في المرض وفي القوة: مرض رؤساء الحكومة في المئة سنة الماضية – اللورد ديفيد أوين / ترجمة: يوسف الصمعان

في المرض وفي القوة: مرض رؤساء الحكومة في المئة سنة الماضية – اللورد ديفيد أوين / ترجمة: يوسف الصمعان

bf082d15-0f05-4587-a9b4-88d20847cffa

 

غلاف الكتاب الإنجليزي


 لقراءة مقدمة الكتاب

 

1901-1953

“كان على صانعي السلام العناية بالتعامل مع الواقع وليس ما يجب أن يكون. لقد تشبثوا بأسئلة كبيرة وصعبة. كيف يمكن احتواء المشاعر القومية غير العقلانية أو الدينية قبل تفاقم الأوضاع وتزايد الأضرار؟ كيف يمكننا تحريم الحرب؟ إننا لا نزال نسأل هذه الأسئلة.”

images

مارغريت ماكميلان 

يبحث هذا الفصل المرض في القادة السياسيين الذين تولوا السلطة الحقيقية أو أثروا في السنوات من 1901 حتى 1953، في حين يقدم الفصل التالي السنوات 1953 -2007.

شهدت هذه الفترة، أي أكثر من مئة سنة، تغييرات كبيرة في السياسة الدولية والعلوم الطبية. وقد ظهرت الولايات المتحدة الأميركية كقوة عالمية بحلول عام 1918، وفي سنة 1945 كانت الأقوى في العالم أجمع. وسنرى في الفصل الثاني أنه بحلول عام 1989، على الرغم من الهزيمة في فيتنام، أصبحت أميركا القوة العظمى في العالم بعد انهيار الامبراطورية السوفياتية. وفي سنة 2006 تمّ تحدي القوة الأميركية في العراق وأفغانستان، وظهرت الصين قوة عالمية جديدة.


وكان ازدهار بريطانيا خلال الجزء الأول من القرن العشرين قد تعرض لاستنزاف من قبل حربين مدمرتين في أوروبا. وفقدت بريطانيا تدريجيًّا امبراطوريتها قطعة قطعة بعد الحرب العالمية الثانية بطريقة درامية، بعد استقلال الهند الذي تمّت الموافقة عليه في عام 1947. وتمّ الانسحاب من شرق السويس نتيجة لضعف الاقتصاد، واكتملت العملية تقريبًا بحلول عام 1967. وانضمت المملكة المتحدة إلى الاعضاء الستة المؤسسين للمجموعة الاقتصادية الأوروبية سنة 1973 المكونة من تسعة أعضاء، وبانضمام مع كل من الدنمارك وإيرلندا أصبح الاتحاد الأوروبي يضمّ اليوم سبعة وعشرين بلدًا[i]،_ وهي مغامرة فريدة من نوعها لكن مصيرها غير مؤكد.


شهد القرن العشرون إحراز تقدم كبير في العلاجات الطبية، وحصل كل من رونالد روس وألفونس لافيران، وهما من أهم العلماء الذين ساعدوا في إثبات نقل البعوض للملاريا باعتبارها من أخطر الأوبئة في العالم، على جائزة نوبل للطب في عام 1902 و1907 على التوالي.

 

245px-Sir_Winston_S_Churchill

كان تصنيع البنسلين بدأ لتوّه [ii] عندما عولج به ونستون تشرشل من الالتهاب الرئوي الحاد الذي اصابه عام 1943. وتحسن التشخيص الطبي تدريجيًّا طوال القرن وشهد تحولات كبيرة من خلال التقنيات الميكروبيولوجية، كيمياء الدم، الأشعة السينية والكهربائية وCardiograms تخطيط القلب وUltrasonics الموجات فوق لسمعية. وتتالت وتيرة الاختراعات والاكتشافات المعرفية النابعة من البيولوجيا الجزيئية واكتشاف الحمض النووي والتصوير بالرنين المغناطيسي، وانبعاث البوزيترون للتصوير المقطعي بالأشعة. إنها مجموعة غير عادية من العلاجات والأدوية المتاحة غيرّت طبيعة المشاكل الصحية للقادة السياسيين، وبالتالي انعكاس المرض على صنع السياسات. وأصبح بمقدور الناس أن يعيشوا حياة أطول وامتدت حياتهم العملية لفترة أطول.

 

220px-President_Grover_Cleveland

ولا يعني هذا أن القضايا المتعلقة بالمرض وآثاره على رؤساء الحكومة، الموضوع الذي يتناوله الكتاب، ينبع من مكان مجهول ويبدأ ببساطة عام 1901. لقد كانت واحدة من الحالات المرضية الأكثر غرابة لرئيس حكومة هي سرطان الفم عند الرئيس الأمريكي جروفر كليفلاند. ففي فاتح حزيران/ يوليو 1893 أجريت لكليفلاند عملية جراحية لسرطان الفك في سرية مطلقة على متن يخت في ميناء نيويورك. وكان مربوطًا بصفة مستقيمة على كرسي مثبت على عمود من Oneida اونيدا وأعطيت له جرعات من Nitrous Oxide أكسيد النيتروجين مشفوعة بالأثيرEther. وتمت إزالة جزء كبير من الفك وقيل للإعلام إنه يعاني فقط من وجع الأسنان، ونشرت صحيفة فيلادلفيا تفاصيل القصة وتمّ نفي صحة الخبر. وكان كليفلاند الرئيس الوحيد الذي انتخب لفترة رئاسية واحدة ثم خسر الانتخابات وأعيد انتخابه لعهدة رئاسية ثانية وتوفي عام 1908 عن عمر واحد وسبعين عامًا، لأسباب لا علاقة لها بسرطانه الفموي.

ولم تبدأ الحقيقة تتكشف حول حقيقة مرضه إلا في سنة l9l7. وفي 1928 كشف عضو من الفريق الطبي تفاصيل العملية وطبيعة الورم وهو ما تم كشفه وتداوله فعليًّا في آذار/ مارس 1980. وتعتبر قصة كليفلاند وطبيعتها السرية منسجمة للغاية مع محتويات هذا الكتاب. لكن الطب في القرن التاسع عشر اختلف كثيرًا عن كيفية ممارسته في القرن العشرين والدروس التاريخية محدودة إلى حدّ ما وبالتالي تمّ التركيز على المئة سنة الماضية وما شابهها من الأحداث.

لا وجود لخيط طبي يربط بين الحالات المرضية في الحالات التاريخية التالية خلال هذه الفترة لرؤساء الحكومة الذين تعرضوا للمرض أو يعتقد أنهم كانوا مرضى كما انني لم أسعَ من جهتي إلى تجميع حالاتهم بشكل مصطنع، ويسعدني أن أترك تقيّم ترتيبهم الزمني في إطار سياق كل حالة على حدة.

واختلف القادة السياسيون في توجهاتهم السياسية، فمنهم الديموقراطي والديكتاتوري والمستبد وتاريخهم في بعض نواحيه لا يعدو أن يكون مجرد سجلات طبية وجيزة لحالات مرضية فردية. لكن يتّم بناء المعرفة الطبية على مثل هذه الحالات التاريخية وحاولت في الفصل الثامن أن أجمع الدروس المستخلصة لكل الحالات واقتراح توصيات للمستقبل.

 

ثيودور روزفلت

تميزت شخصية تيودور روزفلت بطاقة هائلة. وكان نائبًا للرئيس وليام ماكينلي، الذي اغتيل في 14 أيلول/ سبتمبر 1901. وتولى روزفلت منصب الرئيس عندما كان عمره ثلاثة وأربعين سنة[iii] ، وأعيد انتخابه سنة 1904 وتنحى عن الحكم عام 1909 وهو ابن واحد وخمسين ربيعًا، ويقارن العديد من الأميركيين نموذج رئاسته بأسلافه من كبار الرؤساء أمثال لينكولن وواشنطن. ويوضح ادموند موريس، كاتب سيرة حياته والحائر على جائزة بوليتزر، أسلوب شخصيته الساخن لدرجة وصفها ” بشخصية الحمى” مستشهدًا بفقرة قصيرةPresident-Theodore-Roosevelt من مقال للكاتبة الفرنسية، ليون Bazalgette  “إن هذه الفيضانات من العدوانية الظاهرة، نصفها شراسة ونصفها دعابة، تدل على طاقة جامحة أكثر منها تفكيراً جديًّا. انها جزئية من الإفراط الذي كان جزءا من طبيعة روزفلت. وكان لا بد للسد أن يفيض للحفاظ على المياه العميقة وراءه صافية هادئة “. وبالنسبة للشخص العادي فإن مصطلحات مثل الغطرسة وجنون العظمة قد لا تليق بشخصية روزفلت التي كانت رمزًا للطاقة الهائلة في تسلقها وصعودها الخا ر ق لأعلى درجات السلم السياسي.

وعيّن روزفلت مساعد وزير البحرية في 19 نيسان/ أبريل 1887، نتيجة بعض الضغوط من شيعته، وسرعان ما شقّ طريقه وهيأ البحرية لأي حرب محتملة. وبعد بعد سنة بالضبط صوّت الكونغرس للاستقلال الكوبي، ووقّع الرئيس ماكينلي القرار اليوم التالي واعدًا الكوبيين بالتحكم في مقاليد حكم بلادهم بعد استكمال التحرير.

510vgbKzoyL._SX258_BO1,204,203,200_ودعا الرئيس في 23 نيسان/ أبريل لاكتتاب 125000متطوع للجيش النظامي الذي لم يتجاوز تعداده 28000جندي فقط. وفي غضون أيام أُنشئت ألوية روزفلت لمجموعة الفرسان القاسية وكني بـ “Teethadore” في نيويورك بسبب أسنانه الأمامية البارزة، وهو في غمرة تبوؤ مكانته ليصبح الأكثر شهرة في أمريكا.


وقاد فرسانه تحت اسم العقيد تيدي روزفلت في معركة انتصاره سان خوان هيل في فاتح تموز/ يوليو 1888، في الحرب الأميركية الإسبانية وانبرى كالعاصفة في طريقه إلى منصب حاكمية نيويورك ومن ثم تمّ تعيينه مرشحًا للحزب الجمهوري لمنصب نائب الرئيس.


كتب ثلاثة أطباء نفسيين أميركيين، في سابقة من نوعها، ورقة بحثية عام 2006 تدعي أنه كان من المحتمل جدًّا أن روزفلت كان يعاني من اضطراب ثنائي القطب لما كان رئيسًا، وعلى الرغم من ذلك خلصوا إلى أن الأعراض لم تخل بفعالية الأداء الرئاسي. وذهب البعض إلى وصف روزفلت بأنه أسعد رجل عاش في “البيت الابيض”، بينما اعتبره آخرون مجرد واهم مجنون. وفي 31 كانون الثاني/ يناير 1908 كتب روزفلت رسالة خاصة وجريئة إلى الكونغرس الأميركي، ومن المثير للجدل حديثه عن انضمامه لليسار التقدمي. وهو ما اعتبرته صحيفة نيويورك تايمز نوعًا من الميل إلى “الوهم”، لا سيما الأوجه التي تتعلق بمؤامرات ضده وصفتها صحيفة نيويورك صن بعينة من “الهجاء الطنان” تستوجب استشارة الأخصائيين النفسيين[iv].

وقد عانى روزفلت من الربو والإسهال الدوري في مرحلة الطفولة، مرض تصفه الأسرة بالكوليرا. وقد حذره طبيب في جامعة هارفارد قائلًا ” إن قلبه يتضرر من مضاعفات مرض الربو وإجهاد التمارين الرياضية لتقوية العضلات وإنه إذا لم يتريث فلن يعمر طويلًا لكنه رفض الامتثال للنصيحة الطبية، وفي تموز/ يوليو 1883 تعرض لأزمتين حادتين من أزمات الربو ومرض الإسهال وصفهما فيما بعد بالكابوس. وتوفيت أمه إثر إصابتها بحمى التيفوئيد في 14 شباط/ فبراير 1884 وفي غضون، إحدى عشرة ساعة من وفاتها توفيت زوجته أليس لي، بعد ولادة طفلهما، متأثرة بأزمة من الفشل الكلوي، أي ما يسمونه “مرض برايت”، مما دمر حياة روزفلت النفسية. ووصف انهياره في مذكراته بفقرة كبيرة سوداء وخالية واضاف “لقد خرج النور من حياتي ” وفي الخامسة والعشرين من عمره استغرق وقته في ممارسة الرياضة البدنية باعتبارها ملجأ للتغلب على الحزن الذي وصفه “بالعناية السوداء ” وأوضح أن ” نادرًا ما كان يرضى عن سرعة أي متسابق يجلس وراءه وبعد قضائه فترة زمنية في المزرعة الريفية لركوب الخيل وممارسة الرياضة، تعرض لأزمة أخرى من الربو طيلة أسبوعين في أواخر آذار/ مارس وبداية نيسان/ أبريل. وبينما كان في أجواء المزرعة وتربية المواشي اكتسب قوة بدنية تحدث عنها كاتب السير جو ويليام روسكوثاير، الذي تعرف عليه في جامعة هارفارد، بتنبُئِه لهذه العينة من الرجولة الرائعة برقبة عظيمة وكتفين عريضين وصدر قدير، بأنها ستكافح من أجل التوفيق بين المطالب المتضاربة لعقل وجسم قويين. كما تعرض لأزمة أخرى من الربو في أيلول/ سبتمبر 1887 عندما جاء المخاض لزوجته الجديدة، أديث. ومن شبه المؤكد أن هذا القلق كان من بين الاسباب التى أدت لمرضي الربو والإسهال. وبناء عليه فإن القلق اضطراب عاطفي يمكن تشخيصه كنوع من الاكتئاب والاضطراب ثنائي القطب.


وكان إليوت [v]شقيق تيودور روزفلت الأصغر قد توفي بعد نوبة صرع وعرف عنه تناوله المفرط للمشروبات الكحولية الخطيرة. ورفع إليوت دعوى قانونية في أواخر 1891 ضد صحيفة نشرت خبر جنونه ونفى صحة الخبر. وانعكست تلك الأحداث على تيودور الذي لم يستطع مغادرة سريره لمدة ثمانية أيام، نتيجة الإجهاد الناجم عن تعامله مع قضية شقيقه. واعترف تيودور عندما كان حاكما لنيويورك في عام 1899 بتعرضه لفترات قصيرة من الاكتئاب في ذلك الربيع. وكتب ادموند موريس كنايته معلقًا على تلك الفترة بأنها شهدت ” وقوع روزفلت في مستنقع الاكتئاب واليأس”.

ولذا فإن هناك دليلًا واضحًا على أن القلق السريري والاكتئاب أثّرا على صحة رجل يبلغ من العمر اثنين وعشرين ربيعًا بينما يراه البعض في قمة صحته ونشاطه لما كان نائبًا لرئيس الولايات المتحدة الأميركية. وبينما كان روزفلت يتسلق أعلى قمة لاديرونداكس في ولاية نيويورك، أخبره حارس بأن ماكينلي قُتل بطلقات نارية. وأصبح رئيسًا لأكثر من سبع سنوات لم تتأثر فيها قدرته على اتخاذ القرارات بفعل تأثير مرضي الربو والقلق بعد أن خفت حدتهما.

وفي شبابه غلبته دوافعه العدوانية وفي نضجه تغّلب على حالته النفسية وسيطر على احتوائها كبركان يغمد حممه الصلبة دون انشطار لمدة ثلاث سنوات قبل توليه منصب الرئاسة. وفي البيت الابيض كان روزفلت ممارسًا للملاكمة، ربما للتخلص من عدوانيته، وخلال تلك المباراة الرياضية أصيبت عينه اليسرى بعمى دائم لم يبلَّغ به العموم على الإطلاق.

وليس هناك حالة واضحة وأكيدة من فترات الهوس في حياة روزفلت. ولكن تشير بعض الأدلة إلى نوع من الميل للهوس. وينام روزفلت نومًا متقطعًا، بعد دوامه لفترة ثماني عشرة ساعة يوميًا يحّس بعدها بالراحة والانتعاش وهو نقيض ما يحدث عادة مع من يعاني من اضطراب Hypomania ” ما دون الهوس ” أو كما يترجم رسميا ” بالهوس الخفيف [vi]“.

 ومن الجيد في حالته رغم التناقضات في التوصيفات، أن الجمهور يعتقد أن سلوكه تظهر عليه علامات جنون العظمة، وأما الأطباء فيشخصون بما دون الهوس أو Hypomania  . وبعد فوزه في انتخابات عام 1904، أعلن روزفلت وهو في  فرط مزاجي ، أنه سوف يحذو حذو جورج واشنطن بعدم ترشيح نفسه لإعادة انتخابه عام 1908.

وزٌعم أنه كان في حالة من الغضب والهوس” Mania  “عندما هاجم مؤسستي “عالم نيويورك” و “اخبار إنديانا بوليس “ بتهمة التشهير الجنائي عام 1908. وفي 15 كانون الأول/ ديسمبر أرسل رسالة نارية إلى الكونجرس، أجاب فيها بإثبات أن هناك بعض الإجراءات الفاسدة التي يقوم بها نيابة عن حكومة الولايات المتحدة بخصوص الحصول على لقب لقناة بنما من الشركة الفرنسية”Universelle Interoceanique”  قائلًا : “لقد كانت قصصًا تشهيرية , مزيفة وبذيئة ولا أساس لها من الصحة ” وهاجم بشدة جوزيف بوليتزر، المدير المالك لعالم نيويورك، الذي كتب في نيويورك تايمز قائلًا “إنه معترض بشدة على سياسة روزفلت وما يميّزها من الإمبريالية والنزعة العسكرية، والشوفينية ؛ فله مزاج عام ينعدم فيه القانون وتشتد فيه الاستبدادية، احتقار للكونغرس، واساءة للمحاكم. آسف حقًّا إنه ينبغي أن يغضب أكثر، وسوف jستمر صحيفة “عالم نيويورك”   في انتقاده دون مثقال ذرة من خوف حتى وإن نجح في إقحامي لتحرير الصحيفة وأنا في السجن.”


وبصرف النظر عن نوبات غضبه، ففي عهدته الرئاسية حطم روزفلت رقمًا قياسيًا في الإنجازات. وإدراكًا منه لضرورة استراتيجية اختصار المسافة بين المحيطين الأطلسي والهادئ، طالب ببناء قناة بنما. ومع تفسيره لعقيدة مونرو[vii]   المن إنشاء قاعدة أجنبية في منطقة البحر الكاريبي، وافتراض بأن الولايات المتحدة هي وحدها من يحقّ لها التدخل في شؤون أمريكا اللاتينية. تحررت كوبا وعززت عناصر القوات المسلحة الأمريكية. وتحقق السلام بين اليابان وروسيا في عام 1905، إنجاز حصل بموجبه على جائزة نوبل[viii] هو أول رئيس أمريكي كان الاهتمام منصبًّا على تنقية الأجواء السياسية الداخلية رغم ما صاحب ذلك من انكسار لقواعد الثقة في نظام اقتصادي حر. اعترف روزفلت بأخطائه الجسيمة في التعامل مع قضية الجنود السود في حادث براونزفيل في آب/أغسطس 1906. وغادر روزفلت السلطة كأعظم سياسي في مجال البيئة بعد إنشائه لخمسة حدائق وطنية وثمانية عشر معلمًا. وكان محبوبًا نتيجة لإنجاراته التي حققها بانتزاع السلطة من الكونغرس أوعن طريق الأوامر التنفيذية، رغم مزاجه الصعب واستبداده وقلة صبره وعدوانية في بعض الأحيان.

وكشخصية تتمتع بالاحترام ولها عداواتها القوية، واختار كما وعد ألا يترشح لانتخابات 1908 م روزفلت عن السلطة بعد عجزه عن التكيف مع حياة التراخي والتقاعس عن العمل. وسرعان ما ندم على تأييده لترشح وزير دفاعه وليام هاورد تافت ت الذي فاز بالرئاسة. ولم يكن تافت فعالًا لمعاناته من مشاكل صحية كاضطراب النوم وصعوبة بالغة في التنفس هذا إضافة إلى سمنته وسباته العميق، مما جعله يعجز عن ممارسة مهامه. لم يكن روزفلت حكيمًا في قراره أن يحارب في نفس الوقت كل من هوارد تافت خليفته الجمهوري و وودرو  ويلسون ، المرشح الديمقراطي، وتقديم نفسه كمرشح ثالث للحزب. أطلقت عليه النار أثناء الحملة الانتخابية، أنقذته سترة الحماية على صدره وتحت سترته. وتابع متحدثًا على الرغم من قميصه الملطخ بالدماء، أثر رصاصة استقرت في صدره، معلنًا، “قد يتطلب الأمر أكثر من قتل بول موس وهو الاسم الذي اختاره لحزبه !” وفاز في الانتخابات بفعل الانقسام الحاصل في الحزب الجمهوري في تشرين الثاني/ نوفمبر 1912.

وكتب ثاير عن ذلك التحدي المشئوم بالكلية الانتخابي : واصفًا   ثيودور روزفلت  بأنه  “إذا لم يتمكن من الفوز ليحكم فسيخرب “. وعاد الادعاء القديم إلى الواجهة لاتهامه بالجنون من جديد، لكن هذا لم يعجزه عن الفوز علي خليفته   الرئيس الحالي  وقتها تافت — فإنه كان يعاني من ما تشير إليه أسرته بوصفها الدقيق ” Bruised spirit” “روح رضوض ” ؛ لقلقها البالغ على صحته العقلية، وتكتمها على الأمر, طلبت أسرته زيارة الطبيب الكسندر لامبرت، لمعاينته. واعترف روزفلت للامبرت، بعد أن أصبح شخصية سياسية منبوذة، قائلًا: “لقد كنت وحيدًا لدرجة لا يمكن أن توصف ولا أن تصدق، إنها عزلة مطبقة ورفض مطلق، فيكف لرجل حتى نفسه ترفضه [ix]“.


ومرة أخرى سعى روزفلت للتغلب على الاكتئاب من خلال العودة لممارسة المغامرة والرياضة والبدنية، وذهب في رحلة استكشافية لرسم “نهر الشك” في البرازيل في 4 تشرين الأول/ أكتوبر 1913.ذلك النهر، الذي يحمل اسمه الآن هو أحد روافد نهر الأمازون المتعرج في طريقه على امتداد مساحة تقارب 1000 كيلومتر من الغابات البرازيلية الممطرة. هناك ولد روزفلت من جديد واستعاد نشاطه فيها، على الرغم من أنه كاد أن يموت في مرحلة من مراحل رحلته. وقال لابنه كيرميت أن يواصل المسيرة رغم مخاطرها على حياته وأن يتركه وراءه مع قارورة من المورفين كان قد أحضرها في سفره فقط لمثل هذا الاحتمال. ورفض كيرميت المسير دون المصاب بالحمى مما استدعى أخذ حقنة في فخذه. وكان روزفلت محظوظًا لقدرته على البقاء وعودته بطلًا إلى ميناء نيويورك في 19 أيار/ مايو1914.


وبعد سنوات قليلة، رفض من الرئيس ويلسون إعطاء الإذن لروزفلت 
للذهاب إلى فرنسا للقتال في الحرب العالمية الأولى التي فقد فيها لاحقًا ابنه كوينتين. وتوفي ثيودور روزفلت في سن الستين في 6 كانون الثاني/ يناير1919.


وقال عنه زميلي أخصائي الطبيعة، جون بوروز، واصفًا هذا الرجل الرائع الذي كان قد تعرض لحالات من الاكتئاب الدوري والقلق، وربما كان يصارع طوال حياته الاضطراب الثنائي القطب: “إن العالم أكثر وحشية وبرودة لغيابه عنه. ولا يمكن أن نتطلع إلى نظيره”.

 

 

 


هوامش المترجم:

[i]  زادت إلى 28 بلدا منذ بعد صدور الكتاب.

[ii]   عند تصنيع (البنسيلين) الذي كان بإمكانه إنقاذ المحاربين، أخفي من قبل دول الحلف عن دول المحور كما حدث في الحرب العالمية الثانية مما رجح كفة المنتصر.

[iii] ثيودور روزفلت هو أصغر من أستلم الرئاسة الأمريكية، ويبقي جون كندي أصغر من انتخب رئيسا.

[iv] زار أثناء رئاسته القاهرة وجال معالمها وصعد قمم الأهرامات الثلاث!

[v] إليوت هو الأخ الأصغر لثيودور وربما شهرته أتت لاحقا بعد زواج ابنته Elenear    من الرئيس فرانكلين روزفلت الذي يلتقي معهما في الجد الخامس: وتعد إلينير روزفلت السيدة الأولي الأكثر شعبية في أمريكا. وحظوظها عالية بأن تكون أول امرأة توضع صورتها على العملة: فئة العشر دولارات بدلا من الإكسندر هاملتون.

[vi] يري بعض أطباء المراج ومنهم يعقوب أكيسكال وجود اضطراب ” مادون الهوس المزمن يتجلى عادة بالنشاط المفرط منذ الصبا، والتنافسية، الإنجاز، والفرط الجنسي حتى الدعارة وإن لم تكن مستقيمة مع مبادئة. هذا النوع قل أن يتعرضون لنوبات اكتئاب حتى يتجاوزوا الخمسينات. لا يعتد بهذا الاضطراب في ICD10 , DSM5, أنظر أكيسكال : دورية عيادة الطب النفسي لشمال أمريكا 1998 .

[vii] جيمس مونرو: الرئيس الخامس لأمريكا، وقبلها وزير الدفاع للرئيس ماديسون، هو آخر رئيس أمريكي من الأباء المؤسسين.

[viii] حصل على جائزة نوبل للسلام عام 1906 ليصبح أول رئيس أمريكي يحصل عليها، وتلاه ثلاثة.

[ix] قد يستقيم هذا مع توصيف يعقوب اكيسكال : ما دون الهوس المزمن والذي يختم عادة باكتئاب شديد.

error: المحتوى محمي