داروين والنساء – آن سميث / ترجمة: سارة اللحيدان

داروين والنساء – آن سميث / ترجمة: سارة اللحيدان

قراءة في كتاب (داروين والنساء)- آن سميث ترجمة: سارة اللحيدان

غلاف الكتاب


“لقد انتفع الرجال من سرد بطولاتهم الخاصة أكثر من النساء، فالقلم كان بأيديهم على الدوام”

آن إليوت بطلة رواية (إقناع) لجين أوستن. الروائية المفضلة لتشارلز داروين.

كان الفرق بين ‘القوى الفكرية للجنسين’ واضحا، أكد على ذلك تشارلز داروين في كتابه (نشأة الإنسان والانتقاء الجنسي). فمهما يفعل الرجل سيقوم به أفضل مما تفعل المرأة، بالتالي، ‘المعدل المتوسط للقوة الذهنية للرجل لابد أن يكون أعلى من المرأة’. كان بيان داروين بأن النساء أدنى منزلة من الرجل فكريا مستمرا طوال حياته، وليس مفاجئا أنه تعرض للنقد منذ ذلك الحين. أشارت سامنثا إيفانز محررة هذا الكتاب الجديد ومختارات من رسائله، إلى أن الكتابة بالنسبة لداروين كانت أمرا غريبا، بالنظر لما علمه عن الضرر الاجتماعي واسع النطاق الذي كانت تواجهه النساء: كافتقارهن الحصول على تعليم جيد، حرمانهن من الحياة السياسية والمهنية، واستمرار إنكار حقوقهن الشرعية. كان أمرا مفاجئا أيضا لأنهن نساء مبدعات، نشيطات عرفهن شخصيا، إضافة لأخريات كان يتراسل معهن.

يلقي هذا الكتاب الجديد (داروين والنساء- Darwin and Women) الضوء على حياة وأعمال النساء اللاتي كن على اتصال به. هي مجموعة من الرسائل المختارة من المجلد الثلاثين لرسائله (طبعة جامعة كامبردج) والذي أضيف له مقتطفات من رسائل عائلته التي لم تنشر قبل، واحتفظت بها مكتبة جامعة كامبردج. رسائل داروين كتب ضخمة، لكن هذا الكتاب يحوي فقط ٣٠٠ صفحة، أربعة عشر فصلا قصيرا مرتبا بحسب موضوعاته بدلا من تسلسه التاريخي، أي منذ حوالي عام ١٨٢١ إلى ١٨٨٢ العام الذي توفي فيه داروين. تتضمن الموضوعات التي تغطيها الرسائل الحياة العائلية كتلك التي كتبتها أوستن، بعض الملاحظات حول الحيوانات والبشر، ونقاشات جادة حول الدين، التعليم، وحقوق النساء. كما يحوي الكتاب تصديرا رائعا لجيليان بير مؤلفة الكتاب الإبداعي (روايات داروين- Darwin’s Plots) ١٩٨٣ والتي فازت مؤخرا بجائزة ترومان كابوت عن دراسة حول لويس كارول.

خلال حياته كان داروين مدعوما من قبل النساء، ليس فقط في البيت، حيث تسمح له زوجته إيما بالعمل على مسائل تهمه، فتدير شؤون المنزل وتتعامل مع روتين مراسلاته بسلاسة، بل حتى في بحوثه العلمية. الفصول التي تتطرق إلى أصدقاء الطفولة، زواجات العائلة، وأطفاله، فصول ساحرة، لكن الكتاب يخرج عن ذلك في منتصفه حيث يسلط الضوء على أعمال النساء في علم النبات، علم الحشرات، والتعليم ، وهو ما كان يتراسل بشأنه مع عالمات عظيمات. أعفيت النساء الفيكتوريات من المناظرات العامة لكنهن استطعن التواصل مع داروين مباشرة عن طريق الكتابة له لمناقشة اكتشافاتهن العلمية ومشاركة المعلومات القيمة.

كان هذا العمل مثريا له. في كتابه (النباتات الحشرية)، الذي نشر عام ١٨٧٥، استشهد مرارا باكتشافات ماري تريت، عالمة النبات والحشرات الأمريكية من نيوجيرسي. انفصلت هذه العالمة عن زوجها وأصبحت تقتات على جمع العينات النباتية للعلماء الذكور، وكتابة مقالات علمية شعبية. عندما اختارت أن تنشر مقالها عن النباتات آكلات اللحوم في مجلة Harper بدلا من American Naturalist كان عليها أن توضح لداروين السبب: “ربما تتساءل لم اخترت مجلة أدبية بدلا من علمية، هذا لأنني أعتمد كليا على مجهودي الشخصي، ويجب أن يذهب لمن يدفع أكثر”.

أدرك داروين أن معظم النساء اللاتي يتراسل معهن لا يملكن المال الكافي مثله، وليس لديهن شبكة واسعة من الأصدقاء والزملاء الداعمين. فشجع معارفه من الإناث وساعدهن بطرق علمية، كما عرض نصائحه حول مقالاتهن العلمية، وكتب لهن رسائل توصية، ودعم طلباتهن للحصول على الولاية. عبرت عالمة النبات ليديا بيكر، والتي كانت تنادي بحقوق الاقتراع للمرأة عن امتنانها عام ١٨٦٧ عندما قدمت طلبها، وأرسل لها فورا ورقتين عن علوم النبات لتُقرأ في الاجتماع العلمي النسائي الأول في مانشستر، وقد كان ذلك الأمر مفيدا للغاية لأن النساء لم يتمكن من الانضمام إلى أي جمعية علمية رئيسية وكان وصولهن للبحوث والنقاشات محدودا أو معدوما. في العام ١٨٨٠ كتب داروين إلى آرابيلا بكلي يثني على كتابها عن التطور قائلا: ‘سيكون اضطهادك على آرائك أمرا وحشيا للغاية، أتصور أنك ستهربين، ولن يطلق عليك لقب امرأة خطرة’.

يبرز لنا كتاب (داروين والنساء) التناقض بين الآراء العلنية للرجل العالِم، وبين الرجل المكشوف من خلال تعاملاته مع النساء. كان داروين محترما ومهتما حتى عندما كانت بعض الرسائل التي تصله غريبة إلى حد ما. من الصعوبة عدم التلطف لرجل أخذ رسالة من ‘آنسة شابة’ خجولة على محمل الجد، تلك الرسالة التي تحكي فيها عن يديها المتوردتين. في عام ١٨٧٢ كتب إلى فرانسيس باور كوبي، الناشطة الإيرلندية لحقوق المرأة، يخبرها عن مدى إعجابه بمقالتها في مجلة Quarterly Review رغم أنه أوضح بلطف أنه لا يتفق معها بشأن إقدام الكلاب على الانتحار. رسالة أخرى من أرملة كاهن ومحبة للكلاب تدعى غولد آن وولف، كتبت رسالة من القلب إلى داروين من شارع أبر لين في دبلن تقول: ” إن كتاب ( نشأة الإنسان) كان وسيلة لمزيد من ليالي العذاب والمعاناة”

يمتلئ الكتاب بالمعلومات القيمة عن البنية الداخلية للعلم، وذلك عبر وضع علم داروين في سياق الحياة اليومية للنساء من حوله. كانت ابنته هنرييت محررة قيمة للعديد من كتبه (عرفانا بجميلها قدم لها القليل من ‘التذكارات’) وكان على حد قولها ‘أصلعا، ديكتاتوريا’ عندما يقتضي الأمر تمرير نصيحة إليه. في واحدة من رحلاتها القصيرة لأوروبا ناقشت ابنته حقوق المرأة مع جوزفين بتلر، ودخنت السجائر مع الناشطة الحقوقية كارولاين ستانسفيلد. ألمحت سامنثا إيفانز إلى أن النساء الفيكتوريات حينما يكتبن إلى نساء أخريات في الغالب “تكون مراسلاتهن أكثر صراحة وأقل عاطفة من مراسلات النساء للرجال” ولعلنا نفترض أنهن كن صريحات في حديثهن ومحادثاتهن الخاصة. بنات داروين وأصدقائهن بحسب ما روته إيفانز كن’ نشيطات بشكل استثنائي، تعلمن الرياضيات والفيزياء، قمن بتعيين معلمات، والتحقن بالمحاضرات الجامعية حينما كانت تفتح للنساء’

هناك نساء أخريات لم يُعترف بهن في حياة داروين كالخادمات والمربيات. هؤلاء المربيات كن جزءا مما سمته إيفانز ‘جيش نساء عظيم يتكسبن معيشتهن بأنفسهن’ في القرن التاسع عشر. وفقا لهارييت مارتينو كان هناك أكثر من مليوني امرأة إنجليزية عاملة عام ١٨٦٤. في هذا الكتاب نستشعر حياة هؤلاء الخادمات رغم أنها رويت من منظور أصحاب العمل. تزوجت ابنته هنرييت عام ١٨٧٤ وعاشت في لندن، وكانت فزعة من احتمال طردها لأنها طباخة غير ماهرة: ‘ كنت أستغني عن الرجل سريعا، لما يشعر به من أن المرأة أقل تحضرا، فقد تخدش أو تكسر آنيتك” عادت بعد ذلك لمنزل عائلتها في كينت لتتعافى من تلك المحنة.

الفصل الأخير المعنون بـ ‘ارتقاء النساء’ يشكل ردا لاذعا ولطيفا على كتاب داروين (نشأة الإنسان)، ويركز الفصل على النساء اللاتي تحدين آراء أعظم العلماء حول مكانة المرأة في المجتمع، بعض منهن ذهبن إلى تأسيس حملات مساواة في التعليم العالي وحركات حقوقية أخرى. في السنوات الأخيرة، قام داروين بدعم فكرة التعليم العلمي للنساء، لكنه تمسك بعناد بفكرته حول تفوق الرجال فكريا. في رسالة لطيفة إلى كارولاين كينارد من بوسطن عام ١٨٨٢، شرح لها أن النساء لكي ينعمن بالمساواة مع الرجال، عليهن أن يكن ‘مُعيلات’، وإن أصبحن كذلك فسوف تعاني العائلة. بينت له كارولاين أن ذلك محض هراء وأن أعمال النساء غير معترف بها داخل وخارج المنزل. كانت الكلمة الأخيرة لها حيث قالت: ‘رجاء، دع بيئة النساء تكون مثل بيئة الرجال بفرص مساوية، قبل أن تحكم على دونيتهن الفكرية أمام الرجال’.

يحتوي كتاب (نساء داروين) على قصص مثيرة حول نساء القرن التاسع عشر، والنمو البطيء في مهنية أعمالهن. السلبية الوحيدة من وجود مواد غنية، برأيي، هي محاولة حشو الكتاب بأكبر قدر منها. هذا التأثير يشبه التجسس على الكثير من المحادثات المختلفة والمتشابهة التي نسمع فيها مقتطفات مستفزة، لكن بمجرد اهتمامنا بالنقاش يتغير المتكلم ويستبدل بآخر. ما من شك أن تلك القصص يجب أن تكون مثالا يحتذى به للطالبات والباحثات، ومن العار ألا يصل هذا الكتاب لأوسع جمهور من القراء، لأن في قراءته والنظر فيه متعة بالغة لما تضمنه من صور ورسومات. كشف لنا داروين خلال مراسلاته مع النساء عن جانب جديد في حياته، وقد عملت المحررة سامنثا إيفانز على ذلك بذكاء وقدمته بتعليق ذكي ومرح. هذا الكتاب ممتع بقدر ما هو تنويري، ويسمح لنا أن نستمع لعديد من الأصوات النسائية التي كان من الممكن أن تضيع تاريخيا.

 

 

المصدر

error: المحتوى محمي