فلسفة التاريخ عند ابن خلدون – محسن مهدي / ترجمة: ياسر الشريف

فلسفة التاريخ عند ابن خلدون – محسن مهدي / ترجمة: ياسر الشريف

محسن مهدي

د. محسن مهدي، بروفيسور التاريخ والدراسات الإسلامية في جامعة هارفرد

مراجعة: ج. ج. ساندرز – نسخة PDF


كان ابن خلدون من المفكرين الفريدين من نوعهم إذ لم يواجه مفكر شهير قدرا كبيرا من التجاهل الطويل والغريب مثله، من سوء حظه أنه كان أحد العرب المميزين الذين نشأوا في فترة كانت فيها الحضارة العربية في تراجع تام جعل الحضارة الغربية تستغني عنها وعما قدمته، لو أنه ولد قبل ذلك الوقت بقرن أو قرنين لوجدنا مدارس باريس وأوكسفورد تدرس سيرته، وتكون سببا في شهرته ومن ثم تأثيره. لكنه للأسف لم يكن له خلف أو سلف ولم يكن له ذكر قوي في تاريخ المسلمين يجعله ذا أهمية كبيرة. كان وسم أوفيد العريق الذي يحمل العبارة اللاتينية “طفل بلا أم” والذي ألصقه موستيكو بمقالته “روح القانون” أجدر أن يعطى لـ “المقدمة” بكل استحقاق، مقدمة ابن خلدون، كتابه الذي لم يكن ذا تأثير كبير حين طبع، ولم يحظ باهتمام عام ولا نقاش مهم -حسب ما نعلم-. كان تقي الدين المقريزي أحد تابعي ابن خلدون، لكنه كان مؤرخا ليس إلا، وإن كان تأريخه دقيقا وكاملا إلا أنه لم يعكس معرفته الشخصية بابن خلدون وكتابه “المقدمة”. ترجم الأتراك “المقدمة” -أو جزءا منها- لكنا لا نعلم مدى استفادتهم منها.

حظي ابن خلدون بالاهتمام بعد موته بأربعة قرون إذ تنبه له أهم الأوروبيين المستعربين من عصر نابليون كالفرنسي سيلفستر دي. ساسي والأسترالي جوسيف فان هامر، واللذان قاما بطباعة مختارات مما كتب، وكتب الفرنسي دي ساسي عن حياته في نسخة عام 1818 من “سير العالم”. قام العالم الفرنسي كواتريمير بتنقيح النسخة العربية من “المقدمة” في عام 1858 وترجمها دي سلاين إلى الفرنسية في الفترة ما بين 1862 و1868.  في تلك الفترة تفاجأ العالم الغربي بأن هذا الكائن الفضائي القادم من القرن الرابع عشر من شمال أفريقيا قد كانت له عدة نظريات، وأنه وضع أسسا لعلوم الثقافة الإنسانية وكتب عن فلسفة التاريخ في وقت كانت فيه هذه الأمور مستحيلة في أوروبا، وأنه قد وصل إلى نتائج واكتشف علاقات لم يكتشفها غيره إلا مؤخرا. كانت أكثر نظرياته إثارة للاهتمام هي نظرية العصبية القبلية، الرابط الذي يبقي مجتمعا ما متماسكا، تلك النظرية التي تنص على أنه لا يمكن لمجتمع أن يتماسك دون أن يكون له دين أو إيمان بشيء ما.

منذ تلك اللحظة حظي ابن خلدون بمكانته كفيلسوف اجتماعي ذا فكر مختلف وعالم متميز فتح للعلم مسارات جديدة لم ينتبه لها أحد إلا بعد عصور. كتب عنه روبرت فلينت بإسهاب في كتابه تاريخ فلسفة التاريخ (1893) وبهذا نشر شهرته بين الإنجليز، ثم بعد ذلك تبنى آراءه المسلمون وأكدوا أن على أوروبا أن تقدر عالما في مقامه. خصص وكرس له الناقد الشاعر طه حسين دراسة إدراكية خاصة به عام 1918 كما أعلن ارنولد توينبي في عام 1934 أن ابن خلدون كان نظيرا لثوسيديديس وميكيافيلي، ووصف كتابه “المقدمة” بأنه “أعظم ما كتب في مجاله من أي شخص في أي وقت وأي مكان بلا شك” مع وجود مؤلفات كبرى ومهمة في نفس المجال. كان وقتا عظيما لابن خلدون وزمنا يظن فيه الشخص أن ابن خلدون يحظى بالمدح أكثر مما يقرأ له أحد فعلا، ولذا خضع لتدقيق وثيق وحاسم. والآن، بعد قرن من اكتشافه، لدينا ما يكفي الوسائل للحكم عليه وتقييم أعماله وإنجازاته وفهمه. في عام 1958 نشر الدكتور فرانز روسينثال أول ترجمة إنجليزية كاملة لمقدمة ابن خلدون وهي ترجمة دقيقة وأقرب ما تكون إلى النسخة العربية الأصلية، كما كتب الدكتور محسن مهدي كتابا نشره عام 1957، وتمت طباعته مؤخرا، ويعد أفضل ما تمت كتابته عن تفكير ابن خلدون بتحليل نابع من فحص شامل ودقيق للمقدمة ومعرفة عميقة بفلسفة الإسلام.

أظهر لنا مهدي أمرا مهما، وهو حقيقة ابن خلدون وما اتصف به ومالم يتصف به. لم يكن ابن خلدون فيلسوفا منعزلا -وإن كانت أفكار كتابه قد نشأت في عزلة مؤقتة في قلعة بني سلمة جنوب الجزائر- ولكنه كان رجلا اجتماعيا ومستشارا ودبلوماسيا ومعلما وقاضيا عمد إلى دراسة التاريخ لمعرفة الأسباب التي أدت لفشل مهنته في السياسة. لم يكن مؤرخا يؤمن بأهمية تأريخ كل ما يحدث في الواقع، بل على العكس، كان يؤمن بشكل كامل بما تعلمه المسلمون من الإغريق، وهو أن دراسة التاريخ لا تعد أمرا أساسيا أبدا إذ إنها تعتمد بشكل كامل على إظهار بعض الأحداث وطمس بعضها وتجاهل البعض الآخر، لذا لم يكن يؤمن بأن دراسة التاريخ هي أحد العلوم الحقيقية، والتي لا تساهم أبدا في زيادة ذكاء الرجل المتعلم. لم تكن لديه نظرية تطور ولم يؤمن بأن العالم سيكون أفضل مع مرور الوقت، سيكون أمرا غريبا لو كان آمن بذلك، كونه عاش في القرن الرابع عشر حيث كان هناك الكثير من المعاناة والدمار نتيجة لانتشار وباء الموت الأسود أيام شبابه واجتياحات ومذابح تيمورلنك أيام كبره، كانت أبراج الجماجم ذلك العصر مثيلة لغرف الغاز النازي هذا العصر. على أية حال، لم يؤمن المسلمون كما آمن النصارى بعودة المسيح أو بوجود عصر جديد آخر الزمان حيث يعيش البشر في المدينة الفاضلة العلمانية. بالنسبة له، لم يؤمن بوجود دولة عادلة مصلحة تطبق قانون الشريعة بعد دولة الخلفاء الراشدين في سنين الإسلام الأولى، ولم يؤمن أيضا بنظريات التنبؤ بالمستقبل بناء على ما يحدث اليوم، وكان قد لاحظ بكل تأكيد الأنماط المتكررة هنا وهناك من قيام الدول وسقوطها والغزوات والغارات وصنفها جميعا كتصنيفه لحياة الأفراد، لكنه لم يستنتج ويتنبأ بالمستقبل أو أي شيء من ذلك. وأنكر بشكل خاص نظرية “عودة كل شيء” ونسبها إلى الشيعة ولم يرى في دراسة التاريخ ما يمكنه مساعدته أن يتنبأ بالمستقبل.

ولا زال البعض يؤمن بأن ابن خلدون رجل علماني أو أنه لم يكن ذا دين، وذلك يعود لوجود دراسات متعمقة في أصل التوحيد ودراسة الخوارق في أهم كتبه وأعماله. كانت أحد مميزات كتاب مهدي أنه أثبت مدى تعمق تفكير ابن خلدون في دراسة التوحيد والفقه في الإسلام ومدى تعلقه بابن سينا والغزالي. مسلم ورع، اتبّع مذهب المالكية، وقضى معظم حياته كقاض يحكم بحكم الشريعة، وإن كان حديثه في كتابه “المقدمة” يتمحور حول الإنسان الاجتماعي السياسي إلا أنك تشعر بإيمانه بالله أثناء القراءة، ومن غير المستبعد أن ابن خلدون كان من المؤيدين لمقولة هيجيل أن التاريخ هو سيرة ذاتية للرب. كانت صفحات كتابه مليئة بالعجائب والعلامات، كما هي الحال مع العديد من معاصريه المسيحيين، ليس للتشكيك فيه، فدور المعجزة في الإسلام يختلف عن دورها في المسيحية حيث تكمن أعظم المعجزات – القيامة – في أصله.

ما فعله ابن خلدون -كما أوضح مهدي- هو أنه أنشأ “علما جديدا” كما فعل الفيلسوف الإيطالي فيكو بعده ثلاثة قرون. علم جديد لتكملة وشرح التاريخ الذي لم يكن موجودا بشكل كاف وإن كان موجودا فإنه لم يكن مفيدا له بالشكل المطلوب. هو سياسي عملي، عاش حياة الذل والسجن على يد السلاطين الظالمين أو الجاحدين، وكان هذا سبب توجهه لدراسة التاريخ بادئ الأمر، لمعرفة أسباب فشله وإخفاقاته. كان الأدب العربي التاريخي غزيرا بالفعل. لا بد وأنه كان هناك عدد كبير من الناس لهذا النوع من الكتابة ومن المتوقع أن هؤلاء الكتاب هم من مسؤولي الدولة، والوزراء، والمستشارين السياسيين وموظفي الخدمة المدنية. الحرب والسياسة كانتا الموضوعات الأساسية للمؤرخين، الذين ملأت صفحاتهم أفعال الملوك والخلفاء والأمراء والحكام. لم يكن التاريخ جزءا من نظام التعليم الأساسي للمسلم، ولكن كان يعتبر دليلا مفيدا لرجال الدولة، كما كان في أوروبا في زمن ماكيافيلي أو بولينغبروك. شعر ابن خلدون بخيبة أمل لأنه لم يجد في ذلك التاريخ سوى كومة من الحقائق دون مبادئ توجيهية. أليس من المفترض أن تكون خلف هذه الأحداث السطحية الفوضوية حقائق عميقة ثابتة وغير قابلة للتغيير؟ يجب على المرء أن يدقق وراء التاريخ أو خلفه، وأن يبني، في الواقع، نوعا من التاريخ الدقيق. لم يسمي كتابه التاريخ، ولكن سماه العبر، كلمة جمع مفردها العبور وهي صيغة جمع تحمل جذورها اللفظية معنى المرور، والسفر، والتجاوز، والانتقال من الخارج إلى الداخل. (لدى مهدي التحليل الأكثر إثارة للاهتمام من هذه الكلمة ذات الدلائل الكثيرة: وترجمها دي سلاين بـ”أمثلة”، على الرغم من أنها حرفية، إلا أنها مضللة.)

كانت نية ابن خلدون هي بناء جسر يربط الجانب الخارجي من الماضي بمعناه الداخلي، وهو المعنى الذي يأمل أن يوضحه من خلال ما أسماه “علم العمران”. العمران هو مجتمع إنساني منظم يقوم على خمسة ركائز: 1) الثقافة البدائية 2) الدولة 3) المدينة 4) الحياة الاقتصادية 5) العلوم. وهناك منطق داخلي يربطها جميعا معا. الرجل هو بطبيعة الحال كائن اجتماعي. كان أقدم نوع من المجتمعات البشرية شيء ما  مثل الرحالة البدو. تأتي بعد ذلك الحضارة، والتي تبدأ بدولة. وتبني الدولة المدن وتخلق المدن الثروة، وتوفر الثروة الوسائل الكافية للاهتمام بالفنون والعلوم. تحدث خطوات التغيير هذه نتيجة للتعديات المستمرة من الرحالة على المجتمعات المستقرة، وهذا تهديد كان يعرفه سكان شمال أفريقيا معرفة تامة. (يؤكد ابن خلدون أن أصوله البربرية حتى ذلك الوقت لم تنج من التبعات الناتجة عن قبيلة البدو في بنو هلال في القرن الحادي عشر). يبدو أن لادعاء المؤلف بالأصالة في هذا التقرير الشامل والخارق ما يبرره إذ أنه لم يكن هناك مؤلَّف شبيه به. بالإضافة، كانت نقاشاته للجانب الاقتصادي مثيرة للاهتمام. هناك أطروحات عربية عن الضرائب، وبعض الدروس المبتدئة بشأن المسائل المالية وماشابه وجدت عادة في “مرايا للأمراء” التي جمعها الوزراء بأوامر من غير المتعلمين من أسيادهم؛ ولكن لم يكن أحد قبل ابن خلدون، سواء في الإسلام أو المسيحية، قد ناقش بشكل كامل ودقيق مسائل الأموال والأسعار، الأجور والرسوم والعوائد والميزانيات. كان هو أول من تعامل مع الاقتصاد علميا ودرس أهميته في حياة المجتمعات.

وكما أخبرنا مهدي، ابن خلدون كان أمة فيما يخص علم الاجتماع الحديث. لم يؤمن بأن “العلم الجديد” الذي أنشأه كان ذا أهمية عالية: أي أنه رآه كمجرد إضافة متواضعة إلى الفلسفة العلمية التي ورثها المسلمون عن الإغريق والتي كانت تحتوي على الفلسفة السياسية أيضا. وبما أنه لا يوجد في الإسلام فرق بين الكنيسة والدولة، الكاهن والعلماني، فلذلك لا يمكن فصل السياسة عن أصل التوحيد وذلك في نطاق الشريعة. إذا كان ابن خلدون عقلانيا، كما يقال دائما، فهو عقلاني ضمن نطاق الإسلام التقليدي. وقد أنشأ علم العمران كإضافة للتاريخ، والتاريخ نفسه كان هدفه التحسين ورفع مستوى الحكمة لدى الرجال. لم يكن ليفاجأه شيء أكثر من أن يرى أن الرتب العالية في الغرب الحديث تخصص لذوي المعرفة التاريخية، أو أنه قد يصدق ذلك بحجة أنهم ليسوا مؤمنين.

لكن الحقيقة باعتقاد البعض، أن مهدي بالغ في فصل طريقة تفكير ابن خلدون عن طريقة تفكيرنا. بالإشارة إلى أن ابن خلدون أنشأ “العلم الجديد” دون الإخلال بالفلسفة التقليدية في عصره، يؤكد مهدي أن “الحداثيين” قد ألغوا الفلسفة التقليدية تماما، ورفضوا أسسها وطبيعتها وأسبابها، وأعلنوا أن كل العلوم هي جزء من التاريخ. اكتسح هذا التفكير العالم بشكل مبالغ فيه. إن النظريات التاريخية التي جاءت مع الثورة الرومانسية ضد الإيمان التنويري بتوحيد الطبيعة البشرية كانت تعارض بشكل واضح آراء بوبر وغيره الذين ينكرون تماما وجود معنى للتاريخ. وعلى أي حال، لم يكن هناك سوى البعض من متبني نظرية كروس كولينغوود ممن يدعون أن الفلسفة قد تكون مجرد جزء من التاريخ. نيو كانتيون، وديلثي قبله، كانا من نقاد التاريخ، يؤكدان لنا أنه لا يمكن معرفة الماضي كما اعتقد رانكي وأنا لن نراه “على حقيقته” إنما جزئيا ومن منظور مختلف كل مرة، وبرأي سيميل أن “التاريخ كعلم لا يمكنه محاكاة الواقع”، لقد تخلينا عن نهج كومت الإيجابي، وقليل من المؤرخين اليوم يؤيدون ادعاء بوري الشهير أن التاريخ كان علما، لا أكثر ولا أقل: هم أكثر عرضة لوصف أنفسهم، كما فعل بيكر بأنهم “ناقلو الخرافات المفيدة”. وقد انتقد مارك بلوخ الاستقصاء العشوائي غير المبرر في “الأسباب”، وطالب المؤرخ بوصف تحليلي ممنهج، وجعله يبحث في “الحساسيات الجماعية” والتي تعتمد على رؤية الأنماط الثقافية والحالات التاريخية بشكل كامل. هل كل هذا مأخوذ من علم العمران؟ لم يدّع بلوخ بكل تأكيد الأصالة في طرحه، صحيح أن بلوخ كان علمانيا منطقيا وابن خلدون موحدا لكن لا زال هناك توجه كبير في جعل الرب “جزءا من التاريخ” مما استنتجناه من الكتّاب، من إنجلترا كان منهم علماء مثل البروفيسور بترفيلد والأب دارسي ومحاضرات بابمتون للبروفيسور الان ريتشاردسون. ولعل هناك اقتناعا متزايدا، كما يقول رينهولد نيبور، بأنه لا يمكننا تفسير التاريخ من دون مبادئ للتفسير والتي لا يوفرها تاريخ كهذا.

ما حدث هو أن التاريخ أصبح علما مستقلا بذاته (ملاحظة: أعلن هذا توت مانشستر في عام 1923 كما لو أنه أمر جديد لم يحدث قبل ذلك العام) في وقت كانت فيه الفلسفة التقليدية (المقصود هنا الفكر المسيحي الهيليني القديم) تتفكك؛ ولا يوجد شيء شامل لا تاريخيا ولا علميا كافيا ليحل محل التاريخ. كان ابن خلدون قد اعتبر أن التاريخ لا يمكن أن يكون بعيدا عن التوحيد وهذا ما يعطيه الأهمية. لم يثبت العالم الغربي عكس ذلك بعد.

 

 

 

 

error: المحتوى محمي