادية التي ننغمس فيها جميعًا ، على الرغم من أنه نادرًا ما يتم الاعتراف بهذه الحقيقة في حياتنا اليومية. يبدو أن وجهة نظر ماركس هي أنه يجب علينا، بطريقة أو بأخرى، أن نعترف بوجودنا المشترك في مؤسساتنا. في البداية كان الخداع يتم باسم الدين بخلق صورة مزيفة عن مجتمع نتساوى فيه جميعا في نظر الإله. بعد تجزئة وإعادة تشكيل الدين بعد الإصلاح، حيث لم يعد الدين قادراً على لعب نفس الدور في خلق مجتمع المساواة المزيف، قامت الدولة بملأ هذا الفراغ من خلال تقديم وهم مجتمع المواطنة، حيث يتساوى الجميع في نظر القانون. ومن المثير للاهتمام أن الدولة الليبرالية اللازمة لإدارة سياسات التنوع الديني تأخذ الدور الذي قدمه الدين في عصور سابقة بتقديم شكل من أشكال المجتمع المزيف. لكن كلا من الدولة والدين يتم تجاوزهما عندما يتم إنشاء مجتمع حقيقي قائم على المساواة الاجتماعية والاقتصادية.

بالطبع علينا الإجابة على السؤال: كيف يمكن خلق هذا المجتمع؟ ومن المثير للاهتمام قراءة ماركس هنا في ضوء أطروحته الثالثة عن فيورباخ حيث ينتقد نظرية بديلة. تفترض المادية التقليدية لروبرت أوين وغيره أن البشر محكومون بالكامل بظروفهم المادية، وبالتالي لتحقيق المجتمع المتحرر من الضروري إجراء التغييرات الصحيحة على تلك الظروف المادية. ومع ذلك، كيف يتم تغيير تلك الظروف؟ هل بواسطة رجل مستنير مثل أوين يمكنه أن يكسر بأعجوبة السلسلة الحازمة التي تربط الجميع؟ إن رد ماركس في كل من الأطروحات والنقد هو أن البروليتاريا لا يمكنها أن تتحرر إلا بواسطة حركة تحولاتها الذاتية. في الواقع، اذا لم يخلقوا الثورة بأنفسهم -بالتحالف بالطبع مع الفيلسوف- فلن يكونوا مناسبين لاستلامها.

 

٢. ٣. المخطوطات الاقتصادية والفلسفية

تغطي المخطوطات الاقتصادية والفلسفية مساحة واسعة من الموضوعات، بما في ذلك الكثير من النقاط المثيرة للاهتمام حول الملكية الخاصة والشيوعية، وحول النقود أيضاً، بالإضافة إلى تطوير نقد ماركس لهيجل. ومع ذلك، فإن أهمية المخطوطات الكبرى تنبع من احتواءها على تفسير نظرية الاغتراب، حيث يشرح ماركس معاناة العامل في ظل النظام الرأسمالي من أربعة أنواع من الاغتراب: الأول، وهو اغترابه عن العمل المنتَج الذي يتم إبعاده عن صانعه بمجرد الانتهاء من صناعته. والثاني عن النشاط الإنتاجي “العمل” الذي يُعتبر بمثابة عذاب للعامل. أما الثالث فهو اغترابه عن طبيعته البشرية، فهو يعمل بشكل أعمى طبقاً للتوجيهات وليس طبقا لقوى الإنسان الفعلية. وأخيراً اغترابه عن العمال الآخرين، حيث تحل علاقات التبادل محل التعاون لتحقيق المصالح المشتركة.

إن التداخل بين هذه المفاهيم في بعض النواحي ليس مفاجئًا بالنظر إلى طموح ماركس المنهجي الملحوظ في هذه الكتابات. وبشكل أساسي، فهو يحاول تطبيق الاستدلال الهيجلي على المفاهيم الاقتصادية، في محاولة لإثبات أن كل مفاهيم الاقتصاد البرجوازي -الأجور، الإيجار، التبادل، الربح، الخ- مستمدة في النهاية من تحليل مفهوم الاغتراب. وبالتالي فإن كل نوع من أنواع الاغتراب من المفترض أن يتم الاستدلال عليه من النوع السابق له. ومع ذلك، فإن ماركس لم يذهب إلى أبعد من الاستدلال على كل نوع من أنواع الاغتراب من الآخر. من المحتمل جدا أن ماركس قد أدرك أثناء الكتابة الحاجة إلى منهجية مختلفة للتغلب على المشكلات الاقتصادية. بالرغم من ذلك، فقد ترك لنا ماركس نصاً غنياً جداً حول طبيعة العمل المغترب. إن فكرة عدم الاغتراب يمكن الاستدلال عليها من عكس فكرة الاغتراب، بمساعدة مقطع قصير في نهاية النص “عن جيمس ميل” حيث تم اشتراط أن يضمن العمل غير المغترب كلا من استمتاع المنتج المباشر بعمله كتأكيد لقواه البشرية، وكذلك أن يلبي الإنتاج احتياجات الآخرين كتأكيد للتعاون المتبادل بين البشر. هنا يتم الكشف عن كلا الجانبين من طبيعتنا البشرية: القوى الإنسانية الفردية، وانتماءنا للمجتمع الإنساني ككلّ.

من المهم أن نفهم أن الاغتراب الماركسي ليس مجرد مسألة شعور أو ارتباك شخصي. إن الجسر الواصل بين تحليل ماركس المبكر للاغتراب وبين نظريته الاجتماعية لاحقاً هو اعتبار الفرد المغترب دمية بيدِ قوىً غريبة، وإن كانت هذه القوى الغريبة نفسها هي نتاج النشاط البشري. في حياتنا اليومية نتخذ قراراتٍ ذات عواقب غير محسوبة، وهي تتحد بعد ذلك لتكوين قوىً اجتماعية واسعة النطاق قد يكون لها تأثير غير متوقع تماماً، ومدمر للغاية. من وجهة نظر ماركس فإن مؤسسات الرأسمالية -هي نفسها عواقب للسلوك البشري- تعود لتبني سلوكنا المستقبلي، وتحدد إمكانيات عملنا.  على سبيل المثال، طالما يطمح الرأسمالي لاستمرار أعماله، يجب عليه استغلال عماله بأقصى حد يسمح به القانون. وسواءً كان لديه شعور بالذنب أم لا، فإن الرأسمالي يجب أن يتصرف كشخص مستغِل بلا رحمة. وبالمثل فإن العامل مجبر على اختيار عرض العمل المتاح، حيث لا خيار عاقل آخر. ولكننا بفعل ذلك نقوي الكيانات التي تضطهدنا. إن الرغبة في تجاوز هذا الظرف والسيطرة على مصيرنا -أياً كان ما سيعنيه في الواقع- هو أحد العناصر المحفزة لتحليل ماركس الاجتماعي.

 

٢. ٤. أطروحات حول فيورباخ

تحتوي هذه الأطروحات على واحدة من أكثر العبارات الخالدة لماركس “فسّر الفلاسفة العالم فقط، لكن المهم هو تغييره”. ومع ذلك، فإن الأطروحات الإحدى عشرة ككل تقدم خلاصة ردود ماركس على فلسفة عصره. وقد تم التطرق للعديد منها بالفعل (على سبيل المثال المناقشات الدينية في الأطروحات ٤ و ٦ و ٧، والثورة في الأطروحة ٣) لذا سنركز هنا فقط على الأطروحة الفلسفية الأولى الأكثر شهرة.

في الأطروحة الأولى يوضح ماركس اعتراضاته على كل ماهو قائم حتى الآن من المادية والمثالية. بالنسبة للمادية فقد تم تكريسها لفهم الواقع المادي للعالم، ولكن يؤخذ عليها تجاهل الدور النشط للإنسان في خلق العالم الذي ندركه. أما المثالية، كما تصورها هيجل على الأقل، فهي تتفهم طبيعة النشاط الإنساني، لكنها تحصرها في التفكير أو التأمل، فالعالم يتم خلقه من خلال المفاهيم التي نكونها عنه. قام ماركس بالتوفيق بين كلا الرؤيتين لتكوين وجهة نظر يقوم فيها البشر بخلق العالم الذي يجدون أنفسهم فيه، أو على الأقل تغييره، ولكن هذا التغيير لا يحدث في الفكر، بل من خلال النشاط المادي الفعلي؛ ليس عبر فرض قيم سامية، ولكن بعرق جبينهم، مع الفؤوس والمعاول. هذه الرؤية التاريخية للمادية، التي تتخطى وترفض كل النظريات الفلسفية القائمة هي أساس نظرية ماركس في التاريخ. وكما وضعها ماركس في مخطوطات ١٨٤٤: “إن الصناعة هي العلاقة التاريخية الحقيقية للطبيعة.. للإنسان”. هذه الفكرة المستمدة من التأمل في تاريخ الفلسفة، بجانب خبرته في المجالات الاجتماعية والاقتصادية كصحفي، تحدد أجندة كل أعمال ماركس المستقبلية.

 

٣. الاقتصاد

يبدأ المجلد الأول من “رأس المال” بتحليل فكرة الإنتاج السلعي. ويتم تعريف السلعة على أنها شيء خارجي مفيد، يتم إنتاجه للتبادل في السوق. وبالتالي فإن هناك شرطين ضروريين لإنتاج السلع؛ هما وجود السوق حيث يمكن أن يحدث التبادل، والتقسيم الاجتماعي للعمل حيث ينتج أناس مختلفون سلعاً مختلفة، وإلا فلن يكون هناك دافع لحدوث التبادل. يقترح ماركس أن السلع لها قيمة استخدام وقيمة تبادل -يمكن اعتبارها مبدئياً سعرها- ويمكن فهم قيمة الاستخدام بسهولة كما يقول ماركس ، لكنه يصر على أن قيمة التبادل هي ظاهرة محيرة، وهنا يجب توضيح قيم التبادل النسبي. لماذا يتم تبادل كمية معينة من سلعة مع كمية معينة من سلعة أخرى؟ يتم احتساب ذلك من خلال مدخلات العمل المطلوبة لإنتاج السلعة، أو بالأحرى العمل الضروري اجتماعياً وهو العمل المبذول على مستوى متوسط الكثافة والإنتاجية لهذا الفرع من النشاط داخل الاقتصاد. وبالتالي فإن نظرية قيمة العمل تؤكد أن قيمة السلعة يتم قياسها بكمية العمل الضروري اجتماعيا اللازم لإنتاجها. يقدم ماركس مناقشة من مرحلتين عن نظرية قيمة العمل. الأولى هي القول إنه إذا كان بالإمكان مقارنة شيئين بوضعهما على جانبي علامة متساوية، فإنه لابد من وجود “شيء ثالث متجانس بنفس القدر مع كليهما” حيث يمكن إحالتهما إليه. وبما أن السلع يمكن تبادلها مع بعضها البعض فيجب بحسب ماركس أن يكون هناك شيء ثالث مشترك بينهما. وهذا ما يصل بنا إلى المرحلة الثانية، وهي البحث عن “الشيء الثالث” المناسب، والذي هو العمل في نظر ماركس ، باعتباره العنصر المشترك الوحيد المعقول. وبطبيعة الحال، فإن كلاً من مرحلتي المناقشة على درجة عالية من التناقض.

يعد ماركس الرأسمالية مميزة، حيث أنها لا تقتصر على تبادل السلع، لكنها تقدم رأس المال، في شكل نقود، بهدف تحقيق الربح من خلال شراء السلع وتحويلها إلى سلع أخرى يمكنها أن تحقق سعراً أعلى، وبالتالي تؤدي لتحقيق الربح. ويدعي ماركس أنه لم يسبق أن قام أحد بتفسير كيف يمكن للرأسمالية أن تحقق ربحاً، ويقوم تفسير ماركس نفسه على فكرة استغلال العامل. ففي ظروف الإنتاج يقوم الرأسمالي بشراء قوة العمل من العامل لمدة يوم، ويتم تحديد سعر هذه السلعة كأي سلعة أخرى، أي من حيث قوة العمل اللازمة اجتماعيا لإنتاجها. في هذه الحالة فإن قيمة قوة العمل ليوم واحد هي قيمة السلع اللازمة لإبقاء العامل على قيد الحياة لمدة يوم. لنفترض أن هذه السلع تستغرق أربع ساعات لإنتاجها، هذا يعني أن الأربع ساعات الأولى من اليوم تنفق لإنتاج قيمة مساوية لقيمة الأجر الذي سيتقاضاه العامل، ويعرف هذا بالعمل الضروري. أما العمل الذي يقوم به العامل فوق ذلك فهو ينتج فائض القيمة للرأسمالي، وطبقاً لماركس، فإن فائض القيمة يمثل المصدر الكلي للربح. في تحليل ماركس ، قوة العمل هي السلعة الوحيدة التي يمكنها أن تنتج قيمة أكبر من قيمتها، ولذا يطلق عليها اسم رأس المال المتغير. أما السلع الأخرى فهي ببساطة تنقل قيمتها إلى السلعة النهائية، ولا تخلق أي قيمة اضافية، لذا فهي تعرف باسم رأس المال الثابت. إذن، فالربح هو نتيجة العمل الذي يقوم به العامل خلاف العمل الذي يمثل قيمة أجره، وهذه هي نظرية فائض القيمة عن الربح.

يبدو من هذا التحليل أنه كلما زادت ميكنة الصناعة، بحيث يستخدم رأس مال ثابت أكثر ورأس مال متغير أقل، فإن معدل الربح لابد أن يقل. وكمقابل، فإن رأس المال سيكون أقل في العمل، ويمكن للعمل فقط أن يخلق قيمة.. يتنبأ ماركس في كتاب رأس المال “المجلد ٣” بأن معدل الربح سيقل بمرور الوقت، وسيكون هذا أحد العوامل التي ستؤدي إلى سقوط الرأسمالية. (مع ذلك، كما أشار بول سويزي في نظرية تطور الرأسمالية أن هذا التحليل يثير بعض المشكلات) ومن نتائج هذا التحليل أيضاً صعوبة النظرية التي لم ينجح ماركس بإنهائها في كتاب رأس المال “المجلد ٣” وتنبع من التحليل القائل بأن الصناعات كثيرة العمال يجب أن تدر ربحاً أعلى من تلك التي تستخدم عمالة أقل، وهذا يبدو غير مقبول من الناحية النظرية. وبناءً على ذلك، يحتج ماركس بأنه في الحياة الاقتصادية الحقيقية تختلف الأسعار بشكل منهجي عن القيم، وتقديم الرياضيات لشرح ذلك يعرف بمشكلة التحويل، وقد عانت محاولة ماركس من بعض الصعوبات التقنية. على الرغم من أنه توجد الآن طرق لحل تلك المشكلة (وإن كان بآثار جانبية غير مرغوبة). علينا أن نتذكر أن نظرية قيمة العمل كانت مدفوعة بالنظرية البديهية للسعر، لكن عندما تم ربط السعر بالقيمة بشكل غير مباشر في النظرية النهائية فإن الدافع البديهي للنظرية يتلاشى. هناك اعتراض آخر على ذلك هو أن تأكيد ماركس أن العمل وحده يمكنه خلق فائض القيمة لا يدعمه أي حجة أو تحليل، ويمكن القول بأنه مجرد قطعة فنية، وبأن أي سلعة يتم اختيارها يمكن أن تلعب نفس الدور. وبالتالي، بنفس المبرر يمكن أن يضع نظرية قيمة للذُرة، محتجاً بأن الذُرة يمكنها انتاج قيمة أكبر من تكلفتها، وسيكون ذلك متطابقاً مع نظرية قيمة العمل. ومع ذلك، فإن القول أن العمل بشكل ما مسؤول عن خلق القيمة وأن الربح هو نتيجة للاستغلال يظل قوي بديهياً، حتى إذا كان من الصعب دعمه بتفاصيل.

بالرغم مما سبق، تبقى بعض أجزاء النظرية ذات قيمة، حتى لو كانت نظرية قيمة العمل غير موثوقة. وقد اختار عالم الاقتصاد في جامعة كامبريدج جوان روبينسون في مقالة عن الاقتصاد الماركسي جانبين من الملاحظات: أولاً، رفض ماركس القبول بأن الرأسمالية تنطوي على تناغم بين الرأسمالي والعامل، ليحل محل ذلك التحليل الطبقي لنضال العمال في سبيل تحسين الأجور وظروف العمل في مقابل سعي الرأسمالي المستمر لتحقيق أرباح أكبر. ثانياً، إنكار ماركس لوجود أي ميل على المدى الطويل لحدوث توازن في السوق، ووصفه للآليات التي تكمن وراء دورة التجارة بالازدهار والكساد. وكلا الجانبين يقدم تصحيحاً مفيداً لجوانب النظرية الاقتصادية الكلاسيكية.

 

٤. النظرية التاريخية

لم تتضمن صياغة ماركس لنظريته تفاصيل دقيقة، ولذلك كان يلزم تجميعها من العديد من كتاباته، سواء تلك التي حاول فيها القيام بتحليل نظري للأحداث التاريخية في الماضي والمستقبل، أو تلك ذات الطابع النظري الخالص. من هذه الكتابات كتاب مقدمة 1859 لنقد الاقتصاد السياسي، الذي قام فيه بصياغة للأوضاع القانونية. ومع ذلك كان كتابه “الأيديولوجيا الألمانية” الذي كتب بالشراكة مع إنجلز في 1845 أحد المصادر المبكرة الحيوية التي قام فيها ماركس بوضع الخطوط الأساسية لرؤيته عن المادية التاريخية. وسوف نقوم بتوضيح كلا النصين، ثم سننظر إلى إعادة بناء نظرية ماركس في التاريخ على يد أحد أكثر الفلاسفة المفسرين تاثيراً وهو ج. أ. كوهين والذي يبنى على تفسير الماركسي الروسي السابق له بليخانوف.

علينا مع ذلك ان ننتبه أن تفسير كوهين ليس مقبولاً بشكل عالمي، حيث قام كوهين بإعادة بناء نظرية ماركس جزئياً لأنه كان محبطاً من التفسيرات القائمة على الجدل الهيجلي لماركس، وما اعتبره غموض في اعمال لويس التوسير السائدة. لم يكن أي منهما، كما شعر، يقدم رواية دقيقة لآراء ماركس . ومع ذلك، يعتقد بعض العلماء أن التفسير الذي ارتكز عليه قد أخطأ تحديدًا بسبب إهماله للجدلية. وأحد جوانب هذا الانتقاد هو أن فهم كوهين قد أعطي دوراً صغيراً جداً لمفهوم الصراع الطبقي، والذي كان دائماً ما يتم تقديمه كنقطة مركزية في نظرية ماركس عن التاريخ. تفسير كوهين لذلك هو أن مقدمة عام 1859، التي يستند إليها تفسيره، لا تعطي دورًا بارزًا للصراع الطبقي، بل لم يتم ذكره صراحةً، إلا أن هذا المنطق به إشكاليات عدة، لأنه من الممكن أن ماركس لم يرغب في الكتابة بطريقة قد تثير شكوك المراقبين. وفي الواقع، قد يكون القارئ الذي يدرك السياق قادراً على اكتشاف إشارة ضمنية للصراع الطبقي من خلال إدراج عبارات مثل “ثم تبدأ حقبة من الثورة الاجتماعية”، و”الأشكال الأيديولوجية التي يصبح فيها الرجال واعين لهذا الصراع ويكافحونه”. وهذا مما يتعارض مع القول بأن ماركس ظن بأن مفهوم الصراع الطبقي غير مهم. إضافة إلى ذلك، عندما تم استبدال “نقد الاقتصاد السياسي” بـ “رأس المال”، لم يحاول ماركس إبقاء طبعة مقدمة 1859 تحت النشر، وتم استنساخ مضمونه فقط كحاشية مختصرة في رأس المال. ومع ذلك، سنركز هنا على تفسير كوهين لأنه لم يتم إيجاد أية كتابات أخرى بنفس الانضباط والدقة والتفصيل يمكن مقارنته بها.

 

٤. ١. الأيديولوجيا الألمانية

في الأيدلوجيا الألمانية قارن ماركس وأنجلز أسلوبهم المادي الجديد مع المثالية المناقضة له، والتي ميزت الفكر الألماني السابق. وبناءً عليه، فقد بذلوا جهداً ضخماً لتوضيح “المقدمات المنطقية للفكر المادي”، فهم يبدؤون كما يقولون من “البشر الحقيقيين”، مؤكدين أن البشر هم كائنات منتجة بشكل أساسي، حيث يجب عليهم إنتاج وسائل عيشهم من أجل تلبية احتياجاتهم المادية. يؤدي تلبية الاحتياجات إلى توليد احتياجات جديدة من النوع المادي والاجتماعي، وتنشأ أشكال من المجتمع تقابل حالة تطور القوى البشرية المنتجة، محددة الحياة المادية أو على الأقل “شروط” الحياة الاجتماعية، وبالتالي فإن الاتجاه الرئيسي للتفسير الاجتماعي هو من الإنتاج المادي إلى الأشكال الاجتماعية، ومن ثم إلى أشكال الوعي. ومع تطور الوسائل المادية للإنتاج، فإن “أنماط التعاون” أو الأنظمة الاقتصادية ترتفع وتهبط، وفي نهاية المطاف تصبح الشيوعية ممكنة واقعياً بمجرد أن تقوم أوضاع العمال ووعيهم بالبديل بتحفيز العمال بشكلٍ كافٍ ليصبحوا ثوريين.

 

٤. ٢. مقدمة ١٨٥٩

استخدم ماركس في “الأيديولوجيا الألمانية” جميع العناصر الأساسية للمادية التاريخية، حتى ولو لم تكن المصطلحات الأكثر نضجاً لماركس قد استُخدمت بعد. في “مقدمة ١٨٥٩” يتم تقديم نفس الرؤية بصورة أكثر حدة. يبدأ كوهين إعادة بناء رؤية ماركس في المقدمة فيما أسماه أطروحة التطور، والتي تم التمهيد لها دون ذكرها بصراحة في المقدمة. هذه الأطروحة تقول بأن قوى الإنتاج تميل للتطور، بمعنى أن تصبح أقوى بمرور الوقت، وهذا لا يعني أنها دائماً تتطور، ولكنها دائماً تتطلع لذلك. وقوى الإنتاج هي وسائل الإنتاج، جنباً إلى جنب مع المعرفة القابلة للتطبيق في الإنتاج: التكنولوجيا بعبارة أخرى. الأطروحة التالية هي أطروحة الأسبقية، وهي ذات جانبين. الجانب الأول ينص على أن طبيعة البناء الاقتصادي يمكن تفسيرها من خلال مستوى تطور قوى الإنتاج. والثاني أن طبيعة البناء الفوقي -المؤسسات السياسية والقانونية في المجتمع- يمكن تفسيرها من خلال طبيعة البناء الاقتصادي. كما أن طبيعة أيديولوجيا المجتمع، أي المعتقدات الدينية والفنية والأخلاقية والفلسفية الموجودة داخل المجتمع، يمكن أيضاً تفسيرها من خلال البناء الاقتصادي، رغم أن هذا يلقى اهتماما أقل في تفسير كوهين. في الواقع، فإن العديد من النشاطات قد تجمع بين عناصر كلاً من البناء الفوقي والأيديولوجيا، فالدين يتأسس من كلا المؤسستين مع مجموعة من المعتقدات.

يمكن فهم التغيير الذي طرأ على الثورة والعصر كتتابع لبناء اقتصادي لم يعد قادراً على الاستمرار في تطوير قوى الإنتاج. وفي هذه المرحلة، يُقال بأن تنمية القوى المنتجة محسوبة، ووفقاً للنظرية فإنه بمجرد تطور النظام الاقتصادي ستحدث ثورة “ستندلع” ويتم استبداله بنظام اقتصادي أكثر ملاءمةً للتطور المستمر في قوى الإنتاج. بشكل مبسط، فإن النظرية لديها البساطة والقوة. حيث يبدو من المعقول أن الطاقة الإنتاجية البشرية تتطور بمرور الوقت، ومن المعقول أيضاً أن النظم الاقتصادية تظل قائمة طالما تقوم بتطوير قوى الإنتاج، ولكنا تُستبدل حين تكُف عن القيام بذلك. حتى الآن، تطرأ العديد من المشاكل عندما نحاول بناء المزيد من الاستنتاجات على هذه النظرية.

 

٤. ٣. التفسير الوظيفي

قبل كوهين، لم تكن المادية التاريخية تعتبر فكرة متماسكة في الفلسفة السياسية المكتوبة بالإنجليزية. تم تلخيص التعارض بشكل جيد في الكلمات الختامية لـ هـ.ب. أكتون في “وهم العصر”: “الماركسية هي خليط فلسفي”. كانت واحدة من الصعوبات التي واجهت كوهين جدياً هي التناقض المزعوم بين الأسبقية في التفسير لقوى الإنتاج وبعض الادعاءات التي قدمها ماركس في مكان آخر والتي يبدو أنها تعطي الأولوية للنظام الاقتصادي في تفسير تطور قوى الإنتاج. على سبيل المثال، في “البيان الشيوعي” يقول ماركس : “إن البرجوازية لا يمكن أن توجد بدون ثورة مستمرة في أدوات الإنتاج”. ويبدو أن هذا يعطي أهمية للنظام الاقتصادي -الرأسمالية- مما يؤدي إلى تطور قوى الإنتاج. يقبل كوهين ذلك، بشكل سطحي على الأقل، وهذا يؤدي إلى تناقض. حيث يبدو أن كلاً من النظام الاقتصادي وتطور قوى الإنتاج قد تكون لها أولوية التفسير لبعضها البعض. يحاول كوهين بوعي ذاتي تطبيق معايير الوضوح والصرامة في الفلسفة التحليلية لتقديم نسخة مُعاد بناءها من المادية التاريخية، كونه غير راضٍ عن مثل هذه الحلول المبهمة مثل “الحتمية في المثال الأخير” أو فكرة الروابط “الجدلية”. إن الفكرة النظرية الأساسية هي الاحتكام إلى مفهوم التفسير الوظيفي (والذي يطلق عليه أحيانا “تفسير العواقب”). والنقطة الأساسية المرحب بها هي الاعتراف أن النظام الاقتصادي يقوم بالفعل بتطوير قوى الانتاج، ولكن نضيف أن هذا، وفقاً للنظرية، هو تحديداً سبب وجود الرأسمالية (عندما تكون موجودة). هذا يعني أنه إذا فشلت الرأسمالية في تطوير قوى الإنتاج فإنها ستختفي، وهذا في الواقع يتناسب بشكل جميل مع المادية التاريخية. ويؤكد ماركس أنه عندما يفشل النظام الاقتصادي في تطوير قوى الإنتاج -عندما تقيد قوى الإنتاج فستحدث ثورة ويتغير العصر.  وبذلك تصبح فكرة “التقييد” هي الفكرة المطابقة لنظرية التفسير الوظيفي. وبشكل أساسي، فإن التقييد يحدث عندما يصبح النظام الاقتصادي غير فعال.

من الواضح الآن أن هذا يجعل المادية التاريخية متماسكة. ومع ذلك، هناك سؤال حول ما إذا كان السعر باهظاً للغاية. حيث يجب أن نتساءل إذا ما كان التفسير الوظيفي هو وسيلة منهجية متماسكة. وتكمن المشكلة في أنه يمكننا التساؤل عما يؤكد أن النظام الاقتصادي سيستمر فقط طالما أنه يقوم بتطوير قوى الإنتاج. قام جون إلستر بتقديم هذا الانتقاد الى كوهين بقوة. إذا أمكننا القول بأن هناك عاملاً ما يقود التاريخ ولديه هدف تطوير قوى الإنتاج قدر الإمكان، إذاً فمن المنطقي أن مثل هذا العامل قد يتدخل في التاريخ لتحقيق هذا الغرض عبر اختيار النظام الاقتصادي الذي يقوم بعمل أفضل. ومع ذلك، من الواضح أن ماركس لم يقم بمثل هذه الافتراضات الميتافيزيقية. كان إلستر شديد الانتقاد -أحيانا لماركس، وأحيانا لكوهين- لفكرة الاحتكام إلى “الغايات” في التاريخ، دون أن تعود هذه الغايات لأحد.

كان كوهين يعي جيداً هذه المشكلة، لكنه يدافع عن التفسير الوظيفي بالمقارنة بين استخدامه في المادية التاريخية واستخدامه في البيولوجيا التطورية. ففي علم البيولوجيا المعاصر من الشائع تفسير وجود خطوط النمر أو العظام المجوفة للطيور بالرجوع إلى وظيفتها. وهنا لدينا غايات واضحة لاتعود لأحد. لكن الرد الواضح هو أنه في البيولوجيا التطورية يمكننا تقديم قصة سببية لدعم هذه التفسيرات الوظيفية، قصة تنطوي على تنوع الصدف والبقاء للأصلح. ولذلك، فإن هذه التفسيرات الوظيفية تستمر من خلال سلسلة من النتائج السببية المعقدة التي تتنافس فيها العناصر المختلة مع العناصر الأفضل وظيفياً. ويطلق كوهين على مثل هذه المسببات التفصيلية “توضيحات” ويقر بأن التفسيرات الوظيفية بحاجة إلى توضيحات. لكنه يشير إلى أن التفسيرات السببية القياسية تحتاج بنفس القدر إلى هذه التوضيحات. قد نكون على سبيل المثال راضين عن تفسير أن الإناء قد انكسر لأنه تم إسقاطه على الأرض، ولكننا بحاجة إلى قدر كبير من المعلومات الإضافية لشرح سبب صحة هذا التفسير. وبالتالي، يدعي كوهين أنه يمكننا تبرير تقديم تفسير وظيفي حتى إذا كنا نجهل تفاصيله. في الواقع، حتى في علم البيولوجيا لم توجد توضيحات مفصلة للتفسيرات الوظيفية سوى مؤخراً. قبل داروين، أو على الأقل قبل لامارك، كان التفسير الوحيد المتاح هو تلبية غايات الله. أوجز داروين آلية معقولة جداً، لكن عدم وجود نظرية جينية جعله غير قادر على توضيحها بمسببات تفصيلية. ولاتزال معرفتنا غير مكتملة الى وقتنا هذا. ومع ذلك، يبدو من المعقول تماماً القول بأن الطيور لديها عظام جوفاء لتسهيل الطيران. تشير وجهة نظر كوهين إلى أن ثقل الأدلة على أن الكائنات الحية تتكيف مع بيئتها سيسمح حتى للملحد ما قبل داروين بتأكيد هذا التفسير الوظيفي وتبريره. من هنا يمكن تبرير تقديم تفسير وظيفي حتى في حالة عدم وجود توضيح تفصيلي: إذا كان هناك ثقل كافٍ من الأدلة الاستقرائية.

عند هذه النقطة، تنقسم المسألة إلى سؤال نظري وسؤال تجريبي. والسؤال التجريبي هو إذا ما كان هناك دليل على أن الأنماط الاجتماعية تتواجد فقط طالما أنها تقدم طاقة إنتاجية، وتحل محلها الثورة عندما تفشل. وهنا يجب أن نعترف أن السجل التجريبي غير مكتمل في أحسن الأحوال، ويبدو أن هناك فترات طويلة من الركود، وحتى الانحدار، عندما لم تحدث ثورة على الأنظمة الاقتصادية المختلة.

أما السؤال النظري فهو ما إذا كان هناك تفسير مقنع معقول متاح لدعم التفسيرات الوظيفية الماركسية. هنا توجد معضلة ما. في المقام الأول، يبدو من المغري محاكاة التوضيح الموجود في القصة الداروينية، والاحتكام إلى تنوع الصدف والبقاء للأصلح. في هذه الحالة فإن “الأصلح” يعني “الأكثر قدرة على قيادة تطور قوى الإنتاج”. قد يكون تنوع الفرص مسألة تتعلق بأولئك الذين يجربون أنواعًا جديدة من العلاقات الاقتصادية. من هذا المنطلق، تبدأ الأنظمة الاقتصادية الجديدة من خلال التجربة، ولكنها تزدهر وتستمر من خلال نجاحها في تطوير قوى الإنتاج. إلا أن المشكلة تكمن في أن هذا قد يبدو وكأنه يعطي دوراً أكبر للصدفة مما يريده ماركس ، لأنه من الضروري بالنسبة لفكر ماركس أن يكون المرء قادراً على التنبؤ بوصول الشيوعية في نهاية المطاف. في النظرية الداروينية لا يوجد أي ضامن للتنبؤات طويلة المدى، لأن كل شيء يعتمد على الصدف التي تحدث في مواقف معينة. وسينشأ رأي مماثل للصدف بواسطة شكل من أشكال المادية التاريخية التي تم تطويرها بشكل مشابه لعلم البيولوجيا التطورية. ومع ذلك، فإن المعضلة هي أن أفضل نموذج لتطوير النظرية يجعل التنبؤات قائمة على أساس نظرية غير مكتملة، فالنقطة الأساسية في النظرية هي التنبؤ. لذا يجب على المرء إما البحث عن وسيلة بديلة لإنتاج تفسير مفصل، أو التخلي عن الطموحات التنبؤية للنظرية.

 

٤. ٤. العقلانية

إن القوة المحركة للتاريخ، في إعادة بناء كوهين لماركس، هي تطور قوى الإنتاج، وأهمها التكنولوجيا. لكن ما الذي يدفع هذا التطور؟ في النهاية، من وجهة نظر كوهين، إنها العقلانية البشرية. يتمتع البشر بالبراعة في تطوير وسائل لإشباع الحاجات الموجودة لديهم، وهذا يبدو معقولاً جداً ظاهرياً، ومع ذلك فهناك صعوبات. فكما يقر كوهين نفسه أن المجتمعات لا تتصرف دائماً بما يمكن أن يكون عقلانياً لفرد ما. قد تقف مشاكل التنسيق عائقا، كما قد تكون هناك عوائق هيكلية. علاوة على ذلك، فإنه من النادر نسبياً بالنسبة لأولئك الذين يقدمون تكنولوجيات جديدة أن يكون الدافع لها هو إشباع الحاجات. بدلا من ذلك، في ظل الرأسمالية، فإن دافع الربح هو الأساس. وبالطبع قد يقال إن هذا هو الشكل الاجتماعي الذي تحتاج إليه المادة لإشباع الحاجات في ظل الرأسمالية. ولكن لا يزال من الممكن إثارة السؤال عما إذا كانت الحاجة إلى إشباع الحاجات تتمتع دائما بالتأثير الذي يبدو عليها في العصر الحديث. على سبيل المثال، قد يؤدي التصميم المطلق للطبقة الحاكمة على التمسك بالسلطة إلى مجتمعات راكدة اقتصاديًا. بدلاً من ذلك، قد يُعتقد أن المجتمع قد يضع الدين أو حماية طرق الحياة التقليدية قبل الاحتياجات الاقتصادية. يقودنا هذا إلى جوهر نظرية ماركس بأن الإنسان هو منتِج أساسي وأن مكان التفاعل مع العالم هو الصناعة. وكما جادل كوهين نفسه فيما بعد في مقالات مثل “إعادة النظر في المادية التاريخية”، فإن التركيز على الإنتاج قد يبدو أحادي الجانب، ومتجاهلاً للعناصر القوية الأخرى في الطبيعة البشرية. مثل هذا الانتقاد ينسجم مع انتقادات من الجزء السابق. في الواقع، قد لا يظهر السجل التاريخي الميل إلى النمو في قوى الانتاج الذي افترضته النظرية.

 

٤. ٥. التفسيرات البديلة

العديد من المدافعين عن ماركس قد يقولون إن المشاكل المذكورة هي مشاكل في تفسير كوهين لماركس، وليست في ماركس نفسه. من الممكن أن نقول، على سبيل المثال، أن ماركس لم يكن لديه نظرية عامة للتاريخ، بل كان عالماً اجتماعياً يراقب ويشجع تحول الرأسمالية إلى الشيوعية كحدث فريد. ومن المؤكد أنه عندما يقوم ماركس بتحليل حقبة تاريخية معينة، كما يفعل في برومير لويس نابليون الثامن عشر، فإن أي فكرة لترتيب الأحداث في نمط تاريخي ثابت تبدو بعيدة كل البعد عن ذهن ماركس . في وجهات النظر الأخرى، كان لدى ماركس نظرية عامة للتاريخ، لكنه أكثر مرونة وأقل حتمية من إصرار كوهين (ميلر). وأخيرًا، كما هو ملاحظ، هناك نقاد يعتقدون أن تفسير كوهين خاطئ تمامًا.

 

٥. الأخلاق

إن خلاف ماركس مع الأخلاق يشكل لغزاً. فعند قراءة أعمال ماركس في كل فترات حياته، نجد أن هناك أقصى نفور ممكن تجاه المجتمع الرأسمالي البرجوازي، وتأييد لا شك فيه للمجتمع الشيوعي المستقبلي. ومع ذلك فإن شروط هذا النفور والتأييد بعيدة كل البعد عن الوضوح. على الرغم من التوقعات، لم يقل ماركس أبداً أن الرأسمالية غير عادلة، كما أنه لا يقول بأن الشيوعية ستكون هي الشكل العادل للمجتمع. في الواقع، يبذل جهداً لكي ينأى بنفسه عن أولئك الذين ينخرطون في خطاب العدالة، ويقوم بمحاولة واعية لاستبعاد التعليقات الأخلاقية المباشرة في أعماله الخاصة. اللغز هو لماذا يجب لهذا أن يكون، نظراً لقيمة التعليقات الأخلاقية غير المباشرة التي يمكن أن نجدها.

بدايةً، هناك أسئلة منفصلة تتعلق بموقف ماركس من الرأسمالية والشيوعية. هناك أيضا أسئلة منفصلة تتعلق بموقفه من أفكار العدالة، ومن أفكار الأخلاق المهمة على نطاق أوسع. هذا إذن يؤدي الى أربعة أسئلة: (1) هل اعتقد ماركس أن الرأسمالية غير عادلة؟ (2) هل اعتقد أن الرأسمالية يمكن أن تُنتقد أخلاقياً لأسباب أخرى؟ (3) هل اعتقد أن الشيوعية ستكون عادلة؟ (4) هل اعتقد أنه يمكن الموافقة عليها من الناحية الأخلاقية لأسباب أخرى؟ هذه هي الأسئلة التي سنناقشها في هذا الجزء.

كانت الحجة المبدئية التي اعتقد فيها ماركس أن الرأسمالية غير عادلة تستند إلى الملاحظة القائلة بأن جميع الأرباح الرأسمالية مستمدة في النهاية من استغلال العامل. يكمن سر دناءة الرأسمالية في أنها ليست مجالاً للوئام والمنفعة المتبادلة، بل هي نظام تقوم فيه أحد الطبقات باستخلاص الربح من الأخرى بشكل ممنهج. كيف يمكن لهذا أن يكون ظالماً؟ مع ذلك، من الملاحظ أن ماركس لم يقرر ذلك أبدا، وفي “رأس المال” يذهب إلى حد القول إن مثل هذا التبادل “لا يعني الظلم”.

يقول ألين وود أن ماركس اتخذ هذا النهج لأن منهجه النظري العام يستثني أي وجهة نظر ما بعد حداثية يمكن من خلالها التعليق على عدالة النظام الاقتصادي. على الرغم من أنه يمكن للمرء أن يعتبر سلوكًا معينًا داخل النظام الاقتصادي على أنه ظالم (والسرقة في ظل الرأسمالية ستكون مثالًا) فإنه من غير الممكن انتقاد الرأسمالية ككل. هذه هي نتيجة تحليل ماركس لدور أفكار العدالة باستخدام المادية التاريخية. وهذا يعني أن المؤسسات القضائية هي جزء من البنية الفوقية، وأن أفكار العدالة أيديولوجية، ودور كل من البنية الفوقية والأيديولوجيا، في القراءة الوظيفية للمادة التاريخية التي تم تبنيها هنا، هو تثبيت النظام الاقتصادي. وبالتالي، فإن القول بأن شيئًا ما عادل في ظل الرأسمالية هو ببساطة حكم يطبق على عناصر النظام التي ستميل إلى التأثير على الرأسمالية المتقدمة. وفقاً لماركس، فإن الأفكار الحاكمة في أي مجتمع هي تلك الخاصة بالطبقة الحاكمة؛ جوهر نظرية الأيديولوجيا. ومع ذلك يزعم زياد الحسامي أن وود مخطئ، حيث يتجاهل حقيقة مفادها أن أفكار ماركس بها مفاهيم مزدوجة لأن أفكار الطبقة غير الحاكمة قد تكون مختلفة تماماً عن أفكار الطبقة الحاكمة. بالطبع، أفكار الطبقة الحاكمة هي التي تحظى بالاهتمام والتنفيذ، لكن هذا لا يعني أن الأفكار الأخرى غير موجودة. يذهب الحسامي إلى حد القول أن أفراد البروليتاريا في ظل الرأسمالية لديهم مفهوم للعدالة يتوافق مع الشيوعية. من وجهة نظر البروليتاريا المتميزة هذه، التي هي أيضا وجهة نظر ماركس ، فإن الرأسمالية غير عادلة، وبالتالي فإن ماركس يعتقد أن الرأسمالية غير عادلة.

ومع أن ذلك قد يبدو معقولاً، إلا أن حجة الحسامي لا تفسر نقطتين متصلتين. أولاً، لا تفسر لماذا لم يصف ماركس الرأسمالية على أنها غير عادلة. وثانياً، فإنها لاتفسر المسافة التي أراد ماركس وضعها بين اشتراكيته العلمية الخاصة، ووجهة الاشتراكيين الطوباويين الذين احتجوا بالظلم الرأسمالي. وبالتالي لا يمكن للمرء أن يتجنب الاستنتاج بأن وجهة النظر “الرسمية” لماركس هي أن الرأسمالية ليست ظالمة.

ومع ذلك، يتركنا هذا مع لغز. إن الكثير من وصف ماركس للرأسمالية – استخدامه لكلمة “اختلاس” و “سطو” و “استغلال” – يكذبان الموقف الرسمي. يمكن القول إن الطريقة الوحيدة المرضية لفهم هذه القضية هي من ج.أ. كوهين ثانيةً، وهو يقترح اعتقاد ماركس بأن الرأسمالية غير عادلة، لكنه لم يعلم أنه يعتقد ذلك (كوهين 1983). بكلمات أخرى، لم يكن ماركس ، مثل الكثير منا، لديه معرفة كاملة بعقله. في تأملاته الواضحة حول عدالة الرأسمالية، تمكن من الحفاظ على وجهة نظره الرسمية. لكن في لحظات أقل تحفظاً، تظهر رؤيته الحقيقية، حتى لو لم تكن بلغة واضحة. مثل هذا التفسير لا بد أن يكون مثيراً للجدل، ولكنه يبدو منطقياً بالنسبة لكتاباته.

أياً كان ما يُختتم به السؤال حول ما إذا كان ماركس يعتقد أن الرأسمالية غير عادلة، فإنه من الواضح، مع ذلك، أن ماركس كان يعتقد أن الرأسمالية ليست أفضل طريقة للبشر لكي يعيشوا. تبقى النقاط التي وردت في كتاباته المبكرة حاضرة طوال كتاباته، حتى لو لم تعد مرتبطة بنظرية الاغتراب بشكل صريح. يجد العامل معاناةً في العمل، يعاني من الفقر والإرهاق وغياب التقدير والحرية. ولا يرتبط الناس ببعضهم البعض كما ينبغي أن يفعلوا. هل هذا يرقى إلى النقد الأخلاقي للرأسمالية أم لا؟ في غياب أي سبب للقول خلاف ذلك، يبدو من الواضح ببساطة أن نقد ماركس هو أخلاقي. الرأسمالية تعوق ازدهار الإنسان.

ومع ذلك، امتنع ماركس مرة أخرى عن قول ذلك بصراحة؛ بدا أنه لا يظهر أي اهتمام لربط انتقاده للرأسمالية بأي من تقاليد الفلسفة الأخلاقية، أو شرح كيف أنه ينشئ تقليدًا جديدًا. ربما كان هناك سببان لحذره. الأول هو أنه في حين كانت هناك أشياء سيئة حول الرأسمالية، إلا أن هناك، من وجهة نظر تاريخية عالمية، الكثير من الأشياء الجيدة أيضاً. فبدون الرأسمالية، لن تكون الشيوعية ممكنة. يجب تجاوز الرأسمالية، وليس إلغاءها، وقد يكون من الصعب التعبير عنها بمفاهيم الفلسفة الأخلاقية.

ثانياً، وربما هو الأهم، نحتاج إلى العودة إلى التناقض بين الاشتراكية العلمية والطوباوية. فقد ناشدت اليوتوبيا الأفكار العالمية للحقيقة والعدالة للدفاع عن مخططاتهم المقترحة، واستندت نظريتهم الانتقالية إلى فكرة أن الاستجابة للحساسيات الأخلاقية ستكون أفضل، ربما فقط، وسيلة لتحقيق المجتمع الجديد المنشود. أراد ماركس أن ينأى بنفسه عن هذا التقليد من الفكر الطوباوي، وأن يقول أن النقطة الرئيسية للتمييز هي القول أن الطريق لفهم إمكانيات التحرر البشري يكمن في تحليل القوى التاريخية والاجتماعية، وليس في الأخلاق. ومن ثم، بالنسبة إلى ماركس ، كان أي نداء أخلاقي من الناحية النظرية هو خطوة متخلفة. هذا يقودنا الآن إلى تقييم ماركس للشيوعية. هل ستكون الشيوعية مجتمعًا عادلًا؟ عند النظر في موقف ماركس من الشيوعية والعدالة لا يوجد سوى احتمالين قابلين للتطبيق: إما أنه يعتقد أن الشيوعية ستكون مجتمعاً عادلاً أو أنه يعتقد أن مفهوم العدالة لن يتم تطبيقه: أي أن الشيوعية سوف تتجاوز العدالة. يصف ماركس المجتمع الشيوعي، في نقد برنامج غوتا، بأنه مجتمع يجب أن يعمل فيه كل شخص حسب قدرته ويأخذ حسب حاجته. هذا بالتأكيد يبدو وكأنه نظرية للعدالة، ويمكن اعتماده على هذا النحو. وعلى أية حال من الممكن أن ماركس يعتقد أن هذه النقطة تتخطى فيها الشيوعية العدالة، كما قال لوكس. إذا بدأنا بفكرة أن وجهة نظر العدالة هي حل النزاعات، فإن المجتمع بدون نزاعات لن يكون لديه احتياج أو مكان للعدالة. يمكننا أن نرى ذلك من خلال النظر إلى فكرة هيوم عن شروط العدالة. يقول هيوم أنه إذا كانت هناك وفرة كبيرة في الموارد، وإذا كان بإمكان أي شخص الحصول على كل ما يريد دون التعدي على نصيب الآخر، فإننا لم نكن لنضع أبداً قواعد للعدالة. وبالطبع، اقترح ماركس في كثير من الأحيان أن تكون الشيوعية مجتمعاً بهذه الوفرة. لكن هيوم اقترح أيضا أن العدالة لن تكون ضرورية في ظروف أخرى. إذا كانت هناك مشاعر رفاقية بين جميع البشر، مرة أخرى لن يكون هناك صراع ولا حاجة للعدالة. وبالطبع، يمكن للمرء أن يتساءل ما إذا كان من الممكن وجود وفرة موارد أو شعور رفاقي بشري إلى هذه الدرجة، لكن المهم هو أن كلا النظرتين تؤديان لنتيجتين منطقيتين تتخطى فيهما الشيوعية العدالة.

ومع ذلك فما زال لدينا تساؤل حول ما إذا كان ماركس يعتقد أنه يمكن الإشادة بالشيوعية على أسس أخلاقية أخرى. على أساس فهم أوسع، حيث أن الأخلاق، أو ربما من الأفضل قول الأخلاقيات، تتعلق بفكرة الحياة بشكل جيد، يبدو أن الشيوعية يمكن تقييمها بشكل إيجابي في ضوء ذلك. إحدى الحجج المقنعة هي أن مسار ماركس ليس له معنى إلا إذا استطعنا أن ننسب مثل هذا الاعتقاد إليه. ولكن بعد هذا يمكننا ايجاز أن الاعتبارات الواردة في الجزء الثاني أعلاه تتحقق مرة أخرى. من الواضح أن الشيوعية تزيد من رفاهية الإنسان، من وجهة نظر ماركس. السبب الوحيد لإنكار ذلك، في نظر ماركس ، أنه سيكون بمثابة مجتمع جيد هو المعارضة النظرية لكلمة “جيد”. وهنا تكمن النقطة الأساسية في أنه، حسب وجهة نظر ماركس ، لن تتحقق الشيوعية من قبل فاعلي الخير ذوي المبادئ النبيلة من البشر. وربما أدى تصميمه على الإبقاء على نقطة الاختلاف هذه بينه وبين الاشتراكيين الطوباويين إلى تحطيم أهمية الأخلاق إلى درجة تتجاوز الحاجة إلى الضرورة النظرية.

 

 

 

 


المراجع

الكتابات الأساسية:

Marx, Karl and Friedrich Engels,Gesamtausgabe (MEGA), Berlin, 1975–.–––, Collected Works, New York and London: International Publishers. 1975.
–––, Selected Works, 2 Volumes, Moscow: Foreign Languages Publishing House, 1962.
Marx, Karl, Karl Marx: Selected Writings, 2nd edition, David McLellan (ed.), Oxford: Oxford University Press, 2000.

الكتابات الثانوية:
See McLellan 1973 and Wheen 1999 for biographies of Marx, and see Singer 2000 and Wolff 2002 for general introductions.
Acton, H.B., 1955, The Illusion of the Epoch, London: Cohen and West.
Althusser, Louis, 1969, For Marx, London: Penguin.
Althusser, Louis, and Balibar, Etienne, 1970, Reading Capital, London: NLB.
Arthur, C.J., 1986, Dialectics of Labour, Oxford: Basil Blackwell.

Avineri, Shlomo, 1970, The Social and Political Thought of Karl Marx, Cambridge: Cambridge University Press.
Bottomore, Tom (ed.), 1979, Karl Marx, Oxford: Blackwell.
Brudney, Daniel, 1998, Marx’s Attempt to Leave Philosophy. Cambridge, MA: Harvard University Press.
Carver, Terrell, 1982, Marx’s Social Theory, New York: Oxford University Press.
Carver, Terrell (ed.), 1991, The Cambridge Companion to Marx, Cambridge: Cambridge University Press.
Carver, Terrell, 1998, The Post-Modern Marx, Manchester: Manchester University Press.
Cohen, Joshua, 1982, ‘Review of G.A. Cohen, Karl Marx’s Theory of History’, Journal of Philosophy, 79: 253–273.
Cohen, G.A., 1983, ‘Review of Allen Wood, Karl Marx’, Mind, 92: 440–445.
Cohen, G.A., 1988, History, Labour and Freedom, Oxford: Oxford University Press.
Cohen, G.A., 2001, Karl Marx’s Theory of History: A Defence, 2nd edition, Oxford, Oxford University Press.
Desai, Megnad, 2002, Marx’s Revenge, London: Verso.
Elster, Jon, 1985, Making Sense of Marx, Cambridge: Cambridge University Press.
Geras, Norman, 1989, ‘The Controversy about Marx and Justice,’ in A. Callinicos (ed.),Marxist Theory, Oxford: Oxford University Press, 1989.
Hook, Sidney, 1950, From Hegel to Marx, New York: Humanities Press.
Husami, Ziyad, 1978, ‘Marx on Distributive Justice’, Philosophy and Public Affairs, 8: 27–64.
Kamenka, Eugene, 1962, The Ethical Foundations of MarxismLondonLondon: Routledge and Kegan Paul.
Kolakowski, Leszek, 1978, Main Currents of Marxism, 3 volumes, Oxford: Oxford University Press.
Leopold, David, 2007, The Young Karl Marx, Cambridge: Cambridge University Press.
Lukes, Stephen, 1987, Marxism and Morality, Oxford: Oxford University Press.
Maguire, John, 1972, Marx’s Paris Writings, Dublin: Gill and Macmillan.
McLellan, David, 1970, Marx Before Marxism, London: Macmillan.
McLellan, David, 1973, Karl Marx: His Life and Thought, London: Macmillan.
Miller, Richard, 1984, Analyzing Marx, Princeton NJ: Princeton University Press.
Peffer, Rodney, 1990, Marxism, Morality and Social Justice, Princeton: Princeton University Press.
Plekhanov, G.V., (1947 [1895]), The Development of the Monist View of History London: Lawrence and Wishart.
Robinson, Joan, 1942, An Essay on Marxian Economics, London: Macmillan.
Roemer, John, 1982, A General Theory of Exploitation and Class, Cambridge Ma.: Harvard University Press.
Roemer, John (ed.), 1986, Analytical Marxism, Cambridge: Cambridge University Press.
Rosen, Michael, 1996, On Voluntary Servitude, Cambridge: Polity Press.
Sayers, Sean, 1990, ‘Marxism and the Dialectical Method: A Critique of G.A. Cohen’, in S.Sayers (ed.), Socialism, Feminism and Philosophy: A Radical Philosophy Reader, London: Routledge.
Singer, Peter, 2000, Marx: A Very Short Introduction, Oxford: Oxford University Press.
Sober, E., Levine, A., and Wright, E.O. 1992, Reconstructing Marx, London: Verso.
Sweezy, Paul, 1942 [1970], The Theory of Capitalist Development, New York: Monthly Review Press.
Wheen, Francis, 1999, Karl Marx, London: Fourth Estate.
Wolff, Jonathan, 2002, Why Read Marx Today?, Oxford: Oxford University Press.
Wolff, Robert Paul, 1984,Understanding Marx , Princeton, NJ: Princeton University Press.
Wood, Allen, 1981, Karl Marx, London: Routledge; second edition, 2004.
Wood, Allen, 1972, ‘The Marxian Critique of Justice’, Philosophy and Public Affairs, 1: 244–82.

  • . الأدوات الأكاديمية
    How to cite this entry.Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.Look up this entry topic at theIndiana Philosophy Ontology Project (InPhO).Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.

موارد الانترنت الأخرى
Marxists Internet Archive

المدخلات ذات الصلة
Bauer, Bruno | Feuerbach, Ludwig Andreas | Hegel, Georg Wilhelm Friedrich | history, philosophy of

[1] Wolff, Jonathan, “Karl Marx”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Winter 2017 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/win2017/entries/marx/>.

error: المحتوى محمي