في التجديد – فرانسيس بيكون

في التجديد – فرانسيس بيكون

ترجمة: محمد بدران – النص من كتاب محمد بدران: مقالات مختارة من الأدب الإنجليزي


كل جديد يكون في بدية أمره مشوهًا سمجًا، مثله كمثل الكائنات الحية عندما تولد، لأن الجديد من مواليد الزمان. ومع ذلك فإن المثال الأول – إذا كان جيدًا – قلما يرقى إلى مستواه ما يجيء بعده مقلدًا له. ألا ترى أن أول من يرقون إلى مراتب الشرف من الأسر يكونون في الأغلب الأعم أعظم ممن يخلفونهم، وأن من يجيء بعدهم قلما يرقى إلى مستواهم؟ وسبب هذا أن الشر الذي يلتئم مع الطبيعة البشرية الفاسدة يقوى ويعظم أثره على مر الزمن، كالحجر الساقط من مكان مرتفع تزداد سرعته كلما طال تحركه؛ أما الخير، وهو حركة للنفس اضطرارية، فهو يكون أقوى ما يكون في البداية.

ولا جدال في أن كل دواء مبتكر هو في حد ذاته تجديد؛ فإذا لم ينتفع الإنسان بوسائل العلاج الجديدة عرض نفسه حتمًا إلى الأمراض الجديدة. والدهر لا ينفك يحدث شرورًا جديدة، فإذا كان دأبه أن يبدل الأشياء إلى أسوأ مما كانت، وإذا كان العقل والنصيحة لا يصلحان ما يفسده الدهر، فماذا تكون النتيجة؟

لسنا ننكر أن ما تقره العادة يكون على الأقل ملتئما مع الأحوال السائدة، صالحًا لمجاراتها، وإن لم يكن خيرأ في ذاته، وذلك لأن الأشياء التي طال ائتلافها تتعاهد فيما بينها على البقاء مؤتلفة، فهي وإن أفادت الناس بما فيها من نفع، تضايقهم بما يبدو عليها من عدم الانسجام؛ وهي فوق هذا شبيهة بالوجوه الغريبة يدهش لها الرائي كثيرًا ولا يحبها إلا قليلا. وقد لا يكون في هذا ضير لو أن الزمان كان جامدًا لا يتحرك، ولكن عجلة الزمان لا تنقطع قط عن الدوران، ومن ثم كان التشبث بالقديم من العادات لا يقل عنتًا وارهاقًا عن التجديد. لذلك كان خيرا للناس، إذا بدلوا وجددوا، وأن يكون لهم أسوة في الزمان نفسه، فهو يجدد كثيرًا، ولكنه يجدد في سكون وبدرجات لا يكاد الناس يشعرون بها؛ وهم لا يشعرون بالتغيير لضآلته، ولأن الناس في الغالب لا يتوقعون حدوث الجديد.

والجديد يصلح أشياء ويفسد أخرى، فمن أصابه خير اطمأن به وعدَّه من حسن حظه وتوفيقه، وحمد من أجله زمانه؛ ومن أصابه شر رآه ظلمًا وقع عليه ولام من أجله فاعله.

ومن الخير كل الخير ألا على التجارب في شؤون الحكم وسياسة الدولة، إلا إذا دفعتك إلى هذا ضرورة عاجلة أو فائدة محققة؛ واحرص على أن يكون الإصلاح هو الباعث الحقيقي على التغيير لا العذر الذي ينتحل لتبرير الرغبة فيه.

وحاذر أن يكون الجديد مدعاة لارتياب الناس وسوء ظنهم حتى إذا لم يرفضوه، واعمل بما جاء في الكتاب المقدس: (قفوا على الطريق وانظروا، واسألوا عن السبل القديمة أين هو الطريق الصالح، وسيروا فيه تجدوا راحة لنفوسكم).

error: المحتوى محمي