قصة خلدونيتين: ابن خلدون والجاحظ والشرق الأوسط – أبو العباس ابرهام

قصة خلدونيتين: ابن خلدون والجاحظ والشرق الأوسط – أبو العباس ابرهام


تلخيص: للخلدونيّة شكلان متناقِضان، وإن، أحياناً، متداخلان. ويكاد الصِّراع في الشرق الأوسط يكون صراعاً ما بين خلدونيتين.

في العاشر من يناير 1410 تطوّع مفكر مسلم هو عبد الرحمن ابن خلدون، الذي أدلِفَ سراً عبر أسوار حلب، إلى تقديم محاضرة سريعة أمام تيمور لنك. كان تيمور لنك في هذه الأثناء قد دوّخَ العالم؛ وقد سحق الممالك الإلخانيّة والجنكيزيّة ووصلت خيله حتّى روسيا وأوروبا. ورغم أن المماليك كانوا قد أوقفوا المغول في عين جالوت قبل 140 عاماً، وقد بدأوا بالفعل في استفزاز تيمور لنك إلاّ أنّه استطاع انتزاع حلب منهم. وقد دشّن المُدن السورية بمذابح فظيعة أقامَ فيها جبالاً من جماجم القتلى ووضعَها في قلب المدينة ليُخيف المقاومة ويُحبِطَ أية مناوشة محتملة من السكان، كما حدث ضدّه سابقاً في إيران والعراق. ورغم أن ابن خلدون أتى إلى تيمور لنك في مهمة ديبلوماسيّة، مُفاوِضاً عن المماليك الذين كانَ يعمل مستشاراً لهم، إلاّ أنّه لم يُخفِ إعجابه بـتيمور لنك. وقالَ إنّه جاء بالأساس لتقديم محاضرة في التاريخ. ومثله مثل هيغل، الذي قال عن نابليون أنّه رأى “روح العالم يركب ظهر جواد” فإن ابن خلدون أراد أن يقول، من منظور فلسفتِه في التاريخ أن تيمور لنك يُمثِّلُ قمّةً التاريخ، أو، بالتّعبير الهيغلي، روح العالم.

مثل هيغل فإن ابن خلدون امتلك تفسيراً نسقياً لحركة التاريخ. وفيما سمّاه هيغل “العقل” فإن ابن خلدون سمّاه “العصبيّة”. وتماما كعقل هيغل فإن عصبيّة ابن خلدون أثارت جدلاً كبيراً، بين مفتون ومُحبط. فبينما ما زالت تُستخدم حتّى اليوم، وإن بتلطيفٍ وتقويمٍ، في شرح أحداث الشرق الأوسط من تقلُّبات الممالك والعشائر القروسطية إلى تحديث الشرق الأوسط ومقاومة الاستعمار حتّى اقتصاديت المدانة وتدفُق اللاجئين السوريين وتمكُّن “الدّولة الإسلاميّة” (داعش)، فإن الكثيرين يصرفون هذه الحضوريّة الخلدونيّة ويرون أنّ الديناميكيات المدنيّة الحديثة تقوم على تفتيت العصبيّة الخلدونية، لا تأبيدَها. وبينما اعتِقِد- وأحياناً بسطيحّة- أن التضامن الدوركايمي هو نقيض للتضامن الخلدوني، إذْ الأول ميكانيكي والأخير عضوي، فإن معظم دارسي ابن خلدون لن يعدموا فرصة ليقولوا فيها أن التضامن الخلدوني ليس حصراً عشائرياً.

 ولعلّ بعض نُقادِ ابن خلدون، كعزيز العظمة مثلاً، قد صرفَ ابن خلدون بالذاتِ لتجريدية، بدل حسيّة، مفهومه للعصبيّة، إذ لا مدلول ثابِتَ له، ويمكن أن يكون أي شيء، ولم يصلح للتطبيق حتّى عند ابن خلدون نفسه، الذي كانت مقدمته في وادٍ وتأريخه في وادٍ آخر. أما بالنسبة للخلدونيين الغربيين، أمثال أرنست غلنر، فإن ابن خلدون ما زال الشارح الأهم للتحول الاجتماعي العربي، وخصوصاً في شمال إفريقيا. ويعتقد غلنر، وأحياناً بإشارات لاتاريخية، أن العرب يعيشون مرحلة أمصارية تُهدِّدُها حالة عشائرية. ويتحدّث في مقال قديم له عن تعايش نموذج ماركس ونموذج ابن خلدون، الأول يتحدّث عن التقابل الطبقي في الحداثة والثاني يتحدّث عن صراع المدينة والريف فيها. وليس صدفة أن تحليلات “ترييف المدينة” التي استخدِمت كثيراً في وصف صعود الإسلام السياسي او ما عُرف بـ”الصحوة” كانت غالباً نوعاً من الخلدونيّة الجديدة.

دلَفَ ابن خلدون إلى تيمور لنك وهو يحمل أداتَه التّحليلية المرنة هذه. وتماماً كهيغل فقد اعتبَر ابن خلدون أنّ أهميّة تيمور لنك (نابليون عند هيغل) بالنسبة للتاريخ العالمي هو حلّه لعقدة وثنائية استعصت على التاريخ قبله. أمامَ تيمور لنك حلّل ابن خلدون أن كلّ امبراطوريّة هي في جوهرِها عصبيّة ما. وأن عصبيّة تيمور لنك أنهت، وفاقت كلّ عصبيّة قبلَها. والعصبية عند ابن خلدون ليست مجرّد تلاحم قبلي، كما يُفهم غالباً، بل هي نوع من التلاحم الروحي والنفسي لدى المجموعة، قد لا يأتي بالضرورة من النسب، بل أحياناً من الوضعية الملحمية للمجموعة أو من خصائِصها التنظيمية/الشرفيّة. والعصبيّة ملحميّة بطبيعتِها لأن غايتَها المُلك. ويُحسن المترجمون الغربيون ترجمة “العصبية” إلى تضامن المجموعة (group solidarity).

ولا يختلِفُ ابن خلدون في اعتقادِه أن لكلِّ امبراطورية جوهر عصبياً كثيراً في هذه النقطة بالذات مع بنديكت أندرسون، الذي بالنسبة له تنتشر القوميّة والوطنية الحديثة بتوسيع عصبيّة برجوازية ما (وإن كان لا يستخدِمُ هذا المصطلح) وتخيُّلِها ذائعة، من قبل الآليات الثقافية والتكنولوجية الرأسمالية. بيْدَ أن ابن خلدون، الغارق كثيراً في تعميم العصبيّة بصفتِها آلية نافذة للتحليل، لم يرَ أن هيمنة العصبيّة تكمن في آلياتِها السوقيّة والاستهلاكيّة أو حتّى الثقافيّة، بل في قوَّتِها من حيثُ هيّ عصبيّة. ومن هنا يأتي إحباط عزيز العظمة. أمام تيمور لنك قال ابن خلدون أن التاريخ المعياري قبل ظهور تيمور لنك أظهر أنّ أقوى عصبيّتًيْن وأعصاهما على التاريخ هما العصبيّة العربيّة والعصبيّة الفارسيّة. ولا شكّ أن تيمور لنك، الذي زعَمَ أن نسبه يعودُ سويّةً إلى علي بن أبي طالب وإلى جنكيز خان، كان سيجد فخراً في هذه الترتيبة (synthesis) لأيديولوجيته الجامعة للإسلام بالمغولية، وللشريعة بالياسا (القانون العرفي المغولي).

يُظهِرُ ابن خلدون، وإن بلاغياً، جدلاً هيغلياً يُحدِّدُ الثنائية المتصارعة في التاريخ (الفرس في مقابل العرب أو القبيلة في مواجهة الدّولة الخ) ثمّ يرى، على الأقلِّ مرّةً واحدة، أفقاً لامتصاص هذه الثنائيات. إذا جازَ لنا تسميّ’ هذا التّحليل خلدونياً فإنّه يتبع منه أن الخلدونيّة بدل أن تكون قد أغلقت التاريخ الإسلامي في حلقة مفرغة من الصراع بين الرأس والذّيل قد رأت إمكانيّة لترتيبة هيغليّة تتجاوز عين الثنائيات التي أرساها. سنُسمّي هذا بـالخلدونيّة الهيغيليّة. وعلى كلِّ حال هذه الخلاصة مؤسِّسة للقول بسقوط التّحليل الخلدوني، إذْ يُعتقَد لدى من يقول بها أن دخول التاريخ الإسلامي في التاريخ العالي للرأسمالية والاستعمار والعولمة قد أنهى الطبيعة الخلدونيّة للتاريخ الإسلامي.

***

ولئن كان ابن خلدون كان مستعداً لهجرِ ثنائية الفرس والعرب لصالح عصبيّة جديدة وامبراطوريّة جديدة تمتصُّهما، كما فعل أولياء نعمته المماليك في مصر، وكما تعشّم ذلك في تيمور لنك، فإن التّحليل الجيوسياسي العربي المعاصر يقومُ بالذات بعكس هذه العملية عندما يُعيد اختزال الاستقطابات في الشرق الأوسط على أسِسٍ طائفية عربية/فارسيّة يُعتقَدُ أنّها ذوت أو أُنهِكت. وللمفارقة فإن هذه العمليّة تقومُ أيضاً بتأطير خلدوني، وإن كان لا يُقدِّمُ نفسه كذلك. فإذا كانت العصبيّة جهازاً تحليلياً يسمحُ باختزال الكُلِّ الإمبراطوري في نواتِه العشائرية التأسيسيّة الأضيق فإن هذا هو بالذات ما يُبرِّرُ لها النظر إلى الصراع في الشرق الأوسط، وخصوصاً بعد انحسار الهيمنة الأميركيّة، على أنّه حرباً باردة بين السعوديّة وإيران، أو، بعبارة عصبوية، بين العرب والفرس. وقد سمحَ هذا التقديم بإعادة تعريف الزيدية، العربية باليمن، والإمامية العربية بالعراق ولبنان أنّها امتداد عصبي للفرس. وبنفس الطريقة لا تُصبِحُ الوحدوية السنية، وبالأخص ما يُعتقدُ أنّه نواتُها القتالية، من الحركة الجهادية الوهابيّة، غير امتدادٍ للعصبية العربية بالجزيرة، التي تستلم، شيئاً فشئياً، الزّمام من القومية العربية العتيقة بالأربعينيات والخمسينيات وديّنَتها.

إذا جازَ لنا وصفَ هذا النمط التّحليلي المغاير للنمط الأول بأنه خلدونيّة فإن لها بُعداً ألتويسرياً ينتقِلُ بالقوة القمعية ويُوسِّعها بالأيديولوجيا والهيمنة، فتعدّى اللُبّ العصبي لما يبدو ظاهرياً امبراطورية أو دولة. فالدّولة العربية أو الفارسيّة هنا تتجاوز جوهرها الشُّرطي والعسكري إلى هيمنة ثقافية وفكرية تسمحُ لها بأن تخصفَ عليها من ورق التبعيّة والسياسة، فتأخذَ شكلاً أممياً تُخفي به من حقيقتِها. وتسمح الخلدونية الألتويسريّة هذه بنقل العصبيّة من مجالها القبلي إلى مجال أوسع يتعلّق بقدرتِها الامبراطوريّة، وخصوصاً الأيديولوجيّة. ويستجيبُ هذا للتحولات الدراسية في مجال الإمبراطورية التي وظّفت إطاراً غرامشياً لرؤية هيمنة الإمبراطورية في المجتمع من خلال قوتِها الناعمة، التي تتعدّى قوتَها القمعية. بيدَ أن الوجه الآخر لهذا التحليل هو قوله بلُبٍّ عصبي، منتِج للدِّين، لما يبدو ظاهرياً امبراطورية.

***

بعكس ما أسميتُه الخلدونية الهيغلية، التي تسمَحُ بتجاوز الأطروحة العصبيّة ونقيضها فإن ما أسميتُه بـالخلدونيّة الألتوسيرية تختزلُ الصراع في نواتين عن طريق إلحاق تشّعباتهما وتحالفاتِهما وما يُصاحِبُهما بهما. وبالأخيرة يحلو للكثيرين اليوم النظر إلى الصراع الدّائِر اليوم في الشّرق الأوسط أنّه صراعٌ بين عصبيّتَيْن كبيرتَيْن، هما نفس العصبيّتَين اللتين رأى فيهما ابن خلدون استعصاءً وديمومة تاريخية: الفارسية والعربيّة. ولئن كانت هذه الأحكام عن صراعٍ فارسي عربي يُغمِّضُ صراعات تبدو أكبر منه، فإنّ هذا النّوع من التّحليل، الذي بدأ يظهر خصوصاً بُعيد الانسحاب الامبريالي الأميركي من الشرق الأوسط، لم يُغادِر تواريخ التّحليلات العربيّة، وخصوصاً تواريخ نقد العقل، التي، وهيّ نسخة جيليّة ثانيّة من أسئلة النّهضة العربيّة، رامت تقصيّ جذور الانحطاط العربي-الإسلامي إلى ترتيبات معيّنة، وخصوصاً فكريّة، في العصر الوسيط. وهكذا سقطت، قصداً أم عن غير قصدٍ، في سياسات شعوبيّة إسلاميّة وسيطة. ولم يخلُ جلُّها من إجراء مباراة بين العصبيّة الفارسيّة والعصبيّة العربيّة.

 فقد رأى محمد عابد الجابري في نقدِه للعقل أن سبَب انحطاط العقل العربي هو العناصر الفكريّة الفارسية: وخصوصاً الغنوصيّة والصوفيّة. وذهب الجابري على أن الأرستقراطيّة الفارسيّة، التي انهزمت أمام العرب، رامت الهيمنة الأيديولوجيّة في العصر العباسي، فأطلقت هجمة فكريّة مستندة على الإرث الفارسي الغنوصي، الزارادشتي والمانوي والمزدكي لتقوِّضَ به دين العرب وتُظهَرَ به بطلانه. ولا تبدو شخصنة الجابري لهذه المواجهة أقلّ إيحائية هنا: ابن سينا الفارسي مسؤول عن التأسيس الغنوصي. وابن رُشد العربي القرطبي هو البلسم من هذا الانحطاط. يروي الجابري تاريخ الأفكار الإسلامية على ضوء هذه الثنائية: فقد ردّ الإسلام العربي على الهجمة الفارسيّة بالاستعانة بالعقلانيّة الإغريقيّة، وخصوصاً بحركة الترجمة. وهكذا اضطّرت العصبيّة الفارسية إلى النزول إلى هذه المباراة العقليّة فكان أن عقلنت فكرانيتَها في الإسماعيلية، التي بلغت تلفُظّها الفلسفي الأبرز في الإسماعيلية الفكريّة، وخصوصاً في أعمال إخوان الصفا.

***

ولعلّ أنثروبولوجيا الجاحظ، ابن عصر الشّعوبيّة، هي أوّلَ من تلفّظَ بهذه الثنائيات. فـالجاحظ، البصري، الذي لعلّه كان من أصلٍ حبشي من شرق إفريقيا، قد مال إلى رؤيّة الفسلفات والأمزجة رؤيةً عصبيّة. ولعلّ في تفكير الجاحظ عموماً شيئاً نسقياً كهذا. فهو، باعتبارِه عالم حيوان، إضافة إلى موسوعيّتِه الأدبية وتأسيسه لمدرسة اعتزالية، كان تطوُّرياً (وقد قرأه تشارلس داروين، ولعلّه أثّرَ فيه). وكان في تفكيرِه التطوِّري إيمانٌ أن الأنواع والأجناس تحوي في صورتِها صوراً غيرِها. فكأنّه رأى العصبيّة قابلة للتطوّر إلى غيرها. وهو، وهو المُناصِر في الحرب الأهلية لـلمأمون، المُوسِّع للعصبيّة، بدل الأمين المُجوهِر لها، كان يرى، رغم ميلِه لحكم تعدُّدي، ارتباط الأمزجة والأفكار بالشعوب. وقد رأى في التفكير الحدوسي أصلاً فارسياً. وناضلَ ضدّه بالاعتزال، العقلاني. ومن المفارقات أن العصبيّة الفارسيّة التي رأى الجاحظ، مثلَه مثل الجابري، أنّها لا عقلانيّة ستكون هي الوريث للتفكير العقلاني الاعتزالي الذي أُخرِجَ من السنّة في عمليّة تأسيسها التاريخي وحنبلتِها، وأُدخلَ في التشيّع، العربي أولاً، ثم الفارسي بعد قرون.

***

ولعلّ محمد أركون في مطارداتِه للأنسنة التاريخيّة في مجال الإسلام قد وصل، وإن من منظور اقلّ قابلية للقراءة العصبية والطائفية، لشيء كهذا، إذْ خلَصَ في كتابه “الأنسنة والإسلام” إلى أبعادٍ عصبيّة للأيديولوجيا. فالقرن الشيعي، البويهي، كان عصر الأنسنة الذي أنتج أبا حيّان التوحيدي ومِسكوَيْه  (ويمكن إضافة معاصريهم، وإن كان بعضُهم خارِج المجال البويهي، أمثال أبو سليمان السجستاني وابن جزلة وابن الخمّار والصّاحب بن عباد وأبو الفرج ابن هندو وابن رضوان وسعيد بن هبة الله الخ)، في مقابل عصر الهيمنة السنّية المسلّحة بالقوة التُركيّة، السلجوقية أولاً ثم العثمانيّة لاحقاً، التي فرضت ما سيسميه أركون بـالإنغلاق الأيديولوجي. وصحيح أن أركون رأى في الإنسانويّة حالة كونيّة واحتفى بمفكّرين سنة، كابن حزم وابن رشد وابن خلدون، ولم يرَ في القضيّة جوهراً طائفياً، إلاّ أنّه واضِحٌ من تحليله أن القرن الشيعي كان أكثر من مثيله السلجوقي السني تشجيعاً للأنسنة.

***

لقد نسبتُ، وإن بتعميم، نمطين سائدين في التحليل السياسي إلى الخلدونيّة. بيد أن هذين التحليلين لا يتجافيان غالباً، وغالباً ما يتداخلان. ولعلّ الجاحظ، الذي ضممناه لخانة التحليل الخلدوني الثاني، هو أيضاً مساهمٌ في التحليل الخلدوني الأول. ففي رسالتِه “في مناقب الترك وعامة جند الخلافة“، التي يدعمُ فيها ويؤسِّسُ لموقف الفتح بن خاقان، وهو ابن أمير تركي خدم إدارياً في بلاط المعتصم، يقوم الجاحظ بفِعلين يبدوان متناقضين: الأول يدعمُ فيه نظرية الدّولة العباسيّة أن العصبيات تذوب في جندها وأن جندَها كُلٌّ واحِدٌ مختلِطٌ. أما الثاني فهو دفاعه عن تميّزُ الأتراك واحترافِهم وزيادتِهم في المهارة على العصبيات العربية والخراسانية والفارسية والموالية التي سبقتهُم. ويَكادُ موقِف الجاحظ هنا يُشبِه موقِف ابن خلدون في بلاط تيمور لنك، وموقف هيغل من نابليون، ذلك أنّ فترة المعتصم شهِدت خوف السلطة العباسيّة من أمراء الجند الخراسانيين والفرس، الذين قامت بهم الدّولة العباسية، وبدأت منذ عهد الرّشيد تستبدِلُهم بالدّيلم، الذي نكبّهم الرشيد في أزمة البرامكة، ثمّ بالترك، الذين تحصّن بهم المعتصِم في سرّ من رأى. ولكأنما كان الجاحظ إشادة بهذا التفوُّق التركي وهزيمته للعصبيات التي سبقته.

ورسالة الجاحظ مهمّة هنا في اختزال العصبيّة في عناصِرها المكونّة لها. فهو يُظهِرُ وعيه بأيديولوجيا الدّولة، ممثّلة برأي الفتح بن خاقان، الذي ينكر أن تكون في الإمبراطورية العباسيّة عصبيات متمايزة، قائلاً، بنفسٍ وُحدوي، أن لا فرق بين الفارسي والتركي والموالي والبنوي والخراساني. وأنّ كلّ هذه العصبيات منصهرة في ولاء وانتماء واحد. وإذا كان الفتح يذهب إلى أن الأتراك عربٌ بفعل الانتماء والمخالطة والإنصهار في العقيدة الواحدة، فإن الجاحظ يمضي في الإطراء على الأتراك بمقارنتِهم ببقيّة مكونات الإمبراطورية من عرب وفرس. الأتراك لا يخوضون معارك أيديولوجية أو دينية كالعرب الخوارج، الذين يعتبرون “القتال دين”. بل بالنسبة لهم القتال صناعة. هم أكثر براغماتيّة. وقد عقلنوا نمطهم الحربي بحيثُ صاروا أمهر الشعوب وأكثرها تمرُّساً في الحرب. لهم أربعة عيون. وانهزامُهم تكتيكي. “والتركي هو الرّاعي؛ وهو السّائس؛ وهو الرّائض؛ وهو النّخاس؛ وهو البيطار. والتركي الواحد أمّة على حدة”. هؤلاء الأتراك، الذي فضّلهُم الجاحظ على العرب، هم من رأى في الحقيقة أنّهم خلطاء العرب، وهم منهم بمثابة العين من الرأس. فالجاحظ، وإن كان أحياناً يبدو شعوبياً كان وطنياً.

 

error: المحتوى محمي