في التعصب الديني الجديد: الفلسفة والجدال: الاتساق – مارثا نوسباوم / ترجمة: فاطمة الشملان

في التعصب الديني الجديد: الفلسفة والجدال: الاتساق – مارثا نوسباوم / ترجمة: فاطمة الشملان


سنركز من الآن فصاعدا إذن على المسألة الأخلاقية، وهنا تصبح قضية الاتساق ملحة وشائكة على السواء. إذن: هل الاعتراضات على ما يُفترض بأنها أمثلة مركزية في إيجاد خطأ ضمن أقلية غير شعبية لا يتم تطبيق تمحيص مشابه لها على الأغلبية؟

      أولا، حتى وإن كانت 9/11 نتيجة مؤامرة واسعة النطاق ضمن كل الأمم المسلمة، فإنها لن تكون متسقة مع الممارسات الأمريكية العامة لمنع أناس جدد، من الجلي براءتهم من ذلك الصنيع الشائن، من المضي في عملهم بذلك المكان. لقد قام جستس ستيفنز حديثا بذكر هذه النقطة بشكل قوي جدا، متحدثا عن شعوره الخاص في رؤية سياح يابانيين يزورون النصب التذكاري لقتلى ميناء بيرل: “هؤلاء الناس لا ينتمون هنا … علينا ألا نسمح لهم بالاحتفال بالاعتداء على ميناء بيرل حتى وإن كانت واحدة من أعظم انتصاراتهم.” لكنه ختم بأنه كان مخطئا في “استحضار استنتاجات” عن مجموعة السياح بسبب التشابه الإثني فقط. إن هؤلاء السياح غير مسئولين عما فعله أبناء بلدهم؛ بالمثل “إن المسلمين العازمين على بناء مسجد غير مسئولين عما صنعته مجموعة مختلفة تماما من المسلمين في 9/11.” ليختم “الجهل -حيث يمكن القول بأنه الخوف من المجهول- هو مصدر لأغلب التحامل المبغض.”

       لكن الرئيس بوش أكد مباشرة وكما اتفق كل القادة ضمنيا بأن 9/11 لم تكن نتيجة مؤامرة من المسلمين حول العالم، بل كانت نتيجة مؤامرة إجرامية من قبل منظمة إرهابية محددة، القاعدة. إن نزاعنا كأمة هو مع المجرمين والقاعدة وليس مع الإسلام والمسلمين. ولذا سيكون هناك عدم اتساق إذا عامل الناس مجموعة Park51 كما لو أنها تمثل القاعدة بطريقة ما، بينما لا يقومون بعمل ربط مشابه بين المجرمين الذين يقتلون باسم دين آخر وبين الدين نفسه. يقتل العديد باسم المسيحية. يمكننا المحاجة أن تفجيرات مدينة أوكلاهوما قد حوت على هذا الجانب، بالرغم أن حركة المليشيا قد جمعت مشارب عدة. فلقد كان أندريس بيرينغ بريفيك بالتأكيد فخورا بانتسابه المسيحي وقد نظر إلى جرائم قتله بشكل جلي كجزء من “حرب مقدسة” بين المسيحين والمسلمين، ولذا فإن تلك قضية أكثر وضوحا بكثير. علينا أن نشمل المتطرفين الذين يقتلون أطباء الإجهاض باسم الإيمان بما أن أفعالهم نوع من الإرهاب، والتي بالفعل تم التحقيق بها على أنها كذلك من قبل مؤسسات القانون التنفيذية. ومع هذا فإن الإيمان المسيحي ليس المبرر العام فقط بل من المحتمل أنه الدافع الحقيقي لتلك الهجمات. العديد من المجموعات الإرهابية الأخرى قد كانت مسيحية: جماعة كو كلوس ومدى من المجموعات المؤمنة بغلبة البيض من ضمن آخرين. إذا كان أولئك الذين يعبرون عن اعتراض ضد Park51 يربطون كل المسلمين بالقاعدة لكن لن يفكروا مطلقا بربط كل المسيحين بتلك الجرائم، فعلينا إذن الاستنتاج بأنهم مدانين بنوع من عدم الاتساق الذي تم التوجه إليه في الفصل الرابع. كون أن بعض أولئك الناس قد انطلت عليهم البروباغندا القائلة إليهم بأن كل المسلمين جزء من مؤامرة عالمية مع القاعدة لتدمير أمريكا لا يغير من القضية، حيث أنهم يسمحون لنفسهم بأن يُخدعون بالرغم من حقيقة أن الرئيس بوش ومدى عريض من الرؤساء السياسيين المسئولين قد طمأنوهم بأن تلك ليست هي الحالة. إن السذاجة المشاءة ليست عذرا.

      إلا أن هناك حالة تشكل تحديا جديا لتهمتي بعدم الاتساق مع هذا، وهو دير كرملي في موقع أوشفيتز والذي تطرق إليه إبراهام فوكسمان من رابطة مكافحة التشهير في شرح معارضة منظمته للمركز المذكور. في 1984، أقامت راهبات كرمليات ديرا في جزء من مخيم الاعتقال أوشفيتز والمسمى أوشفيتز1، في مبنى كان فيما مضى مخزنا لغاز زيكلون B والمستخدم في غرف الغاز لمخيم الإبادة. لقد كانوا يملكون موافقة الكنيسة والسلطات الحكومية لكنهم لم يتحاورا مع البولنديين العامة أو المجتمع اليهودي العالمي. وبعد سنة، أضافوا صليبا كبيرا قد تم نصبه من أجل احتفال ضخم على موقع مخيم الموت أوشفيتز 2 (بيركينو) من قبل البابا جون بول الثاني في 1979. لقد وضع الصليب بالقرب من قطعة 11، وهو سجن تعذيب ضمن أوشفيتز1. لقد أمرت الكنيسة نفسها الكرمليات بأن ينتقلن سنة 1989، إلا أنهن بقين حتى سنة 1993 مخلفات الصليب ورائهن حين فعلن. استمر الجدل حول الصليب، قاسما الحكومة، في حين أن مئات من الصلبان الأصغر قد تم نصبهم خارج أوشفيتز. بالرغم من اعتراض الأساقفة الكاثوليكيين للبلد. وفي حلول 1999، مضى قانون برلماني بالتشاور مع المنظمات اليهودية مانحا الحكومة السلطة للتحكم فيما يوجد على مواقع المخيمات السابقة، إلا أن قائدا من مؤيدي الصليب المعارض قد أعلن بأنه قد وضع متفجرات تحت الموقع وسيفجرهم إذا ما عزمت الحكومة على إزالة الصلبان. لقد تم القبض عليه، وتم نقل الصلبان الأصغر إلى دير قريب في حين بقي الصليب الأكبر مكانه.

       إن هذا الجدل بالفعل مواز بطرق عدة إلى جدلية Park51. إلا أن مسائل ملكية الأرض مختلفة جدا: تتحكم الحكومة البولندية في الأرض ولا تملك أي مجموعة خاصة حقا هناك. وهذا يشكل فرقا. من ناحية، كانت الكرمليات ينتقلن إلى موقع عام ويغيرن فيه دون إذن الحكومة. من الناحية الأخرى، يملك الجمال المبني وله حق قانوني فيه، كمستأجر من كون إديسون للأراضي المحيطة. إلا أن المسألة الأخلاقية مع هذا تبدو متشابهة. فمعارضي الدير والصليب يصرون على أن الدير والصلبان اللاحقة يمتهنان أحاسيس اليهود، كلاهما عبر جذب طويل تسرمد فيه نظرة أن اليهود قتلوا المسيح، وعلى المدى القصير-حيث بيوس التاني عشر كان معابا لعدم فعله شيء للاحتجاج على الإبادة الجماعية (الهولوكوست). في حين أصر مؤيدو الدير ومناصرو الصليب على أن الموقع كان يستخدم لسجناء بولندا السياسيين ولمعارضين كاثوليكيين معروفين: كلا من الأب ماكسيميليان كولبي والراهبة الكرملية إديث ستين قد قابلوا منيتهم هناك. إذن في كلا الحالتين هناك مجموعة ممن تتشارك دينيا مع المجرمين تتنقل إلى حيث نفذ المجرمون جريمتهم ويستاء أقارب ضحايا الجرائم من ذلك. من المتفق عليه في كلا الحالتين أن المقيمين (أو المقيمون المستقبليون في حالة Park51) ليسوا أنفسهم مذنبين بأي من الجرائم وعلى الأقل يُعتقد بشكل واسع بأن نواياهم نبيلة. في كلا الحالتين أيضا، يمكن أن تشير المجموعة التي يُعترض على أفعالها بأن أعضائها أنفسهم قد عانوا في وقت المأساة. قُتل كاثوليكيون في أوشفيتز، مات مسلمون في 9/11.

       تلك هي المتامثلات فأين المتعاكسات؟ من الواضح أن الدير والصلبان اللاحقة هم فعليا في موقع أوشفيتز، وهما هناك لهذا السبب، هما لم يتواجدا صدفة في محيط الموقع، هم عليه، يشيران له ويعمدان على إحياء ذكراه. لا يوجد شيء حوله، ولا يوجد دور معين لهم ليلعباه في المنطقة. بينما Park 51 على العكس، يقع في وسط مدينة هائجة يبعد بعدة مباني عن ground zero مع وحدات مختلفة من كل نوع بينه وبين النصب التذكاري ل 9/11، ووحدات من نوع غير مقدس البتة كردهة للرهان خارج السباق أو ملهى تعري. كما أنه له دورا معينا للحي بخدمة المتعبدين والأسر والمقيمين المحليين بطرق شتى. إن كان لديه دور رمزي (وهذا جزء من الخلاف بين رؤوف والجمال من حيث أن النظرة الرمزية لرؤوف قد بات التخلي عنها الآن)، فإنه كان دائما ثانويا للغاية العملية منه.

       إن تاريخ إدانة الكاثوليكية لليهود كقتلة المسيح طويل وبشع، ولا يوجد مجال للشك مطلقا أنه لعب دورا بالغا في الإبادة الجماعية (الهولوكوست)، سواء لعب دورا كبيرا أم لا كما يعتقد بعض المؤرخين. على المرء أن يرى فقط اللحظات الحارقة الأخيرة من الجزء الأول للوثائقي (Shoah) للمخرج Claude Lanzmann كي يعرف لم يملك اليهود سببا جيدا ليشعروا بالإهانة. يعود رجل يهودي بولندي نجا من المخيمات كطفل وكان ذلك جزئيا بسبب أن المحليين أحبوا غنائه إلى البلدة، حيث سكان البلدة المحليين من البولنديين قد تخلوا عن صداقته، آملا وبعد سنوات من الحرب أن يعيد تأسيس بعضا من الروابط والمساواة. عاد في مهرجان ديني حيث تدفق السكان المحليين خارجين من الكنيسة وبعد أن قاموا بتحيته في البداية انقلبوا عليه يصرخون “اليهود قتلوا المسيح!” لينتحب بعدها. وبهذا المعنى يمكن للمرء أن يحاج بشكل مقنع أن الكنيسة الكاثوليكية الرومانية (ليس المعتقد، بل الكنيسة المنظمة) متورطة في الإبادة الجماعية (الهولوكوست) على نطاق واسع، حتى لو كان العديد أو (اليوم) حتى غالبية أعضاء هذا الدين يمقتون معاداة السامية. في حالة الإسلام، فإن السجل أكثر ضبابية بكثير وبعيدا عن المركزية. هناك أئمة متطرفين ومساجد، لكن هناك عددا أكبر بكثير من الأئمة والمسلمين الذين يمقتون ويشجبون التطرف. وفي الولايات المتحدة تحديدا، هذه المجموعة أكثر بكثير من مجموعة المتطرفين، ولذا يبدو من الصعب بأن يُجعل من المنطق إلقاء اللائمة على الدين بأكمله. هناك نصوص في كل من المسيحية والإسلام يمكن للمرء أن يشير إليها إذا ما أراد إلصاق اللائمة بالعنف، لكن يعتمد كل شيء على تأويل تلك النصوص، والسجل للتأويل أكثر توحدا ومركزية بكثير في حالة الكاثوليكية. كما أن المركزية المقترحة ذات علاقة أيضا في أنها تخدم الأمريكيين المسلمين الذين لم يلعبوا دورا أبدا في 9/11. حيث أن المتهمين كانوا أجانبا في حين أن المسيحين البولنديين على النقيض لعبوا دورا كبيرا في الإبادة الجماعية (الهولوكوست).

       حديثا، هناك بعض الحراك للمضي بعيدا عن إدانة اليهود لمقتل المسيح، لكن على موقع أوشفيتز وبصورة جدلية وجلية لم يقدم الأب بينديكت في 2006 أي عبارة اعتذار. لقد لام الإبادة الجماعية (الهولوكوست) بشكل كامل على “المجرمين” في النظام النازي، وتساءل لم أجاز الله حدوث هذا- رافضا بشكل واضح التساؤل لم الكاثوليكيين والكنيسة قد أجازوا حدوث هذا.

       يأتي بنا ذلك إلى حقيقة أن الكنيسة الكاثوليكية الرومانية دين منظم تراتبيا بسلطة أحادية لقائد تعاليمه، حتى لو كانت عمليا معصومة، فإنها مقياس لكل الأعضاء. بقي هذا المعلم، بيوس الثاني عشر، مؤاخذا على صمته خلال الإبادة الجماعية (الهولوكوست)، لم يقم بعمل شيء ضمن سلطته النافذة لإيقاف القتل الجماعي. بل أنه حتى تعاون مع نظام فيتشي، موافقا بجهارة لبعض قوانينه المعادية لليهود. لا يمكننا محاجة كل تفاصيل المسألة هنا، لكن يكفي تأسيس أنه من المعقول بشكل تام إلصاق لائمة الإبادة الجماعية (الهولوكوست) جزئيا على الكنسية نفسها، والحكم بأن عناصر من الكنيسة الذين قد قبلوا سلطتها دون انتقاد، دون محاولة المعارضة أو الاحتجاج يحملون على الأقل بعضا من المسئولية لسياسة الصمت القاتلة تلك.

       الإسلام ليس مركزيا- حتى أقل مركزية من اليهودية بالفعل- ولذا لا يشكل شيئا من العقلانية على الإطلاق إلقاء الملامة لأفعال الجهاديين المتطرفين على الصوفيين الذين ينحدرون من حيز كبير لما يمثله ذلك القطاع. إنه يشبه قليلا لوم الأمريكيين اليهود الإصلاحيين على صنائع الإسرائيليين الشديدي التعصب، وبالطبع يلام المرء أحيانا بتلك الطريقة، لكن ردة الفعل المناسبة هي في الشعور بأن على اللائم أن يتعلم بعض التاريخ. بأن اليهودية الإصلاحية وجدت تحديدا بسبب رفض مرجعية حاخامية والبحث عن الاستقلالية.

       تبدو الحالة الكاثوليكية صعبة حقا، إنها مسئولة عن الكرمليين من أجل السعي إلى إحياء ذكرى المسيحيين الذين ماتوا في أوشفيتز، ومسئولة عن شعور اليهود بالإهانة. بيد أن Park51 يبدو أقل صعوبة، والإهانة بشكل معقول أقل ارتباطا بالغاية الفعلية، متى ما تم التصريح بكل الحقائق بشكل صحيح- عدا عبر ما سماه ميل جرحا “بنيويا خالصا”. بالرغم من أن دعوة فوكسمان لاختبار الحالتين معا هو أمر قيم، إلا أن الشعور بالإهانة لا يحمل عدم اتساق في الحالة السابقة غير أن الأمر ليس كذلك في الحالة اللاحقة.

       إن البحث عن اتساق في المبدأ يساعدنا كثيرا هنا، مجليا بعضا من الحالات الصعبة حقا ويظهر لنا أن الأخرى أقل صعوبة بكثير. ومن الجدير بالثناء أن الناس قد سعوا إلى الاتساق هنا، رافضين المعاملة الغير متطابقة للمسلمين على اعتبار دينهم. في المجمل، إن الجدل الولايات المتحدة يُفضل على الجدليات الأوروبية المعتادة عن البرقع، لأنها تركز (على الأقل مركزيا وفي العادة) على القضايا الصعبة حقا.

error: