قراءة في تجربة أمجد ناصر الشعرية : سيميوطيقا التشيّؤ والدراما – مصطفى عطية جمعة

قراءة في تجربة أمجد ناصر الشعرية : سيميوطيقا التشيّؤ والدراما – مصطفى عطية جمعة


في توهج الذات في الحياة والتاريخ

     بقدر ثراء تجربة أمجد ناصر وتنوعها وامتدادها ، بقدر ما نجد فيها ملامح عامة تميزها منذ باكورتها الأولى في نهاية حقبة سبعينيات القرن العشرين إلى ما بعد العقد الأول في القرن الحادي والعشرين ، ولا تزال عابقة ونحن نطالع قصائده التي تومض من فينة لأخرى حتى يومنا تذكرنا بروحه . إنها تجربة حملت إبحارا في الوجع ، بكل جوانبه : اليومي ، والتاريخي ، والمستجد ، وبعبارة أخرى : وجع يتوزع بين أمس وحاضر وغد ، وقد نجد رومانسية مدهشة في ثنايا التجربة، ولكنها تظل ضمن دائرة الوجع ، لأنها إما تعبر عن عاطفة مشبوبة نحو المرأة المحبوبة وهو وجع ذكوري منذ الأزل ، أو تتخذ من المرأة جسرا للوجع ، أو تناقش العلاقة المضطربة بين المرأة والرجل بكل نتوءاتها ووخزاتها.

    آثر شاعرنا أن يعزف الوجع بقيثارة مؤثرة النبر ، مشجية اللحن ، وجمالها نابع من تلك التركيبة الجمالية التي غلفت التجربة، وجعلتها ترتفع عن المباشر الخطابي رغم أن اللحظة التاريخية واليومية تستلزمه ، ورغم أن الانتماء الإيديولوجي يفرضه أحيانا ، إلى خضم الإنساني السامق ، فصارت الهم الفلسطيني ، والعربي ، والإسلامي هما إنسانيا ، ينكأ في الجراح البشرية ، ويفعل فعله في الضمير الجمعي ، وهذا ما يسجل للشاعر ، وهو ما سيتم رصده في مناقشة هذه التجربة ، فلا يمكن أن يقرأ الطرح الرؤيوي بمعزل عن الجمالي، وهو جمالي يتخذ أشكالا جديدة ، تدهش القلب ، وتشحذ العقل ، وقد جاءت جماليات النص معبرة بجدة عن الحالة النفسية ، وأيضا عن رؤاها في الحياة بكل ما فيها من تناقضات ومشتركات ، ولكن اللافت في التجربة – جماليا – أنها قدمت طروحات فارقة ، تجاوزت ما يسمى البلاغة التقليدية ( الاستعارة والتشبيه والرمز .. إلخ ) ، إلى بلاغة جديدة أساسها النص لا البيت أو السطر ، المقطع لا الكلمة ، فيمكننا أن نجد تعبيرات بسيطة ، ولكنها جديدة في توظيفها ، وقدرتها على إحداث التوتر في المتلقي ، موظفة ضمن مقطع متوهج مشتعل ، وتأتي هذه القراءة لتشير – ولا تحصي – لبعض الجماليات التي تزخر بها تجربة شاعرنا، وهي جماليات تعكس – أولا وآخرا – رؤية للحياة والناس والتاريخ ، تبدو في الألفاظ والتراكيب . ولعل اختيار المنهج السيميوطيقي الذي يطرح آليات جديدة في قراءة النص الشعري ، حيث تتحول العلامات في النص ، امتلاءً في المعنى والبنية ، وتجعلنا نعيد قراءة النص في ضوء هذه العلامات ، مع الأخذ في الاعتبار جماليات الاستعارية والمجازية ، وهو ما يجعل المتلقي يقرأ هذه العلامة في ضوء ما يطرحه النص شعوريا وفكريا، فلا يمكن فهم العلامة إلا في إطارها النصي ، حتى لو تم إعادة توظيفها في نص آخر من قبل الشاعر نفسه أو شاعر غيره ، فإنها تؤدي إلى عمل فني جديد ، وهذا ما يطرح فكرة ” الواحدية ” وتعني عدم التعدد في الممارسة السيميائية المستقلة ، التي لا تجرى إلا مرة واحدة ([1]) لذا فإن اللجوء إلى منهج التحليل المحايث ويقصد به البحث عن الشروط الداخلية المتحكمة في تكوين الدلالة وإقصاء كل ماهو إحالي خارجي كظروف النص والمؤلف وإفرازات الواقع الجدلية. وعليه، فالمعنى يجب أن ينظر إليه على أنه أثر ناتج عن شبكة من العلاقات الرابطة بين العناصر، كما تتجاوز السيميوطيقا المفردة والجملة إلى تحليل الخطاب بشكل كلي ([2]).

 

سيموطيقا التشيؤ :

    وفيها تصبح الأشياء شاهدة، محاورة ، حاضرة ، بعلاقة مؤنسنة ، تتجاوز كونها جمادات لتصبح فاعلة على لحظات العمر ومواقف الحياة ، ونعني بالأشياء كل ما هو غير بشري ، فيشمل مختلف الكائنات والموجودات ، التي تكون فاعلة في النص ، مما يجعل المتلقي يقرؤها في ضوء التجربة الشعرية ، أو يقرأ التجربة الشعرية في ضوء توهجها في النص ، فيمكن أن تقرأ الأشياء ببعدين : بعد يقف عند توظيفها في النص وهو بعد أولي ، وبعد ينطلق منها ليقرأ النص كله، بما فيها  يقول :

بوسعك،
أنت الذي لا يكل من الارتهان
بوسعك أن ترحل الآن:
لا وجهة
لا حقائبَ
لا ماء في جرة العُمر
لا زوجة في الثياب النظيفة
لا مطرا في المسالك
لا نجمة في الفضاء الذي يكسرُ الظَهر
منذ انحسار الرضا
صحيح!
ولكنه كفن واحد ثم ترتاح!([3])

   إنه خطاب متشيّئ ، بمعنى أنه يختزل تجربة الذات الشاعرة في الغربة والمنافي إلى أشياء ، فبالنظر إلى عنوان القصيدة ” مقهى آخر ” ، تكون مفتاحا لفهم التجربة مكانيا ، فالذات على المقهى ، تتأمل عالمها ، ونرى تمزقا للذات مكانيا ( لا وجهة) ، زمنيا ( لا ماء في جرة العمر ) ، اجتماعيا ( لا زوجة … )، الهدف(لا نجمة في الفضاء ) ، وما المقهى إلا رمز لحالة من التوقف هنيهة في خضم الحياة، لتكون المحصلة وهما ويأسا . إنها ذات قلقة في علاقتها بالعالم ، واتخذت من المكان جسرا للتعبير عن هذا القلق ، ” فهي متشظية بتقلبات الذات الشاعرة. هكذا تصبح أماكنه شخصيات وكائنات شعرية مصابة بلعنة المتاهات التي أصيبت بها الذات الشاعر نفسها. تبنى كبنائها وتتقلب كتقلبها، ثم تتهاوى على بعضها كما تتهاوى تلك الذات على بعضها أيضا. أماكن تولد من رحم الأماكن، وأماكن تقتل الأماكن، وأماكن تتذكر الأماكن. تكاد تكون الأماكن نفسها التي يعيشها الآخرون بحركات أجسادهم ومغاور ذاكرتهم ومزلات لغاتهم وتوجسات قلوبهم ” ([4])، فالمكان القلق ، يعني الذات القلقة المضطربة ، ويضاد هذا الشعور المكان المستقر الذي يعني هدوءا للذات في العالم الصخب ، ولعل المتأمل في تجربة هذا الديوان الذي يمثل البداية لأمجد ناصر ، يدرك أن هذا هم كان يطارده، ويتخذ من المقهى ميدانا لعالم فسيح ، أي يصبح المقهى علامة على العالم بكل تناقضاته واختلافاته الظاهرة أمام الأعين ، والباطنة في الذات الشاعرة ، ويأتي عنوان الديوان ” مديح لمقهى آخر ” متوخيا دلالة سيميوطيقية أخرى ؛ تمتدح مقهى آخر ربما يتوافر فيه عالما آخر ، خفيف في تناقضاته ، يستوعب الذات الثائرة المضطربة ، كي ترتكن على أحد مقاعده ، ولكن يظل في النهاية المكان مقهى ، والمقهى كونا فسيحا .

   جاءت البلاغة النصية على بساطة بنائها الأسلوبي ، عميقة في طرحها ، فبالنظر إلى المقطع السابق ، نلاحظ أن الذات تسمح لنفسها بالرحيل ، ولكنه رحيل بلا أمتعة ، ولا وجهة ، ولا امرأة . واستخدم في ذلك ، مفردات بسيطة معبرة عن الحالة ( الحقائب ، وجهة .. ) وهي علامات عن الرحيل الكل يعرفها ويستخدمها، ولكن يأتي تعبير ” لا ماء في جرة العُمر” بشكل استعاري ، مع رمزية العلامة فالماء يعطي دلالتين : حاجة المرتحل – برا ماشيا – إلى الماء في جرة ، وأيضا أن الماء دال على الزمن ، وتأتي لا النافية معززة نفاد الماء ( كمادة ) ، والزمن كعلامة وتأويل ، وهو ما يؤكده بقوله ” لا مطرا في المسالك” ، فلا ماء في الجرة وأيضا لا مطرا متجمعا في مسالك الأودية ، لتصبح الصورة منتزعة / متناصة بشكل خفي مع البيئة العربية القديمة، والشعر الجاهلي ، حيث الرحيل ، والبكاء على الأطلال ديدن القبائل والشعراء . وتتماهى العلامات النصية مع الدلالة الكلية للمقطع التي تؤكد خلو النفس : زادا وعاطفة ، لا جدوى من الرحيل ،فـ ” لا نجمة في الفضاء الذي يكسرُ الظَهر ” ، فالنجمة علامة على الاهتداء وهذا تناص مع قوله تعالى { وعلامات وبالنجم هم يهتدون } ([5]) فالاهتداء بالنجوم يكون ليلا، فالشمس وسيلة الاهتداء نهارا ، أما النجوم فهي منارات بالليل ، كما يصح الاهتداء بالنجم – مجازا – إلى ما هو خير فهي أمارات على الطريق([6]) ، وقد استخدمها الشاعر هنا بالدلالتين – شأنه استخدامه للماء – الدلالة الأولى : هداية المرتحل برا في خضم الحياة ، والثانية : كونها إرشادا في منحنى العمر . وتأتي لفظة ” الفضاء ” دالة على العمر/ العبء ، الذي يقصم الظهر ، لنجد في النهاية صورة كلية جعلتنا نعيش رحيلا في فضاء العمر ، بهمّ لا طاقة بحمله ، ولا زوجة ولا ماء ولا وجهة ، وتكن النهاية بمحض اختيار الذات الشاعرة : ” ولكنه كفن واحد ثم ترتاح ” ، وهذه نهاية اليأس ، أو هكذا اختارت الذات .

   وقد تتأنسن الأشياء ، وتتخذ طابعا استعاريا ، فيصبح المقهى إنسانا ينحني على ركبتيه ، ومن ثم يصل إلى موقف مختلف مع باقي البشر ، يقول :

ـ أقمتُ طويلاً؟
ومقهى الجزيرة لم ينحنِ في المساء،
علي ركبتيه
لم يشته شارعا آخر
لم يضق بمساحته
وبأخشابه الشتوية،
بالزبن الدائمين
ولم يرتجل مشهدا للنساء المثيرات في المدن
الساحلية
لم ينته ضيقا كيديك،
ولم ينتشر كالدماء(
[7]).

   فمقهى الجزيرة / المكان / الشيء ، صار بشرا ينحني في المساء ، خارجا من ماديته الجامدة ، وهذا يتسق مع الرؤية السابقة في النص ، التي جعلت المقهى عالما بما فيه من بشر ، يشهد عليهم ، ويحاورهم ، والذات الشاعرة منهم ، وعندما يأتي المساء ، يتحول المقهى إنسانا ، والشوارع أيضا معه ، لا تضيق به ولا بما فيه ، ويقول : ” لم ينته ضيقا كيديك ، ولم ينتشر كالدماء ” أي أنه تجاوز البشرية في ضيق يديها ؛ دلالة على تقتير ذات اليد أو قلة ما تمتلكه اليدان ، وعندما يهترئ المقهى لن تتبعثر أشياؤه وتصبح سائلة كالدماء .

    تتطور الجماليات في الخطاب الشعري للأنثى ، متجاوزا العشق التقليدي إلى إعادة النظر إليها بوصفها كائنا له حضوره الفاعل الصانع في حياته ،وكما يقول:

جسدُكِ قاطعٌ كالكلمة التي رميتِها فصار تفاحُ القبلةِ نردا،
كسكينٍ تقطعُ وتقطعُ ولا تتركُ أثرا.

جسدُكِ قاطعٌ وكتيمٌ إلي درجة أشكُّ فيها بمصدر هذا الشميم

الذي يمهد الطريق
إلي طيرانٍ بلا أجنحة، فكيف في هذه الأرض الضيّقة

يمكنُ للخشخاش أن يذرّ بقرنه.
جسدُكِ قاطعٌ وكتيمٌ وضيّقٌ كعين الحسود ([8]).

    حضرت المرأة هنا جسدا ، واشتبك إبداعيا مع تجربة الشاعر ، فاستحال الجسد بإغراءاته التقليدية إلى حد قاطع ، وعبر صورة كلية ، يتتابع المشهد ، فإذا كانت المرأة صارت جسدا ، فإن الجسد صار مجازا علاقته الكلية بالمرأة : الذات والأثر ، فهو كالكلمة التي تحوّل تفاح القبلة إلى نرد ، ويصبح أشبه بالسكين الذي يقطع دون أثر ، وكأنها نوراني الوجود أو نارية . البناء الجمالي في هذه الصورة يعتمد على الاشتباك مع المرأة لا وصفها ، وإذا كان جسدها مصدرا للفتنة ، فإنه في عالم شاعرنا بات مصدرا للعراك . وفي وصف الجسد : ” جسدُكِ قاطعٌ وكتيمٌ وضيّقٌ كعين الحسود ” ، نجد تراسل الحواس شاملا : الصوت المكتوم ، والمادي المسنون القاطع ، والمعنوي الضيق ، ويأتي التشبيه كعين الحسود منتزعا من الموروث الشعبي ، ويتواءم مع تصوير الجسد المتقدم ، فعين الحسود وفق الموروث الشعبي : قاطعة في أثرها ، ضيقة في رصدها ، كتومة في سرها .

 وإن كنا نلاحظ تراكمات بلاغية نتجت عن طول الصورة وربطها بصور تخييلية بشكل مبالغ فيها ، رغم أن الرؤية المتوخاة جديدة الطرح حول الأنثى / العالم ، والأنثى / الجسد ، وهذا ما نجده في الكثير من النصوص ، ويتواءم مع طبيعة المرحلة الشعرية – وقتئذ- حيث أسرف الشعراء في حقبة السبعينيات والثمانينيات في جمالية النص ، على حساب صفاء الرؤية ووضوحها .

 

سيميوطيقا السرد الشعري :  

من المنظور السيميوطيقي ، فإن العلاقة بين السيميوطيقا والحكي تظهر “بجلاء من خلال هذه التحديدات أن الأمر يتعلق بـ ”المحتوى” أو ”المادة الحكائية”، أو ”الفابولا” والمحتوى تبعا لذلك أعم وأشمل من التعبير، لأن وجوده هو الذي يحدد جنس الخطاب، لذلك فهو الثابت والمشترك بين مختلف الأشكال أوالأنواع الذي تتضمنه. وهو الذي يمكن أن نجده في العمل الأدبي وغيره، وفي سائر الفنون، وكل أجناس الكلام. إنه بكلمة أخرى المدلول الذي تختلف دواله في تقديمه ” ([9]) أي أن دراسة سيميوطيقا السرد ، تتوقف عند المحتوي السردي المقدم، أو المادة الحكائية ، ساعية إلى استكشاف العلامات المختلفة في السرد ، التي اتخذت طابعا متميزا خلال البناء السردي.

      ففي مجال السرد يمكن الحديث عن المستوى الدلالي وهو نظام إجرائي يحدد عملية الانتقال من قيمة إلى أخرى ويبرز القيم الأساسية والتشاكل الدلالي([10])، وهذا يتأتى من تحليل الخطاب الشعري ككل ، بما فيه من مفردات وتعبيرات تقع ضمن البنية السردية الشعرية المقدمة .

    وتزخر تجربة أمجد ناصر بسردية واضحة ،وتكاد نصوص كثيرة لديه تقترب من الدراما الشعرية بكل ما تعنيه من شخوص وأحداث وحوارات ، ولكن الطابع المميز لها في تجربة ناصر قدرته على مزج الحدث الدرامي بالتخييل الفني ، ليحافظ على وهج النص ، يقول على لسان آخر ملوك غرناطة ، مستحضرا اللحظة التاريخية ، حيث لم يكن للملك أمر ولا قرار ، فقد كانت الأحداث أكبر منه، يقول :

أنا أبو عبد الله المكنى بالصغير ,

بكر أمي

ولدت تحت لبدة الأسد

رايتي حمراء

ودليلي نهار يميل

……

آيتي اليوم أن أكون صامتا وسط فصحاء النهار

منقطعا لرنين القوافي بين أسنانهم الكبيرة ([11]).

    هذه مقاطع من نص طويل ، يكاد يتخذ الشكل الملحمي ، بالطبع لن نقف عن الأحداث الدرامية ، بقدر ما نسعى إلى قراءة ما تحتويه من دلالات التي تسقط – بشكل أو بآخر – على أحوال عالمنا العربي المعاصر ، من تمزق ، وتربص به ، من خلال شخصية الملك ” محمد” الذي ربته أمه بين الجواري ، وكانت هي المتحكمة بأمره ، وكيف كان شاهدا على سقوط غرناطة، بوصفه آخر ملوكها . تتكرر العلامات في النص معبرة عن رؤية الشاعر لهذه المأساة، فهناك إلحاح في النص على ذكر ألفاظ بعينها تكتسب في السياق النصي دلالة سيميوطيقية، فلفظة “الصغير ” كنية الملك، علامة على التدليل الذي هو عادة تطلقها النساء على أطفالهن ، رغم أنه ملك وبكر أمه ، وارتقى العرش بالفعل ، وصار له مجلس فيه الوجهاء والعلماء والوزراء ، وإن كانت أمه تجلس ملثمة بينهم ، للتباحث في أمور المملكة ، ولكنه يظل صغيرا، في نظرها ونظرهم ، وفي نظر نفسه يلازمه الصغر في رؤاه وو يرنو إلى “رنين القوافي بين أسنانهم الكبيرة ” ، وبالطبع فإن الصغير يلوذ بالصمت عندما يتحدث الكبار ” آيتي اليوم أن أكون صامتا وسط فصحاء النهار ” ، وهذا ما يجعله دونيا رغم إرادته ، ضعيفا وسط الأقوياء ، يرتعب من أسنانهم الكبيرة رغم أنها تلهج بمدحه بالقوافي . إن شخصية الملك محمد ، ربيب النساء والجواري ، ما هو إلا صورة لحال عربي نعيشه ونحياه ، ونتألم بما فيه ، فكأن محمدا وهو يقف عند حافة الزمن شاهدا على سقوط غرناطة آخر مدن الأندلس الكبرى وأهمها ، ويقف أيضا شاهدا أو ساخرا على سقوط الوطن العربي كله ، عندما استحضرته الذات الشاعرة من أعماق التاريخ . ويقول شاعرنا :

سنهيىء سعفا ليوم الجمعة

ونرش الملح على طريق الضواري

ونقف للنهار بالمرصاد كيما ينام

……….

رأوا الضوء والظل يحفظان عن ظهر قلب

معارج النهار وتقلب الأمراء في المضاجع

    من علامات أهل الترف والدعة السهر ليلا ، والتلذذ بالنوم نهارا ، لذا فإن هناك تكرارا ملحوظا في الكثير لمفردة ” النهار “، وما يضادها من ظلام وليل . وفي المقطعين السابقين تأكيد على هذا : ” ونقف للنهار بالمرصاد كيما ينام ” ، ويترقب الحراس الضوء ومعارج النهار والأمراء يتقلبون في مضاجعهم ، هذا سرد يحمل دلالة الخمول والسكون ، في أحوال أهل القصور ، رغم أن الأعداء يتربصون بهم، ولكن أمنية الملك الصغير أن ينعم بالنوم ، ويأمر حرسه بترقب الضوء ، كي لا يعكر صفو نومه ، فالليل في انتظار سهره ولهوه . وهذا ما يؤكده ثانية :

أريد أن أبلى هناك

في فجر الهباء الكبير

قانطا

متصدعا .

طويلا

أريد أن أنام

خفيفا ,

إلى الأبد .

   أصبح ” النوم ” ملاذا للملك ، فهو غير قادر على مواجهة الأخطار ، يشعر أنه ألعوبة في أيدي أمه ، وجواريها ، وحاشيته ، وهذا كله في يقظته ، فليكن ” النوم ” هربا من اليقظة المؤلمة ، وليكن النوم خفيفا إلى الأبد ، ليتساوى مع الموت، ويكون هربا من حياة ، فيها ذل وخزي ، وضعف عن اتخاذ موقف رجولي .

وليكن أقصى ما يوعد به ” المنامة في الطرف الخالي ” كما يقول :

ووعدت بالغصن والثمرة

بالمنامة في الطرف الخالي ….

بالنوم نوم الذي مطمئنا

أن

الصباح لناظره …

  إنها أمنيات أهل الكسل : ثمار ، وظلال ، ومنامة ، ونوم مطمئن ، وعدم ترقب الصباح ، فالصباح شاهد على أهله . فيا لها من أمنية ، ويا لها من نهاية.

أكاد أسمع من سفح غيبوبتي مداحة خفتي تئن تحت ثقل الزند

حيث الصليب وخوذة الفارس يمحوان ظلال قامتي على المياه.

الرائحة التي تهب من هناك

تبلغ مرادها وتستحكم .

رائحة مرور اليد على تحالف العشب والندى.

  في المقطع السابق ، تتحول دلالة الموت إلى غيبوبة ، ويبدو أنها غيبوبة مصطنعة أو نصف غيبوبة ، لأنه يسمع المادحين يئنون من ثقل الزند . ثم نجد علامة أخرى وهي ” الصليب وخوذة الفارس ” ، في إشارة إلى الأعداء ، وهذا ليس تحقيرا من شأن الصليب ، ولا كرها لأهله ، وإنما هو علامة على العدو الذي اتخذ الصليب شعارا له ، في حربه ضد أهل الأندلس ، وقد كانت بلادهم نموذجا في التعايش بين الأديان الثلاثة ، ومعبرا للنهضة العلمية إلى أوروبا في عصورها الوسيطة ، ومن شدة بأس العدو ، يمحو ظلال جسد الملك على المياه ، كناية عن محو الجسد نفسه . أما الرائحة القادمة من قبل العدو ، فهي مثل رائحة اليد التي تزيل رائحة العشب في تحالفه مع الندى ، في إشارة إلى البراءة والنقاء .

*          *           *

   تظل تجربة أمجد ناصر عميقة زاخرة ، وتظل الطروحات الفكرية بمعطياتها الجمالية والأسلوبية ، وعلاماتها النصية في حاجة إلى المزيد من الدرس النقدي، ذلك لأن شعره كالغابة كثيفة الشجر ، كلما نحّينا بعض الأغصان لنوسّع طريق ولوجنا ، اكتشفنا المزيد من الغصون ، والكثير من الأشجار .

 

 

 

 


للتواصل مع الكاتب:

Mostafa_ateia123@yahoo.com

 

[1] ) سميائية التواصل الفني ، د. الطاهر رواينية ، دراسة منشورة في مجلة عالم الفكر ، الكويت ، مارس 2007 ، ص254 .

[2] ) سميولوجيا التواصل وسيميولوجيا الدلالة ، جميل لحمداوي ، نشر : الحوار المتمدن ، العدد 1820 ، 8/2/2007م .

[3] ) قصيدة ” مقهى آخر ” ، من ديوان ” مديح لمقهى آخر ” ، الأعمال الشعرية ، نشرالمؤسسة العربية للدراسات والنشر ، 2002 م.

[4] ) شعرية المكان القلق في شعر أمجد ناصر ، رشيد يحياوي ، نشر موقع جهة الشعر http://www.jehat.com/Jehaat/ar/JanatAltaaweel/drasatnadaryah/sheria.

[5] ) سورة النحل ، الآية 16 .

[6] ) تفسير التحرير والتنوير ، محمد الطاهر بن عاشور ، دار سحنون ، بيروت ، الجزء 15 ، ص122 .

[7] ) من قصيدة ” مقهى آخر ” ، م س .

[8] ) قصيدة  ” القلعة ” من ديوان ” مديح لمقهى آخر ” ، مجلد الأعمال الكاملة  ، نشرالمؤسسة العربية للدراسات والنشر ، 2002 م.

 

[9] ) نظريات السرد وموضوعها  في المصطلح السردي ، سعيد يقطين ، مجلة علامات ، مكناس – المغرب ، العدد 6 ، 1996م .

[10] ) سميولوجيا التواصل وسيميولوجيا الدلالة ، جميل لحمداوي ، م س .

[11] ) مقاطع متفرقة من قصيدة توديع غرناطة  ، ديوان “مرتقى الأنفاس” ، دار النهار ، بيروت ، 1997م .

 

 

error: المحتوى محمي