قراءة نقدية في كتاب الأشكال الأوليّة للحياة الدينية لإميل دوركايم – حسن احجيج

قراءة نقدية في كتاب الأشكال الأوليّة للحياة الدينية لإميل دوركايم – حسن احجيج

ملف بحثي: الدين والمجتمع ونظرية المعرفة, قراءات معاصرة في أعمال إيميل دوركهايم


تقديم:

لماذا الاهتمام بكتاب (الأشكال الأولية للحياة الدينية) لعالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم، بعد أكثر من قرنٍ على صدور أوّل طبعة له ؟ دعنا نبدأ بالمزحة، التي كان يتداولها علماء الاجتماع والإناسة بُعيد صدور الكتاب، والتي تقول:

سؤال: كيف يمكن التمييز بين عالم اجتماع وعالم إناسة؟
جواب: يعتقد عالم الاجتماع أن كتاب (الانتحار) أهمّ كتب دوركايم، بينما يفضل عالم الإناسة كتاب (الأشكال الأولية للحياة الدينية) .

إنّ تأثير كتاب (الأشكال) في حقل الأنثربولوجيا واضحٌ جداً، بالنظر إلى غزارة الإحالات عليه. لكنّنا سنلاحظ أنّ علماء الاجتماع رجعوا إلى كتابَيْ (الانتحار)، و(تقسيم العمل الاجتماعي)، أكثر بكثير ممّا أحالوا على كتاب (الأشكال)، الذي استخدمه، بوفرة، علماء الإناسة والفلاسفة. ومن ثمّ، فإنّ تلك المزحة كان لها معنى في وقتها؛ لأنّ اهتماماً جديداً حظي به كتاب (الأشكال) في أعمال علماء الاجتماع منذ ستينيات القرن الماضي.

ويعود تجدّد اهتمام علماء الاجتماع بكتاب (الأشكال) – حسب سميث وجيفري – إلى ثلاثة عوامل؛ أوّلاً: الانتقال الواضح في علم الاجتماع إلى التحليل الثقافي، الذي تميّز بانبثاق الهرمينوطيقا، وعلم الدلالة، والبنيوية، وما بعد الحداثة، في النظرية السوسيولوجية المعاصرة، والذي أسهم في عودة دوركايم (المتأخّر)، الذي ألّف (الأشكال)، إلى حقل هذه النظريّة. ويتعلّق العامل الثاني بالطريقة، التي كيَّف فيها الباحثون أطروحات كتاب (الأشكال) مع الأجواء الفكرية المتغيّرة. فمن جهة، تمّ استبعاد الأفكار المتعلّقة بالمجتمعات المتجانسة والحتميّة الثقافية المثالية، ومن جهة أخرى، تمّ الاهتمام بالتطوّرات النظرية في مجالاتٍ مجاورة كالنقد الأدبي، والتاريخ، والفلسفة السردية، وما بعد الحداثة، وعلم الدلالة، وتمّ تكييفها مع المشروع الدوركايمي. والعامل الثالث، يرتبط بالقراءة المعاصرة لكتاب (الأشكال)، حيث استخلصت هذه القراءات، لاسيما الدراسات الثقافية، من هذا الأخير، ما أصبح يُطلق عليه (استقلالية الثقافة)، وأضحى دوركايم السلف الطوطمي، الذي يستمدُّ منه المشروع الثقافوي مشروعيته.

وعلاوة على ذلك، إنّ راهنية كتاب (الأشكال) يبرّرها موقف دوركايم من مستقبل الدين. فقد دافع على فكرة الاستمرارية بين المجتمعات القديمة المسمّاة دينية، والمجتمعات الحديثة المسمّاة علمانية؛ أي فكرة العلاقة الماهوية المتبادلة بين الدين والمجتمع. وبالفعل، كان دوركايم منشغلاً بالكشف عن الأسباب الخفيّة للشعور الديني في العالم الحديث؛ إذ بيَّن كيف أمكن، في مجتمع الثورة الفرنسية، تحويل أشياء علمانية (كالعقل، والوطن، والحريّة) إلى أشياء (مقدّسة)، وفتح، بذلك، المجال أمام التساؤلات المعاصرة، حول مدلول (الدين العلماني). كما وضّح أولوية الدين في تطوّر المقولات، التي تشكّل أساس الفكر في كلّ الحقول، من المجتمع إلى السياسة والعلم، مستخلصاً أنّه “يوجد في الدين شيء خالد مقدّر له أن يبقى بعد زوال كلّ الرموز الخاصّة، التي حملها الفكر الديني عبر الزمن؛ إذ لا يمكن أن يوجد مجتمع لا يستشعر الحاجة إلى أن يصون ويرسخ، تبعاً لفترات فاصلة منتظمة، المشاعرَ الجماعية، والأفكارَ الجماعية، التي تؤسّس وحدته وشخصيته”(ص 609-610).

إنّ المجتمع يحتاج إلى ما يعادل وظيفياً الجانب التعبدي للدين، وإن كانت الحفلات والطقوس ذات بعدٍ سياسي وليس دينياً. كما يحتاج إلى معادل وظيفي للدين، بهدف إنتاج المثل العليا، التي توحِّد الجماعات الاجتماعية حول قاعدة أخلاقية واحدة. يمكن للعلم أن يقوم بالوظيفة المعرفية، التي كان يقوم بها الدين، وذلك حتى إن استعمل المناهج التجريبية والنقدية التي لم يكن يستعملها الدين .

الاهتمامات الأولى والسياق الفكري:
في رسالة بعث بها إلى المجلة السكولائية الجديدة، يعترف دوركايم بأنّه لم يستشعر الدور الكبير، الذي يؤديه الدين في الحياة الاجتماعية، ولم يعثر على وسيلة لمعالجة الظاهرة معالجة سوسيولوجية إلا سنة (1895) . وقد عرف تصورُه للدين تطوّراً يتّضح، بجلاءٍ، في أعماله الأربعة الأساسية؛ إذ يصرح، في لقاء نظّمته الجمعية الفرنسية للفلسفة يوم (4/ شباط/ فبراير 1913م)، بأنّ الأطروحتين اللتين دافع عنهما كتاب (الأشكال) هما: (خاصية القدرة التوليدية للدين)، و(ثنائية الطبيعة البشرية). لكن هذه المقاربة الجديدة للحياة الدينية تختلف عن تصوّراته لها، كما تضمنتها كتبه الرئيسة الأخرى (تقسيم العمل الاجتماعي) (1893م)، و(قواعد المنهج السوسيولوجي) (1895م)، و(الانتحار) (1897م). ذلك أنّ دوركايم كان يُلحق الدين بالقانون والأخلاق، ويجعله واحداً من المؤسّسات الثلاث الكبرى، التي تضبط السلوكات الاجتماعية. ولم تكن (الخاصية التوليدية للدين) قد ظهرت بوضوح بعد.

في كتابه (تقسيم العمل الاجتماعي)، كان دوركايم، ولا يزال، يستخدم مصطلحات الواجب، والإلزام، والإكراه، كما كان، ولا يزال، يَعدّ المعتقدات والمشاعر الدينية ظواهرَ فرعيةً تفتقد أيّ قوّة تفسيريّة مستقلّة. وفي (قواعد المنهج السوسيولوجي)، يبقى الإكراه إحدى الخصائص التي تُميّز أيّ حدث اجتماعي؛ إذ يجد الفرد نفسه “أمام قوى تهيمن عليه ويذعن لها”، والدين واحد من هذه القوى الاجتماعية. وفي كتاب (الانتحار)، اعتمد دوركايم، في تحديده للظاهرة الدينية الطوطمية، على كتاب فريزر (الغصن الذهبي) (1890م)، وظلّت تصوّراته للدين تقوم على مفاهيم الواجب، والإلزام، والإكراه، والعقاب، والتحريم، والقواعد، ولم يظهر أيّ أثر للخاصية (التوليدية) للدين، حيث يمكن أن نتّفق مع ستيفن لوكس في اعتقاده أنّ كتابات دوركايم المبكّرة حول الدين كانت “صورية جداً؛ بل تبسيطية” . ولم تظهر (خاصية القوّة التوليدية) للدين، و(ثنائية الطبيعة البشرية)، إلا في مراحل متأخّرة من تفكيره، لاسيما في النصوص، التي نشرها قبل صدور كتاب (الأشكال)، والتي شكّلت بعض فصوله.

شرع دوركايم في تحرير كتابه (الأشكال الأوّلية للحياة الدينية) في ربيع (1908م)، وذلك حسب ما جاء في الرسالة، التي بعثها إلى صديقه ليون (Xavier Léon)، في (24 تموز/ يوليو- 1908م). وقد نشر الفصلين الثاني والثالث من الكتاب الأوّل المتعلقين بالمذهب الحيوي، والمذهب الطبيعي، في (فاتح كانون الثاني/ يناير 1909م) على صفحات (المجلة الفرنسية). ونشر مقدّمة الكتاب، التي تحمل عنوان (علم الاجتماع الديني ونظرية المعرفة) في (تشرين الثاني/ نوفمبر 1909م) في مجلة (الميتافيزيقا والأخلاق).

عنوان الكتاب (الأشكال الأولية للحياة الدينية) لم يظهر لأوّل مرّة سنة (1912م)، تاريخ صدور الكتاب. فقد كان قد ظهر في العددين (5-6) من مجلة (الحولية السوسيولوجية) (1902-1903م)؛ بل إنّه يتقاطع مع عنوان (الأشكال الأوّلية للدين)، الذي وسم به الدرس الثاني، الذي قدّمه في جامعة بوردو برسم الموسم الجامعي (1900-1901م) .

صدرت للكتاب طبعات عديدة، وذلك سنوات (1912م، و1925م، و1937م، و1960م، و1985م، و1991م، و2008م، و2012م، و2014م). وصدرت له ترجمات عديدة إلى معظم لغات العالم؛ بل أعيد طبع هذه الترجمات عدّة مرات، كما هو الشأن بالنسبة إلى النصّين الإنجليزيين لسنتي (1915م و1995م)، اللذين ترجمهما شخصان مختلفان، وإلى الترجمة الإسبانية، التي صدرت سنة (1968م)، وأعيد طبعها سنتي (1982م و1993م)، وإلى الترجمة الإيطالية، التي صدرت طبعتها الأولى عام (1963م)، وأعيد طبعها سنتي (1973م و2005م).

يتكوّن مؤلَّف (الأشكال الأولية للحياة الدينية) من مقدّمة، وثلاثة كتب، وخاتمة موزّعة على (647) صفحة:
المقدّمة: موضوع البحث (علم الاجتماع الديني وموضوع المعرفة).

الكتاب الأوّل: أسئلة أولية. ويتكوّن من خمسة فصول خصّصها لتعريف خصائص الشعور الديني، وتحديد الطوطمية كدين أولي.

الكتاب الثاني: المعتقدات الأولية. ويتكوّن من تسعة فصول درس فيها مفهوم التمثّلات الجماعية الأولية، والمعتقدات الطوطمية وأصولها.

الكتاب الثالث: المواقف الطقوسية الأساسية. ويتكوّن من خمسة فصول خصّصها لدراسة الطقوس والممارسات الدينية.

تربط العادةُ الفكرية السائدة مسألةَ عملتيْ العقلنة ونزع الطابع السحري عن العالم الحديث بعالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر. بيدَ أنّ إميل دوركايم كانت له مطارحات ذات أهمية بالغة بخصوص تلك المسألة، لكنّها مطارحات مختلفة عن تلك الخاصّة بفيبر وأتباعه. ذلك أنّ تصوّر دوركايم لمشكلة العقلنة، ونزع الطابع السحري، يتضمّن فكرته عن التحوّلات البنيوية للمقدّس، وتعريف الدين، ودور الطقوسي في الحياة الاجتماعية، والمكانة التي يشغلها الفرد في الدين والمجتمع. كما أنّ تصوّره ذاك أثّر تأثيراً كبيراً في نظريته الاجتماعية، بدءاً باشتغاله المبكّر حول تقسيم العمل، والانتحار، والجمعيات المهنية، وانتهاءً بنظريته المتأخّرة في الدين .

وتجدر الإشارة إلى أنّ كتاب (الأشكال) يختلف، من حيث منهجه، عن كتاب (الانتحار). فبينما اعتمد هذا الأخير على الإحصاء لإجراء مقارنات كمية، اختار الأوّل دراسة حالة واحدة دراسة عميقة، من أجل بناء أطروحة. والحالة التي اختارها هي الديانة الطوطمية الخاصّة بقبائل الأبوريجين في أستراليا، التي يعدّها دوركايم الشكل الديني، والتنظيم الاجتماعي، الأكثر أوّلية وبساطة.

أهداف الكتاب:
إنّ أهداف دوركايم من وصف وتفسير أبسط ديانة عرفها الإنسان (الطوطمية) تختلف اختلافاً جذرياً عن أهداف الإثنوغرافي أو المؤرّخ، حيث إنّ غايته النهائية تذهب أبعد من مجرّد إعادة تركيب ثقافة (بدائية)؛ بل على العكس، “إذا اخترنا الديانة البدائية موضوعاً لبحثنا، فذلك لأنّه بدا لنا أكثر قدرة من غيره على مساعدتنا في فهم الطبيعة الدينية للإنسان؛ أي في توضيح بعدٍ أساسي ودائم من أبعاد البشرية”(ص 2) .

إذا كان هدف دوركايم فهمَ الإنسان المعاصر، فلماذا عاد إلى بداية التاريخ؟ يعتقد دوركايم بأنّ الباحثين كانوا يركّزون على الديانات البدائية بهدف تجريد الديانات المعاصرة من صدقيتها، رافضاً هذا العداء (الفولتيري) ضد الدين، وذلك لسببين: أوّلاً، يحيل دوركايم على الفصل الثاني من كتابه (قواعد المنهج السوسيولوجي)، الذي يَعدّ هذا العداء موقفاً غيرَ علميٍّ يحكم مسبقاً على نتائج البحث، ويجعل صدقيتها محطّ شكوك. ثانياً، وهذا هو الأهمّ، يَعدّ دوركايم ذلك عملاً لا علاقة له بعلم الاجتماع، بما أنّ هذا الأخير يصادر على نقطة أساسية: “في الواقع، تتمثّل إحدى المسلّمات الأساسية في علم الاجتماع في كون المؤسّسة الاجتماعية لا يمكن أن تقوم على الخطأ أو الكذب، وإلا فإنّه لا يمكنها أن تستمر… إنّ الطقوس الأكثر همجية، والأساطير الأكثر إثارة للغرابة، تترجم حاجة بشرية معينة، أو بُعداً معيناً من أبعاد الحياة، فردياً كان أو جماعياً. يمكن للأسباب التي يعتمدها المؤمنون لتبرير تلك الأساطير والطقوس أن تكون خاطئة، وغالباً تكون كذلك؛ لكن الأسباب الحقيقية لا تتوقّف عن الوجود، وترجع إلى العلم مهمّة اكتشافها. في الواقع، ليست هناك ديانة خاطئة. إنّها كلّها صحيحة، بطريقتها الخاصّة: فهي تستجيب، ولو بأساليب مختلفة، لشروط معطاة للوجود البشري”(ص 3).

وفضلاً عن ذلك، يشدّد دوركايم على ضرورة إعادة رسم التطوّر التاريخي لأيّ مؤسّسة اجتماعية؛ لأنّها منتوج تاريخي بامتياز: “لا يمكن التوصُّل إلى فهم معظم الديانات المتأخّرة إلا بوساطة تتبّع الطريقة، التي تشكّلت فيها تدريجياً عبر التاريخ…، عندما نريد أن نفسّر شيئاً بشرياً ظهر في لحظة محدّدة من التاريخ، سواء كان معتقداً دينياً، أم قاعدة أخلاقية، أم مبدأً قانونياً، أم تقنيةً جماليةً، أم نظاماً اقتصادياً، فمن الضروري البدء بالعودة إلى أشكاله الأكثر بدائية وبساطة، ومحاولة معالجة الخصائص، التي كانت تميّزه، في ذلك الوقت من وجوده، ثمّ توضيح كيف تطوّر، وأصبح أكثر فأكثر تعقيداً، وكيف أصبح ما هو عليه في الوقت الراهن”(ص 4-5).

إنّ للدين خصائص أساسية، على الرغم من تنوّع الأشكال الدينية؛ ذلك أنّ “جميع أنساق المعتقدات، وكلّ الديانات، تقوم على عدد من التمثّلات أو التصوّرات الأساسية، وبعض المواقف الطقوسية، التي تحمل الدلالة الموضوعية نفسها، وتقوم بالوظائف نفسها في كلّ مكان”(ص 6). فالمنهج الملائم لدراسة الدين، حسب دوركايم، يتجسّد في حصر كلّ تلك العناصر والخصائص في أبسط الأشكال الدينية المعروفة، أوّلاً، لأنّه سيكون من الصعب تمييز العناصر الأولية من العناصر الثانوية في الديانات المعقّدة، وثانياً، لأنّ العناصر والعلاقات الأساسية كانت في المجتمعات البسيطة أقرب إلى شكلها الأصلي.

إنّ كتاب (الأشكال) مساهمة في الإجابة عن سؤال (أصل الدين)، و(طبيعته الأساسية)، التي شغلت الفلاسفة وعلماء اللاهوت منذ قرون، لكنّها مساهمة مختلفة من حيث زاوية المعالجة، والوسائل الفكرية المستخدمة؛ حيث إنّه “إذا كان المقصود بالأصل البدايةَ الأولى المطلقة، فإنّ المسألة تخلو من العلمية، ومن ثمّ يجب استبعادها بحزم… إنّ الدين، شأنه شأن كل المؤسّسات البشرية، لم يبدأ في أيّ مكان… إنّ المشكلة التي نطرح هنا مختلفة جداً؛ فما نريد القيام به هو العثور على وسيلة لحصر الأسباب الحاضرة دوماً، التي تتوقف عليها الأشكال الأساسية للفكر والممارسة الدينيين”(ص 10-11).
يحدّد دوركايم الخلاصة العامة لكتابه (الأشكال) في البرهنة، أوّلاً، على أنّ الدين “شيء اجتماعي بشكل محايث”، ما دامت التمثلات الدينية تمثلات اجتماعية تعبر عن وقائع جماعية؛ وثانياً، على أنّ الفكر المنطقي؛ أي مقولات الفهم، نتاج للحياة الدينية، حيث إنّ الطقوس “تتجه نحو تحفيز بعض الحالات العقلية للجماعات”(ص 13-14).

المعتقدات الطوطمية:

للبرهنة على هذه الأطروحة، يواجه دوركايم سؤال (ما الدين؟). لكن جوابه يتّخذ، كما العادة، المسار المعتاد، الذي يقطعه دفاع دوركايم عن أطروحاته السوسيولوجية؛ أوّلاً: فحص التعريفات والنظريات الرائجة، وبيان خطئها وإقصائها؛ ثانياً: دراسة الواقع الملموس لمختلف الأنساق الدينية المعروفة، بهدف تحديد العناصر المشتركة بينها.

أوّل الأحكام المسبقة، التي حاول دوركايم استبعادها، القول إنّ الدين اعتقاد في كائنات فوق طبيعية، وإنّ الناس يؤمنون بهذه الكائنات، بهدف تفسير الأشياء التي تتجاوز حدود معرفتهم وفهمهم. ويقدّم دوركايم استدلاله على تهافت هذا التفسير، أوّلاً بالتشديد على أنّه ليس هناك دليل على أنّ الإنسان البدائي وجد أشياء غامضة وملغزة، وحاول حلّها باللجوء إلى الكائنات فوق الطبيعية؛ وثانياً، يلحّ دوركايم، في معرض تفنيده لهذا التفسير، على أنّه لا يجب البحث عن تعريف للظاهرة الدينية في مضامينها، كالعنصر فوق الطبيعي؛ بل في الموقف النوعي للبشر من بعض الظواهر التي يميّزها عن ظواهر أخرى. ذلك أنّ محتويات المعتقدات الدينية، والأشياء المقدّسة، تتنوّع تنوّعاً شديداً. فهناك ديانات لا تتضمّن أيّ مرجعيات فوق طبيعية، ويقدّم دوركايم، مثالاً عليها، الديانة البوذية والمسيحية في بعض مراحلها. ويضيف دوركايم أنّ بعض الديانات، التي كانت تتضمّن الإيمان بإله، أو آلهة، كانت تشتمل على طقوس دينية عديدة لم يثبت أنّ لها علاقة بتلك المعتقدات الإيمانية. وثالثاً، إنّ فكرة النظام فوق الطبيعي يستلزم وجود نقيضه؛ أي (النظام الطبيعي للأشياء)، أو (القانون الطبيعي). وهذا التمييز بين القوى الدينية، والقوى المادية، تصوّرٌ متأخِّر خاصّ بالعلم الحديث.

هذه الملاحظة الأخيرة تُوصلنا إلى الحكم المسبق الثاني، الذي يرفضه دوركايم في تعريف الدين، وهو فكرة (الآلهة)، أو (الكائنات الروحية). يلاحظ دوركايم أنّ العلاقات التي يمكن إقامتها مع هذه الكائنات تتحدّد بالطبيعة المسنَدة إليها: إنّها كائنات واعية، ومن ثمّ لا يمكن التأثير فيها إلا بوساطة عمليات واعية (الأدعية، والصلوات، والقرابين)؛ وبما أنّ موضوع الدين يتمثّل في ضبط علاقاتنا بهذه الكائنات، فلا يمكن أن توجد ديانة إلا إذا كانت تشتغل فيها هذه العمليات الواعية.

يشير دوركايم إلى أنّ خطأ هذا التعريف يرجع إلى كونه يفشل في التعرّف إلى نوعين من الوقائع الدينية الثابتة؛ أوّلاً، توجد ديانات كبرى (البوذية، واليانية، والإبراهيمية…إلخ) تغيب فيها فكرة الآلهة والأرواح، وتؤدي فيها (العمليات الواعية) دوراً بسيطاً في أفضل الحالات. ثانياً، حتى في الديانات التي تعترف بهذه الكائنات، توجد طقوس عديدة تجري في استقلال عن هذه الفكرة، وفي بعض الحالات توجد “طقوس دون آلهة؛ بل هناك طقوس تمّ اشتقاق آلهة منها… إنّ الدين يتجاوز، إذاً، فكرة الآلهة والأرواح، ومن ثمّ لا يمكن تعريفه، حصراً، من خلال علاقته بهذه الأخيرة”(ص 49).

بعد أن يبين دوركايم أشكال القصور التي تعتري تعريف الدين، من خلال الكائنات الروحية، وفوق الطبيعية، ينتقل إلى بناء تعريفه الخاصّ للظاهرة الدينية، ويبدأ بتقسيمها إلى فئتين أساسيتين: المعتقدات والطقوس؛ “الأولى عبارة عن حالات رأي، وتتكوّن من التمثّلات، والثانية عبارة عن أنماط فعل محدّدة”(ص 50).

ويشدّد دوركايم على ضرورة تمييز الطقوس من ممارسات أخرى، كالممارسات الأخلاقية، بالطبيعة الخاصّة لموضوعها، وبكون هذه الطبيعة تعبّر عنها هذه المعتقدات نفسها: “إنّ كلّ المعتقدات الدينية المعروفة، البسيطة والمركّبة، تحمل خاصية واحدة مشتركة؛ إنّها تقتضي تصنيف الأشياء، الواقعية والمثالية، التي يتمثّلها البشر، إلى صنفين أو مجموعتين متعارضتين، نطلق عليهما، عادةً، كلمتين مختلفتين يترجمهما جيداً مصطلحا دنيوي ومقدّس. إنّ تقسيم العالم إلى مجالين واحد يتضمّن كلّ ما هو مقدّس، والثاني كل ما هو دنيوي، هو الخاصية المميّزة للفكر الديني؛ إنّ المعتقدات، والأساطير، والخرافات، عبارة عن تمثّلات، وأنساق تمثّلات تعبّر عن طبيعة الأشياء المقدّسة، والفضائل والقوى المسنَدة إليها، وعن تاريخها، وعن العلاقات القائمة بينها، أو التي تقيمها مع الأشياء الدنيوية”(ص 50-51).

يهاجم دوركايم النظرية الحيوية، التي دافع عنها سبنسر، والنظرية الطبيعانية، التي دافع عنهما تايلور وفريزر، وبعدهما سيغموند فرويد، حول الدين، اللتين كانتا تحظيان بشعبية كبيرة في أوساط علماء الاجتماع والإناسة آنذاك. ويرى أنّهما أخطأتا عندما حدّدتا أصل المشاعر الدينية في الظواهر السيكولوجية (كالأحلام)، أو في الخوارق الطبيعية (كالعواصف والزلازل). يعتقد دوركايم بأنّ النظرية الطبيعانية حول الدين نزعة سيكولوجية ساذجة تفسّر إيمان الإنسان بالروح، كما لو أنّه يعيش حلماً، أو تجربة الجذبة، التي يشعر فيها الفرد بأنّه يوجد في مكانين مختلفين في آنٍ واحد. هذا المذهب السيكولوجي يَعدّ الدين مجرّد وهمٍ دون أيّ أساس واقعي في الحياة الاجتماعية. والحال أنّ الاعتقاد في الروح، ككلّ المعتقدات الدينية، يطابق شيئاً واقعياً؛ إنّه تمثيل رمزي للعلاقة بين الفرد والمجتمع. فالروح هي ذاك الجزء من المجتمع الموجود داخل الفرد، إنّها السلطة الأخلاقية للمجتمع، التي تُعدّ المرجع الموضوعي الكامن خلف فكرة الروح.

يؤكّد دوركايم، كثيراً، الطبيعة الاجتماعية لمشاعر القداسة، حيث يَعدّ السلطة الأخلاقية، التي يمارسها المجتمع على الفرد، مصدرَ المواقف المقدّسة، التي بمقتضاها اعتُبِرَتْ بعض الأشياء رموزاً لقوة مقدّسة ومتفوّقة أخلاقياً. تبعاً لدوركايم، يمكن لأيّ شيء أن يكون مقدّساً؛ الأشياء المادية، والأشخاص، والأزمنة، والأمكنة… إلخ (ص 50-51). لكن كيف يمكن لشيء عادي أن يصبح مقدّساً؟ يجيب دوركايم بأنّ هذا التحوّل يتمّ بوساطة قوّة أو سلطة معمَّمَة ومنتشرة. ومثالاً على هذه القوّة، يقدّم دوركايم ظاهرة (المانا) المالينيزية، التي استعارها من مارسيل موس ، والتي ترمز إلى مصدر كلّ قوّة روحية، وتؤدي دور الرابط الاجتماعي في المجتمعات، والتي تحمل تسميات مختلفة حسب الشعوب. وهي فكرة أدّت دوراً مهمّاً في تفسيرات دوركايم للظاهرة الدينية. إنّ هذه القوى، بالنسبة إلى دوركايم، تنبثق من المجتمع، لكن لا يمكنها أن تحظى بتسمية ثابتة إلا إذا ارتبطت بأشياء تشتغل حاملاتٍ للمقدّس.

وبذلك يصل دوركايم إلى تعريفه الخاصّ للدين؛ إنّه “نسق موحَّد من المعتقدات والممارسات المرتبطة بأشياء مقدّسة، ومنفصلة، ومحرّمة. إنّها عقائد وممارسات توحِّد، في جماعة أخلاقية واحدة تسمّى كنيسة، كلَّ الذين ينتمون إليها”(ص 65).

ولكي يبرهن دوركايم على أطروحته القائلة بالتطابق بين الدين والمجتمع، اختار، موضوعاً له، الديانة الطوطمية في مجتمع عشائري هو مجتمع الأبوريجين الأسترالية. وتتميّز هذه الديانة بكون أعضاء العشيرة يَعدّون أنفسهم موحَّدين برابطة القرابة، لكنّها قرابة لا تقوم على الدم، وإنّما على اسم مشترك هو اسم شيء مادي (الطوطم)، تعتقد العشيرة بأنّ لها، بفضله، علاقات قرابة تربط أعضاءها. ويمكن لهذه الأشياء أن تكون حيوانات، أو نباتات، أو أشياء جامدة. لكن الناس لا يبجلونها كآلهة؛ بل ينظرون إليها كأنّها أخ أو أخت، ويشعرون بأنهم يقتسمون القرابة مع الكنغر، أو الغراب، أو أيّ شيء يجسّد طوطمهم. إنّ الطواطم، وصورها المنقوشة في أجساد الأفراد والأشياء التي يصنعونها، والأفراد أنفسهم يشتركون في الجوهر نفسه، أو المبدأ الحيوي. إنّ الطوطم هو، في آنٍ واحد، رمزٌ للمبدأ الحيوي ((المانا) في بعض المجتمعات الأسترالية)، وللمجتمع، بما أنّ الله والمجتمع شيء واحد: “لا يمكن لإله العشيرة؛ أيّ الطوطم الرئيسي، أن يكون شيئاً آخر غير العشيرة نفسها، لكنّه يحمل صفات إنسانية، ومقدَّمٌ للخيال على شكل أنواع ملموسة من النبات والحيوان، الذي يستخدم كطوطم للعشيرة”(ص 295).

لكن كيف يكون هذا التأليه ممكناً، وما سبب حدوثه بهذه الطريقة؟ يعتقد دوركايم أنّ الجواب يكمن في مشاعر التبعية، التي يخلقها الطوطم والمجتمع. ذلك أن الطوطم (راية) تستخدم للتعبير عن إحساس أعضاء العشيرة بتبعية بعضهم لبعض، وبهويّتهم الأخلاقية، كما تستخدم وسيلة تسهِّل عليهم التفكير في واقعهم المعقَّد نظراً لأنّ العشيرة “واقع معقد جداً لا تستطيع العقول البسيطة تمثّله بوضوح كوحدة ملموسة”(ص 315).

الطقوس الطوطمية:

يشدِّد دوركايم على فكرة أنّه لا يمكن للمعتقدات الطوطمية أن توجد بمعزل عن الطقوس الطوطمية. إنّ التجمعات الطقوسية ترسّخ لدى أعضاء العشيرة الطوطمية حسَّ الانتماء إلى جماعة معيّنة، وتطوّر لديهم حسَّ التبعية لقوة أخلاقية أسمى من الأفراد. يميّز دوركايم بين نوعين من الطقوس التي تعزّز شعورهم بالانتماء إلى وحدة مقدّسة: طقوس سلبية تتمثّل في طقوس الاجتناب والتحرّيم، وطقوس إيجابية تتمثّل في طقوس الاتحاد بالجوهر المتعالي. والهدف من الطقوس السلبية منع تلامس المقدّس والدنيوي، وإعداد المبتدئ لدخول عالم المقدّس. وتتميّز عملية الانتقال من المجال الدنيوي إلى عالم القداسة بالتقشُّف، والمحن الجسدية، مع ارتداء ملابس وزينة خاصّة. أمّا الطقوس الإيجابية، فتتضمّن حفلات تهدف إلى ضمان نمو الحيوان أو النبات، الذي يُستخدم طوطماً. ويشتمل، أيضاً، على حفلة ختامية يتمّ فيها أكل الطوطم بطريقة طقوسية، وترتيل أناشيد تمجّد الإنجازات الماضية لأعضاء العشيرة السابقين، البشر منهم وغير البشر.

لم يكن تحليل دوركايم لهذه الطقوس يهدف إلى دراسة ديانة المجتمعات (البدائية) فحسب؛ وإنّما من أجل الوصول إلى جذور العمليات والمؤسسات الاجتماعية في المجتمع المعاصر. يقدّم دوركايم مثالاً على أهمية العناصر النفسية الاجتماعية في حياة الأفراد في المجتمعات الحديثة بحسّ التضامن والتبعية المتزايد، الذي خلّفه فوران التجمُّعات الجماعية الكبرى، والذي شهدته المراحل الثورية والخلاقة، كالثورة الفرنسية، مثلاً (ص 301). ويوضّح دوركايم كيف أمكن لناس عاديين أن يصبحوا قادة متميزين “تحت تأثير التمجيد الجماعي”(ص 301).

في الإطار نفسه المتعلّق بالممارسات الطوطمية، ومن أجل تمكين علم الاجتماع من الاستقلال عن علم النفس والفلسفة، قدّم دوركايم مساهمة أساسية في علم اجتماع المعرفة، من خلال معالجته أهمّ مقولات الفهم (الزمان، والمكان، والعدد، والسبب، والجوهر، والكليّة) والفكر المنطقي. فمعلوم أنّ هذا الموضوع كان حكراً على الفلاسفة، الذين ينقسمون إلى قسمين: القبليون (aprioristes) الذين كانوا، مثل كانط، يَعدّون هذه المقولات سابقة على التجربة، ومعطاة قبلياً في العقل، والتجريبيون (empiristes) الذين كانوا، مثل دافيد هيوم، يعتقدون بأنّ لهذه المقولات أصلاً متجذّراً في التجربة، وأنّها ناتجة عن الانطباعات الحسّية. غير أنّ دوركايم يرجّع هذه المقولات، التي يسميها (الأفكار الأساسية)، إلى المجتمع، ويَعدّها ذات طبيعة تاريخية. وهكذا، “إنّ إيقاع الحياة الاجتماعية هو أساس مقولة الزمن؛ كما أنّ المجال، الذي يشغله المجتمع، هو الذي شكَّلَ مادةَ مقولة المكان؛ وإنّ القوة الجماعية هي التي تعتبر النموذج الأصلي لمفهوم القوة الفاعلة، باعتبارها العنصر الأساسي لمقولة السببية”(ص 628).

إنّ المفاهيم والمقولات، التي تمثّل المجتمع وأقسامه الفرعية هي التي تزوّد بالثنائيات والتعارضات المنطقية الواضحة (التعارضات بين المقدس والدنيوي، بين الطاهر والملوث)، وتمارس هذه الأخيرة تأثيراً كبيراً في الحياة العقلية. فبينما تتميّز التجربة الفردية للأشياء بحالة من التدفّق الدائم، تتميّز المفاهيم بقدر أكبر من الثبات، نظراً لأنّها نابعة من المجتمع. إنّ المشاركة الجماعية للأفراد في الطقوس والحفلات المقدّسة تخلق لديهم مشاعر جماعية بفعل الانخراط في الفوران الجماعي، الذي تنتجه المشاركة في الطقس الجماعي، وهذه المشاعر تنتج، بدورها، مقولات الزمان، والمكان، والنوع، والسبب، وغيرها، التي يعتمد عليها العقل البشري في إنتاج المعرفة.

وتجدر الإشارة، هنا، إلى التأثير الذي مارسته نظرية دوركايم في المعرفة في كثير من الأعمال، التي سعت إلى إقامة علاقة بين صور الفكر والشروط الاجتماعية، كأعمال لوسيان ليفي برول حول العقلية البدائية، ورد ليفي شتروس على هذا الأخير في كتابه (الفكر المتوحّش)، وأعمال موريس هالبواش حول الأطر الاجتماعية للذاكرة، وأعمال مارسيل غراني حول الفكر الصيني، وأعمال جون بيير فيرنان حول أصول الفكر الإغريقي، وأعمال عالمة الإناسة البريطانية ماري دوغلاس، التي اقترحت مقاربة سوسيولوجية للمعرفة ترتكز على أطروحات دوركايم ولودفيغ فليك .

المصدر مؤمنون بلا حدود
error: المحتوى محمي