فوكو وميكروفيزياء السلطة – معزوز عبد العالي

فوكو وميكروفيزياء السلطة – معزوز عبد العالي


يعارض فوكو، في نظريته في السلطة، التصور الماركسي الكلاسيكي ونظريات الحق الطبيعي. لا وجود لذات أو لفاعل يملك السلطة، مثلما لا وجود لجهاز (الدولة) ينفرد لوحده باستعمال السلطة. يقترح فوكو نموذجا استراتيجيا للسلطة، فلا ينبغي النظر إلى السلطة كملكية قارة ومستقرة في يد ذات فردية أو جماعية، وإنما يجب التفكير في السلطة كإنتاج لاستراتيجيات الصراع بين القوى. يتحدث نيـتـشه عــن تـعـدد عــلاقات القــوى وكثرتها، بحيث لا تنبع من ذات واحدة ممتلكة للقوة. فالسلطة هي علاقات قوى بحيث أنها تشكل نظاما وتسلسلا، أو انقطاعا وانفصالا. إنها منبثة في كل العلاقات الاجتماعية والرمزية المتصادمة. لا تفرض السلطة من فوق، بل تأتي من تحت، لا تنجلي في العلاقات الثنائية بين الحاكمين والمحكومين بل بالأحرى في علاقات القوة المجسدة في آليات الإنتاج داخل الأسرة، والمجموعات الصغيرة، وداخل المؤسسات، وتسري في الجسد الاجتماعي بأسره:

 

“إن القوة تأتي من تحت، ومن ثم لا ثنائية ولا تعارض بين السائدين والمسودين في جذور علاقات القوة، ولا ثنائية تنـطلق مـن القمـة إلى الــقاعدة “.

 

فالسلطة هي دوما شكل خاص ومؤقت لصراع ما يفتأ يتكرر، والصراع المتكرر بكيفية دائمة لا يسمح باستقرار السلطة فهناك حرب لا هوادة فيها، دائمة ومستمرة من أجل السلطة، وامتلاكها رهين بالشروط المتغيرة، والاستراتيجيات المتقلبة، السلطة علاقة، والعلاقة تتغير باستمرار، لا يمكن الحديث عن مركز السلطة أو سلطة المركز، فهي منبثة ومنتشرة في كل مكان، وفي داخل الجسم الاجتماعي برمته. وبهذا المعنى فالسلطة غير منضبطة لحدود “السياسي”، إنها تتجاوز تخومه.

ما تفتأ الحداثة تولد أشكالا جديدة للسلطة تختلف عن إطار التصور الماركسي للدولة. فالدولة لا تحتكر السلطة كما هو شائع وكما تقترح النظريات الكلاسيكية للسلطة.

 

“توجد علاقات قوة بين كل نقطة في الجسم الاجتماعي: بين الرجل والمرأة بين أفراد الأسرة (…) بين كل من يعرف وكل من لا يعرف” .

 

إن تركيز النظرية الماركسية للسلطة على الدولة عاجز عن تفسير ميكروفيزياء السلطة (Micro-physique du pouvoir)، فلا يمكن تناول هذا المفهوم المجهري للسلطة من منظور جهاز مركزي مجسد في الدولة، يبحث فوكو أيضا عن تشكل وإعادة إنتاج بنيات معقدة للسلطة بالاعتماد على النموذج الاستراتيجي الذي بمقتضاه تفهم العلاقات الاجتماعية للسلطة ضمن سيرورة يتم من خلالها توليد بؤر للسلطة في كل مكان، مثل شبكة في نظام لا مركز له، فالسلطة لا مركز لها، ولا تتجسد في جهاز سياسي، وبالتحديد في جهاز الدولة، فهي منتشرة في كل الجسم الاجتماعي، وغير ثابتة ولا مستقرة، وتتحول من مكان لآخر:

“لا أزعم أن الدولة لا أهمية لها، ما أريد قوله، هو أن علاقات القوة، وبالتالي أن التحليل الذي ينبغي أن تخضع له، يتجاوز بالضرورة حدود الدولة. وذلك بمعنيين: أولا وقبل كل شئ لأن الدولة، وبالنظر إلى حضور كل أجهزتها، بعيدة كل البعد عن أن تكون قادرة على ملء مجمل علاقات السلطة، ثانيا: لأن الدولة لا يمكن أن تؤدي وظيفتها سوى بالاعتماد على غيرها، أي على علاقات القوة الموجودة. إن الدولة هي بنية فوقية تدخل في علاقة مع كل سلاسل شبكات القوة التي تسكن الجسم، والجنسية والأسرة والمعرفة والتقنية وهلم جرا يعارض فوكو التصورات الاختزالية، والاستاتيكية للسلطة.

 

ميكروفيزياء السلطة

تعني هذه الميكروفيزياء أن السلطة مجهرية تخترق العلاقات الاستراتيجية ضمن صراعات الحياة اليومية. الميكروفيزياء تضفي على السلطة طابع التعدد والكثرة، بمعنى وجود عدد لا نهائي من نقط المواجهة وبؤر عدم الاستقرار، ومن تم تحتمل كل واحدة منها مخاطر الصراع وتحدد الطابع الزمني المؤقت لعلاقات القوة. لا تخضع ميكروفيزياء السلطة إلى منطق “الكل أو لا شئ”: فهي لا تخضع للمراقبة والتحكم في أجهزة أو مؤسسات، ولا تقاس سوى بمفعولاتها (Ses effets). هناك حرب دائمة من أجل امتلاك السلطة. كل سلطة هي في محك دائم، وفي اختبار دائم لاستمرارها في بؤرة قوة أخرى. ولا يمكن لعلاقات القوة أن تستقر ولو إلى حين سوى بواسطة ما يسميه فوكو بـ”المأسسة” (Institutionalisation).

لا يحسم الصراع، أو علاقات القوة بين طرفين بواسطة التوافق (Consensus) أو بواسطة المناقشة والمناظرة، أو ما يسمى بالتواصل عندها برماس، بل عن طريق تفوق غاية أحدهما على الآخر، أي تحقيق أغراض أحدهما على حساب الآخر؛ بعبارة أخرى لا وجود لاعتراف معياري بمشروعية ما.

فكيف يمكن مأسسة السلطة وهي فاقدة للمشروعية، أو على الأقل ليست موضوع توافق. يبرز الفكر الما بعد حداثي لدى فوكو في تشريحه لفيزيونومية السلطة بإعتبارها مظهرا من مظاهر الحداثة، وفي تبيانه أن ما يسودها هو القوة، أو علاقات القوة والتفوق والتغلب، وبالتالي التحكم والمراقبة والعقاب (Surveiller et punir). وهذا ما دفع “جيل دولوز” إلى اعتبار فوكو نيتشوي المنزع فيما يخص تحليله وتفكيكه لآليات السلطة. فهو ينكر المعايير القانونية والاتجاهات الأخلاقية، ويقصيها من مضمار السلطة بسبب عجزها عن تنظيم العلاقات بين أعضاء المجتمع، ويعتبرها مجرد أوهام، بل إنها لا تعمل سوى على إخفاء وتقنيع العلاقات الاستراتيجية الخفية.

يذهب فوكو مذهب نيتشه في تصور السلطة، فهي تارة تستعمل الوهم أو الايديولوجيا والخداع، وتارة تتوسل بالعنف، مرة تلجأ إلى القوة الفزيائية ومرة أخرى تستعمل الخداع المحوسب من أجل إخضاع الإرادات المعارضة لغاياتها. ويمكن أن نقارب في هذا الصدد بين فوكو وأدورنو. فالسلطة، وتبعا لاستراتيجيات قمعية معقدة، تشتغل في المجتمعات الحديثة بكيفية تسمح بإخضاع القوى المناوئة، فلا مجال للتوافق أو للاعتراف المتبادل بالقيم المشتركة للقوى المتصارعة.

تحمل السلطة – في منظور فوكو – طاقة سلبية تنفي كل ما يعاديها ويعارضها ولا تجيز فعل سوى ما تسمح به. فهي تحتوي على تقنيات قمعية (technologies Répressive) وعلى طرق غير مباشرة لنفي الحاجات الحيوية. تمارس السلطة قمعها من خلال تحريض الذوات المسلوبة الإرادة على مزيد من الإنتاجية والنجاعة والمردودية.

 

السلطة، المعرفة، الجسد والقيمة

تلك هي مرتكزات التقنيات الحديثة للسلطة: المراقبة والحراسة وفي نهاية المطاف العقاب. فهي تحث على الإنتاج أكثر من القمع، وبذلك فهي تخضع كلا من القيمة والجسد والمعرفة لإمرتها، تخلق السلطة معايير السلوك من خلال المراقبة وفرض الالتزامات وتطوير العادات. فهي تحدد السوي والمرضي. كما تهدف السلطة إلى تطويع الأجساد بحيث لا تملك هذه الأخيرة الخروج عن إنتاج معايير السلوك. فالجسد هو تلك المنطقة (ليس بالمعنى التوبوغرافي أو الطوبوس) التي تقوى على التعبير عن الحياة، وإليها تتجه التقنيات الحديثة للسلطة من أجل إخراسها وإجبارها على الصمت. تحتاج السلطة، من أجل تثبيت نفسها، وتكريس سيطرتها إلى مراقبة، ليس الأشكال الثقافية للفكر، بل أيضا أشكال تعبيرات الجسد.

يمثل مفهوم “الجسد” في فكر فوكو قطب الرحى، فهو يحمل دلالة كيفية العيش وأسلوب الحياة، ويختزل تعابير الحياة التي ترتبط بوظائفه الأساسية: من جهة باعتباره آلة أو محرك أو حركة، ومن جهة أخرى باعتباره يمثل الوظائف العضوية للتوالد وللألم، تقاس فعالية التقنيات الحديثة للسلطة بمدى قدرتها على تطويع الجسد وترويض مناطقه ووظائفه:

 

“تلك هي الفكرة الرئيسية التي دفعت فوكو إلى إفـراد دور جــوهـري في نظريته في السلطة إلى سلوك الـجـسد الإنـسـاني أكـثـر مـــن المواقــف المعرفية أو لا خلاقية”.

The Critique of power, Axel Honneth, p 167.

 

لقد طورت الحداثة أساليب وتقنيات وإجراءات مراقبة الجسد وتطويعه وترويضه. فهي لا تكتفي بمراقبته، بل تتجاوز ذلك إلى فرض وإنتاج ما تريد من سلوكات جسدية نمطية عن طريق تطبيع إشاراته، وتنميط حوافزه، وقولبة حركاته. ذلك ما يوضحه في كتابه “الحراسة والعقاب”. إنها تروض الأجساد على القيام بسلوكات أوتوماتيكية آلية وروتينية من أجل الإشباع. لا ينظر إلى الجسد الإنساني على أنه وحدة فيزيائية ونفسية، بل على أنه نسق يعمل وفق آليات ميكانيكية. إن فوكو، وعلى غرار مدرسة فرانكفورت، يرى أن ترويض الجسد هو عنوان الحداثة في أوروبا.

تتسم السلطة في العصر الحديث ليس بالتحكم في حوافز وحركات الجسد، بل أيضا بالتحكم في الحياة والممات والتوالد حسب تقنيات جد معقدة تمتد حتى إلى مراقبة السلوك البيولوجي للساكنة population.

يجمل ميشال فوكو الاستراتيجيات التي تتدخل في تنظيم الحياة العضوية تحت اسم “البيو-بوليتيك) أو “البيو-سياسة) Bio-politique.

“بعبارة واضحة، ابتداء من القرن 17، تطورت هذه السيطرة على الحياة في شكلين أساسيين لم يكونا متعارضين، بل بالعكس، كانا أكثر من ذلك قطبان لهذا التطور وهما مرتبطان بجملة من العلاقات الوسيطة:

أحد هذين القطبين مركز على الجسد بوصفه آلة: فترويضه، والزيادة من قدراته وسلبه لقواه ودمجه في نسق الفعالية والرقابة الاقتصادية، كل هذا تضمنه وسائل السلطة التي تحض على المراقبة. إنها نوع من التشريح السياسي للجسد الإنساني.

أما القطب الثاني الذي تشكل فيما بعد، فهو مسلط على خصائص الجسد، الجسد المرتبط بتقنيات الحياة، والذي يصلح قاعدة لسيرورات بيولوجية: التوالد، الحياة والموت ومستوى الصحة ومعدلات العمر، مع اختلاف الشروط التي يمكنها التدخل في ذلك، هذا الإشراف صار فعليا من خلال أنواع التدخل والمراقبة المنظمة: إنها بيــو-سياسـيــة البــشـر”.

فالتقنيات الممارسة على الأجساد، خاضعة إلى نتائج التطور العلمي من أجل ملاءمة الجسد مع سيرورات الحياة. بمعنى آخر إن تقنيات مراقبة الجسد وترويضه وتطويعه رهينة بمدى تقدم “معرفة الإنسان” فهذا يقود إلى الفكرة الثالثة: ألا وهي مفهوم المعرفة.

إن حفريات المعرفة تقود فوكو إلى تحليل الخطاب الذي يعتبر وسيلة لتحديد الواقع. فالمعرفة عنصر أساسي في علاقات القوة، ينبغي التخلي عن التصور القديم الذي ينظر إلى المعرفة خارج علاقات القوة ورهاناتها وأهدافها وغايتها. وعلى النقيض من هذا التصور: المعرفة منتوج للسلطة، فكل من المعرفة والسلطة يستدعي أحدهما الآخر.. فالمعرفة تمهد الأرضية للسلطة، والسلطة تفترض علاقات القوة.

بفضل النشاط العلمي يمكن تقطيع الواقع انطلاقا من منظور إنتاج القوة، ليس العالم محايدا، ولا المعرفة فوق الواقع، أو خارج علاقات القوة؛ فالعلم الحديث يستجيب إلى متطلبات الحداثة، بواسطته يمكنها غزو الواقع وتسخير الطبيعة والإنسان والجسد وبناء السلطة والهيمنة (يمكن المقارنة هنا بين فوكو وأدورنو). ليس العلم والمعرفة وسائل محايدة وأدوات موضوعية يمكن تسخيرها للمراقبة الاجتماعية. العلم الحديث نفسه سلطة وعنصر أساسي في استراتيجية الصراع، وحتى الذين يعتقدون أن بإمكانهم استعماله لغاياتهم هم أنفسهم يقعون في شراك تلك الاستراتيجية. هناك علاقة وطيدة بين الاختيار العلمي واستراتيجية السلطة. ومن هنا نقد فوكو العنيف للعلوم الإنسانية: علم النفس، الطب العقلي، البيداغوجيا وعلم الإجرام، فكلها ترسي استراتيجيات من أجل التلاعب بالعقول وترويض الجسد. هذا المعنى فالحداثة حبلى بتقنيات وطرائق للمعرفة تصب إجمالا في استراتيجيات السلطة، وتتظافر الحداثة العلمية والسياسية في السيطرة على الإنسان.

 

استنتــاجـات

يقضي نظام المعرفة أو نظام الخطاب في نظر فوكو حتما إلى إرساء أشكال من التقنيات المسلطة على البشر: علم الاجتماع، الطب العقلي، علم النفس والبيداغوجيا ويترجم كل هذا إلى ممارسات تهذف إلى ترويض الأجساد، وإلى المراقبة الإدارية للسلوك (البيو-سياسة). وكلما زادت تطورا صار بالإمكان التحكم في كل مناحي الحياة البشرية:الديموغرافية، السياسة الاقتصاد.

ولا تستثنى من التقنيات الحديثة للسلطة حتى الأجهزة السياسية. بمعنى آخر لا سبيل إلى احتكار السلطة من طرف الدولة كما ترى الماركسية، ويرفض فوكو منظور ألتوسير الذي يختزل السلطة في الأجهزة الإيديولوجية والأجهزة القمعية للدولة، يتجاوز مفهوم السلطة عند فوكو الحقل السياسي للدولة، فهي تنفذ إلى كل أنحاء المجتمع، وتتواجد في كل مكان حتى في ما يعتقد أنه حكر على السياسة.

فهي في كل مكان وفي لا مكان (Partout et nulle part)، لا مركز لها ولا أطراف وتحكم قبضتها على كل شئ، وهي سيرورة بلا ذات (Processus sans sujet) وليست مفعولا لذات فردية أو جماعية أو تاريخية، وحتى تم حذف مفهوم الطبقة كفاعل تاريخي، إنها مفعول للمؤسسات: الأسرة، السجن، العيادة والمصنع.

تتعارض نظرية فوكو في السلطة مع النظريات السياسية الحديثة والمعاصرة وتقصي كل إمكانية لإرساء السلطة على أسس المشروعية من خلال التوافق أو التراضي (Consensus) أو المناقشة (Discussion)، ولا على أي أساس من التعاقد (Contrat). لا شئ يمكنه الحد من استراتيجيات السلطة أو الحد من علاقات القوة. ويمكننا هنا معارضة فوكو بهابرماس أو راولز (Habermas/ Rawls) اللذين يتجهان إلى نظرية براجماتية ومعيارية للسلطة.

لا يمكن إزالة فتيل الصراع من المجتمع، ولا اجتثات استراتيجيات السلطة منه؛ فحتى مأسستها (Instituttionalisation) أو تثبيتها في مؤسسات لا ينجح في إيقاف جموحها نحو مزيد من التحكم والتسلط. فالسلطة رديف للتسلط والتحكم، والحراسة والعقاب والترويض والتطويع.

 

 


*الجمعية الفلسفية المغربية – 2008 مدارات فلسفية

error: المحتوى محمي