في المتن الفيثاغوري وإشكالاته – الطيب بوعزة

في المتن الفيثاغوري وإشكالاته – الطيب بوعزة

مقدمة

خلال الحديث عن السيرة الفيثاغورية توصلنا إلى أن الفكر الفلسفي الفيثاغوري القديم، تشارك في تأسيسه فيثاغور وألكميون وفيلولاوس وأرخيتاس… بل وأشرنا إلى أن إسهام التلامذة في تأسيس هذا الفكر كان أكبر من إسهام المعلم نفسه ؛ الأمر الذي استوجب أن نخصص مساحة من السيرة لأولئك التلامذة / المؤسسين ، جنبا إلى جنب مع فيثاغور.

والنهج الذي سرنا عليه في الفصل السابق ، سننتهجه أيضا في هذا الفصل؛ حيث لن نتكلم عن “شذرات” فيثاغور، بل أيضا عن شذرات الفيثاغوريين المنتسبين إليه.وانتهاج هذا النهج ليس اختيارا منا، بل يلزمنا به الوضع الإشكالي الذي يحيط بالمتن الفيثاغوري، كما سنوضح في ما يتلو من صفحات.

وعليه سيكون مبتدأ بحثنا هو دراسة ما ينسب إلى فيثاغور؛ من خلال تتبع حضوره في المتن الفلسفي ؛ أي بدءا من المتن الأفلاطوني والأرسطي ، حتى المتن الدوكسوغرافي الذي حفظ لنا متن “الأبيات الذهبية” ، الذي نعتقد أنه يحتوي على مقولاته ورؤاه. وسيكون القصد الموجه لنا خلال ذلك هو ضبط مساحة حضور فيثاغور في المتن الفلسفي؛ وبيان محدودية حضوره  المعرفي .

وبتحقيق القول في مأثورات فيثاغور، سننتقل إلى شذرات تلامذته والمنتسبين الى مذهبه، بدءا من بيطرون الهيميري، وهيباس الميطابونطي حتى أرخيتاس

ثم لن نتوقف عند جرد الشذرات بل سنقارب الإشكالات التي تحيط بالشذرة الفيثاغورية ، ونوعية المؤثرات الثقافية والفلسفية التي دُوِّنَتْ في سياقها ، لكي نعي كيفية الاستمداد منها لبناء حقل البحث.

وبما أن الغاية من هذا الفصل هو تهيئة حقل البحث ، بجرد الشذرات وضبط مظانها، فإننا لن نتوقف عند سرد أعداد الشذرات وعناوين مواردها ، بل سنؤرخ أيضا لمصادر الفكر الفلسفي التي وثقت ودرست الفلسفة الفيثاغورية، مع تحديد أزمنتها ، وإيضاح النزوعات الفكرية التي سادتها.

وإيجازا، يمكن القول إن المهمة التي علينا إنجازها فيما يتلو من سطور تتلخص في ضبط مأثورات فيثاغور، وإحصاء شذرات المنتسبين الى مذهبه، وجرد المصادر القديمة التي فسرت وتأولت المقولات والأفكار الفيثاغورية، مع الكشف عن النزوعات الفكرية التي هيمنت عليها.

وعليه، تنتظم السطور الآتية وفق ثلاثة مطالب:

المطلب الأول: التماس ما تبقى من فيثاغور ضمن قصيدة “الأبيات الذهبية”.

المطلب الثاني: جرد ماذا تبقى من مكتوبات الفيثاغوريين.

المطلب الثالث: جرد المصادر الدوكسوغرافية من حيثية الحضور الفيثاغوري فيها، وذلك بدءا من ثيوفراسطوس، وأريستوكسين الطارينطي، وديسيارك الميسيني، وانتهاء بديوجين اللايرسي وجون سطوبي وفوتيوس.

-1-

 

ماذا تبقى من فيثاغور ؟

– بين نفي الكتابة وإثباتها –

 

 

يقول أستاذ الفلسفة الإغريقية، جون فرانسوا ماطيي   Jean-François Mattéi  في كتابه “فيثاغور والفيثاغوريون”:”لم يكتب فيثاغور أي كتاب، وهذا ما يذهب إليه جاليان، وفلافيوس جوزيف، وكلوديان ماميرت،ولوسيان، وبلوتارك،وأرسيسلاس وكارنياد.” ([2])

وهذا القول الذي يذهب مذهبه ماطيي Mattéi  لا نرى له أي قدر من التوثيق، رغم ما أورده من أسماء الدوكسوغرافيين لدعمه. بل أكثر من ذلك فإن الإيراد الذي جاء به ماطيي في سياق الاستدلال نرى فيه خطأ من جهة، واختلالا منهجيا من جهة ثانية :

– أما عن الخطأ ، فقد نسب ماطيي Mattéi  القول بأن فيثاغور لم يكتب إلى أرسيسلاس Arcésilas([3])، وكارنياد Carnéade([4]). والحال أن هذين الفيلسوفين لم يقولا ذلك. وأزعم أن سبب التباس الأمر على ماطيي Mattéi  هو أنه تسرع في قراءة نص لبلوتارك جمع فيه أسماء بعض الفلاسفة الذين لم يكتبوا، فقال :”لم يترك فيثاغور ولا سقراط، ولا أيضا أرسيسلاس أو كارنياد، مؤلفا مكتوبا.”([5]) .هذا هو النص الذي أرجح أن ماطيي قرأه بتسرع، فظن بأن هذين الفيلسوفين قالا بأن فيثاغور لم يكتب، بينما أوردهما بلوتارك مع فيثاغور وسقراط بوصفهم جميعا لم يكتبوا . فهما إذن وردا في نص بلوتارك موصوفين بعدم الكتابة لا واصفين لغيرهم، أي لفيثاغور كما ظن ماطيي!

كما أن كل الذين ذكرهم جون ماطيي، أي : جاليان، وفلافيوس جوزيف، وكلوديان ماميرت،ولوسيان، وبلوتارك، هم جد متأخرين عن فيثاغور، حيث إن أقدمهم، أي بلوتارك ينتمي إلى  القرن الثاني الميلادي ! بينما ثمة غيرهم ممن هم أقرب بكثير من بلوتارك إلى زمن فيثاغور، يُنسب إليهم موقف مخالف للموقف الذي انتهجه ماطيي مستندا على تلك الشواهد التي ذكرها.  ودليل ذلك أن ثمة في متن ديوجين اللايرسي، الذي انتقى منه ماطيي شواهد وأغفل أخرى، شهادات عديدة في إثبات الكتابة لفيثاغور . ولنبدأ بأقدم شهادة، و أعني بها شهادة الفيلسوف هيراقليط – الذي عاش في القرن السادس قبل الميلاد، أي في الزمن ذاته الذي عاش فيه فيثاغور-، حيث يقول عن فيلسوف ساموس :”قدم في كتاباته حكمته الخاصة.” ([6])

صحيح لا نأخذ القول المنسوب إلى  هيراقليط بوثوق، فوروده عند اللايرسي ليس دليلا بحد ذاته، ومعلوم أن حتى مصنفي الشذرات الهيراقلطية يدرجون المقول السابق ضمن “الشذرات المشكوك فيها”([7])؛ لكن استحقاقه الإيراد في سياق نقد القائلين بعدم وجود مكتوبات لفيثاغور، آت من كونه شهادة في مقابل الشواهد الأخرى النافية للكتابة، ويفضل عليها بالقدامة ولا تفضل عليه بالوثاقة. إذ هي أيضا تشترك معه في الافتقار إلى السند .

كما يورد اللايرسي أيضا شكوى هيراقليط السميرني Héraclite de Smyrne  من أن كتابات فيثاغور “غامضة”. وفي القرن الخامس قبل الميلاد يقول المؤرخ إيون الشيوني، في سياق حديثه عن فيثاغور: “إنه وضع لأورفي بعض قصائده.”([8])

كما ينسب هيراقليد اللامبوسي ([9])،الذي عاش في القرن الثاني قبل الميلاد، إلى فيثاغور عددا من الكتب، منها كتاب “في العالم”، و”بحث في النفس”،  وكتاب “هيلوطاليس” ([10])…

كما أن قولنا السابق بأن ماطيي اعتمد على المحدثين لا على القدماء، لا يعني أن نفي كتابة فيثاغور هو موقف جميع المحدثين من كتاب السير والدوكسوغرافيا، بل إن العديد منهم ينسب إلى فيثاغور كتبا،  مثل  ديوجين اللايرسي، الذي يذكر لفيلسوف ساموس متونا عدة، منها “التربية”، و” السياسة”، و”الطبيعة”…([11])، وبلين الذي نسب لفيثاغور كتابا في “خصائص النبات”([12])،وبرقلس (بروكلوس ) الذي نسب له “خطاب حول أباريس”([13])،كما نُسب له متن  “الهبوط إلى الجحيم”  Descente aux Enfers، حسب المنحول إلى جامبليك بإحالة إلى هيراقليد البونطي.ونَسب له تزيتزيس Tzetzès “كتب التنبؤات”([14]) .

ويتبين مما سبق أن ثمة خلافا كبيرا يقسم الدارسين  للتراث الفيثاغوري حول مسألة كتابات فيثاغور بين بعض المحدثين النافين لها من جهة وبين القدماء القائلين بوجود تلك المكتوبات. لكن ذهابنا خلاف النافين لمكتوبات فيثاغور، لا يعني أننا نأخذ العناوين السابقة بثقة، وننسبها إلى فيثاغور، بل دليلنا على موقفنا هذا هو أن نزوع القدماء نحو القول بأن لفيثاغور كتابات لا ينبغي نفيه بسهولة. إذ ليس ثمة ما يحيل أن يكون، لمؤسس مدرسة لها هيكلة منظمة، وتراتبية تخصصية في تلقي التعليم الفلسفي، ومنه التعليم الرياضي الذي يفترض بيانا فوق البيان اللفظي ، مكتوبات يقدم فيها فكره لتلامذته .

هذا فضلا عن أن ثمة دليلا واقعيا يثبت وجود نص لفيثاغور كان متداولا بين الإتباع، لا تزال بقاياه في متن “الأبيات الذهبية”. وقولنا “لا تزال بقاياه “، راجع إلى أن ذاك المتن الشعري-  بتركيبه المتداول خلال التاريخ الفلسفي، ليس من فيثاغور. ومعلوم أن هوية كاتب المتن كانت مشكلة كبيرة منذ القديم، حيث نُسب حينا إلى فيثاغور، وحينا آخر إلى المدرسة الفيثاغورية دون تعيين ؛ كما يُنسب في بعض الكتابات، خطأ، إلى ليسيس Lysis الطارنطي، بينما هو في الغالب نتاج جمع فيه شاعر، من القرن الرابع قبل الميلاد، مأثورات فيثاغور من متنه الموسوم ب “الخطابات المقدسة”، وصاغها في شكل قصيدة. ولكنه “لكي يغلق بعض الثغرات أضاف بعض الأبيات من عنده.”([15])

وأفضل عمل نقدي درس إشكالية توثيق قصيدة “الأبيات الذهبية”، وميز بين الأبيات الأصلية والأبيات الذي أضافها الشاعر إلى المأثور الفيثاغوري، هو بحث  أرموند دولاط Armand Delate “دراسة حول الأدبيات الفيثاغورية.”([16]).والنتيجة التي انتهى إليها هي أن تسعة وأربعين ونصف بيت من الشعر – من أصل واحد وسبعين بيتا  – هي من الخطاب المقدس لفيثاغور. أي أن واحدا وعشرين بيتا فقط من الإضافات.

ونرجح أن من الأسباب التي حفظت هذه القصيدة من الضياع هو تقليد قدسية تلاوتها ؛ حيث يقول أول شارح لتلك القصيدة، أعني هييروكليس Hiérocles بأن الفيثاغوريين كان لديهم قانون ملزم يوصيهم بأن  يفتتحون صباحهم بقراءة قصيدة الأبيات،  كما أنهم لا يخلدون إلى النوم إلا بعد قراءتها أيضا، فتكون مبتدأ يومياتهم ومختتمها أيضا.

أجل، يبدو أن الفيثاغوريين كانوا بالفعل يولون هذه الأبيات عناية خاصة، وأن تكرار تلاوتها صباحا ومساء كان تقليدا متداولا حتى زمن  “شيشرون وهوراس وسينيك ” ([17]).كما كان جاليان Gallien يحرص هو الآخر على طقس التلاوة ([18]).

إذن ثمة أثر مكتوب يحفظ لنا مقولات فيثاغور نفسه. بل إذا أردنا استقصاء تسميات الخطب الفيثاغورية، يمكن الإشارة أيضا إلى وجود بقايا مأثورات فيثاغور من “أربع خطب، وجه الأولى إلى شباب كروطونا، والثانية إلى مجلس الأعيان Sénat، والثالثة إلى الأطفال،والرابعة إلى النساء.”([19])

صحيح أن المصدر الذي تؤخذ منه بقايا تلك الخطب هو جامبليك ([20]) وقد قلنا غير ما مرة أن جامبليك ليس بالمؤرخ الثقة؛ ولكن ثمة دراسات نقدية حصيفة أبرزت أصلية هذه الخطب، وأن جامبليك استمد معطيات عنها من نصوص قديمة، وهنا نشير بشكل خاص إلى دراسة إيروين رود Erwin Rohde التي “أبان فيها أن جامبليك استمدها من طيمي Timée .”([21])

كما أن فورفوريوس في متنه “حياة فيثاغور” “لخص تلك الخطب ” معتمدا على ديسيارك .

لذا فالحديث المتكرر في كثير من الكتب عن أن فيثاغور لم يكتب أو أنه لم يتخلف لنا عنه أي مقولة موثوقة النسبة إليه، حديث فيه كثير من الاختلال.

لكنني أستدرك لأقول إنه رغم اختلال ذاك الحديث، ففيه للأسف مقدار كبير من الصحة أيضا!

أجل، إنه مختل من ناحية نفي أي مقولة منسوبة لفيثاغور، لكنه صحيح إذا قيل لم يتبق لنا في المقولات المتبقية أثر واضح لفلسفته من ناحية البعد المعرفي البحت. حيث إن القيمة التي يمكن أن نلتمسها في  تلك  الأبيات ومأثورات الخطب هو بيان بعض ملامح الرؤية الأخلاقية والاجتماعية لفيثاغور، أما عن المحتوى المعرفي الفلسفي البحت فلا تفيدنا شيئا ذا قيمة .

تلك هي أطروحتنا في تناول المأثورات التي تبقت من فيثاغور، وسندلل عليها في ما يلي :

 

-2-

في حصر دلالة متن “الأبيات الذهبية”([22])

وإثبات فراغها من البعد الفلسفي الفيثاغوري

 

 

انتهينا فيما سبق إلى أن أقدم  متن يُنسب إلى فيثاغور هو كتاب “الخطابات المقدسة” Hieroi Logoi، ومعلوم أن هذا المتن قد ضاع، ولم يتبق منه إلا ما ضمنه ناظم ” “الأبيات الذهبية” “. وقد قلنا إنه بناء على التحقيق الذي قام به دولاط، يمكن القول إن أغلب تلك الأبيات هي من فيثاغور ؛ وبما أنها أقدم ما يمتلكه التنقيب الدوكسوغرافي، فإنها ذات قيمة بلا شك، تستلزم منا التوقف لإيراد محتواها، وبحث دلالتها.

والفرضية التي ندفع بها في بدء التحليل هي :

إن “الأبيات الذهبية” لا تحتوي “الذهب” الفيثاغوري؛ إذ ليس فيها أي مقولة تخص الجانب الفلسفي البحت. وللاستدلال على هذه الفرضية يكفي سرد محتوى القصيدة :

تتكون قصيدة “الأبيات الذهبية” من واحد وسبعين مقطعا شعريا، مكتوب باللغة الأيونية، يشغلها موضوع محدد، يمكن اختزاله استفهاميا في سؤال :

كيف يحقق الكائن البشري الخلود ؟

 ومعلوم أن سؤال الخلود هاجس ماثل في أقدم تمظهرات الوعي البشري، إذ نجده في أقدم النصوص الميثولوجية، وعند مختلف  الشعوب، مما يثبت أن الوجدان الإنساني مثقل بحلم الخلد. ومن نافل القول الإشارة إلى أن متن  ملحمة جلجامش البابلية، يعد أكثر تلك النصوص انشغالا بذلك الحلم على نحو يعكس شدة حضوره في المخيال البشري .

أما في هذا المتن الفيثاغوري، فيقدم لنا الشاعر الخلود كمطلب ممكن التحقق، حيث يؤسس الناظم الفيثاغوري لإمكانه على نحو مشروط بالالتزام بقواعد أخلاقية محددة . وفي هذا مقاربة نوعية للمسألة. وإن كان من الممكن أن يُفهم تحقق الخلود هنا بالالتزام الأخلاقي تحققا رمزيا .

وفي هذا الترتيب الذي يعطي للأخلاق مرتبة الأولية، يمكن أن نلمس حدسا فلسفيا شبيها بإيقاع الاستدلال الكانطي عندما جعل التأسيس الميتافيزيقي يقوم على الأخلاق ([23])؛ حيث يمكن، بشيء من التجوز، أن نرى هنا أيضا أولوية تأسيسية للأخلاق في مسألة ماورائية .

 وبمجرد قراءة المتن في تتابع أبياته، يتبين أنه ينقسم إلى قسمين كبيرين. ولعل ذلك هو ما جعل هييروكليس Hiérocles  يقسم الفلسفة الفيثاغورية بناء على قصيدة “الأبيات الذهبية” إلى قسمين هما التطهير Purification والتكميل Perfection ، جاعلا من هذين المقامين اختزالا لكل المشروع الفلسفي الفيثاغوري، وإيضاحا لطريقة انتظامه. صحيح إننا نرى في هذا الاختزال، بل وفي القصيدة بأكملها، مساحة أضيق من أن تستوعب كل الأبعاد الفلسفية للفكر الفيثاغوري، كما سنبين بعد حين، لكن هذا لا يمنعنا من اعتماد هذه الملحوظة التي قدمها هييروكليس لفهم  انتظام القصيدة، حيث إنها بالفعل مرتبة على أساس مطلبين، الأول تطهيري للذات، والثاني رفع لها إلى مقام التشبه بالألوهية بسبب حصول ذاك التطهير.

ذاك هو نظام القصيدة بقسميها، حيث نجد الشاعر في القسم الأول يعرض مجموعة من التعاليم الأخلاقية العملية (1-46) تبدأ بوجوب تعظيم الآلهة، والقَسَمِ، والأبطال … واحترام الآباء.. ثم ينتقل الحديث إلى قيمة الصداقة، ووجوب محبة الصديق وتقبله، وعدم القطع معه لمجرد اقترافه أخطاء صغيرة ([24]).

وفي هذا الترتيب دلالة لا ينبغي أن يخطئها الفهم، حيث نجده يعطي الأولوية إلى ما هو ديني (الآلهة)، ثم ينتقل إلى  الأسرة (الآباء) وما تفيده من رابطة القرابة، لينفتح في قيمة الصداقة على ما هو اجتماعي، أي على علاقات أوسع من رابطة الدم.

ثم يبدأ بالمقطع العاشر سلسلة عظات أخلاقية، مصاغة في عبارات أمرية وجيزة، مثل :

“تعود على التحكم في معدتك ونومك، كما يجب أن تتحكم في غريزتك الجنسية”. (المقطع 10)؛ “كن عادلا في الفعل والقول” (المقطع 13)؛ اعلم ” أن  الموت قدر الجميع” (المقطع 15)؛ “لا تفعل ما تندم عليه” (المقطع 29)؛ “لا تفعل شيئا بلا علم ” (المقطع 30)؛ “لا تتجاهل صحة بدنك” (المقطع 32)؛” يجب أن تحتاط من كل الأشياء التي تثير الرغبة.” (المقطع 36)؛”لا تكن بخيلا “(المقطع 38)؛ “فكر قبل أن تفعل”(المقطع 39)؛ ” لا تنم قبل أن تحاسب نفسك على أفعالك في اليوم، وماذا فعلت وماذا كان ينبغي عليك أن تفعل .” (المقطعان 40 و 41).ثم يورد قَسَما باللهجة الدورية (47-48b).

وبعد بسط تلك النصائح، والشدو بذلك القَسم،  يبدأ،من المقطع الثامن والأربعين (b) حتى نهاية القصيدة(48b-71)، في تعيين معالم الطريق الذي يوصل نحو خلود الروح.

وهي لا تختلف كثيرا عما سطره من عظات في القسم الأول . نذكر منها ما قاله في المقطع (65)، الذي يوصي بتطهير النفس. ومن ضمن وسائل ذاك التطهير، الصيام عن أكل بعض المأكولات. لتنتهي القصيدة في المقطع الواحد والسبعين ، بالتوكيد على أن من يتبع هذه النصائح سيكون  “كائنا خالدا، إلها لا يموت، وليس كائنا فانيا.”

فماذا يمكن أن نجد في هذه الأبيات مما يمكن أن نستفيده من ملامح النظرية الفلسفية لفيثاغور؟

نسجل بدءا مجموعة من الملاحظات :

أولا: ليس في القصيدة أي إشارات معرفية.

ثانيا:لا يرد فيها الأصل المؤسس للرؤية الفلسفية الفيثاغورية، أي نظرية العدد.

ثالثا: ليس في متن الأبيات أي فكرة من الأفكار الفيثاغورية المتعلقة بنظرية الكوسموس.

رابعا: حتى بعض الأبيات التي يمكن أن تفهم كناطقة بمحددات الفكر الكوسمولوجي الفيثاغوري، كقوله في المقطع (52) إن الطبيعة واحدة في الكل، هي عبارات موصولة بالعظات الأخلاقية التي تندرج في نسيجها.

وهنا  ينبغي أن نؤكد أننا عندما ننظر إلى بنية القصيدة وكيفية تقسيمها، وتتالي تلك المقاطع بالترقيمات التي وضعت لها، لا ينبغي أن نقع في مزلق القراءة الفاصلة بين المقاطع، إذ عندما نتأملها دلاليا، لا نجدها مقاطع مجزوءة، بل هي موصولة ومتصلة، بل أحيانا نجد البيت الشعري الذي ينتهي به مقطع ما غير مكتمل الدلالة، فيكون المقطع التالي هو تكملته . ولذا من الخطأ الظن بأن المقاطع مجزأة للدلالة على نقلة موضوعاتية. ومن ثم يجب أن نحترس من كيفية القراءة، ذلك لأن كثيرا من التأويلات التي انزلقت في فهوم مجاوزة لمنطوق الأبيات على نحو غير مبرر منهجيا، ناتجة من حسبانها انفصال المقاطع عن بعضها البعض ؛ فتأولت بعضها مستقلا عن سابقيه بينما هو مجرد تتمة . ومثال ذلك تأويل بعضهم للمقطع الثامن القائل: ” إن القدرة مشدودة إلى الضرورة.” كمقول مستقل بذاته، بينما مدلول العبارة موصول بفكرة الصداقة الواردة في المقطع السابع. وكذا تأويل المقطع الثاني والخمسين القائل :”إن الطبيعة واحدة في الكل”، على نحو مفصول عما سبقه. بينما هو مجرد تكملة لفكرة تبدأ من المقطع الخمسين، القائل “ستعرف ما للآلهة الخالدة، وما للبشر الفانين”، وهو المقطع الذي يرد كجملة غير مفيدة، حيث لا يكتمل معناها إلا بلفظ التكوين التي يبدأ به المقطع الواحد والخمسون.([25])

وقس على هذا باقي معطيات المقاطع الشعرية.

وعليه نستنتج أن متن “الأبيات الذهبية” لا يفصح عن أي بعد من الأبعاد المعرفية الفلسفية للفيثاغورية مثل أولوية الرياضيات، أو محددات الكوسمولوجيا… بل رغم كونه يتناول مسألة الخلود، فلا نجد في تلك الأبيات إفصاحا، بألفاظ “صريحة” ([26]) عن نظرية تناسخ الأرواح التي هي فكرة مركزية في نظرية النفس لدى فيثاغور!

وكل هذا يثير بلا شك الاستفهام عن حقيقة الفلسفة الفيثاغورية الأصلية! حيث يبدو لنا نصها الأقدم غفلا من أي إشارة فلسفية يمكن أن نلمح فيها المحددات المعرفية للتفلسف الفيثاغوري. وقد يكون الاحتمال الأقرب لتفسير لغز هذه الأبيات، هو أنها نص أخلاقي أريد له أن يكون محصورا في المسألة التربوية تحديدا.

وإذا انتقلنا من متن “الأبيات الذهبية” إلى المأثورات الوجيزة التي تحفل بها بعض كتب تاريخ الفلسفة وكذا المتون السيرية، سنلحظ أنها هي أيضا مقولات أقرب إلى المثل والحكم، وبعضها يورد في صيغة رمزية مثقلة بالغموض، فلا يفكك مدلولها إلا الفيثاغوري، وذلك حفظا للسر المعرفي من الإذاعة والانتشار. بيد أن هذه المأثورات لا يمكن أخذها بوثوق، ونسبها إلى فيثاغور شخصيا، بل الأحوط لمؤرخ الفكر، أن يجعلها مشاعا منسوبا إلى المدرسة الفيثاغورية ككل .

ومن ثم يمكننا القول إن ما تبقى من فيثاغور يؤسس لإشكالية خطيرة تخص الماهية الفلسفية لفكره؛ حيث لا نجد له أي شذرة موثوقة النسبة تخص الجانب المعرفي البحت، بل ما تبقى هو مأثورات تخص الجانب الأخلاقي من فلسفته، لا يمكن أن يعكس لنا بوضوح، وبدون حاجة إلى إيغال في التأويل، الثوابت أو الأسس الفلسفية للفكر الفيثاغوري؛ حيث لا نلقى هذه الأسس إلا في الشذرات اللاحقة لزمن بدء الفيثاغورية في كروطونا.

وهذا ما يدفعنا إلى الانتقال إلى التماس حضور فيثاغور في المتن الفلسفي والدوكسوغرافي القديم.

فهل في هذا الحضور ما يسد النقص الجوهري للصورة الفلسفية لفيثاغور ؟

-3-

هل كان فيثاغور “فيثاغوريا” ؟!

– بيان ضمور الحضور المعرفي لفيثاغور في المتن الفلسفي القديم –

 

 

إذا تجاوزنا التحقيق السابق الذي سَيَّجْنَا فيه ما تبقى من فيثاغور، ونظرنا إلى ما يتداول في المتن الفلسفي والدوكسوغرافي الذي اعتنى بالتأريخ للفلسفة ما قبل السقراطية، سنجد أمامنا ركاما من القيل عن فيثاغور، لكنه ليس لدينا عن قوله أي شذرة معرفية  موثوقة النسبة والعزو ؛ ومن ثم فالوضع المتني لهذه الفلسفة التي نسعى إلى التأريخ لها هنا،  وضع إشكالي ينبئنا منذ البدء بأن المادة النصية التي ينبغي الاشتغال عليها بلحاظ التحليل والكشف الدلالي قصد فهم فيثاغور، بصفته فيلسوفا ورياضيا، لا  يمكن أن تتجاوز “ما قيل” إلى  ما “قال “.

والفرضية التي نقدمها هنا هي أن المشكلة لا تقف عند حد “القيل”، بل إذا استرجعنا  تلك المصادر الفلسفية والتاريخية ، سنلحظ أن حضور فيثاغور فيها حضورٌ ضامرٌ إذا عايرناه بلحاظ المحتوى المعرفي ؛ حيث لا يجاوز الإشارة الوجيزة التي لا تفيد كثيرا في تأسيس الصورة المعرفية. ولذا فكل الممكن هو التماس الفكر الفيثاغوري المنسوب إلى الأتباع  لا إلى المؤسس، الذي يبقى متخفيا خلف ظلال كثيفة من أقاويل تابعيه، ومؤرخيه.

وعندما نضيف هذا إلى محتوى “الأبيات الذهبية”، التي لم نجد فيها أي إشارة فلسفية، أو حتى حضور لتلك الثوابت المعرفية التي اشتهرت بها الفيثاغورية، يحق لنا أن نتساءل، بشيء من الشك الديكارتي  :

هل كان فيثاغور “فيثاغوريا”؟

لندلل على ما سبق بتتبع ورود فيثاغور، بدءا من القرن السادس (ق م ) حتى أرسطو (القرن 4 ق م ):

لم يتبق لنا من القرنين السادس والخامس قبل الميلاد، عن فيثاغور سوى اسمه، مبثوثا في بعض ما تبقى من النصوص التاريخية والفلسفية . وإذا تجاوزنا ذكر الاسم إلى معطى آخر، فغالبا  ما يكون ذاك المعطى خاصا بالسيرة تحديدا، أو إيرادا لبعض معتقدات فيثاغور في مورد التنكيت والسخرية منه. ولبيان ذلك نحيل إلى ما قلناه في فقرة الهوامش، حيث أشرنا إلى حضور اسم فيثاغور في المتن التاريخي لهيرودوت وبالضبط في الكتابين الثاني و الرابع، وفي الشذرة الأربعين لهيراقليط  (DK22 B40)،وفي الشذرة رقم مئة وتسع وعشرين لأمباذوقليس(DK31 B129). كما يذكره كزينوفان الكولوفوني Xnénophane de Colophon في الشذرة السابعة  (DK24 B7).ويذكره  هيراقليط السميرني Héraclite de Smyrne – حسب  اللايرسي – ؛ كما يرد اسمه عند الشاعر  كراتينوس Cratinos  في قصيدة عنونها ب”الفيثاغورية”، وعند أنتيفون Antiphon، وعند الخطيب إيزوقراط (436-338) في كتابه “بوسيريس” Busiris .وعند أريستيب Aristippe de Syrène في متنه “خطاب في الفيزياء”.

كما أن من أقدم المصادر التي تحدثت عن فيثاغور، متن “الحكماء السبعة” لأندرون الإيفيسي Andron d’Ephèse، وقد تبقى منه بعض إشارات استحضرها أرسطو في متنه عن الفيثاغوريين الذي بدوره لم يتبق منه سوى شذرات قليلة.

كما ذكره أونوماكريط الأثيني، الذي كان مهتما بإعادة صياغة القصائد الأورفية. وفي مورد حديثه عن فيثاغور يتبدى انشغاله بالجانب العجائبي فيما يروى عنه.

هذا ما تبقى لنا من القرن السادس والخامس قبل الميلاد، ومن الملحوظ أنه محصول ضامر جدا من ناحية المعطى المعرفي، حيث ركز الكُتَّابُ على البعد العجائبي في شخصية فيثاغور، أو عناصر من سيرته. ولم يستحضروا  فيثاغور في مورد عرض الفكرة الفلسفية .

فهل نجد لدى اللاحقين لهم سدا لهذا النقص الخطير ؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

3-1 فيثاغور في المتن الأفلاطوني

 

 

 تتحدث النصوص الدوكسوغرافية  عن التقاء أفلاطون بأرخيتاس  وشرائه كتب فيلولاوس . كما أن النظر في الفلسفة الفيثاغورية وتطوراتها اللاحقة يؤكد التقارب الفلسفي بينها وبين الأفلاطونية، حيث سيكون المزج بينهما ديدن الكثير من أتباعهما .  وعليه فإن وثاقة الصلة بين أفلاطون والفيثاغوريين حافز، بلا شك، لحضور الفيثاغورية في متنه. أعني أن القرابة الفلسفية بين أفلاطون والفيثاغورية، تدفع إلى الظن بأنها مبرر كاف لأن يكثر أفلاطون من ذكر الفيثاغورية وتقريظها والإتيان بنصوصها وفكرها .غير أن هذا الافتراض مجرد حدس نظري لا يثبت عند قراءة المتن الأفلاطوني . حيث يفاجئنا أفلاطون بتجاهله لفيثاغور، فلم يذكره سوى مرة واحدة ووحيدة، وذلك في متن الجمهورية (Rep. 600A)،وهو ذكر بالعرض لا بالقصد.

 لنتأمل :

“سقراط : لكن إذا لم يؤد هوميروس أية خدمة عامة، فهل كان مرشدا أو معلما لأي شيء بشكل خاص ؟ وهل كان لديه أصدقاء في حياته، أحبوا أن يصادقوه وسلموا طريقة حياة هوميرية للأجيال القادمة كلها، كتلك التي وطدها فيثاغوراس الذي كان محبوبا لهذا السبب بشكل خاص، والذي ما يزال رفاقه حتى هذه الأيام رائعين بين الآخرين بما يسمونه طريقة الحياة الفيثاغورية ؟

كلوكون: لا شيء من هذا النوع مدون عن هوميروس.”([27])

يتضح من المورد أعلاه أن اسم فيثاغور حضر في  الكتاب العاشر من متن الجمهورية بالعَرَضِ  لا بالقصد . إذ يبدو أن سياق الحديث كان هو نقد المرتبة المعطاة لهوميروس في المخيال الإغريقي؛ حيث يقدم  بوصفه “معلم الإغريق”، بينما هو – حسب أفلاطون – مجرد “شاعر” يتعالق مع الوجود الحسي برابط المحاكاة، وبما أن هذا الوجود هو في المرتبة الثانية من الحقيقة، فالناتج الفني لهوميروس مجرد وهم يقع في الدرجة الثالثة؛ لأنه تقليد لتقليد. كما ينتقد أفلاطون متن هوميروس بدعوى أن ليس فيه أي قواعد لنظم العلاقات الجمعية على نحو يقاربه من مستوى ليسورغ  الإسبرطي Lycurgue à Sparte مثلا ؛ أو سولون الأثيني. ويضيف أفلاطون بأن هوميروس لم تكن له حتى تلك المقدرة على وضع الإرشادات العملية كتلك التي وضعها طاليس الملطي، أو أناخرسيس. كما يتكلم عن فيثاغور بوصفه عَلَّمَ قاعدة ونمط عيش استمر حتى لدى أتباعه الذين يحرصون على تسمية أنفسهم باسمه،أي الفيثاغوريين، وهذا مما يفتقر إليه هوميروس.

هذا هو سياق الإيراد، ومنه يتبين أن حضور اسم فيثاغور كان بالعرض ولم يكن مقصودا، حيث كان المقصود هو نقد هوميروس. كما أن هذا الإيراد لا يحمل أي معطى معرفي مفيد في تقريب الفكر الفيثاغوري، بل كل ما أفادنا به هو إخبارنا بأن الفلسفة الفيثاغورية كان لها قواعد تحدد نمط العيش !

كما تجاهل ذكر أتباعه بوسم “الفيثاغوريين”، حيث لم يستعمل هذا النعت سوى مرة واحدة أيضا، وذلك في متن الجمهورية كذلك (Rep. 530D) وذلك في معرض حديثه عن الموسيقى والفلك ([28]). بل حتى طريقة الاستحضار  تزيد في تعميق  اندهاشنا،  فإذا تجاوزنا  ندرة التصريح بالاسم والوسم الفيثاغوري، فثمة مفاجأة أكبر  في المتن الأفلاطوني، وهي حضور تسميات فيثاغورية دون نسبها إلى المذهب، وهذا أمر يثير إشكالا كبيرا :

– ففي سياق محاورة فيدون(Phédon 61d-62a) ، يتحدث سيمياس Simmias  و كيبيس   Cébès عن أنهما تلقيا التعليم عن فيلولاوس في طيبه Thèbes. لكن السؤال الحائر الذي ينتاب أي قارئ – مهتم بالفلسفة الفيثاغورية – للمتن الأفلاطوني هو أن فيلولاوس يرد عند أفلاطون دون نعته بالفيثاغوري([29])!

– كما يستحضر أفلاطون أرخيتاس،  لكن ما يدهشنا أيضا، هو أنه لم يذكر في أي من مؤلفاته أن أرخيتاس فيثاغوري. تماما كما كان أيضا حاله عند ذكره لفيلولاوس!

وهكذا فالمحصول الذي يتبقى لنا من حضور الفيثاغورية في المتن الأفلاطوني ضامر المحتوى من جهة، باعتبار ندرة تداول اسم فيثاغور في المتن، وملتبس أيضا باعتبار أن الأسماء الفيثاغورية المشهورة مثل فيلولاوس، وأرخيتاس ترد دون نعتها بالوسم المذهبي. وهذه الملحوظة تستلزم السؤال :

ما السر الذي جعل أفلاطون يقتصد كثيرا في ذكر الفيثاغورية، رغم شدة تأثره وإعجابه  بها؟!

وما الذي جعله يورد أسماء فيثاغورية دون وسمها بالنعت المذهبي؟

هل يدفعنا ما سبق إلى الإيغال في إساءة الظن فنقول بأن في هذا الحرص الأفلاطوني على تغييب الفيثاغورية ما يعزز احتمال القول بأنه أخذ منها أفكارها ونسبها إلى نفسه. فكان إخفاء الأصل المرجعي مقصودا؛ لأن أفلاطون اعتمد على ذلك الأصل، وتناص مع أفكاره ومقولاته، واستلهمها أو ضمنها هي ذاتها في رؤيته الفلسفية؟!

لهذا الظن أكثر من مستند، إذ بدءا من أرسطو نلقى تلميحا إلى أن أفلاطون استمد من الفيثاغورية . ففي أكثر من موضع من الكتابات الأرسطية نلقى اشتغال مقاربة تقوم على لحاظ مقارن بين الفكر الفلسفي الأفلاطوني وبين الفيثاغورية . ولا شك أن أرسطو لاحظ هذا التقارب خلال تتلمذه داخل الأكاديمية، كما لاحظ ازدياد النزوع نحو الفيثاغورية داخل المدرسة الأفلاطونية في أواخر حياة أفلاطون. بل لاحظ بلا شك انسياق زملائه من تلامذة الأكاديمية نحو الفكر الفيثاغوري،  الذي من علاماته الدالة خروج سبوسيب Speusippe  عن تعاليم الأفلاطونية عندما أقام “الأعداد” الفيثاغورية كبديل عن “مثل” أستاذه أفلاطون.

ومن ثم لنا أن نقول إن أرسطو عاش هذا التحول الذي حدث لزميله في الأكاديمية سبوسيب، فأدرك عمق التقارب في الرؤى النظرية بين أفلاطون والفلسفة الفيثاغورية . ولذا ليس مستغربا أن يعبر عنه هو أيضا في كتاباته، مع إدراكه لخصوصية الفكر الأفلاطوني أيضا. حيث يقول مثلا في متن “الميتافيزيقا” : ” بعد الفلاسفة الذين تحدثنا عنهم  جاء أفلاطون، الذي مذهبه موافق في الغالب لمذهب الفيثاغوريين، لكن له أيضا خصائصه الخاصة به التي تميزه عن فلسفة المدرسة الايطالية” ([30])

لكن إذا كان أرسطو مع توكيده على التقارب، يشير إلى امتياز النسق الفلسفي الأفلاطوني بخصائص تميزه ؛ فإن دعوى تقارب الأفلاطونية مع الفكر الفيثاغوري عند أتباع الأرسطية تحولت إلى درجة الاتهام بالنحل.  حيث أثمرت المدرسة المشائية  كاتبا يكاد يكون متخصصا في الفلسفة الفيثاغورية هو أريستوكسين، الذي خص هذه الفلسفة بثلاثة كتب هي :”حول فيثاغور”، و”في نمط العيش الفيثاغوري”، و”الحِكَمُ الفيثاغورية” les adages Pythagoriens. ويقوم مشروع أريستوكسين على اعتبار أن أفلاطون “نقل” عن الفيثاغورية واستفاد منها . وتلك هي الفكرة التي ستتحول لاحقا إلى اتهام الصريح لأفلاطون بكونه قام ب”سرقة أدبية ” لأفكار الفيثاغوريين!

ولا نملك من النصوص ما يسمح بتكوين صورة دقيقة عن تفاصيل استدلال أريستوكسين على النحل الأفلاطوني، بسبب ضياع كتاباته، حيث لم يتبق سوى كتابه “باري هارمونيكاس” Peri Harmonikes   وهو متن في الموسيقى تحديدا،و يعد من أقدم ما تبقى لنا من الفلسفة القديمة في شأن علم الموسيقى.

بيد أن اتهام أفلاطون بالأخذ من الفيثاغورية وارد أيضا في نصوص منسوبة إلى القرن الرابع قبل الميلاد،وأعني بشكل خاص تلك الأبيات الشعرية المنسوبة إلى طيمون Timon، الذي يقول فيها :

“وأنت أيضا يا أفلاطون

تملكتك الرغبة في المعرفة

حتى أنك اشتريت بالذهب

كتابا وجيزا

التقطت منه أهم ما فيه.” ([31])

ومقصود طيمون أن أفلاطون اشترى كتاب “في الطبيعة”([32])،واستلهم منه أفكاره في محاورة طيماوس Timée. وثمة رواية لهرميب يوردها ديوجين اللايرسي تقول بأن أفلاطون اشترى كتاب فيلولاوس، لكن هيرميب لا يفصح عن مصدره؛ فسنده مؤرخ مجهول يقتصر وروده بتعبير “حسب قول أحد المؤرخين” ([33]) دون ذكر هويته.

كما يقدم ديوجين رواية أخرى وهي أن أفلاطون أُعْطِيَ الكتاب من تلميذ لفيلولاوس على سبيل الهدية،ومما نلحظه هنا أيضا أن ديوجين يحيل على مجهولين قائلا” حسب بعضهم”!

كما يستحضر ديوجين اللايرسي إشارة من المؤرخ الصقلي ألكيموس Alkimos تتهم  أفلاطون بنحل أفكار الفيثاغوري إيبيشارم.

وهكذا نلاحظ أن التقريب الذي أشار إليه أريستوكسين – قديما – انتهى إلى اتهام أفلاطون ب”السرقة الأدبية”، بدعوى أنه انتحل الفكر الفيثاغوري ونسبه إلى نفسه ، لكن كل المصادر لا تعطينا سندا متينا يمكن التأسيس عليه.

لكن بصرف النظر عن السند، هل يصح أن نقبل هذا الاتهام ؟

إن في هذا الانسياق وراء إساءة الظن بأفلاطون، نرى فيه كثيرا من العسف، ويسهل الرد عليه بالقول إنه ليس بين يدي القائلين بالسرقة الأدبية نصوص فيثاغورية يصح قياس  المتن الأفلاطوني عليها لتوكيد الاتهام !

كما أن شهادة أريستوكسين – رغم قدامتها – ليست مبرأة من الطعن، إذ من المعلوم أنه كان من أشد خصوم الأفلاطونية ؛ لذا لا يصح قبول اتهامه لأفلاطون بانتحال أفكار الفيثاغوريين .

أما عن الاقتصاد في ذكر فيثاغور والفيثاغوريين في المتن الأفلاطوني، فلا يصح تفسيره بقصدية إخفاء المرجع الأصل، بل إن ديدن أفلاطون في التعامل مع الفلسفات السابقة هو الاقتصاد في ذكرها، والإقلال من إيراد أسماء رموزها. فلم يذكر أفلاطون في أي من محاوراته اسم أنكسيمندر، كما لم يذكر اسم أنكسيمنس ولو مرة واحدة. بل حتى في محاورة “طيماوس” أورد نظرية التكاثف والتخلخل دون ذكر صاحبها أي أنكسيمنس.

 هذا وإن كنا نستغرب ولاشك ندرة ورود الاسم الفيثاغوري في المتن الأفلاطوني أكثر من ندرة حضور الفلاسفة الملطيين؛ بسبب القرابة الفكرية الموجودة بين الفيثاغورية والأفلاطونية.

أما عن عدم نعت أفلاطون لفيلولاوس وأرخيتاس بالنعت المذهبي، فليس دليلا يصح تحميله فوق ما يمكن أن يحتمل، ويكفي هنا أن نقول ردا على ذاك الانسياق نحو إساءة الظن، بالقول إن أرسطو نفسه يورد فيلولاوس وأرخيتاس في متن الميتافيزيقا دون وسم مذهبي .

 

وتلخيصا لما سبق، نوجز كيفية الحضور الفيثاغوري في المتن الأفلاطوني في ثلاثة استنتاجات:

الأولى : ندرة  الحضور

والثانية: التباس تعيين المستحضر.

والثالثة : مشكلة التقارب بين الفلسفتين الفيثاغورية والأفلاطونية.

ونقصد بالندرة عدم ذكر أفلاطون لفيثاغور سوى مرة واحدة وعدم استعماله للنعت الجمعي (الفيثاغوريين) سوى مرة واحدة أيضا.

ونقصد بالتباس تعيين المستحضر، حضور فيلولاوس و أرخيتاس وغيرهما من الأسماء الفيثاغورية، دون وسم مذهبي.

أما الملحوظة الثالثة، أي تقارب الأفلاطونية والفيثاغورية فهو أمر له توكيده منذ أرسطو، لكننا لن نذهب مذهب مدرسة اللوقيون مع أريستوكسين الذي أسس للاتجاه القائل بأن هذا التقارب انتحال.

وبناء على هذه الاستنتاجات، نجيب عن سؤالنا المحوري، وهو أن مطلب بيان الجانب الفلسفي من شخصية فيثاغور لن يفيدنا  فيه المتن الأفلاطوني شيئا.

لكن إذا كان ذاك هو محصول ورود فيثاغور في المتن الأفلاطوني، فهل حضوره في المتن الأرسطي أفضل ؟

3-2 فيثاغور في المتن الأرسطي

على عكس أفلاطون اهتم  أرسطو بتخصيص كتب للفكر الفلسفي الفيثاغوري، لكن للأسف ضاعت تلك الكتب، ولم يتبق لنا منها سوى شذرات مجزوءة . أما عن الكتب التي جعلها خاصة بالفلسفة الفيثاغورية فقد سجل لنا الدوكسوغرافيون عناوينها، بيد أنه من الملحوظ ورود ثلاث تسميات لأحد كتب أرسطو المفقودة، فعند سمبليقيوس تسميتين اثنتين للكتاب قد توقع القارئ في الالتباس، فيظنهما كتابين اثنين لا واحدا، والصواب أنه ذات الكتاب، حيث يورد سمبليقيوس اسم الكتاب حينا بعنوان “مجموع آراء الفيثاغوريين” وحينا آخر يورده تحت عنوان “مجموع الآراء الفيثاغورية” ([34]) وعند سطوبي إيراد للكتاب باسم ثالث هو  “فلسفة فيثاغور” ( [35]).وثمة كتاب آخر خصصه لنقد الفيثاغورية،بيد أنه ضاع هو أيضا. كما يرد عنوان آخر لكتاب أرسطو عن أرخيتاس. وكل هذه الكتابات مفقودة الآن، ولذا ليس لدينا عن الرؤية الأرسطية للفيثاغورية سوى تلك الومضات المتفرقة في متونه الأخرى، ونعني بشكل خاص “الميتافيزيقا”، و”السماع الطبيعي”، و”السماء”، و”الآثار العلوية”. تلك الومضات التي  ينبغي  استجماعها من مظانها والعمل على التحليل الدلالي لمضمونها .

بيد أن عدد تلك الومضات ليس بالقليل، إذ يفوق الأربعين، حيث يورد أرسطو لفظ الفيثاغوريين Pythagoreans في اثنين وأربعين موضعا. ويذكر النعت “فيثاغوري Pythagorean”  ثلاث مرات. كما استعمل لفظ الإيطاليين مقرونا بالفيثاغوريين . ([36] ).

أما اسم فيثاغور Pythagoras فلم يرد سوى مرتين اثنتين:

واحدة في متن الخطابة، والثانية في متن الميتافيزيقا . وفي الموضعين معا، لا نجد الذكر مقرونا بفكرة فلسفية:

حيث كان وروده في متن الخطابة في سياق الإشارة إلى أن الشعوب والمدن تعظم حكماءها، فأورد أرسطو أمثلة، منها تعظيم الايطاليين للحكيم فيثاغور ([37]). كما أن المورد الثاني جاء هو أيضا بعيدا عن السياق الفكري، حيث استحضر اسم فيثاغور في إطار توثيق السيرة، وذلك خلال حديث أرسطو عن ألكميون([38]).وبناء عليه يتبين أن أرسطو احترس من ذكر فيثاغور في المورد الفلسفي في تلك الومضات الأربعين المبثوثة في متونه.

فما دلالة هذا الاحتراس من ذكر فيثاغور في المتن الأرسطي ؟

نظن أن أرسطو كان واعيا بإشكالية التاريخ الفيثاغوري، ومدركا لذلك الفاصل الزمني الذي يقع بين زمن أرخيتاس وفيلولاوس وبين زمن المؤسس . إذ هو نفسه الذي نجده عند حديثه عن ألكميون يشير إلى أنه كان حديث السن عندما شارف فيثاغور على الوفاة. كما نلحظ في كثير من نصوصه يتحدث عن الفيثاغورية لا ككتلة مذهبية منسجمة.

كما نعتقد أن ضمور الحضور الفلسفي لفيثاغور في المتن الأرسطي، أو لنقل بتعبير أدق “انتفاء الحضور”، دليل على أن أرسطو لم يتمكن من الوصول إلى كتابات فيثاغور. أو أن ما وصله منها هو ما أشرنا إليه من قبل، أي تلك المأثورات التي قلنا إن التحليل الدلالي لمنطوقاتها لا يتحصل منه أي محصول معرفي، بل كل ما تحتويه هو مواعظ أخلاقية. فلعل أرسطو أدرك هذا الضمور الفلسفي، فحرص على عدم استعمال اسم فيثاغور في مورد الحديث عن الفِكَرٍ الفيثاغورية.

ثم إن أرسطو – كما هو معلوم – شديد الحذر في استعمال الأسماء الفلسفية، حيث يحتاط لنفسه كثيرا في نسب المقولات والأفكار للشخوص المتعينة ؛ وآية ذلك أنه، فيما يخص الفلسفة الفيثاغورية،  أحال على أرخيتاس أكثر من مرة – إلى درجة يصح معها القول بأن حديث أرسطو عن الفيثاغورية هو في العمق حديث عن أرخيتاس – بينما لم يحل على فيلولاوس سوى مرة واحدة، رغم قيمة هذا الأخير في التاريخ الفيثاغوري كما سنبين . ولا نجد من تفسير سوى أن أرسطو كان على اتصال بأرخيتاس، واطلاع على فكره أكثر من اطلاعه على فيلولاوس.

وعليه نستنتج أن لا مورد للباحث في فلسفة فيثاغور، سواء في ما تبقى من مأثوراته، أو في المتن الأفلاطوني والأرسطي، يمكن أن يقدم له معطيات معرفية توضح رؤيته الفلسفية .

كما أن النظر في المأثورات المتبقية في قصيدة “الأبيات الذهبية” يعمق الإشكال أكثر، و يدفع نحو المسائلة:

هل يجب حقا أن ننسب الفلسفة الفيثاغورية إلى فيثاغور؟!

أم يجب أن نشكك في ذلك، ونقول بجزم ويقين إن فيثاغور لم يكن فيثاغوريا. ومن ثم فإن ما يُقال عن الفيثاغورية ينبغي أن ينسب إلى ألكميون وفيلولاوس وأرخيتاس … ؟!

إن دمار مدرسة كروطونا بفعل الممارسة السياسية للفيثاغورية، وسيادة تقليد الصمت بين تلامذة المدرسة، واندثار التعاليم التي كانت تتداول في رحابها زمن المؤسس… – إن كل هذا وذاك – يمنعنا من الجزم بنفي أو إثبات أن يكون ما يتداول عن الفيثاغورية من محددات معرفية وكسومولوجية هي فقط من إنشاء جيل ألكميون وفيلولاوس … ولم يكن لها وجود في تعاليم فيثاغور . كما أن الشذرة الأربعين لهيراقليط التي أورد فيها اسم فيلسوف ساموس، تمنعنا من الجزم بأن فيثاغور لم يكن لديه سوى مقولات أخلاقية، ذلك لأن هيراقليط أورد الاسم في سياق ناقد لفيثاغور بوصفه محصلا لمعارف كثيرة. وكل هذا وذاك يجعلنا نحترس من الجزم في شأن المعرفة الفلسفية التي كانت لدى مؤسس الفيثاغورية. وإذا علقنا الحكم (سواء نفيا أو إثباتا)؛ فإن أحوط ما تستوجبه  قواعد البحث وشروطه المنهجية هو أن نترك سؤال الهوية الفلسفية لفيثاغور معلقة أيضا، وننتقل منه إلى تلامذته .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

-4-

في شذرات الفيثاغوريين

 

إذا تجاوزنا فيثاغور إلى أتباعه، سنلقى الأمر محاطا أيضا بعديد من المشكلات التي تستوجب التحليل، وبيان الموقف المنهجي منها قبل البناء عليها في تقديم وتفهيم الفلسفة الفيثاغورية. حيث لا ندري على وجه الدقة مقدار تبعية هؤلاء الأتباع، وهل كانوا بالفعل تابعين أم مجرد زاعمي الإتباع. بل حتى لو افترضنا وجود استمرارية للتعاليم الفلسفية لفيثاغور، التي قلنا إن جميع المصادر القديمة لا تبينها؛ فإنه أيضا من المستبعد أن لا يكون جيل الأتباع قد أضاف رؤى واجتهادات خاصة .

وقد انتهينا فيما سبق إلى أن ما تبقى من فيثاغور لا يجاوز في الحقيقة مأثورات أخلاقية،وأن البعد الفلسفي ينبغي أن يلتمس فيما تبقى من كتابات تلامذته.

فلنبدأ الآن في مقاربة النتاج المعرفي لهؤلاء المنتسبين إلى فيثاغور :

ما يلفت الانتباه في دراسة تاريخ الفيثاغورية، أن النصوص التاريخية تقدم لنا الفيثاغوريين بوصفهم  مكثرين في الكتابة؛ لكن رغم ذلك لم تصلنا نصوصهم، إنما كل المتبقي شذرات متفرقة ومجتزأة، ينبغي أن نلتمسها مبثوثة في المتون الفلسفية والدوكسوغرافية والسيرية القديمة :

ولنبدأ من حيث ينبغي البدء، أي الفيثاغورية الأصلية،أي من زمن فيثاغور، في القرن السادس قبل الميلاد، ؛ حيث نجد في ثنايا الكتابة التأريخية والفلسفية ذكرا لعديد من الأسماء، أهمها بيطرون وهيباس وألكميون وإيبيشارم وثيانو. كما يُنسب في بعض الكتب إلى هذا القرن أيضا فيلولاوس وأرخيتاس، وهذا خطأ في التوقيت ([39])، جعل البعض يتحدث عن هذين الفيلسوفين الفيثاغوريين، وكأنهما تلقيا التعليم عن فيثاغور مباشرة؛ بينما هما من المعاصرين لأفلاطون. ولذا سيلاحظ القارئ أنني استثنيتهما من الاندراج في هذا القرن التأسيسي الأول.

وعود إلى ما ذكرناه من أسماء الفيثاغوريين :

ماذا تبقى منها من الناحية المعرفية ؟

قلنا إن من أوائل الأسماء الفيثاغورية، التي ينطقها التاريخ، اسم بيطرون الهيميري Pétron d’Himère، وكل ما تبقى عنه هو ما يرويه بلوتارك . ويستفاد من الرواية أن بيطرون هذا كان يقول بنظرية تعدد العوالم، التي يزعم أن عددها مئة وثلاثة وثمانون، منها ثلاثة عوالم رئيسة تشكل في تموضعها شكل الثالوث، وبقية العوالم، أي المائة والثمانين، تدور على جوانب المثلث ([40]). لكن بلوتارك نفسه الذي يروي تلك الرواية يستدرك بالقول ” في الحقيقة لم أقرأ كتابه (يقصد كتاب بيطرون)، كما لا أعلم هل لا زال محفوظا أم لا.” ([41]) . ومما يبدو من نص بلوتارك ذاته أن المعلومات التي يتحدث بها عن بيطرون مستمدة من هيبس الريجيومي  Hippys de Rhégium، عن طريق فانياس الإيرسيني Phanias l’Erésien.

ومن ثم  إذا جاز أخذ هذه الرواية فليس بين يدينا شيء آخر يمكن أن نوسع به النظرة إلى هذا الفيثاغوري القديم، غير  القول بأن ما ينسب إليه هو أقدم ما ينسب إلى الفيثاغوريين في شأن المسألة الكوسمولوجية الواصفة لتعدد العوالم. غير أنه لابد من التنبيه هنا إلى أن هذه النظرية نلقاها حاضرة في متن أفلاطون فيدون ([42])، ثم في متنه “طيماوس” ([43]) دون نسبها إلى بيطرون !

ثم هناك اسم آخر يتردد في الكتابة الدوكسوغرافية، بل وفي الكتابات الفلسفية القديمة، بوصفه أحد أقرب التلامذة إلى فيثاغور، وأعني به هيباس الميطابونطي Hippase de Métapente ([44])، الذي أشرنا إليه من قبل في توصيفنا لمدرسة كروطونا، حيث قلنا إنه كان له مقام خاص، حيث كان يقوم بالتعليم الأولي للمنتسبين الجدد إلى المدرسة، بينما يقوم فيثاغور بتعليم الذين اجتازوا الاختبار والانتقاء وحصلوا المرحلة التعليمية الأولى مع هيباس. ومن ثم يجوز أن نزعم أن هيباس كان شخصية مهمة في المدرسة الفيثاغورية بعد المعلم الأكبر أي فيثاغور.

لكن رغم هذا المقام ليس لدينا عنه ما يمكن أن نؤسس عليه صورة معرفية خاصة به، إذ كل ما نعلمه عنه هو ما أورده أرسطو من تقارب هيباس مع نظرية النار الهيراقلطية . وما ينسبه إليه جامبليك، نقلا عن سطوبي، أي أن العدد هو الأداة التي استعملها الله في “تنظيم العالم” ([45]). كما نجد لدى أفلاطون في محاورة فيدون إشارة إلى هيباس بكونه صنع أدوات موسيقية أثبت من خلالها التفسير الرياضي للصوت.

أما من حيث السيرة فإن النصوص القديمة تشير إلى أن هيباس سيتم إعدامه غرقا. وقد قيل في تعليل سبب الإعدام، أنه أفشى سر المدرسة خارجها، وكان السر هو اكتشاف المدرسة للعدد الأصم، الذي خلخل معقولية نظامها الرياضي في الصميم ! وهو القيل الذي نأخذه بمدلوله الرمزي، بناء على تأويل من أوقليد، سنورده في مبحث الرياضيات.

وعود إلى تقريب أرسطو لهيباس من نظرية هيراقليط، يمكن القول “إن اختياره للنار كمبدأ للكل يحتمل أن يكون الممهد للأطروحة المركزية لنظرية فيلولاوس.”([46])

أما ألكميون الكروطوني Alcméon de Crotone (6/5 قبل الميلاد) فلم يتبق منه سوى خمس شذرات. وقد بسطنا القول في سيرته في فقرة الهوامش.

وبالنسبة لإيبيشارم الكوسي Epicharme de Cos، فهو من بين الكتاب الفيثاغوريين المكثرين في الكتابة، كما يبدو أن اهتماماته الفكرية كانت متنوعة، حيث شملت الفيزياء والطب والأخلاق. وبحسب رواية جامبليك بلغ أبولودور بتعداد كتاباته إلى عشرة. ويذكر ديوجين اللايرسي – ناقلا عن المؤرخ الصقلي ألكيموس Alkimos – أن “أفلاطون استغل كثيرا كتابات إيبيشارم، ونقل أفكاره إلى مؤلفاته.” ([47]).وفي موسوعة ديلز جرد لمائة وثمانية عشر شذرة له.

أما ثيانو Théano زوجة فيثاغور ([48]) ، التي هي أول امرأة فيلسوفة حفظ لنا التاريخ اسمها، فلا نعلم عن فكرها شيئا موثوقا. وينسب لها في الدوكسوغرافيا تسع شذرات، “خمس منها واردة عند سطوبي  “([49]). وأهمها تلك الشذرة التي تفسر لنا مبدأ العدد على نحو مخالف لما سيفسره أرسطو. وهي الشذرة التي سنورد نصها في مبحث الكوسمولوجيا في سياق إبراز اختلاف تأويل المبدأ الأصل في الفلسفة الفيثاغورية.

وثمة اختلاف بين الباحثين في شأن صدقية عزو تلك الشذرات التسع إلى ثيانو، بين قلة تقول بأصالتها، وكثرة تنفيها.

وخلاصة القول : هذا هو محصول القرن السادس (ق م )، الذي هو لحظة التأسيس الأولى . ونرى أن استمداد هذا المحصول والبناء عليه أمر ينبغي أن يكون مرافقا بكثير من الاحتراس، بسبب أن الوارد منه لا يحضر إلا في النصوص الدوكسوغرافية الثواني، التي قلنا عنها في كتابنا “الفلسفة الملطية” أنها تفتقر إلى السند الواصل. وعليه سيكون معتمدنا في بناء صورة الفلسفة الفيثاغورية من هذا القرن هو ألكميون، حيث سنعتمد على الشذرات، التي قال هرمان ديلز بموثوقيتها. أما سوى ذلك، فلن يرد إلا على سبيل الاستئناس لا على سبيل التأسيس.

وبالانتقال من القرن السادس إلى الذي يليه، أي القرن الخامس قبل الميلاد؛ فإن الأسماء التي يجب أن نتتبع ورودها في المتون الفلسفية والدوكسوغرافية هي :

أريسطي الكروطوني، وفيلولاوس وأرخيتاس، وزالكوس، وكيبيس وسيمياس. ونزعم أن هذا القرن هو أهم لحظات تأسيس الفلسفة الفيثاغورية، وذلك لورود اسمين مهمين فيه، أعني فيلولاوس وأرخيتاس، واندثار تعاليم المعلم، على نحو ما أوضحناه في الصفحات السابقة.

أما أريسطي الكروطوني Aristée de Crotone، الذي قيل بأنه صار “خليفة فيثاغور على رأس المدرسة”، فلم يتبق من مكتوباته سوى شذرة واحدة، ورادة عند سطوبي.

لكن فيما يخص فيلولاوس فقد حفظ لنا التاريخ شذرات قليلة، هي بالعد “26 شذرة، حسب بوك Boeckh و23 حسب ديلز.”([50])،وهي شذرات ذات قيمة للبحث الفلسفي في فيثاغورية القرن الخامس قبل الميلاد. وأهمية فيلولاوس تزداد بروزا بالنظر إلى حصيلة التاريخ الفيثاغوري السابق. حيث إذا كان فيثاغور مخفيا عنا بفعل ضياع تعليمه، بسبب إحراق وتشريد المدرسة … فإن الإسهام الفلسفي لفيلولاوس يبدو لنا محوريا في تشكيل الفلسفة الفيثاغورية خلال القرنين الخامس والرابع (ق م ).

وإذا صح ما يقال عن أن  فيلولاوس أول فيثاغوري “نشر كتابا”، فإنه يجوز لنا أن نقول تبعا لذلك إنه أول من نقل الفلسفة الفيثاغورية من المستوى المحاط بسياج الكتمان إلى الكتابة المتداولة خارج نطاق منتسبي المدرسة.

ومما يؤكد أيضا قيمته أن الدوكسوغرافيا القديمة تتحدث عن جمع من الفيثاغوريين الذين تتلمذوا عليه، يمكن أن نعد منهم  أوريطوس الطارينطي Eurytos  و كزينوفيل Xénophile و فانطون Phanton  وإيشيكراط Echécrate و ديوكليس Diocles…

وإذا أضفنا إلى هذا ما يقوله شيشرون من أن فيلولاوس كان أستاذا لأرخيتاس؛ فإن الاستنتاج اللازم عن ذلك هو أن المدرسة الفيثاغورية التي تداول فكرها في القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد مرجعها الأول هو فيلولاوس وليس أرخيتاس.

بل إن ديوجين يذهب إلى حد القول بأن أفلاطون تلقى التعليم الفيثاغوري عن فيلولاوس وأوريطوس خلال زيارته لإيطاليا([51]).

–  أما أوريطوس الطارينطي Eurytos  ([52])، الذي يقول عنه جامبليك بأنه كان تلميذا لفيلولاوس، فلا نعلم الشيء الكثير،  ولا يمكن أن نأخذ ما قيل عنه في كثير من النصوص الدوكسوغرافية والسيرية. لذا نكتفي بالأخذ عن أرسطو وثيوفراسطوس. والمعلومات الواردة عندهما تفيد بأنه كان ذا اهتمام رياضي. وأنه كان يقارب الكائنات الحيوانية وكذا الإنسان من خلال مقولات عددية.  وعند ثيوفراسطوس نجد وصفا لمقاربة طريفة منسوبة لأوريطوس، وهي ترسيم الإنسان بمائتين وخمسين حجرا.([53])

– وبالنسبة لأرخيتاس الطارينطي Archytas de Tarente(440-350) (القرنان الرابع / الثالث ق م)؛ فتنسب له الدوكسوغرافيا كتابات كثيرة منها : كتاب “بحث المبادئ”؛ وهو نفس الكتاب الذي يورده سطوبي أيضا بتغيير في العنوان من الجمع إلى الإفراد، أي “بحث المبدأ”. و “بحث الكل”، “ذكره سمبليقيوس.  وهو ذات الكتاب الذي يسمى في مصادر أخرى ب”بحث المقولات”. وكتاب “بحث الهارمونيا”، حسب تسمية نيكوماخ، أو” بحث الموسيقى” حسب تسمية فورفوريوس. و”بحث التناقضات”  المذكور عند سمبليقيوس.ولم تتبق من هذه الكتب سوى شذرات سنستحضرها خلال المباحث التي سنخصصها للفلسفة الفيثاغورية.

وإضافة إلى هذين الاسمين البارزين ( أي فيلولاوس وأرخيتاس)،وأوريطوس،  يذكر لنا التاريخ اسم :

– زالوكوس Zaleucos  اللوكريسي، الذي تنسب له عن طريق سطوبي ثلاثة عشر شذرة. لكنها مشكوك في نسبتها إليه. بيد أن أرموند دولاط قال بأنها “لاشك في انتمائها إلى القرن الخامس.”([54])؛ ومن ثم فإيرادها ذو فائدة للدلالة على معالم فيثاغورية ذاك الزمن تحديدا، وليس للدلالة على فلسفة زالوكوس.

ومن بين الأسماء الفيثاغورية، التي ذكرها أفلاطون كيبيس  الطيبي([55])  Cébès de Thèbes، الذي تتلمذ على فيلولاوس وكذا على سقراط. وقد ورد ذكره في محاورة ” فيدون” .

ولابد من أن نشير هنا إلى أن أفلاطون لم ينعته بالتسمية الفيثاغورية عند إيراده. كما أن ثمة مشكلة كبيرة في توثيق فلسفته، ونزعم أن أفضل موقف منهجي هو الاحتياط من إيراد المنسوب إليه، كمنطوق فيثاغوري، حيث نرى ذلك المنطوق دالا على الفلسفة الكلبية Cynicism أكثر من دلالته على الفلسفة الفيثاغورية.

ورغم أن كيبيس  تنسب إليه ثلاثة كتب، فلم يتبق منها سوى كتاب “السبورة”. وقد انتقد العديد من الباحثين المتخصصين في المتن الفيثاغوري أصالة هذا المتن. وغالب الظن أن ثمة التباسا اسميا في نسبه، حيث إن الاحتمال الراجح هو أن الكتاب لكيبيس السيزيكي الفيلسوف الكلبي، وليس كيبيس   الطيبي.

وكتاب السبورة يتحدث عن سبورة كانت في معبد كرونوس، تحتوي مجموعة من القواعد المحددة للحياة .  وقد اختلف الباحثون المتخصصون في الفلسفة الفيثاغورية، في تحديد هوية “السبورة”، وانقسموا بين اتجاه ر.جولي R.Joly القائل بوجود دلالات فيثاغورية في الكتاب، وبين اتجاه د.بيس  D.Pesce القائل بأنه حصيلة الفلسفة الكلبية .

ونحن نميل نحو هذا الطرح الأخير.حيث لا نرى من الاعتباط أن يكون متن “السبورة” في تاريخ تداوله القديم مضموما إلى ” كُتَيِّبِ Manuel” أبيكتيت Epictète الفيلسوف الرواقي.

أما سيمياس الطيبي Simmias de Thèbes، فهو أيضا مثل مواطنه كيبيس  ، يذكر بوصفه تلميذا لفيلولاوس وسقراط، ونجده مذكورا عند أفلاطون، في متن “فيدون” دون نعته بالفيثاغوري! وينسب له ديوجين اللايرسي ثلاثة وعشرين محاورة صغيرة، مضمومة في كتاب واحد.

وخلاصة القول، فيما يخص القرن الخامس قبل الميلاد، هو أنه يجب على الباحث في الفلسفة الفيثاغورية أن يتوقف بتأن عند فيلولاوس وأرخيتاس، أما غيرهما، مثل زالوكوس و كيبيس   … فالمنسوب إليهم محوط بكثير من الشك.

وبالانتقال من القرن الخامس إلى فيثاغوريي القرن الرابع قبل الميلاد، ندلف إلى ثاني أكبر لحظة إشكالية في تاريخ الفلسفة الفيثاغورية، وأعني بها لحظة الصياغة الأفلاطونية للفكر الفيثاغوري، بعد إشكالية لحظة المؤسس (فيثاغور). حيث إذا كان المشاؤون قد حاولوا تقريب أفلاطون إلى فيثاغور، لنزع قيمة الأول، واستنزالها بدعوى أنه نحل أفكار معلم كروطونا، فإن الغريب في الأمر هو أن أتباع أفلاطون أنفسهم، لم ينفوا التهمة إنما قاموا من حيث يدرون أو لا يدرون بتوكيدها، إذ أن النظر في إنتاجهم الفكري يؤكد أنهم مزجوا بين الفلسفتين الفيثاغورية والأفلاطونية . وهذا ما يبدو واضحا عند مختلف فيثاغوريي أواخر القرن الرابع قبل الميلاد، الذين كانوا في أغلبيتهم قد تلقوا التعليم الأفلاطوني، فبدأ معهم ذاك الخلط بين الفيثاغورية والأفلاطونية ؛ ومن ثم فإن الاستمداد منهم ينبغي أن يكون مصحوبا بوعي نقدي، يدرك حدوث عملية مزج بين الفكرين الفيثاغوري والأفلاطوني .

وعلى هامش ذكر فيثاغوريي القرن الرابع قبل الميلاد، لابد من أن نشير إلى أن من بين الأسماء الفيثاغورية، التي يدرجها بعض المؤرخين خطأ في القرن السادس قبل الميلاد بروتينوس السيزيكي Brotinos (ou Brontinos ) de Cyzique . بيد أن ثمة دراسات نقدية حققت زمن بروتينوس، وانتهت إلى نقد الفكرة الشائعة القائلة بأنه من القرن السادس قبل الميلاد، حيث وقتت حياته في القرن الرابع قبل الميلاد.ويُنسب إلى بروتينوس كتاب “بحث في العقل والرأي”. وقد نقل  “جامبليك والإسكندر الأفروديسي، وسطوبي وسيرانوس بعض شذراته،كما تنسب إليه بعض القصائد الأورفية.”([56]).

 

لذا ينبغي إدراجه هنا مع فلاسفة القرن الرابع قبل الميلاد، لا في القرن السادس .كما  نضيف طيمي الطرومينيوني Timée de Tauromeniun، الذي كان كتابه عن “التواريخ” من أهم المصادر التي اعتمدها فورفوريوس وجامبليك.

وهذا المزج الذي حدث بدءا من القرن الرابع قبل الميلاد  بين الأفلاطونية والفيثاغورية، هو الذي سيستمر في القرون اللاحقة، ليكون مئاله عند غالبية الفيثاغوريين، هو إنتاج “فيثاغورية جديدة”، قوامها  الخلط بين الفكرين الأفلاطوني والفيثاغوري.

وعليه نستنتج مما سبق، أن شذرات الفلسفة الفيثاغورية لم يطلها فقط الحذف والتجزيء والضياع، بل طالها أيضا تحويل معرفي جوهري، يمس هويتها الفكرية مسا عميقا. وهذا الوضع الإشكالي يقتضي أن نعي خيوط بنائه من جهة، والشروط المنهجية للاحتراس من الوقوع فيه من جهة ثانية.

ومن أهم هذه الشروط، استقصاء مصادر البحث في الفلسفة الفيثاغورية، قبل الانتقال إلى بحث ملامح تلك الفلسفة والإيغال في مدارسة دلالاتها .

 

-5-

 

مصادر البحث في الفلسفة الفيثاغورية

 

بالإضافة إلى الموارد السابقة، أي المورد الأفلاطوني والأرسطي  المتحدث عن الفلسفة الفيثاغورية، وبالإضافة إلى ما تبقى من شذرات الفيثاغوريين القدماء، التي أشرنا إليها وإلى الإشكالات التي تحيط بها،  ثمة مصادر أخرى لاحقة تشكلت خلال التاريخ على نحو مبني على ذلك الاختراق الذي أشرنا إليه في ختام فقرتنا الماضية، أي اختراق الأفلاطونية للفكر الفيثاغوري، وامتزاجها به على نحو خلخل هويته الفلسفية.

فلننظر إذن في تلك المصادر([57])، ولنحدد بالضبط ما هي الحصيلة التي تمنحها إيانا لتأسيس بحثنا في الفلسفة الفيثاغورية .

لاشك أن أقدم وأهم مرجع جامع للشذرات ما قبل السقراطية، هو ما كتبه دوكسوغرافي القرن الرابع  قبل الميلاد ، ثيوفراسطوس  ، أي متنه “الآراء الطبيعية”، بيد أنه فيما يخص الفلسفة الفيثاغورية لا نجد فيه شيئا كثيرا. حيث لم تتبق سوى شذرتين اثنتين، واحدة عن فيثاغور، مروية عند ديوجين اللايرسي، والثانية عن هيباس مروية عند سمبليقيوس. كما نجد بعض المعطيات والمعلومات عن أسماء فيثاغورية كألكميون وأوريطوس .

ومن بين المصادر التي يرد فيها ذكر فيثاغور في هذا القرن، ما يُنسب إلى هيراقليد البونطي، الذي كان مكثرا من الكتابة، حيث  عَدَّ “له ديوجين اللايرسي 13 كتابا في الأخلاق، و13 كتابا في الفيزياء، و16 كتابا في التاريخ الأدبي”([58]) . وقد كان هيراقليد من تلامذة أفلاطون و سبوسيب. كما تتلمذ على الفيثاغوريين. ويذكر له كتاب “الفيثاغوريون واكتشافاتهم”. لكن لم يتبق منه سوى “ست شذرات، مروية عن طريق شيشرون، وكليمون، وديوجين اللايرسي، وفورفوريوس، وليدوس،و سويداس.”([59]) وقد أدرجنا هيراقليد البونطي ضمن المصادر، رغم أننا وجدنا بعض المؤرخين يدرجونه ضمن الفيثاغوريين. لأننا نرى أننا إذا أردنا أن نسميه مذهبيا فالأولى نسبه إلى الأفلاطونية لا إلى الفيثاغورية. إذ من المعلوم أنه خلف أستاذه أفلاطون مؤقتا على رأس الأكاديمية، خلال سفر هذا الأخير إلى صقلية. كما ينبغي أن نشير أيضا إلى أنه تأثر بزميليه سوبوسيب Speusippe  وأرسطو، فابتعد قليلا عن بعض الثوابت المعرفية للأفلاطونية، لكنه لم يصر بسبب ذلك فيثاغوريا.

ولهذا وذاك نرى أن إدراجه ضمن الفيثاغوريين ليس دقيقا. وإذا صح هذا الإدراج – وهو في نظرنا لا يصح – لكان أولى أن يدرج سبوسيب ضمن الفيثاغوريين، إذ هو الذي ألف كتاب  “الأعداد الفيثاغورية”، الذي نراه أقدم من كتابات نومينوس وأميليوس في بلورة مزج تلفيقي صريح بين الأفلاطونية والرؤى الفيثاغورية، إلى درجة استبدال المثل بالأعداد.

– وفي الزمن ذاته اهتم أريستوكسين الطارينطي بالفلسفة الفيثاغورية، فخصها بمجموعة من الكتب، زاوجت بين الاهتمام بالسيرة والاهتمام بالفكر، حيث كتب “حيوات فيثاغور و أرخيتاس و كزينوفيل” Les vies de Pythagore,d’Archytas et Xénophile، وكتاب “أقوال الفيثاغوريين” Les Sentences des Pythgoriciens. ولم يتبق من كتابات أريستوكسين سوى “أربع وعشرين شذرة” ([60])، نقلتها لنا متون دوكسوغرافية لاحقة، أعني متون أولو- جيل Aulu-Gelle، وفورفوريوس، وديوجين اللايرسي،و جامبليك،و سطوبي.

وخلال القرن الرابع (ق م ) أيضا كتب تلميذ أرسطو، ديسيارك الميسيني  كتابه “حياة فيثاغور”؛ لكن لم يبق منه سوى “أربع شذرات .”([61])

ومن نافل القول الإشارة إلى أن هذين المصدرين – حتى لو بقيا كاملين – لا يمكن أن يساعدانا في معالجة المشكل التأويلي، الذي أشرنا إليه من قبل، الناتج عن تقريب الفلسفة الأفلاطونية من الفيثاغورية، الذي بدأ في هذا القرن، ثم تطور لاحقا إلى خلط تلفيقي بين ذينك النسقين الفلسفيين. إذ من المعلوم أن ديسيارك و كذا أريستوكسين كانا قاعدة انطلاق هذا التقريب.

أما كُتاب مصادر القرن الثالث قبل الميلاد فهم :

هيرونيم الرودسي Hiéronyme de Rhodes  صاحب متن “مذكرات تاريخية” الذي أورده أثيني Athénée . “وقد أخذ منه ديوجين اللايرسي مقطعا عن حياة فيثاغور.” ([62])

– و إيراتوسطين Eratosthène  (275-194) الذي برز بتجربة قياس محيط الأرض، وكان ،بالإضافة إلى إسهاماته في علم الجغرافيا، ذا عطاء معرفي متميز في علم التاريخ، حيث كتب متنا عن كرونولوجيا تاريخ الإغريق، بدءا من حرب طرواده, ومن هذا المتن بقيت شذرة واحدة عن ” الفيثاغورية نقلها ديوجين اللايرسي من طريق فافورينوس .”([63])

هيرميب السميرني Hermippe de Smyrne ، الذي استفاد من مكتبة الإسكندرية، فألف متنا عن سير الشخصيات التاريخية البارزة، مقسما إياه إلى أقسام، بحسب تخصصاتهم (رجال قانون، حكماء، مربون). ولم تتبق من كتاباته سوى شذرات ومقاطع مروية عند ديوجين اللايرسي، وبلوتارك، وفلافيوس جوزيف. أما في ما يخص موضوعنا، أي فيثاغور، فلم يتبق منه سوى ثمان شذرات.

نيانثيس السيزيكي Néanthe de Cyzique تلميذ المؤرخ فيليسيوس Philiséus  كتب “حياة الرجال العظماء”، كما له كتاب “حول الفيثاغوريين”، “لم يتبق لنا منه سوى أربع شذرات مروية عند كليمون الإسكندري، وفورفوريوس، وجامبليك، وثيودوري. وهو أيضا استعمل أريستوكسين وديسيارك “([64]) كمستند مرجعي له.

–  كما كتب في القرن ذاته ساطيروس Satyros   “حيوات الرجال العظماء” وهو “الكتاب الذي لخصه هيراقليد اللامبوسي وبقيت منه ” شذرات نشرها ط.مولر.” ([65]) .

ومحصول هذا القرن (أي القرن الثالث قبل الميلاد)، فيما يخص مصدرية الفلسفة الفيثاغورية ليس بالحجم ولا بالنوعية التي يمكن أن يسد الثغرات المعرفية الكثيرة التي تبقت من قبل .

وعندما ننتقل إلى القرن الثاني م) نصل إلى لحظة تشكل الموسوعات الدوكسوغرافية، التي ينبغي أن نلتمس فيها حضور الفيثاغورية. وأهم ما ينبغي ذكره من كتاب هذا القرن :

هيبوبوط Hippobotus  الذي خط كتابا عن المدارس أو المذاهب الفلسفية، يستحضره كثيرا ديوجين اللايرسي، كما يرد ذكره عند كليمون، وفورفوريوس، وجامبليك، وكذا في موسوعة سويداس.

سوتيون الإسكندري Sotion: (القرن الثاني قبل الميلاد) الذي خطَّ ثلاثة وعشرين ([66]) كتابا في تاريخ تعاقب المدارس الفلسفية، خصص  الجزء التاسع منه لفيثاغور. و متن سوتيون،  مهم من لحاظ البحث عن صيرورة تطور الفكر الفلسفي وتشكلاته المذهبية، بيد أنه ضاع للأسف، ولم يتبق منه سوى ما استحضره هيراقليد اللامبوسي  Heraclide lembos.

هيراقليد اللامبوسي Héraclide Lembos (القرن الثاني قبل الميلاد) “كاتب “تعاقب الفلاسفة، كرر فيه كتاب سوتيون وساطيروس”، و”يعد مصدرا من مصادر ديوجين اللايرسي وأثيني.”([67]).

أبولودور الأثيني Apollodore d’Athènes تلميذ أرسطرخس  الساموطراسي  Aristarque de Samothrace ([68])، خط كتابا في “التاريخ” يبدأ من حرب طرواده، حتى عام 144 (ق م). كما تنسب له موسوعة “المكتبة” التي قيل بأنها تحتوي على “أربع وعشرين كتابا، لم يتبق منها سوى أربعة كتب. “([69]) . ويعد متنه أبولودور من المصادر المرجعية التي اعتمدها شيشرون واللايرسي وفوتيوس …

ونذكر من القرن الأول قبل الميلاد المؤرخ الروماني لوسيوس كورنيليوس الإسكندر Lucius Cornelius Alexander Polyhistor، الملقب بـ”البوليستور” أي العَلاَّمة،”له كتابان مهمان عن الفيثاغوريين هما : كتاب ” تعاقب الفلاسفة”، لم تتبق منه سوى شذرتان، شذرة طويلة رواها ديوجين الللايرسي، وشذرة أخرى رواها شالسيديوس Chalciduis في شرحه على “طيماوس” . وكتاب “بحث في الرموز الفيثاغورية، لم يتبق منه سوى شذرة واحدة مروية عن كليمون الإسكندري.”([70])

وللتنويه فإن شذرات كتابات الإسكندر التاريخية جمعها ونشرها الفيلولوجي الألماني فيليكس جاكوبي Felix Jacoby.

وستكون شذرة الإسكندر التي رواها الللايرسي معتمدنا في توصيف خريطة الكوسموس الفيثاغورية . هذا مع أننا نحترس من التباس كبير وارد فيها فيما يخص تموضع الأرض في البنية الكوسمولوجية.

–  الفيلسوف الأبيقوري فيلوديم Philodème de Gadara (القرن 1 ق م ) له كتاب “الخطابة” Rhétorique أورد فيه شذرة حول وفاة فيثاغور، وكان مرجعه فيها هو أريستوكسين.

شيشرون (106- 43)  أورد بعض المعطيات السيرية لفيثاغور في كتبه: “في الطبيعية “، “في فن التنبؤ”،  “في ” رسائل إلى أتيكوس” Lettres à Atticus، و “الجمهورية ” …

– المهندس الروماني فيتروف Vitruve (88ق م-26 م) في كتابه “الهندسة” De Architectura، حيث يورد “شهادته عن العلم الفيثاغوري، وخاصة عن أرخيتاس”([71]) سترابون Strabon  (63 ق م – 20 م) في كتابه الضخم عن “الجغرافيا”، حيث يورد معطيات عن سيرة فيثاغور، مثل خلافه مع بوليكرات، بسبب استبداده، وذلك في الكتاب الرابع عشر. كما يورد معلومات عن إيراتوسطين وإسهامه في ترسيم خريطة الأرض، ومعطيات عن أرخيتاس وأودوكس…

أما في القرن الأول الميلادي فالسمت الغالب على المصادر هو المزج بين المؤثرات الدينية الشرقية والفيثاغورية . ومن بين أوائل المقاربات التي اتجهت في هذا المنحى مقاربة الفيثاغوري الجديد:

–  أبولونيوس الطيواني Apollonius de Tyane (القرن 1  م ) الذي كتب “حياة فيثاغور”.

– كما كتب في القرن ذاته موديراتوس Modératus de Gades “دراسات فيثاغورية” “في أحد عشر كتابا. وقد ذكره سطوبي، وبلوتارك، وسمبليقيوس، واستعمله فورفوريوس.” ([72]). ومما يلحظ عليه أنه لم يكن دقيقا في إيراد الفكرة الفيثاغورية، كما أن ورود فيلولاوس وأرخيتاس في متنه لا يعني في الحقيقة أن المصدر موثوق، بل ثمة انتحالات كثيرة تلصق بفيلولاوس وأرخيتاس في متن موديراتوس. ومن ثم وجب الحذر في الأخذ عنه .

نيكوماخ الجرشي Nicomaque de Gérasa  ([73]) “يفيدنا بمعطيات جد ثمينة عن الفيثاغورية والفيثاغورية الجديدة، “([74]) ” له كتاب مقدمة إلى الحساب، حيث نجد بعض السطور عن حياة فيثاغور، وبعض شذرات فيلولاوس وأرخيتاس. وقد استعمل من قبل فورفوريوس .”([75]) .وكتاب ” أبحاث لاهوتية حول الأرقام” “حيث يوجد أوسع عرض للحساب الفيثاغوري”، نجد منه شذرة مهمة عن فوتيوس.”([76]) .ومن الملحوظ فيما تبقى من نيكوماخ الجرشي أن قراءته للأرقام مثقلة بالدلالات الفيثاغورية، والمعاني اللاهوتية، على نحو خلط فيه الأفلاطونية بالفيثاغورية، وزاد عليهما من عنده، نزوعه نحو سحر الرياضيات.

أييتيوس Aétius (القرن الثاني الميلادي) له كتاب عن مقتطفات آراء المذاهب الفلسفية اشتهر باسم “البلاسيطا” حفظ منه العديد من الشذرات، وخاصة في “المنحول الى بلوتارك وسطوبي”([77]) . ومعلوم أن كتاب “البلاسيطا”، نقلت بعض فصوله الى اللغة العربية من قِبَلِ قسطا بن لوقا، منسوبة خطأ الى بلوتارك!

كليمون الإسكندري Clément d’Alexandrie (القرن الثاني الميلادي) حفظ عديدا من الشذرات في متنيه ” كتاب الدعوة” Protreptique ou Exhortation ، و كتاب “الزرابي” (أو المتفرقات([78])) Stromates Tapisseries .

ثيون السميرني Théon de Smyrne  (القرن الثاني  الميلادي ) كاتب “متخصص في العلوم، له كتاب “في الرياضيات”، عرض فيه “المذاهب الرياضية والفلكية لفيثاغور وهيباس وأرخيتاس وأريستوكسين ” ([79]).

ومما يلحظ على ما تبقى من كتاباته أنه كان شديد الاهتمام بقراءة أفلاطون من مدخل رياضي. كما مزج بين الرياضيات والموسيقى .([80])

– الفيلسوف الشكاك فافوران الأرليسي Favorinus d’Arles (القرن الثاني الميلادي) صديق بلوتارك، ضاعت كتاباته، بيد أننا نجد شذرات واردة عند  تلميذه أولو – جيل، وكذا عند ديوجين اللايرسي، وسطوبي،  و في موسوعة سويداس .

سكستوس أمبريقوس Sextus Empiricus (140-210) الشكاك اليوناني الشهير، الذي كان فيلسوفا ذا نزعة حسية، وكان في كل كتابه ذا نزعة نقدية جريئة. نجد ضمن مكتوباته معلومات قيمة عن الفلسفات ما قبل السقراطية ومن ضمنها فلسفة فيثاغور. ففي متنه “ضد العلماء”، نلقى “معلومات مهمة عن نظرية النفس عند أرخيتاس  “([81]).

الإسكندر الأفروديسي Alexandre d’Aphrodise (القرن الثاني الميلادي)، مؤسس المدرسة المشائية في الإسكندرية، والشارح الشهير للمتن الأرسطي،  الذي نلقى، خلال شروحاته معلومات مهمة عن الفلسفة الفيثاغورية.

ديوجين اللايرسي Diogène Laërce (القرن الثالث الميلادي) له كتاب ضخم خصصه لحيوات ومذاهب وأقوال الفلاسفة، في عشرة أجزاء، خصص الثامن لفيثاغور وتلامذته، و”يحتوي خمسين فقرة عن فيثاغور … وبعض الفقرات عن إبيشارم ، وأرخيتاس، وألكميون،و هيباس،و فيلولاوس وأودوكس. والمراجع التي يحيل عليها” في موسوعته هذه ذات أهمية، إذ عن المراجع التي استفاد منها في كتابته عن الفيثاغورية يذكر “سبعة وعشرين . وقد حفظ لنا من الضياع صفحات كاملة من أريستوكسين والإسكندر العلامة.” ([82]) . لكن للأسف لم يكن ديوجين اللايرسي كاتبا دقيقا في إيراد الفكرة والواقعة السيرية، لذا وجب الحذر خلال الاستمداد منه.

– وفي هذا القرن أيضا(أي الثالث الميلادي) خصص هيبوليت Hippolyte  في بداية كتابه “نقض كل الهرطقات ” Réfutation de toutes les hérésies “عدة صفحات عن فيثاغور”([83])

– كما نلقى عند فورفوريوس Porphyre de Tyr (233-303)  في كتابه “حياة فيثاغور ” – الذي كان جزءا من مشروع ضخم عن تاريخ الفلسفة – معلومات كثيرة وسردا مسهبا . والمصادر “الأساسية التي اعتمد عليها فورفوريوس هي أريستوكسين، وديسيارك وطيمي، ونيكوماخ، وأنطونيوس ديوجين، وأبولونيوس الطياني وموديراتوس.”([84])

– كما نجد عند جامبليك Jamblique de Chalcis (250-300)  أيضا كتابا في سيرة فيثاغور . وهو “عمل بلا أي قيمة تاريخية … حيث جعل من طاليس أستاذا لفيثاغور.. وقبل دون نقد الأعاجيب .. ولكن ما دام هذا الكتاب قد وصلنا كاملا فإننا نجد فيه مقاطع طويلة لمؤرخين قدماء، وخاصة أبولونيوس وأريستوكسين ونيكوماخ.” ([85]) وقد تحدثنا عنه في فقرة الهوامش.

بويس Boèce (475- 524) “نقل لنا عديدا من شذرات الفيثاغوريين الجدد” ([86]) وكذا من القدماء وخاصة عن أرخيتاس.

جون سطوبي من أهم دوكسوغرافيي القرن السادس الميلادي، ويعود إليه الفضل في  حفظ الكثير من النصوص الواردة في الكتب القديمة المفقودة اليوم، التي جمعها في متنه “أنطلوجيا” .

سمبليقيوس (القرن 6م) الذي رغم كونه شارحا للمتن الأرسطي فهو مصدر غني بالمعطيات المتعلقة بالفلسفة ما قبل السقراطية؛ وذلك بفضل منهجية الشرح التي اعتمدها، حيث كان كثير الاستحضار للفلسفة ما قبل السقراطية.

فوتيوس Photius  (815-891م) رجل دين بيزنطي، كان بطريرك القسطنطنية، أورد معلومات مهمة عن الفلسفة ما قبل السقراطية ومن ضمنها الفلسفة الفيثاغورية في موسوعته المكتبية، وقد اعتمد فيها بشكل خاص على سطوبي.

– موسوعة سويداس (القرن الحادي عشر الميلادي)، التي رغم الكثير من الإشكالات التي طرحت وتطرح حول هوية كاتبها أو كتابها، ورغم الإشكال الذي يعترض تحديد زمن كتابتها، فإن المعلومات المتضمنة فيها، لها قيمتها، التي تستوجب استحضارها، لكن مع كثير من الاحتراس والحس النقدي.

– المؤرخ البيزنطي جون تزتزيس Jean Tzétzès  (القرن الثاني عشر الميلادي)، بموسوعته الضخمة “الألفيات” أو كتاب “التواريخ” Les Chiliades ، الذي رغم تباعده الزمني عن لحظة الفيثاغورية ، فهو مصدر يحتوي بعض المعطيات مستمدة من مصادر قديمة .

وكحكم إجمالي لابد من التوكيد على أن ثمة نصوصا منحولة مبثوثة في تلك المصادر تنسب إلى كثير من الفيثاغوريين أمثال أرخيتاس و ديوطوجين diotogène، وأوريطوس Eurytos وليسيس Lysis وأوسيلوس Ocellus و فيلولاوس Philolaos وطيماوس اللوكريسي de Locres Timée  .

والقول بنحلها ينبغي أن يقرن أيضا بالقول بأنه ليس عند التحقيق الدوكسوغرافي النسبة إلى المؤلفين الأصليين.ولذا فالمؤلف الأصلي وتوقيت التأليف سؤال  اختلف في الإجابة عنه المؤرخون والدوكسوغرافيون.

ويمكن أن نوجز هنا أهم اختلاف بالإشارة إلى إدوارد زيلر، الذي عد تلك النصوص المنحولة نتاج مدرسة الإسكندرية، أي أنها صيغت حوالي القرن الأول قبل الميلاد. بينما يذهب تيسليف في كتابه “مدخل إلى الكتابات الفيثاغورية في الفترة الهيلينية” ([87]) إلى أن قسما من هذه الكتابات كتب في إيطاليا، وقسما آخر كُتب في أثينا والإسكندرية ما بين القرن الرابع والثاني قبل الميلاد.وفي عام 1972  تقدم بروكر W.Brucker بأطروحة مفادها أن تلك النصوص تعود إلى زمن متأخر يبدأ من وسط القرن الثاني قبل الميلاد إلى القرن الثالث الميلادي.

خاتمة الفصل الثاني

تبين لنا ، خلال هذا الفصل، أننا عندما اتجهنا إلى المصادر الدوكسوغرافية لالتماس المادة الشذرية الفلسفية التي تبقت من مكتوبات الفيثاغورية، لم نجد شيئا لفيثاغور، بل كل ما وجدناه هو شذرات منسوبة إلى بعض الفيثاغوريين؛ وأخص بالذكر ألكميون و فيلولاوس و أرخيتاس . أما عن فيثاغور نفسه فلم تتبق سوى مأثورات منظومة في قصيدة “الأبيات الذهبية”، وهي ،كما بَيَّنَا عند التحليل الدلالي لمقاطعها، لا تحتوي على أي معطى معرفي يخص الجانب الفلسفي البحت؛ ومن ثم قلنا إن أنسب تصنيف يليق بها هو أن تدرج ضمن الحكم الحياتية التي تخص المستوى العملي الأخلاقي، أو “فلسفة الأخلاق”، إذا أردنا التوسيع الدلالي لمعطيات تلك الأبيات، على نحو مصحوب بكثير من التجوز والترخص في توقيع ذاك الاصطلاح المبحثي.

أما شذرات الفيثاغوريين فحاولنا جردها بدءا من بيطرون الهيميري، وهيباس الميطابونطي، وألكميون،  وفيلولاوس، وأرخيتاس …. أي بدءا من القرن السادس (ق م)، حتى القرن الرابع (ق م ). كما تخطينا السياج الزمني الماقبل السقراطي للإطلالة على ما بعده، رغم أن كتابنا هذا محكوم ببندول التاريخ وتراقيم عصوره، وذلك لكي نتتبع،ولو بلحاظ سريع التحولات الفكرية العميقة التي مست الفكر الفيثاغوري بعد أفلاطون، مع كزينوقراط الذي أوضحنا أنه كان أسبق “بستة قرون من نومينوس إلى مزج الفيثاغورية بالأفلاطونية” ([88])، وإنتاج ما سيصطلح  عليه لاحقا ب”الفيثاغورية الجديدة”، تلك التي عادة ما تُوَقَّتُ بما بعد الميلاد، وخاصة مع النتاج الفلسفي التلفيقي الذي قدمه نومينوس الأبامي، وأميليوس في القرن الثالث الميلادي.

 

ولم نقتصر في ذاك الجرد على تعداد الشذرات، بل توقفنا لبيان نوعية المشكلات التي تطرحها، ليس فقط من حيثية التوثيق، بل أيضا من حيثية دلالاتها، في سياق التحولات التي طرأت على الفيثاغورية .

ومن البَيِّنِ أننا عند تناولنا لتلك الشذرات المنسوبة إلى الفيثاغوريين، كنا مضطرين لتغيير الطريقة التي اعتمدنها في تأريخنا للفلسفة الملطية، حيث كان من الممكن إيراد نص الشذرات كاملة، نظرا لقلة وندرة ما تبقى من الفلاسفة الملطيين الثلاثة، لكن فيما يخص الفلسفة الفيثاغورية، وما سيتلوها في ترتيب تتالي الفلسفات ما قبل السقراطية، فإننا نجد لكثير منها، كمًّا من الشذرات لا نستطيع إيراده بنصه الكامل؛ لأنه إن فعلنا فسنحول الكتاب إلى متن توثيقي أو ترجمة للنص الدوكسوغرافي، وهو بلا شك عمل ذو قيمة، لكنه ليس مطلبنا في هذه القراءة “التَّأْرِيخية”، التي نبتغي منها التحليل الدلالي النقدي لنتاج التفلسف الغربي. ولذا فالطريقة التي اعتمدنها هي بسط الإشكالات المنهجية التي تخص المتن، وتأجيل استحضار بعض تفاصيله إلى الفقرات المخصصة لدراسة المباحث الفلسفية .

وعليه لم نهتم بإيراد منطوق الشذرات المنسوبة إلى  الفيثاغوريين ، بل ركزنا على دراسة الجوانب الإشكالية التي تخص صدقية ذلك المنسوب الشذري؛ واقتصرنا على جردها حسابيا، وتأجيل إيراد ما سنحتاجه من ملفوظاتها، خلال المقاربة الدلالية في مباحث الباب الثاني .


[1][1] –  هذا البحث مستل من  الفصل الثاني من كتاب د.الطيب بوعزة “فيثاغور والفيثاغورية بين سحر الرياضيات ولغز الوجود”  مركز نماء ، بيروت 2014.

[2] -Jean-François Mattéi ,Pythagore et les pythagoriciens,3éd,P.U.F.Paris 1983,p17

[3] – المقصود هو أرسيسلاس البيطاني وهو فيلسوف أفلاطوني من القرن الثالث قبل الميلاد.

[4] – كارنياد فيلسوف من القرن الثاني قبل الميلاد.

[5] – Plutarque,De la fortune ou vertu d’Alexandre,I,4,p.328.

[6] – Diogène L.Vies,VIII,6

[7] – Jean – Paul Dumont,Les écoles présocratiques,Gallimard,Paris 1988.p95

[8] – Diogène L,Vies.VIII,8

[9] – Diogène L.VIII,7

[10] – هيلوطاليس الكروطوني، اسم أب الفيلسوف الفيثاغوري إبيشارم Epicharme.

[11] – Diogène L.Vies,VIII,6

[12] – Pline,Hist.Nat,XXV,2

[13] – Proclus,in Tim.141D

[14] – Tzetzès,Livres prophétiques Chil.II,888.

[15] — Ivan Gobry, Pythagore,éd Seghers,Paris 1973,p63

[16] – Armand Delatte,Etudes sur la litterature pythagoricienne,Paris,Champion,1915,rééd.Genève,Slatkine,1974,45-79

[17]

Fabre D’Olivet, Les vers dorés de Pythagore expliqués et traduits pour la première fois en

Francais, Treutel-Wurtz, 1813 ,p189.

[18] – ibidem

[19] – Ivan Gobry, Pythagore,ibid,p64.

[20] – Jamblique,Vie de pythagore,35-37.

[21] – Ivan Gobry, Pythagore,ibid,64

[22] – اعتمدت في هذا البحث على الترجمة الفرنسية لمتن “الأبيات الذهبية” :

Fabre D’Olivet, Les vers dorés de Pythagore expliqués et traduits, Treutel-Wurtz, 1813 .

[23] – أشير هنا إلى أولوية العقل العملي ، عند كانط، بوصفه أساسا لقيام المياتافزيقا.

[24] – الأبيات التي تتحدث عن احترام الآباء والأصدقاء هي إضافة الى النص الأصلي، أي أنها ليست من فيثاغور.

أنظر :

Ivan Gobry, Pythagore,ibid,p117.

لكننا نرى أن الناظم الذي استدخلها في القصيدة ، كان يستحضر بلا شك مجموعة من القيم المتداولة بين الفيثاغوريين. فقيمة الصداقة مثلا هي قيمة مركزية في الجماعة الفيثاغورية. إذ ينسب طيمي الى فيثاغور القول : “بين الأصدقاء كل شيء مشترك” .

كما تحكى نوادر عديدة في كتب التاريخ عن قدسية الصداقة بين الفيثاغوريين. منها أن فيثاغوريا جاءته لحظة الاحتضار في فندق، ولم يكن له مال ليسد الأجرة ، فما كان منه إلا أن كتب دينه ووضع رمزا معروفا بين الفيثاغوريين ، وطلب من صاحب الفندق أن يعلقها على الجدار الخارجي. وبعد موت الفيثاغوري أراد صاحب الفندق اختبار الفكرة ، فعلق الورقة على الجدار، وبعد سنوات صادف أن مر فيثاغوري قرب الفندق ولاحظ الرمز ، فلما اقترب وقرأ الورقة ، دخل بدون تردد ودفع دين الميت !

[25] –   لاحظ المقاطع:

50-Tu sauras quelle est,

des dieux immortels et des hommes mortels,

51-La constitution,

Et jusqu’à quel point les éléments se séparent

Et jusqu’où ils se tiennent;

52-Et tu connaîtras

dans la mesure de la justice,

que la nature en tout est semblable

[26] – نقول غياب التعبير عن نظرية التناسخ بألفاظ “صريحة”؛ لأنه يمكن تأول فكرة الخلود وبعض المقاطع على نحو يفيد فكرة التناسخ.

[27] – أفلاطون ، الأعمال الكاملة ، المجلد الأول، الجمهورية، ترجمة شوقي داود تمراز،الأهلية للنشر والتوزيع،بيروت ب ت ، ص 451-452.

[28] – “سقراط : … وإنني إذ أشير إلى الفيثاغوريين ، الذين اقترحت للتو أن نبحث عن علم الايقاع فيهم لأنهم في خطأ كعلماء النجوم يبحثون في أعداد علم الايقاع المسموعة، غير أنهم لا يبلغون المسائل ليبحثوا أي الأعداد يكون متناسقة وأيها لا تكون، ولأي سبب.”

أفلاطون،الأعمال الكاملة، م س ، ص345

[29] – يتبقى هنا أمر آخر وهو الأفكار المنسوبة الى فيلولاوس في فيدون ، هل هي أفكاره هو نفسه، أم أنها أفكار أفلاطون نسبها إليه، بفعل سياق الوضع الحواري المتخيل ؟

اختلف الباحثون المعاصرون في أي فرضية من الفرضيتين هي الراجحة، فذهب هوفمان مثلا المذهب القائل بأن الأفكار التي ينسبها أفلاطون الى فيلولاوس هي  له ، وليست أفكارا أفلاطونية.

C.Hoffman ,Philolaüs of Croton.Pythagorean and Presocratic,Cambridge, Cambridge University Press,1993.

بينما يذهب لوك بريسون الى الفرض القائل بأنها أفكار أفلاطونية (ص 223).

لكن ألا يحتمل فرض ثالث هو أن ما ينسبه أفلاطون لفيلولاوس فيه مقدار أفلاطوني، كما فيه مقدار فيثاغوري ؟ ألا يمكن أن نلتمس في هذا الحضور مزيجا بين الأفلاطونية والفيثاغورية  في المتن الأفلاطوني ذاته؟

[30] – Mét., A 6, 987 a 29- 31

[31] – Jean-Paul Dumont,Les écoles présocratiques,Gallimard,Paris,ed 1991,p251

[32] – عند ديوجين اللايرسي نقرأ ما يلي :  ” حسب بعضهم، منهم ساطيروس Satyros طلب أفلاطون من ديون في صقلية أن يشتري له بمبلغ مئة قطعة ذهبية ثلاثة كتب فيثاغورية لفيلولاوس”

Diogéne ,Vies,III,9.

[33] – Diogéne ,Vies,III,84-85

[34] – Simplicius,Commentaire sur leTraité de ciel,392,i8

[35] – Stobée,Choix de textes ,I,XVIII,I c

[36] – قمت بهذا الاحصاء قياسا على المؤلفات الكاملة لأرسطو بترجمتها الإنجليزية :

 (Physics, Book I.4. Translated by R. P. Hardie and R. K. Gaye)؛ (Aristotle. Physics, Book III.4. Translated by R. P. Hardie and R. K. Gaye)، “(On the Heavens, Book II Translated by J. L. Stocks)، ( Metaphysics.Book XII.2. Translated by W. D. Ross

[37] – Rhétorique,B,23,1398 b9.

[38] – يقول أرسطو :

” كان ألكيمون Alcméon في مرحلة الشباب في السنوات الأخيرة من حياة فيثاغور.”

 Metaphysique,A,V,986 a 29.

[39] – كثيرة هي الكتب التي تقع في هذا الخطأ فتقدم فيلولاوس وأرخيتاس المعاصرين لأفلاطون بوصفهما تلميذين مباشرين لفيثاغور. والذي يدقق منها قليلا، تجده يخص فيلولاس وحده دون أرخيتاس بهذه المعاصرة المزدوجة لأفلاطون وفيثاغور. وهو خطأ أيضا. وقد فكرت في دواعيه ، فوجدت أنه ربما حصل التباس إسمي. بمعنى ان ثمة شخصا اسمه فيلولاس من معاصري فيثاغور وتلامذته المباشرين . لكنه غير فيلولاس المعاصر لأفلاطون، الذي تبقت لنا بعض شذراته. ومما يعزز هذا الظن عندي  أن بعض الكتابات الدوكسوغرافية القديمة تتحدث عن فيلوولاس ناسبة إياه حينا إلى مدينة طارينط، وحينا آخر تنسبه الى مدينة كروطونيا. فلعل هذا الاختلال في النسبة ليس خطأ ، بقدر ما هو آت من حديث عن شخصيتين اثنيتن لا عن شخص واحد ، وإن لم تميز المتون الدوكسوغرافية بينهما .

[40] – PLUT. De Defect. or. p. 422b

[41] – PLUT. De Defect. or. p. 422d

[42] – Platon, Phédon 110b

[43] – Platon,Timée 55c

[44] – اختلف في تعيين موطنه ما بين ميطابونط و سيباريس.

[45] – Jean-Francois Mattéi,Pythagore et les pythagoriciens, ,éd3 Que sais je ,PUF .Paris 1983 , p33

[46] – Jean-Francois Mattéi,Pythagore et les pythagoriciens, ,éd3 Que sais je ,PUF .Paris 1983 , p35.

[47] – Diogène ,Vies,III,9

[48] – ثمة اختلاف بين كتاب السير في هوية ثيانو ، فعند جامبليك ترد بوصفها زوجة برونتان Brontin ، بينما ترد عند ديوجين اللايرسي بوصفها ابنة برونتان وزوجة فيثاغور.

Diogène ,Vies,VIII,42.

[49] – Ivan,ibid,p67

[50] – Ivan,ibid,p71

[51] – Diogene, VIES III,6

[52] – اختلف في تعيين مسقط رأسه ، وحتى جامبليك ينسبه حينا الى طارينط وحينا آخر الى ميطابونط.

[53] – Théophraste , Métaphysique , III, 20

[54] – Ivan Gobry, Pythagore,ibid ,p74.

[55] – انتساب كيبيس ،وكذا سيمياس ، إلى المذهب الفيثاغوري قيل مشهور في الكتابات الفلسفية، لكن عندما حققنا ما نسب إليهما لا نرى هذا القيل مستندا على أُسٍّ مكين، لذا ننظر إليه بوصفه  مجرد قول دارج في التاريخ بلا سند يثبته، ولا اعتراض قوي ينفيه. لهذا فإذا سَمَّيناهما بالفيثاغوريين فذاك من باب استعمال النعت الدارج في تاريخ الفكر الفلسفي.

[56] -Ivan,ibid,pp65-66 .

[57] – في إحصاء مصادر البحث في الفلسفة الفيثاغورية ، اعتمدنا على إيفان جوبري :

Ivan Gobry, Pythagore,éd Seghers,Paris 1973

،  لكننا اختلفنا معه في بعض الترتيب التاريخي الذي وضعه لكرونولوجيا المصادر ، حيث وضعنا ساطيروس أسبق من هيبوبوط، على عكس الترتيب الذي وضعه إيفان. كما صححنا بعض المعطيات الواردة في سرده ، كتعداده لكتب سوتيون الإسكندري، و كذا نسبه موسوعة “المكتبة” إلى أبولودور بينما هي منحولة إليه، وليس له.

كما اعتمدنا على دراسة لوك بريسون

Luc Brisson, PlatonPythagore et les pythagoriciens,in Eikasia,Revista de Filosofia,10,Extraordinario,1,2007

فضلا عن الموارد التي أحالت عليها موسوعة الشذرات ما قبل السقراطية  لجون بول دومون .

Jean – Paul Dumont,Les écoles présocratiques,ibid.

[58] – Ivan,ibid,p98.

[59] – Ivan Gobry, Pythagore,ibid,p98

[60] – Ivan Gobry, Pythagore,ibid,p96

[61] – Ivan Gobry, Pythagore,ibid,p97

[62] – Ivan Gobry, Pythagore,ibid,p98

[63] – Ivan Gobry, Pythagore,ibid,p98

[64] – Ivan Gobry, Pythagore,ibid,p99

[65] – Ivan Gobry, Pythagore,ibid,p100

[66] – عند إيفان جوبري ثلاثة عشر كتابا، أنظر :

Ivan Gobry, Pythagore,ibid,p100

 والصواب ثلاثة وعشرون لا ثلاثة عشر فقط. وظني أن خطأ جوبري مجرد خطأ مطبعي .

[67] – Ivan Gobry, Pythagore,ibid,p100

[68] – لا ينبغي الخلط بين أرسطرخس الساموطراسي عالم اللغة ، و أرسطرخس الساموسي الفلكي   .

[69] – Ivan Gobry, Pythagore,ibid,p100

ينسب إيفان جوبري الموسوعة المكتبية الى أبولودور(أنظر ص101) ، شأنه في ذلك شأن العديد من الكتاب . بيد أن الصواب هو ما أثبته التحقيق النقدي في أن هذه المكتبة منحولة إلى أبولودور وليست له . والدليل الواضح على ذلك هو ورود اسم كاستور Castor المعاصر لشيشرون. ومعلوم أن شيشرون من القرن الأول قبل الميلاد. ومن ثم لا يصح نسب متن ” المكتبة ” إلى أبولودور ، الذي هو من القرن الثاني (ق م ).

[70] – Ivan Gobry, Pythagore,ibid,p101

[71] – Ivan Gobry, Pythagore,ibid,p102

[72] – Ivan Gobry, Pythagore,ibid,p103

[73] – نسبة إلى جرش، منطقة تقع الآن بدولة الأردن.

[74] – Ivan Gobry, Pythagore,ibid,p102

[75] – Ivan Gobry, Pythagore,ibid,p103

[76] – Ivan Gobry, Pythagore,ibidem

[77] – Ivan Gobry, Pythagore,ibid,p104

[78] – نستعمل هنا الترجمة الحرفية للفظ Stromates Tapisseries ، ولكن يصح أيضا ترجمة عنوان الكتاب ب”متفرقات” ؛ لأن دال “صطروما” الإغريقي يدل حرفيا على الفراش أو الزربية، لكن المعنى الذي استعمل به هنا هو لوسم كتاب جمع موضوعات متفرقة، فجازت الترجمة ب”متفرقات”.

[79] – Ivan Gobry, Pythagore,ibid,p104

[80] – أنظر كتابه ” عرض للمعارف الرياضية التي ينبغي استعمالها لقراءة أفلاطون “

THÉON DE SMYRNE, EXPOSITION DES CONNAISSANCES MATHÉMATIQUES UTILES POUR LA LECTURE DE PLATON,trad J.Dupuis,Hachette,Paris 1892

[81] – Ivan Gobry, Pythagore,ibid,p105

[82] – Ivan Gobry, Pythagore,ibid,p107.

[83] – Ivan Gobry, Pythagore,ibidem.

[84] – Ivan Gobry, Pythagore,ibid,p108.

[85] – Ivan Gobry, Pythagore,ibidem.

[86] – Ivan Gobry, Pythagore,ibid,p109

[87] – H. Thesleff ,An Introduction to the Pythagorean Writings of the Hellenistic Period, 1961.

[88] – Ivan Gobry, Pythagore,éd Seghers,Paris 1973 ,p80.

error: