فضيلة التفكير العلمي – ستيفن شابن / ترجمة: فاطمة الشملان

فضيلة التفكير العلمي – ستيفن شابن / ترجمة: فاطمة الشملان

 


هل يمكن للعلم أن يجعلك صالحا؟

سيجيب البعض على عجالة، بالطبع لا يمكنه ذلك- ليس أكثر مما يمكن لإصلاح سيارة أو تحرير مقالات أدبية أن يفعلا. لماذا علينا أن نعتقد بأن للعلم أي قابلية خاصة للرفعة الأخلاقية، أو أن العلماء-  بسبب فضيلة مهنة معينة يقومون بها أو بما يعرفونه أو بالطريقة التي يعرفون بها-  متفوقون أخلاقيا على الأنواع الأخرى من البشر؟ إنه سؤال غريب بل وحتى غير منطقي. الكل يعرف أن العالم التوجيهي ليجب – الأخلاقي والصالح-  ينتمي لمجال مختلف عن العالم الوصفي للواقع.

قد يقبض هذا الرفض على الطريقة التي يفكر بها الكثير منا في السؤال، إذا ما كنا نفكر فيه إطلاقا. ولكن هناك أسباب عدة في لم قد يكون الجواب عجلا.

أولا، هناك طرائق مختلفة لفهم السؤال، ومدركات عصرية مختلفة تتبع وعيا مختلفا يمكن لسؤال كهذا أن يملكه. وتقود بعض سبل فهمه إلى الرفض العفوي، ولكن تربط سبل أخرى العلم بالمسائل الأخلاقية. هنا حفنة فقط من الطرائق التي يمكننا بها التفكير بالعلاقة بين العلم والفضيلة؛ وإذا ما كانت تملك جوانب من العلم القوة على جعلنا صالحين:

  • هل هناك شيء فيما يعرفه العلماء يجعلهم أشخاصا أفضل من السواد الأعظم الطبيعي للبشرية؟ هل الأنواع المختلفة من العلماء – الفيزيائيين، الرياضيين، المهندسين، الأحيائيين والاجتماعيين – أكثر أو أقل فضيلة؟ وهل تعد بعض أنواع الخبرة العلمية خبرة أخلاقية؟

  • هل وُظّف العلماء من شريحة بشرية هي أصلا أفضل من القاعدة.

  • هل هناك شيء يعرفه العلماء، والذي يشترك بمدى عريض مع غير العلماء، يمكنه أن يجعل البقية منا أفضل؟ أم هناك شيئا في كيفية أتى العلماء للمعرفة- فلتسمها المنهجية العلمية- ما يمكن أن يجعل ممارسات غير العلماء أفضل، أو يتقنونها؟ هل تطبيق عريض لطريقة العلماء في المعرفة تجعل مجتمعنا أكثر إنصافا وعدلا وازدهارا؟

  • هل هناك شيء في العلماء يؤهلهم للتدخل في القضايا الاجتماعية والسياسية وأن يصنعوا قرارا بخصوص كل الأمور، بما فيها ولكن غير مقيدين بالاستخدامات الاجتماعية لمعرفتهم؟ هل ملك فيلسوف أو سياسي عالم هي حالة من الأمور الشاذة أو اللا معقولة أو المرغوبة بشدة؟ هل عالم محكوم بالعلماء لن يكون عقلانيا فقط ولكن أكثر عدلا؟

لا تعود الأفكار والأحاسيس المغذية للميل إلى فصل العلم عن الأخلاق إلى أبد الآبدين. إن الموافقة على الفصل حس قريب من كنه النظام الثقافي الحديث، أوتي به من بعض أكثر القوى الصانعة للحداثة نفوذا. كان هناك زمن- ليس بالقديم في المصطلحات التاريخية- حين سادت “طبعا” مختلفة: طبعا يمكن للعلم أن يجعلك صالحا. يجب عليه، وهو يفعل ذلك.

يمكن للانعطاف على هذا الماضي الثقافي أن يمنحنا إدراكا أعمقا لما هو مناط بالعلاقة المتغيرة بين المعرفة عن العالم ومعرفة ما هو صحيح. الكثير على المحك. يشرح تحول المواقف تجاه هذه العلاقة بين الواقع والواجب الكثير عن شكنا الدهري المميز عن المرجعية: عمن نثق به وماذا نصدق.

 

من النادر أن يكون البدء بالإغريقيين فكرة سيئة

“يرغب كل البشر بطبيعتهم لأن يعرفوا” هي الجملة الأولى في ما وراء الطبيعة لأرسطو. إن الدافع للمعرفة، من وجهة النظر هذه، يدمغ ماهية الإنسان، جاعلا الناس سعداء وصالحين على السواء.

وبات هذا الاعتبار قديما مع بداية المسيحية، حين غدى الفضول رذيلة متعلقة بالكِبَر. إلا أن البروتستانتية امتلكت منظورا معقولا للمعرفة أكثر من الكاثوليكية. فالبروتستانتيون الذين درسهم الاجتماعي الألماني ماكس فيبر أرادوا أن يعرفوا على وجه الخصوص إذا ما كانوا أنقذوا أو لعنوا، بينما أراد بيوريتانيو القرن السابع عشر الإنجليز، الذين درسهم الاجتماعي الأمريكي روبرت ميرتون، معرفة العالم الطبيعي.

 

قدم اللاهوت الطبيعي العلم الأخلاقي. لقد كان نموذجا ثقافيا قويا

كانت هناك أسباب عدة للم أعتقد البيوريتانيون أن الرغبة البشرية لمعرفة العالم تحقق واجبا دينيا. أحدها كانت أن جسد الإنسان هو معبد الرب: وهبه الرب قدراته مع النية الإلهية بأن تُستخدم. ولأن ملكات العقلانية والملاحظة التي منحها الرب سمت بنا فوق الوحوش، جاعلة منا أشبه قليلا بالملائكة ولذا يجب على استخدامها ألا يُحد. لا يمكن أن يوجد شيء كمعرفة مبالغ فيها، بما أن قدرتنا على المعرفة لأي شيء استطعنا معرفته هو هبة إلهية. أن الدافع للمعرفة – دافع ديني- يمكن أن يوجه لأي مكان: أي شيء يمكن للمرء أن يعرفه بشكل مشروع، واجب عليه معرفته. لكن كان يُفهم من منطلق قوة دينية خاصة حين كان موضوع المعرفة هو الطبيعة – أي حين كان المرء يقوم بعلم مُلاحظ أو تجريبي.

إن المجاز الذي عبّر عن هذا الموقف بشكل أفضل هو كتاب الطبيعة، الكتاب الثاني من الكتابين اللذين كتبهما الرب ليجعل من مساهماته ونوياه متاحة للإنسان. (كان الكتاب الأول بالطبع الكتاب المقدس.) تظهر الهيئة، ولعلها للمرة الأولى، مع القديس أوغسطينوس في القرن الرابع.  إنها تستمر عبر القرون الوسطى ولكن تكتسب معنى جديدا وقويا في القرنين السابع والثامن عشر، حين يستحضرها كتّاب عديدون على مواضيع عدة. اشتهر غاليليو باستخدامها لوصف كيف يجب دراسة الطبيعة:

الفلسفة مكتوبة في ذلك الكتاب العظيم المُلقى أبدا أمام أعيننا- أعني الكون- لكن لا يمكننا فهمه إن لم نتعلم أولا اللغة ونقبض على الرموز التي كُتب بها. دُوّن هذا الكتاب بلغة رياضية، الرموز مثلثات ودوائر وهيئات هندسية أخرى، والذي دون مساعدتها من المستحيل استيعاب كلمة واحدة منه.

قصد غاليليو بـ “الفلسفة” “الفلسفة الطبيعية”، لكن هذا المصطلح لا يُترجم ببساطة إلى اعتبارنا الحديث للعلم أو حتى الفيزياء. كان غاليليو يتحدث عن طريقتين للمعرفة كانتا في ذلك الحين تؤخذان على أنهما مختلفين، واحدة تدعى فلسفة والأخرى رياضيات.

كان الهدف من الفلسفة معرفة المسببات وطبيعة الأشياء- ما الذي يجعل الأجسام تتحرك بطرق معينة على سبيل المثال، وماهي مصنوعة منه. بينما كان هدف الرياضيات على الصعيد الآخر معرفة تكهنية – أين يمكن أن نتوقع أن نجد كوكب المشتري في أي وقت مُعطى، عوضا عن، فلنقل، معرفة ما الذي سبب انتقاله للسماء أو مم هو مكون. فهم غاليليو هذا الفارق وعمل معه كما فعل إسحاق نيوتن في المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية سنة 1687. يُحتفا بعمليهما من قبل العديد كأصل العلم الحديث، إلا أن كلا من غاليليو ونيوتن حيرا بعضا من معاصريهما، الذين اعتقدوا أنهما انزلقا إلى خلط في الضوابط. إن المجرى اللاحق لهذا التفريق يستحق أن يبقى في الذهن أثناء ما نأخذ بعين الاعتبار الحمل الأخلاقي للعمل العلمي: حقل المعرفة التي احتلها فيلسوف الطبيعة وشاركه فيها اللاهوتي وليس الرياضي.

كان المجاز في كتاب الطبيعة متاحا في القرنين السابع والثامن عشر لتبرير العلم لأي أحد اعتقد بأنه قد يجعل الناس غير متدينين. لكن كان هناك سبب نزر للقلق. فروبرت بويل وروبرت هوك ونيوتن وغيرهم ضمن ممارسي العلم الذين حاجوا بأن دراساتهم لا يمكنها أن تملك تأثيرا كهذا. إن قراءة كتاب الطبيعة وإيجاد الرمز التأويلي الخبير لفعل ذلك كان تماما مثل قراءة الكتاب المقدس. كان طريقا إلى الرب وللورع.  قال بويل بأنه عمل في مختبره أيام الأحد لأنه رأى عمله العلمي كنموذج للتعبد القدسي.

أضحت حركة ” من الطبيعة إلى رب الطبيعة” كما كتب ألكسندر بوب في الثلاثينات من القرن الثامن عشر، واحدة من أعظم المؤسسات الثقافية للحقبة بين القرنين السابع والتسع عشر. قرئت بعض من نصوصها الأساسية في كامبريدج من قبل اليافع تشارلز داروين لكونها معروفة كلاهوت طبيعي، والذي كان معجبا بعمق بقوة “الحجة من التصميم” الحاسمة. فكك ساعة ولاحظ التكيف الفائق لتنظيمها المركب كي تعمل، ولن يمكنك إلا استنتاج أنها نتاج تصميم ذكي. وبتسويغ النظام الطبيعي بنفس الطريقة، كعين الحشرة، يستنتج لاهوتي الطبيعة بالمثل بأن شيئا كهذا لابد أن يكون مصمما- لكن بذكاء إلهي عوضا عن بشري.

ولهؤلاء الذين قبلوا صيغ اللاهوت الطبيعي للتعليل، كان العلم نشاطا يثبت الرب لأنه أماط الدليل عن تصميم ذكي. إنه لم يرفع هؤلاء الذين مارسوه فحسب بل كذلك الذين قابلوا صورته عن العالم في الكتب والفصول الدراسية: فهم أيضا تعلموا أن يبصروا التصميم الإلهي في كل شيء حولهم. قدم التساؤل ضمن هذه الهيكلة منطقا لاهوتيا بالوقت الذي قدم فيه علما أخلاقيا. كان نموذجا ثقافيا قويا ومستديما.

لم تشارك الممارسة الرياضية، على العكس من الفلسفة الطبيعية، في تلك المؤسسة المطعمة باللاهوت. حتى غاليليو كان قادرا على الإصرار بالفرق بين ما يفعله والاهتمامات الملائمة والمخصوصة للكنيسة. فتحت ضغط من محاكم التفتيش دافع عن كوبرنكانيته بادعائه بأن نظام مركزية الشمس قد يكون مفيدا رياضيا حتى وإن كان فلسفيا غير صحيح. وأن حساب المواضع الكوكبية مضى بشكل أفضل ببساطة في النموذج الكوبرنكاني. وهو دمغ بالمثل الفارق بين الرياضيات واللاهوت حين قال بأن الهدف من علم الفلك هو تعليم الناس الطريقة التي تمضي بها السماء، وليس تعليمهم كيف يمضون للجنة.

أتى أغلب الهجوم الفلسفي المترتب على تلك المدركات المتعلقة بالعلم والفضيلة من ديفيد هيوم في الثلاثينيات من القرن الثامن عشر. لقد قرأ الكثير من اللاهوت وما نسميه اليوم علم الاجتماع وكان متحيرا كيف مالت النقاشات في تلك المجالات لأن تذهب. فقد كان الكتّاب يصفون ترتيبات اجتماعية أو وجود الرب- متبعين، يقول هيوم ” سبلا عادية للتعليل”- ومن ثَم وعلى حين غرة ودون التعليق على الأمر، يكون هناك تغير “غير محسوس”: فينتقل المؤلف من الكتابة عن الواقع وما ليس واقعا إلى ما يجب أن يكون وما لا يجب أن يكون. غير أن الواقع والواجب ينتميان لنظامين مختلفين؛ فالأمر “لا يتصور برمته” بأن تستنبط الأول من الآخر. كانت التطبيقات الأعرض لجدلية هيوم جلية بشكل كافي. إذا لا يمكنك الانتقال الواقع إلى الواجب، إذن فليس للاهوت الطبيعي أساس منطقي: لا يمكنك أن تعلل طريقك من الطبيعة إلى الأخلاق.

انبثق خط من التفكير مشابه في وقت لاحق جدا، في بداية القرن العشرين، حين تعرف الفلاسفة بشكل رسمي إلى ما يُطلق عليه المغالطة الطبيعية: الخطأ المنطقي في تعريف ما هو أخلاقي أو صالح عبر خواص كاللطافة أو المرغوبية أو الامتياز الذرائعي أو بالطبع الطبيعي ذاته. (فكر على سبيل المثال، بالنفعية وسلالتها من الاقتصاد القياسي الحديث.) لا يمكنك الاستنباط بشكل منطقي الشيء الصحيح لفعله عبر تقليصه لخواص لا تنمي للخطاب الأخلاقي.

إن المصدر لخلجات مشابهة لهيوم والتي من المرجح أن علماء الاجتماع والمؤرخين أكثر دراية بها هي محاضرة فيبر ” العلم بوصفه حرفة،” والملقاة في ميونخ سنة 1917. يقول فيبر بأن العالم أصبح ” متحررا من السحر”. فمن حيث المبدأ، يمكن لكل شيء أن يُعرف عبر حسابات عقلانية؛ لا يوجد شيء لا يمكن حسابه. قال فيبر يمكن أن العلماء اعتقدوا في الماضي بأنه يمكنهم أن يُظهروا الطريق إلى الرب أو أن يكتشفوا “معنى” الخلق، لكن ليس بعد الآن. ” ما عدا بعض الأطفال الكبار” الذين لا زالوا يوجدون في الأقسام العلمية الأكاديمية، فإن لا أحد يصدق بأنه يمكن للعلم أن يكون طريقا للرب؛ فهو في كنه طبيعته ” قوة لا دينية.” إذا كان العلم يعلمنا أي شيء عن المعنى فهو أننا لا يمكننا أن ننتقل من هنا إلى هناك. وإن كان هناك شيء مثل معنى للعالم، فليس هناك طريقة علمية لاكتشافه.

قدم فيبر ما كان يعمله على أنه علم. ويضع نفسه في نفس القارب المؤسساتي والثقافي للكيميائيين وعلماء الحيوان.  قال متوجها لطلبة ميونخ الذين كانوا جمهوره، بأنا أناسا مثلهم توقعوا من أناس مثله بأن يخبروهم ماذا يصنعون. بيد أنهم يقومون بخطأ، لم يكن هناك شيء يعرفه كعالم يمنحه المرجعية لتحديد الفعل الأخلاقي، أو الشيء الصحيح لفعله. إذا ما فعل ذلك، فسيتخلى عن الشيء ذاته الذي منح نداؤه معناه. اقترح فيبر، بوضع نفسه مهنيا في جهة الحقيقية لتفريق قيمتها، بأن الأخلاقية الوحيدة أو المعنى البازغ من ممارسة العلم كان الاحتضان الشجاع للا أخلاقية وانعدام المعنى. محالفا نفسه مع ليو تولستوي، أصر بأن العلم لا يمنح إجابة للسؤال “كيف نعيش”- أو كما يود الوجوديون القول، ” تم اكتشاف كل شيء، عدا كيف نعيش.”

إذن العلم الطبيعي دون القدرة على الرفعة الأخلاقية، والعلماء الناضجين، كما يُقال، دون المرجعية الأخلاقية هي- بالمصطلحات التاريخية- انتاجات حديثة. فكل من انعدام سحر العالم وعدم صحة استنتاج الواجب من الواقع مساق من التطور التاريخي لمفهوم الطبيعة المتجردة للقوى الأخلاقية التي امتلكتها يوما. وصل ذلك التطور ذروته في العلم والميتافيزيقيات لداروين وعلماء الطبيعة في أواخر القرن التاسع عشر. كان لا يمكن لمفهومهم الحديث عن الطبيعة أن يجعل من الذين درسوه أكثر أخلاقا من أي أحد آخر لأن لا يمكن لأي محاضرة عن الأحجار أن تُدرك. قال عالم أحياء القرن التاسع عشر العظيم ت. هـ. هكسلي بأن الطبيعة “ليست مدرسة للفضيلة.”

جرى الإصرار بأن لا يمكن للعلم أن يجعلك صالحا أو أن يصنع من العلماء مرجعا أخلاقيا من موقف فلسفي: لا توجد قوى روحانية تعمل في الطبيعة ولا معنى إلهيا كي يُدرك فيها. مما يعني أن فيبر كان يصنع عبارة اجتماعية عما ينتمي لأدوار اجتماعية معينة، ولكن كان يفعل ذلك عبر طريقة من التغيير التاريخي في العلم والميتافيزيقيات.

ولهذا الموقف تشعبات مهمة. ففي وقت بين بداية ومنتصف القرن العشرين – خاصة في أمريكا ولكن في أماكن أخرى أيضا- رمت الفكرة عن العالم بقايا ارتباطاتها الكهنوتية، وأفسح اعتقاد الأخلاقية المخصوصة الطريق للأخلاقية العادية. لم يكن هناك سبب واحد لهذا التغير؛ لم يكن لتحول المفاهيم عن العالم الذي فسره العلماء الكثير ليتدخل فيه. لكن كان مترافقا مع تطورات ملحوظة في طبيعة المهنة العلمية، في العلاقات الاجتماعية والموقف الثقافي للمجتمع، وفي تغير الأفكار الأكاديمية والعلمانية عن ماذا كان العلم ولأجل ماذا هو.

منذ الحرب العالمية الثانية، اندمج التحقيق العلمي بشكل متزايد مع أهداف النفوذ والربح

أولا، ازداد عدد العلماء في منتصف القرن. كان تصاعد تلك الأرقام ملحوظا لدرجة أن في الستينيات توقع أحد علماء الاجتماع بأنه يجب أن يتوقف ذلك التصاعد خشية أن يكون هناك عالمين لكل رجل، امرأة، طفل وكلب في البلاد. فمن حس ديموغرافي، أضحت المهنة العلمية أكثر طبيعية وأقل غرابة.

ثانيا، كان عملية تحويل البحث العلمي من نداء إلى وظيفة ومن هواية إلى سعي مهني قد اكتمل بشكل بالغ في القرن العشرين. لم يستلم داروين مرتبا مطلقا على عمله. حتى بعد الحرب العالمية الثانية، والتضمين المتصاعد للعلماء الأمريكيين في الطبقات المتوسطة المرتاحة ماديا، كان لا يزال هناك باحثين عبروا عن قلقهم من تصاعد المهنية وانحدار الزهد العلمي: “العالم الحقيقي”، كتب باحث السرطان فريدريك س. هاميت في ساينس، ” يهتم فقط باتباع مهنته.” وقال الفزيائي كارل كومبتون عن العلماء بالعموم في منتصف الخمسينيات، ” لا أعرف أي مجموعة أخرى تملك اهتماما أقل في الكسب المالي.”

ثالثا، خلال القرن العشرين، كان العلماء يوظفون بشكل متزايد من قبل مختبرات بحثية مرتبطة بمؤسسات صناعية وحكومية كبيرة، غالبا ما كانت مرتبطة بالجيش. ومنذ الأربعينيات بدأ علماء الاجتماع الأمريكيين بمنح اعتبارات لشيء جديد ملقب بـ ” المجتمع العلمي.” وبينما أدرك ميرتون في “أعراف” هذا المجتمع العديد من القيم الليبرالية والاستحقاقية والمجتمع المفتوح إلا أنه أصر بعدم وجود “أدلة كافية” بأن العلماء ” موظفون من مرتبة أولئك الذين يتحلون بدرجة غير اعتيادية من النزاهة الأخلاقية.” حاج بأن الأعراف الهيكلية لا يجب أن تُخلط بالميول النفسية.

أخيرا، وفي بداية الستينيات، رسمت صورة توماس كوهن للـ “العلم الطبيعي” نشاطا علميا ليس كتنقيب فلسفي منفتح الذهن بل كحل أحجية امتداد وتطبيق نماذج موجودة. ولصدمة وسخط البعض، حاج كوهن بأن كون المرء عالما يتطلب الخضوع للـ “مبدأ” وتضييق البصيرة. ظل العلم بالطبع أكثر معرفة موثوقة نملكها، ولكن مهما تكن المرجعية الأخلاقية التي يمكنها أن تتبع اعتبار العلم متحررا بشكل متفرد من الانحياز- لأولئك الذين اقتنعوا بكوهن- لم تعد متاحة.

تعرف الخطاب الوداعي للرئيس إيزنهاور في 1961 على “المركب العسكري- الصناعي” كتهديد جديد لكل من الديمقراطية ونزاهة العلم، عاكسا أكثر المسافة التي قطعها العلم من زمن حيث أعتقد بأنه سعي لمنزلة أخلاقية خاصة. تعرف توسيع السيناتور جـ.  ويليام فلبرايت لاحقا إلى “المركب العسكري- الصناعي- الأكاديمي” على أن الجامعات لا تعد بعد الآن أبراجا عاجية منفصلة؛ فقد باتت مصادر حاسمة لكل من الاقتصاد وحالة الأمن القومي. دفع سباق الأسلحة في هيروشيما والحرب الباردة إلى بزوغ قضية المسئولية الاجتماعية للعلم.  فقط حين كان يمكن أن يُمسك على العلم مسئولية شيء فظيع، أمكن وجود نقاش جدي عما إذا كان العلماء أولئك النوع من الناس الذين يمكن ويجب أن يتحملوا مسئولية أخلاقية على المعرفة والأدوات التي ينتجونها. كان العلماء لغالب الأمر، يئسوا من توكيد فوقيتهم الأخلاقية؛ والآن يحاج الكثير منهم بأن لا يجب التفكير بالعلماء على أنهم أسوأ من أي أحد آخر. قلق روبرت أوبنهايمر بأنه امتلك “يدين ملطختين بالدماء،” بيد أن العديد من العلماء الآخرين أصروا بأن هيروشيما لم تكن ذنبهم: كانوا يتبعون أوامر مشروعة ديمقراطيا.

امتلك العلم بعد الحرب العالمية الثانية قوة جديدة وتمتع بنطاق جديد. كان أحد المعايير لقياس نجاحه هو المدى الذي قطعه ليتجلى في الممارسات اليومية للمؤسسات والحكومة والإنتاج والحرب. لقد باتت أهداف العلم بشكل متصاعد أهدافهم؛ سبله في عمل الأشياء هي سبلهم. أحد العواقب هي أن جزءا كبيرا من التحقيق العلمي اندمج في مؤسسات أُعتقد أن أهدافها تشمل الربح والنفوذ، وليس البحث الزاهد عن الحقيقة، وبالتأكيد ليس الرفعة الأخلاقية.

وعاد ظهور الكثير من التفريق التاريخي بين الفلسفة الطبيعية والرياضيات في الأوقات الراهنة لتلك التي بين العلم والتقنية، فالسابق هدفه المعرفة من أجل المعرفة واللاحق هدفه النفوذ والتحكم. وليس بعيدا جدا- كما يُستدل من محاضرة فيبر سنة 1917- هذا التفريق كان مسألة إصرار: قيل بأنه أسيء فهم وحُقّر عبر خلطه مع التقنية. إلا أنه الآن، ومع هذا، يعمل العلماء ومعوليهم جاهدين لدمج العلم بالتقنية، غير راغبين بشيء أكثر من الحصول على مرجعية العلم مدعومة باستخدام التقنية. تلك هي أحد العلامات الواضحة لتجلي العلم كوعي مدني طبيعي. ولكن حين تقولب البحث عن المعرفة للبحث عن القوة، فإنك تُخِل بالارتباط التاريخي بين العالم والقسيس وبين فكرة العلم والرفعة الأخلاقية بشكل جوهري.

كان لكسر الارتباط امتيازاته. هناك ملايين عدة من أطفال فيبر الكبار في المحيط والذين يعتقدون بأن الطبيعة هي خلق إلهي وأن دراستها يُنتج دروسا أخلاقيا، ولكن يوجد القلة منهم في أقسام الفيزياء والكيمياء للجامعة. (يبدو أن انعدام سحر العالم أقل قبولا ضمن حدود بحث الجامعات منه خارج الحرم الجامعي.) ولذا فإن قبول ذلك العلم بالطبع لا يمكنه أن يجعلك صالحا، فهو فقط اعتراف بانعدام سحر العالم والمنجزات الضخمة للعلم الحديث اللا أخلاقي. ومع الوجوديين “الناضجين” الآن الذين يقرون بأن الحلول لمعضلات المعنى والأخلاق يمكن أن تأتي فقط من أنفسنا وليس من فوق – وبالتأكيد ليس من العلماء. لا يمكن للأخلاقيات أن تستورد.

حذر أوبنهايمر في كتاباته بعد الحرب العالمية الثانية من التفكير بالعلماء على أنهم يملكون أجوبة على كل الأسئلة أو القوة لحلها. فإن كان العلماء حقا الوكلاء لمنهجية متفردة ومتسقة ونافذة، فإن تلك الوكالة أظهرت في أعظم حالاتها تواضعا معينا في السلوك والحكم. كتب ” ليس العلم كل ما في حياة المنطق؛ إنه جزء منه.” العلموية- الميل للاعتقاد بأنه يمكن للمرء أن يمدد المنهجية العلمية لكل مكان وبذا يحل معضلات الأخلاق والقيم والجمال والنظام الاجتماعي- كانت مجرد تفكيرا أخرقا.

للعلموية التي حذر منها أوبنهايمر تاريخا يعود إلى الداروينية الاجتماعية للقرن التاسع عشر وترويج خفض الأخلاق مقابل الأحياء. كانت تلك بالضبط النوع الذي توجهت إليه المغالطة الطبيعية – الاعتبار بأن يمكن أن يقدم ما هو أخلاقي على أنه ما صنعه مننا التطور الأحيائي لنفعل أو نحس. فإذا كان من الطبيعي لنا أن نحترب مع بعضنا البعض من أجل تمرير خصائص لذريتنا، إذن فالمعضلة الأخلاقية حُلّت- ذلك ما يجب علينا فعله. وإذا كان من الطبيعي لنا التعاون والتصرف بإيثار مع القريبين والآخرين غير القريبين، فإن ذلك أيضا كان ما يجب علينا فعله. أميط اللثام عن الحدس والميول الأخلاقية على أنها ظاهرة طبيعية مطواعة لمنهجيات ومفاهيم العلم الطبيعي. منح عرض ما يسمى الأخلاق التطورية حلا علميا لأسئلة مثل “ماذا يجب علينا فعله؟” و “ما الأخلاقي؟”

كان لهذه العلموية الفيكتورية مستقبلا، ولديها الآن حاضرا مهما. فلقد انبعثت العلموية وخاصة إعادة تعريف المعضلات الأخلاقية كمعضلات علمية في المنشورات الفكرية والأكاديمية الأمريكية المعاصرة. لم تحل المعضلات الأخلاقية بالقدر الذي تحللت فيه. فالمرء يتحدث عن المعضلات الأخلاقية كأسلوب للحديث (une façon de parler) كنجاة مؤسفة حديثة للازدواجية المخزية. يزعم العلم أو يعيد زعم دوره الأخلاقي عبر إظهار بأن المرجعيات الأخلاقية التقليدية عارية، وما تعتبر معضلات أخلاقية تعد على أفضل حال- بل حتى فقط-  موجهة عبر مصادر العالِم. يُزعم الآن بأن العلم سيبين لنا ما هو الصالح وكيف نعيش حياة جيدة- وإن لم يتمكن الآن من فعل ذلك بشكل كامل وكفء، فيمكننا الاطمئنان بأنه سيفعل قريبا. سيُبرِئ العلم معضلات النسبية الأخلاقية، وسيظهر الحقيقة الموضوعية لسلسلة من المواقف الأخلاقية مقابل الأخرى المدلسة. يكتب عالم الأعصاب سام هاريس عن الأخلاق بأن “يجب أن تعد فرعا غير متطورا من العلم،” ويقول بأن العلم ” يمكنه تحديد القيم الإنسانية.” بينما ينتقل عالم الإدراك ستيفن بينكر من رهان على المستقبل إلى عبارة واثقة إن لم تكن مؤهلة للحقائق الجارية:

نظرة العالم التي ترشد القيم الأخلاقية والروحانية للشخص المتعلم اليوم هي نظرة العالم الممنوحة لنا من قبل العلم. بالرغم من أن الحقائق العلمية بحد ذاتها لا تُملي القيم، فإنها بالتأكيد تطوق الاحتمالات. وعبر تجريد المرجعية الكنائسية من مصداقيتها على الأمور الحقائقية، فإن تلك الحقائق العلمية تلقي بالشك على الادعاءات الكنائسية باليقين في الأمور الأخلاق.

وفقا للعولمية الواثقة الجديدة، فإن العلم هو جزء صغير من الثقافة التي يمكنه أن يجعلك صالحا لأنه يتفوق على كل الآخرين- الدين، الرموز الأخلاقية التقليدية، البديهية أو يظهرهم على أنهم لا عقلانيين أو – مع أو بدون الوعي بالمفارقة – يسمهم باللا أخلاقية: الدين هو “وهم الإله”، مجيزا التعصب، الخنوع والذبح والتي برمتها خاطئة أخلاقيا.

ولكن هناك أسباب لم قد تحد الطموحات العلموية الجديدة من نفسها. فعلى الذين يتحدثون باسم الطبيعة أن يواجهوا حقيقة أن الطبيعة لم تتحدث قط بصوت واحد. استنبط علماء مختلفون استنتاجات أخلاقية مختلفة من العلم. استنتج البعض بأنه من الطبيعي ومن الصالح أن تكون تنافسيا بلا رحمة؛ في حين رأى آخرون بأنه من الطبيعي أن تتعاون وأن تثق؛ بينما ما برح آخرون يحتضنون درس المغالطة الطبيعية ويعارضون مشروع استنتاج الأخلاقي من الطبيعي. كان هذا أساس تشكيك ت. هـ. هكسلي في 1893:

يتبع السارق والقاتل الطبيعة بالقدر الذي يتبعها المحسن. قد يعلمنا التطور الكوني كيف أتت الميول الصالحة والسيئة للإنسان؛ لكنها في ذاتها غير كفء لطرح أي سبب أفضل لم ما نسميه صالح مفضل لما نسميه سيء عما كنا نملكه سابقا.

كما أن العلموية الجديدة لا تحل المعضلة المستدامة لمن نثق به. وكمثل كل عالم حديث، فإن المناصرين للعلموية الجديدة يفعلون ما بوسعهم ليبيعوا سلعهم في سوق الموثوقية. وهنا العلموية الجديدة، وكل ادعاءاتها بأن هناك سيبل للعلم يمكنه أن يجعلك صالحا، تتشارك مدركا حاسما مع منافسيها: امتلاكها لطبيعة علمانية، ومشاركة في الظروف المهنية للعلم الحديث القريب، لا يمكن لمناصري العلموية الجديدة أن يصنعوا ادعاءات معقولة للتفوق الأخلاقي ولا حتى التميز الأخلاقي.

بعث العلموية هو حل قليل الفاعلية لمعضلات تفرضها العلاقة بين الواقع و الواجب  فهو سمة للصعوبة المرافقة لانفصالهما. إذن هناك ثمن ليدفع للـ (بالطبع) في منظور أن العلماء ليسوا أخلاقيا بأفضل من أي أحد، من ضمن هؤلاء الذين يدفعونه هم العلماء أنفسهم. لعل فكرة أن العلماء قساوسة الطبيعة، وأنهم مترفعون أخلاقيا عبر دراسة كتاب الطبيعة للرب قد ماتت – لكن السؤال ما إذا كان العلماء مسخرين وغيريين للحقيقة يظل حيا ومركزيا للضغوطات المعاصرة المحيطة بالخبرات العلمية والسياسة العامة.

إذا كان زهد وغيرية العلماء لا يمكن الاعتماد عليها مثل تلك لأصحاب البنوك، فالاستنتاجات العملية إذن لا يجب أن يوثق بها أكثر من المشتقات المالية، ويجب أن يُضبط العلم بالطريقة التي تُضبط بها الصناعة البنكية. إن نظم المراقبة والتحكم دلالة عصرية على انعدام الثقة. بيد أن العلم، مثل النظام التجاري، يعمل على التصديق، وبينما هناك حس ممتاز في اخضاع كل من السلوك العلمي والمالي لدرجة من الضبط، فإنه لا يوجد معنى على الإطلاق من التفكير بأن يمكن للمراقبة أن تزيل أبدا الحاجة للثقة. إن لم تجد أن العماء يستحقون الثقة، إن كنت تفكر بأنهم مجرد خادمين للنفوذ والربح، فإن الثمن النهائي المدفوع سيكون بأن عليك أن تصنع العلم بنفسك -وحظا وافرا لك في جعل استنتاجاتك مُصدّقة.

إذن فإن ثمن التشكيك بالفضيلة العلمية لا يدفعها فقط العلماء بل كلنا. المعضلات المركبة التي كانت يوما تنتمي حصريا لمحيط الحكمة والفعل السياسي بات يُعتقد الآن بشكل متزايد أنها معضلات علمية: إذا كان المناخ الأرضي بالفعل محتبس حراريا، وإذا كان السبب هو النشاط البشري، إذن فسياسات الحد من انبعاث الكربون مسموحة؛ إذا التهاب الكبد الوبائي C يتبع مسارا وبائيا يقود لفشل الكبد، فإذن أسعار الأدوية الجديدة المرتفعة قد تكون مبررة. إن نجاح خبرة الواقع دفع العلم بقوة إلى عالم القرار الواجب.

وهذا هو لم لا يمكن أن توجد “بالطبع” عفوية فيما يخص نبذ فكرة الفضيلة العلمية. نحتاج أن نثق بالعلماء، ولكن نحتاج أن يكون العلماء أهلا للثقة.

المصدر: The Virtue of Scientific Thinking – Steven Shapin 

 

 

 

error: المحتوى محمي