فاشية الليبرالية: المقدمة (الجزء الثاني) – جوناه قولدبيرغ / ترجمة: إبراهيم جابر أبوساق

فاشية الليبرالية: المقدمة (الجزء الثاني) – جوناه قولدبيرغ / ترجمة: إبراهيم جابر أبوساق

الفصل الثاني من المقدمة (2/2)

رابط الجزء الأول

ومع نعمة الإدراك المتأخر ، فإنه من الصعوبة بمكان فهم لماذا يشكك أحدهم في الطبيعة الفاشية للثورة الفرنسية . فهنالك قلة تشكك في أنها كانت ثورة شمولية ، إرهابية ، قومية ، تآمرية وشعبوية . الثورة الفرنسية أنتجت أول طغاة العصر الحديث روبسبير ونابوليون ، وعملت جاهدة على ترسيخ مقولة أن الدولة يجب أن تحكم من متنور عصري يمثل الصوت العضوي لإرادة الشعب . العقلية اليعقوبية الارتيابية جعلت الثوار أكثر همجية وقسوة من الملك الذي ثاروا عليه نفسه . فما يقارب الخمسين ألف قضوا نحبهم بسبب ذلك الإرهاب . العديد منهم قتلوا في تلك المحاكمات السياسية المسرحية التي يصفها Simon Schama بأنها ” وثيقة التأسيس للعدالة الشمولية ” . روبيسبير يلخص منطق الثورة الشمولي قائلا ” هناك حزبين فقط في فرنسا ، حزب الشعب وحزب أعدائهم ، ويجب علينا إبادة أولئك الأوغاد البائسين الذين يتآمرون منذ الأزل على حقوق الإنسان ..  يجب علينا إبادة أعدائنا ”  .

لكن في الحقيقة ما جعل الثورة الفرنسية أول ثورة فاشية هي جهودها لتحويل السياسة إلى دين ( في هذا السياق كان الثوار ملهمين بروسو الذي كان مفهومه للإرادة العامة يؤله ويرفع من شأن الشعب ويخفض من شأن الفرد والمصالح الشخصية ) . وتبعا لذلك أعلن الثوار الحرب على المسيحية بهدف تطهير المجتمع منها واستبدالها بدين ” علماني ” يتشارك في آرائه مع الأجندة اليعقوبية . المئات من الاحتفالات وثنية الطابع كانت تقام للاحتفال  بالأمة ، العقل ، الأخوة ، الحرية و العديد من الأفكار التجريدية  لتطهير الدولة والإرادة العامة في عصر القداسة ذاك . وكما سنرى ، فالنازية قلدت اليعقوبية حتى في التفاصيل الصغيرة .

من المسلم به الان أن الثورة الفرنسية كانت تدميرية ووحشية  لكن من الصعب جدا القول بأنها كانت فاشية ، لأن الثورة الفرنسية كانت المصدر والأصل لليسار و ” التقاليد الثورية ” . اليمين الأمريكي والليبراليون التقليديون نظروا بإعجاب الى الثورة الأمريكية – التي كانت ذات نزعة محافظية بالضرورة – بينما كانوا يرتجفون خيفة من شرور وحماقات اليعاقبة .  لكن إذا كانت الثورة الفرنسية فاشية ، اذا فمن المفترض أن يرى ورثتها على أنهم نتاج هذه الشجرة المسمومة ، و الفاشية بحد ذاتها سيتم وضعها بشكل صحيح ونهائي حيث تنتمي ، أعني الى اليسار . ولكن هذا كان سيسبب زلزلة وفوضى في النظرة العالمية لليسار ، لذا عوضا عن ذلك ، رحب اليسار بالنشاز المعرفي والانحراف المصطلحي كحل متوفر وقتها .

في نفس الوقت ، يجب ملاحظة أن الأكاديميين يعانون من صعوبة شرح ماهية الفاشية لأن الفاشيات المتعددة كانت مختلفة بشكل كبير جدا . على سبيل المثال ، النازيون يفضلون الإبادة الجماعية للساميين ، بينما الفاشيون الإيطاليون كانوا حامين لليهود الى الفترة التي استولى فيها النازيون على ايطاليا . الفاشيون حاربوا مع دول الحلف بينما الإسبان تجنبوا خوض تلك الحرب ( وكانوا حامين لليهود أيضا ) . النازيون كرهوا المسيحية بينما الإيطاليون كانوا يعيشون بسلام مع الكنيسة الكاثوليكية ( رغم مقت موسوليني الشديد لها ) ، والعديد من أعضاء الفيلق الروماني في جيش ميكائيل الملائكي كانوا يصفون ويرون أنفسهم على أنهم صليبيين مسيحيين . بعض الفاشيين يؤمنون برأسمالية الدولة ، بينما آخرون كالحزب الوطني الصيني طالبوا بوضع اليد الفوري على موارد الانتاج . النازيون كانوا معادين رسميين للبلشفية ، ولكن كانت هناك حركة ” البلشفية الوطنية ” في داخل الكيان النازي أيضا .

الشيء الوحيد الذي يجمع كل هذه الحركات هو أنهم كانوا جميعا – بطرقهم الخاصة – شموليين . لكن ما الذي نعنيه بقولنا ( شموليين ) ؟ الكلمة بالتأكيد أخذت مغزى سيء قابل للفهم في نصف القرن الماضي . بفضل أعمال حنة أرندت و Zbigniew Brzezinski  وآخرين كثر أصبحت الكلمة حاوية للقسوة ، قتل الروح ، والحكومات الاورويلية [ نسبة الى Orwell ] . لكن هذا لم يكن ما استخدمت لأجله الكلمة أساسا ولا ما عنيت به . موسوليني نفسه سك هذه الكلمة لوصف مجتمع ينتمي إليه الجميع ، حيث يتم الاعتناء بكل فرد ، حيث كل شيء داخل الدولة ولا شيء خارجها ، مجتمع يكون فيه بحقيقة “ No Child Left Behind” [ بهذا الاسم تم اصدار تشريع في الكونجرس الامريكي عام 2000 ] .

مجددا ، فإن مجادلتي في هذا الكتاب هي أن الليبرالية الامريكية نظام سياسي شمولي ، ولكن ليس بالضرورة أورويلي . هي طيبة ولكن وحشية ، حاضنة وليست متنمرة . ولكنها بالتأكيد شمولية – أو ” كلية ” ان كنت تفضل – بمعنى أن الليبرالية حاليا ترى أنه لا وجود لفضاء بشري خلف ما تحدده السياسة ، ابتداء بما تأكل ومرورا بما تدخن وانتهاء بما تقول . الجنس أصبح سياسيا ، الطعام صار سياسيا ، الرياضة ، الترفيه ، دوافعك الداخلية ومظهرك الخارجي ، كل ذلك أصبح ذا اهمية سياسية عند الليبراليين الفاشيين . الليبراليون وضعوا إيمانهم في الخبراء الكهنوتيين الذين يعلمون ما هو الأفضل ، يخططون ، يعظون ، ويوبخون . إنهم يستخدمون العلم للتقليل من قيمة الأفكار التقليدية في الدين والإيمان ، لكنهم يتكلمون بلغة الروحانية والتعددية للدفاع عن المعتقدات ” الغير تقليدية ” . تماما كما في الفاشية التقليدية ، فالليبراليين الفاشيين يتحدثون عن ” طريق ثالث ” بين اليمين واليسار حيث تتواجد جميع الأشياء بتناغم و حيث تكون الخيارات الصعبة ” خيارات خاطئة ” !

الفكرة القائلة بعدم وجود الخيارات الصعبة – أي اختيارات بين اشياء صائبة متنافسة – هي فكرة دينية وشمولية لأنها تفترض أن جميع الأشياء الجيدة هي في الأساس ملائمة . نسخة الليبرالية المحافظة أو التقليدية تفهم جيدا أن الحياة غير عادلة ، أن الإنسان غير كامل ، وأن المجتمع الكامل الوحيد ، المدينة الفاضلة الحقيقية ، تنتظرنا في الحياة الأخرى .

الفاشية الليبرالية تختلف عن الليبرالية التقليدية من نواح عدة ، انا لا أنكر هذا . الفاشيون يختلفون عن بعضهم البعض لأنهم نبتوا من تربات مختلفة . ما يجمعهم هي دوافعهم الغريزية والعاطفية كالبحث الدؤوب عن المجتمع ، الحاجة الى ” الذهاب الى ما وراء ” السياسة ، الإيمان بالكمال البشري وسلطة الخبراء ، الهوس بجمالية الشباب  ، عبادة العمل ، والحاجة الى دولة قوية لتنظيم المجتمع على الصعيد الوطني والعالمي . الأكثر من ذلك ، أنهم يتشاركون الاعتقاد – ما أسميه الغواية الشمولية – بأننا بالقدر الصحيح من الإصلاحات نستطيع الوصول إلى الحلم الطوباوي و” خلق عالم أفضل ” . لكن وكما ينطبق على كل شيء في التاريخ ، فالزمان والمكان عاملين مهمين . والفروقات بين الفاشيات المتعددة قد تكون عميقة جدا . النازية كانت نتاج الثقافة الالمانية ، خرجت من سياق ألماني . المحرقة لم تكن لتحدث في إيطاليا ، لأن الايطاليين ليسوا ألمان . وفي أمريكا ، حيث العداء للحكومة الكبيرة مركزي لدى الشخصية الوطنية ، فإن الدولانية يجب أن تقدم تحت غطاء البراغماتية والنزاهة . بمعنى آخر ، فاشيتنا يجب أن تكون لطيفة ولمصلحتك الخاصة .

التقدمية الأمريكية ، التي تحدرت منها الليبرالية الحالية ، كانت نوعا من الفاشية المسيحية ( العديد اطلقوا عليها  الاشتراكية المسيحية ) . من الصعب على الليبراليين المحدثين الإلمام بهذا المفهوم لأنهم اعتادوا رؤية التقدميين على أنهم الذين نظفوا موارد الغذاء وطالبوا بتحديد ساعات العمل اليومية بثمان ساعات وأنهوا تشغيل الأطفال كعمال . لكن الليبراليين غالبا ينسون أن التقدمية كانت استعمارية ، في الداخل وفي العالم الخارجي . وأن التقدمية كانت وراء منع الخمور ، مداهمات Palmer [ حملة اعتقالات لليساريين الأمريكيين المتطرفين قام بها المدعي العام Alexander    Palmer في عامي 1919-1920 ] ، أبحاث تحسين النسل ، عهود الاخلاص والولاء ، وأيضا – في التجسيد الحديث لها – ما يسميه العديد منا ” رأسمالية الدولة ” .

كثير من الليبراليين ينسون البعد الديني للتقدمية لأنهم يميلون إلى رؤية الدين والسياسة التقدمية كأضداد بشكل كامل . لذلك بينما الليبراليين الذين يتذكرون حركة المطالبة بالحقوق المدنية يعترفون بالدور الذي لعبته الكنائس في تلك الحركة ، فإنهم لا يرونها على اتصال مع الحملات الصليبية التقدمية والمستوحاة دينيا كحملات الإجهاض وضبط النفس [ حملة ضبط النفس حركة مجتمعية كانت تندد بشرب الكحوليات في بداية القرن التاسع عشر ] . الفاشية الليبرالية المعاصرة تتحاشى الحديث عن المسيحية في أغلب الأوقات ، إلا عندما تريد أن تخفض من تأثيرها حيث تريد ( رغم أن هناك نسخة من الجناح اليميني تدعى غالبا بالمحافظية المتعاطفة قد شقت طريقها في حزب الجمهوريين ) . لكن بينما الحديث عن الله قد ألقي بجانب الطريق ، فإن الروح الصليبية الدينية التي دعمت التقدمية وقوتها لا تزال قوية كما كانت . وعوضا عن التكلم بلغة ومصطلحات دينية ، يستخدم الليبراليون المعاصرون المصطلح المعلمن ” الأمل ” ويشيدون فلسفات روحية بشكل واضح مثل ” فلسفة المعنى ” الخاصة بهيلاري كلينتون . على نحو مماثل ، فالعنصرية المقيتة التي غذت تحسين النسل التقدمي لدى Margaret Sanger قد ذابت واختفت . لكن الليبراليين الفاشيين ما زالوا عنصريين بطريقتهم اللطيفة الخاصة ، مؤمنين بتبجيل السود وبديمومة ذنب الرجل الأبيض ،  ومن ثم التبرير الأبدي لخطيئة الأبيض . بينما قد أحاج بأن هذا سيء وغير مرغوب به ، فإني لا أحلم حتى بالقول أن الليبراليين في وقتنا هذا مناصرون للإبادة الجماعية أو وحشيون في مواقفهم السياسية كما كان النازيون . لكن يظل من الواجب ملاحظة أن يسار ما بعد الحداثة يتكلم بمصطلحات يفهمها النازيون جيدا . بالتأكيد ، أفكار مثل ” منطق الأبيض ” و ” استمرارية العرق ” لم تكن فقط مفهومة عند النازيين بل وفي بعض الحالات مبتكرة من قبلهم . المؤرخة Anne Harrington  تلاحظ أن ” الكلمات المفتاحية  في مفردات ما بعد الحداثة ( التقويضية و مركزية العقل ) لها بالفعل جذور في الأوراق المعادية للعلم التي كتبها نازيون فاشيون متقدمون مثل Ernst Krieck و Ludwig Klages ” .

أول ظهور لكلمة Dekonstrucktion كان في مجلة نازية عن علم النفس يشرف على تحريرها ابن عم Hermann Göring . العديد من اليساريين يتكلمون عن تدمير ” سيادة الأبيض ” بطريقة تسترجع ذكرى جهود الاشتراكيين القوميين في إقصاء اليهود من المجتمع الألماني . مما يدل على ذلك بالتأكيد ، أن الرجل الذي أشرف على الواجهة القانونية لهذا المشروع ، أعني Carl Schmitt ، مشهور بشكل واسع في أوساط الأكاديميين اليساريين . الليبراليون الممثلون للاتجاه السائد لا يتفقون بالضرورة مع أولئك المثقفين ، ولكنهم حقا ينظرون إليهم بنظرة تبجيل واحترام قد تعني غالبا ترحابا وقبولا ضمنيا .

يتبقى حقيقة بسيطة ، التقدميون قاموا بالعديد من الأشياء التي قد نسميها بموضوعية في وقتنا الحالي بفاشية ، والفاشيون قاموا بالعديد من الأشياء التي قد نسميها موضوعيا بتقدمية. تجلية هذا التعارض الظاهري ، وإظهار لماذا هذا في الحقيقة ليس تعارضا هي من الأهداف الكبرى لهذا الكتاب .ولكن هذا لا يعني بأي حال أني أسمي الليبراليين بالنازيين.

دعوني أضعها بهذه الطريقة ، لا يوجد شخص جاد ينكر أن للأفكار الماركسية تأثير عميق على ما نسميه الليبرالية . الإشارة إلى ذلك لا تعني أن باراك اوباما مثلا ستاليني أو شيوعي . قد يذهب أحد ما أبعد من ذلك ويقول بأن العديد من الليبراليين البارزين واليساريين في القرن العشرين خفضوا باجتهاد من شرور وأخطار الشيوعية السوفيتية ، ولكن هذا لا يعني بالضرورة أنه سيكون من العدل بمكان القول بأنهم بالفعل يفضلون جرائم التطهير العرقي التي قام بها ستالين . من القسوة إطلاق وصف النازي على أحدهم لأن ذلك يفترض زورا تعاطفه مع المحرقة . لكن من الصواب الافتراض أن الفاشية كانت هي العقيدة خلف إبادة اليهود . إذا كنت تحتاج إلى تمييز ذلك بوسم خاص ، فلتطلق عليه هتلرية ، لأن هتلر لن يكون هو هتلر بدون العنصرية التطهيرية . وحيث أن هتلر كان فاشيا ، فلا يجب مرادفة الفاشية بالهتلرية .

على سبيل المثال ، يجب ملاحظة أن اليهود كان يتم تمثيلهم بشكل كبير في الحزب الفاشي الايطالي وظلوا كذلك منذ بداية العشرينيات وحتى عام 1938 . لم يكن في ايطاليا الفاشية اشياء كمخيمات الموت . لا يوجد يهودي واحد من أي جنسية كانت تحت الحكم الايطالي في أي مكان في العالم وتم تسليمه الى المانيا الى عام 1943 ، حين احتل النازيون ايطاليا . اليهود في ايطاليا نجوا من الحرب بمعدلات كبيرة مقارنة بأي مكان آخر تحت حكم الحلف ، واليهود في المناطق الأوروبية المحكومة من قبل ايطاليا كانت لهم نفس المعاملة في الغالب . موسوليني قام فعلا بإرسال جيوش بطرق كانت مضرة بهم فقط لإنقاذ اليهود . Francisco Franco ، الدكتاتور الفاشي المثالي المزعوم ، أيضا رفض مطالب هتلر بتسليم اليهود الاسبان منقذا بذلك عشرات الالاف من اليهود من الفناء . لقد كان فرانكو هو من وقع وثيقة الغاء مرسوم 1492 والقاضي بنفي اليهود من اسبانيا . وفي هذه الأثناء ، تعاون ” الليبراليون ” الفرنسيون والهولنديون بنشاط مع برنامج التهجير النازي .

ما دمت وصلت الى هذه النقطة ، فلابد من بعض التأكيدات التي من المفترض بها ان تكون واضحة ، لكنها ضرورية لمنع احتمالية أي سوء فهم أو أي تحريف لكلامي من قبل النقاد العدائيين . أنا أحب هذه الدولة ، ولدي إيمان عميق بأنها خيرة ونزيهة . ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن أتصور نظاما فاشيا يتسلم مقاليد الحكم هنا ، فما بالك بحدث كالمحرقة . هذا لأن الأمريكيين ، جميعهم – ليبراليين ، محافظين ، محايدين ، سود ، بيض ، لاتينيين ، آسيويين – تم تشكيلهم بثقافة ديموقراطية ، حرة ، ومساواتية  ، قوية بالدرجة الكافية لردع ومقاومة أي اغراءات شمولية . إذا كلا ، لا أعتقد أن الليبراليين أشرار ، حقيرون ، أو متعصبون بالمعنى الذي توحيه المقارنات التقليدية بالنازية . اللقب الفكاهي الذي يتم اطلاقه على هيلاري كلينتون ( هيتلاري ) لا يقل طفولية عن نغمة الطنبور المتواصلة ( بوشيتلر ) [ أي بوش وهتلر ] التي يسمعها أحدنا في اليسار . الأمريكيون الذي شجعوا موسوليني في العشرينيات لا يمكن أبدا محاسبتهم على ما فعله هتلر بعد عقدين ، والليبراليون الحاليين غير مسؤولين عما آمن به أسلافهم الثقافيين ، مع أنه يجب عليهم شرح ذلك والتكلم عنه!

ولكن في نفس الوقت ، فإن جرائم هتلر لا تمحي التشابهات بين التقدمية – المسماة حاليا بالليبرالية – وبين الأيديولوجيات والأفكار التي أتت بهتلر و موسوليني الى السلطة . على سبيل المثال ، فإنه من المتعارف عليه منذ وقت طويل أن النازيين كانوا اقتصاديين شعبويين ، متأثرين بقوة بالأفكار ذاتها التي حفزت الشعبويين الأمريكيين والبريطانيين . وكما يتم غض النظر عن هذه الحقيقة من قبل المؤرخين الليبراليين ، فإن في الشعبوية الأمريكية العديد من الخطوط المعادية للسامية و التآمرية . رسم كاريكاتوري في أحد المنشورات الشعبوية يصور العالم وهو مقبوض عليه بين أذرعة أخطبوط يجلس على الجزر البريطانية . كان مكتوبا على الأخطبوط ” Rothschild ” [ عائلة يهودية أنشأت مؤسسة تجارية عالمية اشتهرت بتدخلاتها في السياسات العالمية ] . صحافي في أحد المؤتمرات ، الاجتماع الشعبوي لعام 1896 ، لاحظ ” الكراهية الغير اعتيادية للعرق اليهودي ” في العرض . الأب Charles Coughlin ” قسيس الإذاعة ” ، كان واعظا شعبويا ينتمي الى اليسار ، ومنظرا تآمريا ، وكانت معاداته للسامية معروفة جيدا عند الليبراليين المؤسسين حتى عندما دافعوا عن الديماغوجي المناصر لروزفلت بوصفه ” يصطف بجانب الملائكة ” .

في وقتنا الحالي ، تنتشر نظريات المؤامرة الشعبوية كالنار في الهشيم في الأوساط اليسارية . ثلث الأمريكان يؤمنون بأنه محتمل ” جدا ” أو ” بطريقة ما ” أن الحكومة دبرت ( أو سمحت ) بأحداث الحادي عشر من سبتمبر . الذعر من تأثير ” اللوبي اليهودي ” أصاب بنسبة كبيرة اليسار الأوروبي – وأيضا بالطبع الشعبوية المسمومة المعادية للسامية والهتلرية بحق لدى ” الشارع ” العربي في ظل أنظمة يعدها الغالبية بالفاشية . لا أود القول بأن اليسار يرحب باللاسامية الهتلرية . عوضا عن ذلك ، إنه يرحب بالشعبوية ويتسامح مع اللاسامية بشكل خطير وجدير بالحذر . أيضا ، من الجدير بالذكر أن نجاح النازية في Weimar بألمانيا ناتج عن عدم رغبة العقلاء حملها محمل الجد .

هناك تشابهات أخرى بين أفكار الفاشية بنسختيها الإيطالية والألمانية وبين الليبرالية الأمريكية الحديثة . على سبيل المثال فإن هيمنة الشركات التي هي من صميم الاقتصادي الليبرالي أصبحت ترى اليوم على أنها حصنا منيعا في وجه حزب اليمين . ومع ذلك فإن أفكار بيل و هيلاري كلينتون وجون كيري وآل قور وروبرت رييتش متشابهة إلى حد كبير مع أيديولوجيات” “ Third Way التي أنتجت الاقتصادات الفاشية في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين . بلا شك  أن استيلاء الليبرالية المعاصرة على ”  “ New Dealكفيل بوضع الليبرالية الحديثة في شجرة عائلة الفاشية . أو خذ في الحسبان انفجار دعاة الصحة و حركة العصر الجديد في السنوات القريبة . من الحرب على التدخين ، مرورا بالهوس بحقوق الحيوانات ، وصولا إلى تقديس الأطعمة العضوية . لا أحد يناقش في كون هذه الصرعات نتاجا ثقافيا وسياسيا  لليسار . ولكن القلة فقط ينوون الاعتراف بحقيقة أننا قد رأينا هذا النوع من الأشياء من قبل . Heinrich Himmler كان ناشطا في مجال حقوق الحيوان و أحد المناصرين بشدة للتداوي الطبيعي . Rudolf Hess – مساعد ادولف هتلر – كان من دعاة الطب التجانسي والتداوي بالأعشاب . هتلر نفسه مع مستشاريه اقتطعوا ساعات من أوقاتهم لمناقشة ضرورة تحويل الشعب بأكمله إلى نباتيين كردة فعل تجاه سوء الصحة الذي ترعاه الرأسمالية . Dachau استضاف أكبر مختبر أبحاث في الطب البديل الذي أنتج عسلا عضويا . خلاصة القول أن أساليب مناهضة التدخين والرعاية الصحية النازية تختبئ تحت الحملات على الأطعمة المضرة والشحوم وغيرها في وقتنا الحالي . كان يكتب في منشورات Hitler Youth  أن ” التغذية ليست مسألة شخصية ! ” – وهي ترنيمة ترددها مؤسسة الصحة العامة حاليا . هوس النازية بالأطعمة العضوية والصحة الشخصية يلائم تماما نظرتها وفهمها لما يجب أن يكون عليه العالم . العديد من النازيين كانوا مقتنعين بأن المسيحية – التي تدعو إلى أن البشر مصممين للهيمنة على الطبيعة عوضا عن العيش بتناغم معها – والرأسمالية – التي عزلت البشر من مكانتهم الطبيعية – تتآمران للحط من الصحة الألمانية . في كتابه المشهور عن التغذية ، Hugo Kleine يلوم ” مصالح الرأسمالية الخاصة ” و ” الذكور أنصاف النساء اليهود ” على انحدار جودة الأغذية في ألمانيا ، والذي بدوره كان سببا لشيوع مرض السرطان ( هوس نازي آخر ) . الأطعمة العضوية كانت مرتبطة بما كان يصفه النازيون قديما – واليسار حاليا – بمسائل ” العدالة الاجتماعية ” .

هل أنت فاشي إن كنت مهتما بالصحة والتغذية والبيئة ؟ بالطبع كلا . الفاشي في الأمر هو فكرة انه في مجتمع طبيعي عضوي ، ليس للفرد أي حق في ألا يكون صحيا ، وبالتالي فإنه من واجب الدولة إجبارنا على أن نكون صحيين لأنه من مصلحتنا . إلى حد ان منظمات الصحة الحالية تجد في تحويل قوة الدولة وسطوتها إلى خدمة أهدافها ، في مغازلة مع الفاشية التقليدية . حتى ثقافيا ، فدعاة البيئة يسمحون بهذا النوع من التطفل والتنمر الأخلاقي الذي إن وضع في مصطلحات الأخلاق التقليدية لكان الليبراليون في عداد الفاشيين مباشرة .

في وقت كتابة هذا الكتاب ، أحد المشرعين في نيويورك يريد منع استخدام أجهزة iPods عند قطع الشارع . من غير القانوني في العديد من الأماكن في هذه الدولة أن تدخن في سيارتك أو حتى خارج المنزل إذا كان هناك أحد ما بالقرب منك . نسمع كثيرا أن المحافظين يريدون ” غزو غرف نومنا ” ، ولكن في الوقت الذي يذهب فيه هذا الكتاب إلى النشر ، فإن منظمة Greenpeace وغيرها يطلقون حملات ضخمة لـ ” تعليم ” الناس طريقة ممارسة الجنس الصديق للبيئة ! Greenpeace لديها قائمة مطولة من الخطوات اللازمة لـ ” القيام بذلك لأجل مصلحة العالم ” ! قد تكون عندك ثقة بان دعاة البيئة لا يرغبون بتحويل هذه الدعايات إلى قوانين في المستقبل ، لكني لا أملك تلك الثقة بعد تتبع حملات مشابهة أقيمت في الماضي . حرية التعبير أيضا ، فهي محل اعتداء فج عندما تكون مهمة أكثر – حملات الانتخابات –  وتكون مقدسة عندما لا تكون فعلا بتلك الاهمية – عند الحديث عن راقصات التعري ومواقع الإرهابيين الالكترونية . في كتابه ” الديموقراطية في أمريكا ” حذر Alexis de Tocqueville قائلا : ” يجب ألا ننسى أنه من الخطورة البالغة استعباد البشر في التفاصيل الصغيرة في حياتهم . بالنسية إلي ، فأنا أعتقد أن الحرية أقل ضرورة في الأشياء الكبيرة منها في الأشياء الصغيرة ” يبدو أن هذه الدولة قلبت هرم Tocqueville رأسا على عقب . فأصبح يجب علينا جميعا التخلي عن حرياتنا في الأشياء الصغيرة لكي تنعم تلك القلة من الناس بحريتهم كاملة .

لأجيال وأجيال كانت فكرتنا الأساسية عن الدستوبيا هي تلك التي أوردها Orwell في رواية 1984 . كان ذلك كابوسا مروعا عن القسوة الفاشية . ولكن مع انهيار الاتحاد السوفيتي واضمحلال ذكريات انظمة القرن العشرين الفاشية والشيوعية ، فإن نسخة الكابوس الأورويلي تلاشت تدريجيا . وعوضا عنه ، يحل كتاب Aldous Huxley ( Brave New World ) كأكثر كتاب تنبؤي . في الوقت الذي نفك فيه شفرة الجينات ونمتلك القدرة على إسعاد الناس عبر شاشات ، تصبح السياسة أكثر وأكثر كمركبة لتوصيل السعادة المعلبة مسبقا . كان النظام السياسي الأمريكي قائما على البحث عن السعادة ، الآن أصبحنا نحن من نطالب بإيقاف البحث عنها ونريدها فقط أن تصل . ورغم أنه كان موضوع المقالات في الثانويات الأمريكية على مدى اجيال ، فإننا لم نقترب أبدا من إجابة سؤال : ما هو الخطأ بالتحديد في رواية Brave New World ؟ الإجابة ببساطة هكذا : إنه محال . فكرة أننا قادرون على خلق جنة أرضية عبر علم العقاقير والأدوية و علم الاعصاب هي طوباوية بنفس الدرجة التي لدى الماركسيين حين يأملون بخلق عالم أفضل عن طريق إعادة تنظيم وسائل الإنتاج . تاريخ النزعة الشمولية هو تاريخ ابتغاء تجاوز الوضع البشري وخلق مجتمع يكون فيه قدرنا وجوهرنا محددا ببساطة بحقيقة أننا فقط نعيش فيه . هذا مستحيل ! بل حتى ولو قلنا بإمكانية ذلك – كما هو دائما في حالة الليبرالية الفاشية ، يكون الجهد منصبا على كوننا إنسانيين – ستكون النتيجة حتما باتجاه الاستبداد والطغيان حيث تقوم مجموعة من الناس بفرض آرائهم عن الخير والسعادة على أولئك الذين لا يتشاركونها معهم .

التقديم لمصطلح كالليبرالية الفاشية كما اتضح يحتاج تفسيرا . مهما يكن كلام النقاد فلست أول من استخدم هذا المصطلح . فقد نال شرف استحداثه H. G. Wells ، أحد أعظم المؤثرين على العقل التقدمي في القرن العشرين ( وقد اتضح أنه بتأثير منه ، خرجت إلى الوجود رواية Brave New World ) . والجدير بالذكر أنه حتى Wells لم يكن يستخدم المصطلح كوصمة عار ، بل كوسام شرف ! التقدميون يجب أن يكونوا ” ليبراليون فاشيون ” و ” نازيين متنورين ” كما أخبر الليبراليين الشباب في خطاب له في أوكسفورد في July 1932 . Wells كان صوتا رائدا في ما أسميه اللحظة الفاشية ، عندما كانت العديد من النخب الغربية تنشد استبدال الكنيسة والتاج . لقد ركز عمله على الانتصار لفكرة أن الأشخاص المميزين – كالعلماء ورجال الدين والمحاربين – يجب أن يفرضوا التقدمية على العامة من اجل خلق ” جمهورية جديدة ” أو ” ثيوقراطية عالمية ” . فقط عبر التقدمية العسكرية يمكن للنوع البشري إقامة مملكة الرب . Wells كان مهووسا بالشمولية ، كما قال ” لم أستطع يوما الهروب من منطقها ” .

الفاشية ، كالتقدمية والشيوعية ، توسعية لأنها لا ترى حدودا طبيعية لطموحاتها ، وعند العديد من النظائر العدائية كالمسماة الفاشيوإسلامية ، هذا واضح بلا شك . لكن التقدمية أيضا لديها تصور عن نظام عالمي جديد . الحرب العالمية الأولى كانت ” حملة صليبية ” لتخليص العالم أجمع كما قال Woodrow Wilson . بل حتى وزير خارجيته William Jennings Bryan لم يزعزع نظرته إلى نظام مسيحي عالمي يأتي متكاملا مع منع للكحول على مستوى العالم !

أحد الاعتراضات على كل هذا قد يكون : وماذا إذا ؟!  إنه من الممتع معرفة أن بعض الليبراليين والتقدميين الأموات قد فكروا بهذا أو ذاك ، ولكن ما علاقة هذا بالليبراليين اليوم ؟

لدي جوابين عن هذا . الأول هو أن المحافظين في أمريكا قدر عليهم أن يحملوا تاريخهم الثقافي – الحقيقي والمدعى – حول رقابهم كقيد . فصحف النخبة الليبرالية ممتلئة بكتاب يشيرون إلى ” التاريخ المخبوء ” في خزانة تاريخ المحافظين . ربط هؤلاء باليمينيين الأموات ، مهما كان سخيفا ، يتم إبرازه كدليل على أن المحافظين اليوم هم فقط تكملة للمشروع . لماذا إذا من غير المهم الإشارة إلى أن خزانة الليبراليين فيها هيكل عظمي خاص بها  ، خصوصا عندما تكون تلك الهياكل من صنع الدولة الحديثة ؟

وهذا يجرني إلى الجواب الثاني . الليبرالية ، بعكس المحافظية ، غير مهتمة بتاريخها الثقافي . ولكن هذا لا يجعها أقل مديونية لذلك التاريخ . الليبرالية تقف على أكتاف عمالقتها وتظن أن أقدامها مغروسة في الأرض . يمكن تتبع تاريخها وصولا الى الحقبة التقدمية ، وهذه حقيقة يمكن لمسها عبر العادة الليبرالية في استخدام كلمة ” تقدمي ” دائما عند الحديث عن جوهرها أو مؤسساتها المنتجة لأفكارها ( Progressive Magazine و Progressive Policy Institute و The Center for American Progress وهلم جرا ) . أنا ببساطة أقاتل على أرضية اختارتها الليبرالية ذات نفسها ، فهم من أصروا على ربط المحافظين بالفاشية ، وهم من ادعى ان اقتصاد السوق الحرة فاشي وبالتالي فإن اقتصادهم هم أكثر فضيلة ، حتى وإن كانت الحقيقة هي العكس تماما .

الليبرالية اليوم لا تطمح إلى احتلال العالم بقوة السواعد . إنها ليست مشروعا قوميا او عرقيا . على العكس من ذلك ، إنها أيديولوجية قائمة على نوايا حسنة ، ولكننا جميعا نعلم أين يمكن ان تأخذنا حتى أحسن النوايا وأفضلها . لم أكتب هذا الكتاب لكي أقول بان الليبراليين نازيون أو فاشيون ، ولكن حاولت أن اكتب كتابا أحذر فيه من أن حتى أفضل ما فينا يضل عرضة لإغراء الاستبداد . وهذا يشمل حتى من يصفون أنفسهم بالمحافظين . المحافظون المتحمسون هم شكل آخر من التقدمية سليلة الاشتراكية المسيحية . تماما مثل George W. Bush ومقولته حول ” No Children Behind ” وكيف أنه ” عندما يتضرر أحد ما ، فإنه يجب على الحكومة أن تتحرك ” . هذه النوع من الأقوال يشي بحالة هي بالتأكيد استبدادية شمولية وليست محافظية بالمعنى الامريكي . مجددا ، إنها استبدادية لطيفة ، مستوحاة بلا شك من الحب المسيحي ، ولكن حتى الحب أيضا ، يكون قاتلا أحيانا . في الحقيقة ، حتى الغضب الذي كان يقابل به Bush بعض منتقديه يمكن تفسيره . فنواياه كانت حسنة ، ولكن اولئك الذين لا يشاركونه آراءه يرونها ظالمة . نفس الشيء صحيح في الجهة المقابلة . الليبراليون يتفقون مع نوايا Hillary Clinton ، إنهم فقط يصرحون بان من يراها ظالمة فهو فاشي .

أخيرا ، بما أننا يجب ان نضع تعريفا للفاشية ، فها هو تعريفي : الفاشية هي دين الدولة . إنها تفترض وحدة الجسد السياسي وتشرئب بعنقها نحو قائد قومي مخلص لما فيه منفعة الشعب . إنها استبدادية من حيث أنها ترى كل شيء سياسي ، وتبرر أي تصرف من الدولة بأنه في صالح الشعب ولأجله . إنها تضع على عاتقها مسؤولية تنظيم جميع جوانب الحياة ، بما في ذلك صحتنا وطريقة عيشنا ، وتفرض علينا وحدة في الأفكار والأفعال ، سواء بالقوة او بالقوانين أو بالضغط المجتمعي . كل شيء ، بما في ذلك الدين والاقتصاد ، يجب أن يكون في صف واحد مع اهدافها . أي هوية منافسة هي جزء من ” المشكلة ” وبالتالي يتم تصنيفها عدوا . سأحاج بأن الليبرالية الأمريكية المعاصرة هي تجسيد شامل لكل جوانب الفاشية .

*    *    *