في منهج دراسة المعتقدات السحرية من منظور إيميل دوركايم – يونس الوكيلي

في منهج دراسة المعتقدات السحرية من منظور إيميل دوركايم – يونس الوكيلي

ملف بحثي: الدين والمجتمع ونظرية المعرفة, قراءات معاصرة في أعمال إيميل دوركهايم


عرفت الأنثربولوجيا، منذ نشأتها، جدلاً حول طبيعة المجتمعات التي تدرسها. سُميّت تلك المجتمعات بأسماء مختلفة؛ ما قبل الصناعية، أو البدائية، أو الشفوية، أو مجتمعات ما قبل الدولة، وكلّها تسميات لا تخلو من أغراض إيديولوجية، لاسيما أن الأنثربولوجيا حقل دراسي من صناعة الغرب، ومؤسساته العلمية، ما يعني أنّ هذه المجتمعات كانت موضوعاً بحثياً خارجياً. على هذا الأساس، يُعدّ النقاش حول طبيعة عقلية تلك المجتمعات (البعيدة) عن الغرب جوهرياً وتأسيسياً، والرحم الذي وُلِدت منه قضايا الأنثربولوجيا، وتنبنّى عليه كلّ المواضيع التي اتخذتها مجالاً للبحث، ومنها المعتقدات السحرية.

سنقف، في هذا المقال، عند مثال إيميل دوركايم (1858-1917م)، فنبرز، من ناحية أولى، سياق النقاش الذي دار مطلع القرن العشرين حول طبيعة العقل البدائي. ثمّ ننتقل، من ناحية ثانية، إلى قراءة منهجه في دراسة المعتقدات السحرية كأحد الموضوعات.

 

– جدل حول طبيعة العقلية البدائية:

كتب ليفي بروهل سنة (1910م) كتابه الشهير (الوظائف الذهنية في مجتمعات بدائية) ، سعى فيه إلى دراسة تحوّلات الوظائف الذهنية حسب أشكال الحياة الاجتماعية، يحرّكه هاجس اكتشاف التطوّر، الذي حصل من العقلية البدائيّة إلى الحالة العقلانية الوضعيّة، متأثراً بقانون المراحل الثلاث لأوجست كومت ، كما يعلن ذلك، منذ الصفحات الأولى للكتاب.

لا يغيب عنّا، في هذا السياق، أنّ ليفي بروهل أنجز رسالة حول فلسفة أوجست كومت سنة (1900م). حاول ليفي بروهل البرهنة على أنّ العقل الغربي ليس كونياً، كما ادعى ذلك ديكارت؛ لأنّ شعوب المجتمعات الدنيا (sociétés inférieures) تفكّر حسب تصنيفات أخرى مقارنة بالشعوب المتحضّرة، ويخضع تفكيرهم لمبادئ مختلفة ترتكز على الاعتقاد في القوى الـ فوق – طبيعية، وهو ما سمّاه (العقلية قبل – المنطقية)، ووصفُها هكذا لا يعني أنّها خلف، أو عكس المنطق؛ بل إنّها لا تخضع للمبادئ نفسها؛ التي يخضع لها التفكير الغربي المؤسّس على مبدأ الهوية الأرسطي. إنّ التفكير البدائي المشَكّل من التمثّلات الجماعية يتّسع ليستوعب التناقضات ، ويخضع لمبادئ ليست جزءاً من المنطق والعلم الغربيين.

نحتَ ليفي بروهل مفهوم (قانون المشاركة) للتعبير عن هذا النوع من التفكير. يقتنع ليفي بروهل أنّ هذا التفكير (قبل – المنطقي) يعبّر عن انشغالات أخرى تجاوزها التفكير التجريبي في الغرب، وهو استنتاج طبيعي إذا استحضرنا التأثّر البالغ بأطروحة أوجست كومت حول المراحل الثلاث لتطوّر الفكر البشري . وهذا ما يدعونا إلى تأكيد أنّ الاختلاف بين العقلية البدائية والغربية، حسب ليفي بروهل، اختلاف في الطبيعة والجوهر ، وليس في الدرجة فحسب.

 

– العقل البدائي من وجهة نظر إيميل دوركهايم:

كان لا بدّ من الإشارة، باقتضاب شديد، إلى ليفي بروهل قبل التطرّق إلى إيميل دوركايم، الذي انخرط في هذا النقاش إثر كتاب ليفي بروهل المشار إليها آنفاً، وذلك سنة (1913م) في مجلة (السنة السوسيولوجية). لقد وقف على الضد من ليفي بروهل، وأكّد أنّ استمرارية التطوّر المنطقي ابتداءً من الأسطورة، والتفكير الديني، فالتفكير الغربي. يقول دوركايم إنّ “المنطق الغربي وُلِد من المنطق البدائي” . كما أنّ تفسيرات العلم الحديث أكثر موضوعية؛ لأنّها أكثر منهجية فحسب، وناتجة من ملاحظات مراقبة بدقّة، ولكنّها لا تختلف، في الطبيعة، عن ما تتشبع به العقلية البدائية .

لا توجد هوّة بين منطق الفكر الديني، ومنطق الفكر العلمي، يتكوّنان معاً من العناصر الأساسية نفسها، لكنّهما تطوّرا تاريخياً بشكل مختلف، وغير متساوٍ. ففي كليهما، عندما نقرّب نُدمج، وعندما نُميز نعارض، وهكذا من العمليات الذهنية . على الضد من ليفي بروهل، دائماً، أكّد دوركايم شمولية الفكر الإنساني، “فالروح العقلانية، تتمظهر في شكل بسيط؛ لأنّ الحاجة إلى الفهم كونية، وبوجه عام إنسانية” .

يستجمع بودون الرؤية نفسها عن دوركهايم من خلال كتابه (الأشكال)، في تفسير المعتقدات الجماعية، التي يلحُّ فيها على مبدأين؛ الأوّل: أنّ معارف المُلاحِظ ليست هي نفسها معارف المُلاحَظ، ولا هما يستعملان المفاهيم نفسها؛ إذ لكلِّ حضارة نظامها المفهومي المنظّم الذي يميّزها . يؤكّد دوركايم مبدأ آخر، فعلى المُلاحِظ أن يحترس من إسقاط معارفه ومفاهيمه الخاصّة على المُلاحَظ، وأن ينطلق من افتراض أن (البدائي) مثله لا يقتنع إلا بما يرى له معنى بالنسبة إليه، فهو يعتقد في فائدة وصفة علاجية؛ لأنّه مؤمن بالطب الذي وصفها . من هنا، يعلّق بودون مقارِناً: “تبدو منهجية دوركايم، هنا، غير متمايزة عن منهجية فيبر، حيث المقصود بتفسير أحد المعتقدات هو الاهتداء إلى معناه، بالنسبة إلى من يعتقد به؛ أي افتراض هذا المعتقد (عقلانياً)، وبعبارة أخرى، يعني الاهتداء إلى (الأسباب) الكامنة وراء الاعتقاد بها.

إنّ الفرضية الأشمل، التي ينطلق منها دوركهايم هي كونية التفكير البشري ، وأنّ الزعم بتعارض الفكر الحديث، والفكر التقليدي من أوهام المركزية الاجتماعية (sociocentrisme)، فبدل أن ننسب إلى البدائيّ (عقلية بدائية)، أو (فكراً متوحِّشاً)، يجب أن نسند إليه القواعد التي نعتمدها في استدلالاتنا، ونعترف، ببساطة، بأنّه لم يكن في إمكانه بلوغ معرفة تطلّبت من المجتمعات الغربية قروناً طويلة في تكوينها، فإذا تجرّدنا من (التمركز الاجتماعي) أصبحت معتقداته مفهومة من قبلنا ؛ لذلك يقول دوركايم، معلقاً على مفهوم الذهنية البدائية: “من المستبعَد (…) ألا يكون لهذه الذهنية أيّة علاقة بذهنيتنا. لقد نشأ منطقنا من هذا المنطق بالذات”.

 

– المعتقدات السحرية من وجهة نظر إيميل دوركايم:

يعالج دوركايم المعتقدات السحرية، كمعتقدات جماعية، معتمداً على مبدأ ألمحنا إليه سابقاً، وهو أنّ علم (البدائي) ليس هو علم الإنسان الحديث، ولاسيّما منهجيّة الاستدلال السببي، التي يتقنها الرجل الغربي . إنّ السببية طريقة في النظر إلى الطبيعة والواقع من نتاج العقل الحديث في ربطه بين معطيات التجربة المحسوسة، والبدائي لم يكن في حاجة إليها، فكانت التعاليم الدينية، ومخزون المعارف المتاح، هما الكفيلين بالتنسيق بين تلك المعطيات. “إنّ الشرط الأساسي ألّا يُترك الفكر أسير المظاهر الحسيّة، وإنّما صقل قدرته على إحكام السيطرة والتقريب بين ما تباعد من معانٍ” بتعبير دوركايم . يقول دوركايم: “إنّ الخدمة العظيمة، التي قدّمتها الديانات إلى التفكير، تتجسّد في إنشائها تمثُّلاً أولياً لما يمكن أن تكون عليه علاقات الصلة بين الأشياء” . وهكذا فإنّ المعتقدات السحريّة للبدائي عبارة عن وصفات مستمدّة من (البيولوجيا) المبنيّة على أساس المعارف السائدة في مجتمعه .
يدافع دوركايم عن وجهة نظره، ويفترض اعتراضاً وجيهاً؛ إذ كيف يمكن أن نفسِّر افتقار الوصفات السحرية إلى الفاعلية حيناً، وتناقضها مع الواقع أحياناً أخرى؟ لقد كان دوركايم واعياً بهذا الاعتراض، الذي فعلاً يواجه به كلّ ملاحظ للوصفات السحرية؛ لذلك انطلق دوركايم من مبدأ السببيّة نفسه، وعلاقته بمبدأ اختلاف معارف الإنسان البدائي عن معارف الإنسان الحديث، واعتمد على حجج من العلم المعاصر. فحسب دوركايم، ليس من السهل تعريض أيّة علاقة سببيّة إلى النقد، وما يقوم عليها من نظريات؛ لأنّ ذلك يقتضي استعمال أدوات إحصائيّة لا يتوافر عليها البدائي . حتى في العلم الحديث لا يُسارع العلماء إلى فقدان الثقة في النظرية عندما يتنافى أحد المعتقدات السببية مع أحكام التجربة والملاحظة ، وهذا ما يفسّر استمرار نظرياتٍ قروناً، على الرغم من وجود وقائع تدحضها؛ لأنّ (تكلفة الخروج/ التخلّي) عن إحدى النظريات قد يكون باهظاً جداً ، بدل ذلك يمكن أن يكون العنصر المسؤول عن تناقض النظرية عبارة عن عنصر عارض (artefact)، ومن ثمّ يكفي إجراء تعديل طفيف ليتبدّد التناقض . وإجمالاً، فإنّه من العقلاني الاحتفاظ بنظرية تناقضها الوقائع، والسعي إلى تعديلها خير من استبعادها. يقول دوركهايم: “عندما يؤيّد قانون علميّ بتجارب عديدة ومتنوعة، فإنّ التخلّي عنه بسهولة، فور اكتشاف واقعة تظهر مناقضة له، يخالف كلّ منهجية” . والسحرة، حسب دوركايم، يشتغلون مثل العلماء المعاصرين، ولا يجدون صعوبة في وضع (فرضيات مساعدة) (hypothèses auxiliaires)، لتبرير فشل نظرياتهم، فيبرّرون الأمر، مثلاً، بأنّ الآلهة في مزاج سيّئ هذا اليوم، أو بعدم إتمام الطقوس، أو أيّة عوامل غير محدّدة شوّشت على التجربة .

من جانب آخر، فالطقوس التي يقوم بها البدائي لهطول المطر، أو تسهيل توالد القطعان، أو العلاج، تُقام في الفترة المواتية لحصول النتيجة المرجوّة، في وقت هطول المطر، أو في فترة توالد القطعان . يقول دوركايم: “إنّ المطر أكثر ما يهطل، في الواقع، خلال الفترات التي تمارس فيها هذه الطقوس، فتتعزّز الثقة عند البدائي بما يفعل؛ ولذلك يحصل الاعتقاد بوجود تلازم سببي زائف قطعاً، لكنّه واقعي . وعلى أساس ذلك، يتمّ اعتبار حالات الإخفاق استثنائية” . يلخّص دوركايم سرّ فعالية الطقوس البدائية، بالقول: “ولما لم تكن الطقوس ، لاسيّما الدورية منها، تنتظر من الطبيعة إلا أن تجري في مسارها المعتاد، فلا عجب إن بدت الطبيعة وكأنّها تخضع لتلك الطقوس” . يؤكّد هذا التفسّير أنّ البدائي -بشيء لا يخلو من دهاء- يقوم بطقوسٍ في ظروف مواتية لنجاحها، حسبما تعلم من خبرته المتاحة.

 

على سبيل الختام:

يعدّ النقاش، الذي عرضناه أعلاه، حول العقل البدائي، أساسياً لنظرة الأنثربولوجيا لكلّ موضوعاتها، ويؤكّد حيوية الجدل، الذي لم يخضع لتصوّر وحيد، ينظر بشكل سلبي إلى تلك المجتمعات، كما يروّج عن الأنثربولوجيا. ففي الوقت الذي كان ليفي بروهل يصف البدائي بالعقل قبل – المنطقي، وارثاً إرث أوجست كومت، وممارساً له في الأنثربولوجيا، كان دوركايم، وأيضاً، فيبر وبواس الذين عاصروه، يحاججونه في قصور تصوّره ولا نسقية معطياته، وعوض ذلك، انطلق دوركايم من فكرة كونية التفكير البشري، وترابط حلقاته. وهكذا تبدو نظرية دوركايم حول المعتقدات السحرية مقنعة، من حيث الحجج التي قدّمها؛ لأنّها، من جهة أولى، استطاعت أن تبيّن أنّ مصدر معتقدات الإنسان الحديث هي نفسها مصدر معتقدات الإنسان البدائي، واستطاعت أن تصوغ ما يدور في ذهن الساحر وجعلها معتقدات (مفهومة) لدينا. ومن جهة أخرى، مكّنت من تفسير الصعوبة، التي نجدها في فهم معتقدات البدائي؛ ذلك أنّه يشقّ على الإنسان الحديث التجرّد من معرفته الخاصّة . وبناءً على هذه الخصائص، يمكن اعتبار المنهج الدوركايمي ممثلاً للوجه الإنساني التواصلي للأنثربولوجيا، الذي سيتكرّس لاحقاً في مدارس أنثربولوجية ظهرت في منتصف القرن العشرين.

 

المصدر:مؤمنون بلا حدود
error: المحتوى محمي