عن طبيعة التنوير الجاري راهنا – محمد عبدالنور

عن طبيعة التنوير الجاري راهنا – محمد عبدالنور


يطلق إسم عصر التنوير أو “الأنوار” في أوروبا على مجموع الكتابات التي كانت تسعى لإشعار الإنسان بقيمته ومكانته بالمقارنة إلى الوضع الذي كان يعيشه، وإن بدا أن الأمر متعلق أساسا بالدفاع عن العقلانية ضد التقاليد اللاهوتية، فهو من الناحية النفعية كان يسعى للتحرير النفسي من الاستتباع والاستعباد.

ينسب التنوير خاصة إلى بيكون (1561/1626) وديكارت (1596/1650)، بيكون في نقد المدرسية الدينية القائمة على تخزين المعارف دون جدوى نفعية والتأمل الذي لا طائل من ورائه ودعوته إلى اعتماد التجربة في الوصول المعرفة التي ينتج عنها نفع عملي مباشر، الذي أسس لدلالة العقل أو “الـنور الطبيعي” بتقريره أن الحقائق التي يتوصل إليها الإنسان تحصل فقط عن طريق استخدام العقل ومن خلال تأسيسه للشك المنهجي الذي يسعى للوصول إلى اليقين بصيغة فردية، كما من المهم إدراج الإسهام الكانطي (1724/1804) في التنوير من خلال مقاله “ما التنوير” الذي جاء تفاعلا منه مع نقاش فتحته إحدى الصحف الالمانية مركّزا على التنوير هو حالة قدرة الإنسان على التفكير بنفسه وتحمل مسؤولية قراراته دون وصاية في الفكر أو في القرار، وذلك ما سمّاه بحالة النضج التي تقابل حالة القصور.

 

فإذن ارتكز التنوير على مفهومين أساسيين:

  • التجربة: بمعنييها سواء التجريب العلمي (بالمعنى التحليلي: التجارب المخبرية، اللغة مخبرا للمنطق، المنفعة مخبرا للأفكار) أو الممارسة الحياتية (بالمعنى المثالي: تجربة الوعي، التجربة المعيشة، الحدس المباشر).

  • العقل: بمعنييه سواء التفكير النظري المجرد (بالمعنى النقدي: العقل كآلة نظر مستقلة عن الوجود) أو الاستقلالية في إدارة شؤون الحياة الخاصة (بالمعنى الفعلي: العقل كتحرير للتفكير الفردي وتحمل المسؤولية الأخلاقية والسياسية).

فكان المحور الرئيس للتنوير من الناحية العملية تحقيق مبدأ “الإصلاح الشامل” لظروف الحياة التي ارتهنت إلى العلم الجامد وغير النافع والاستقالة من التفكير، فالتفكير في حالته السلبية يعتمد على صور نمطية لا على غايات عملية محددة، لذلك كانت الغاية من التنوير إحالة الإنسان من التفكير المرتهن (غالبا ما يكون إلى سلطة حاكمة أو تاريخ متبع)  إلى التفكير المستقل (غالبا ما يكون ذو أهداف مصلحية وقابلة للأخذ والرد الفرديين).

وعلى المنوال ذاته جاءت الحركات العلمية والاجتماعية تنسج وفقا لفكرتين افترقتا في مرحلة ما فأنتجت خصومة شديدة بينهما، لم يتوصل البشر إلى وصلهما إلا حديثا جدّا نهاية القرن العشرين وبدايات الواحد والعشرين، وذلك بعد مخاض عسير سببته التجربة الأولى للتنوير التي جاءت ناقصة لكونها استبدلت معتقدا بمعتقد آخر دون أن يكون لها تغيير كبير خلقيا وسياسيا، ذلك أن العالم إلى اليوم تسوده اللامساواة!

وفحوى التنوير الراهن يكمن في الوصل بين التجريبي المفرد والمثالي الكلي، أو قل الوصل بين جزئيات الطبيعة التي تتكون تكيّفيا وكليات الحقيقة التي تتشكل قصديا، فانتهينا إلى الكشف المركزي في كل ذلك وهو المتعلّق بالقصدية الحيوية للكائنات والوجود عامة، أعني حيثما تدفقت الطاقة الحية في المادة الصماء وجد التكيّف مع الحياة، وأن ما ميز البشر عن غيرهم ليس إلا تحقيقهم لأفضل شروط الوجود في أصعب الاختبارات التي وضعوا فيها، بما أمدّهم القدرة على “الرمز اللساني” الذي ترسّخ في تكوينهم الوراثي رسوخا لا رجعة عنه.

إن التكيف ينطوي حتما على القصدية، فما القصدية؟ القصدية اشتباك عنيف بين الموجودات بغرض التعارف ومن ثم التهيؤ للحياة في أفضل الظروف، وأن ذلك لا يحدث إلا باتصال علاماتي يكون على مراحل: 1- اتصال اختباري يُعنى بأخذ المعلومة عن المتواصَل معه، 2- اتصال إجرائي غايته التصرف وفق المعلومة، 3-  اتصال نفعي غايته التصرف في المتواصَل معه، ذلك ما ينطبق على علاقات الأنواع بين بعضها وداخل النوع الواحد بما في ذلك البشر فيما بينهم، ذلك أن سيادة الإنسان درجات أولها التحكم في أبسط الكائنات وتهيئتها لمنفعته، وأرقاها التحكم في النوع البشري وتسخيره أيضا لتحقيق قصدي نهائي، ذلك ما يفسّر حتمية تفرُّد أحد الإنسانيات بالسيادة على البشر في كل الحقب الحضارية الإنسانية في التاريخ البشري الطويل ضمن امتدادات معلومة تطورت توسعيا حتى بلغنا اللحظة الكونية المنقوصة في التنوير الأول وصولا إلى طموح اللحظة الكونية التامة راهنا .

وخلاصة القول، إن التنوير الجاري راهنا يرتكز على الاستعادة النقدية للحظة التنوير الأولى وانفكاكه عن “وهم” انفصال الواقع عن المثال، أو قل انفصال الطبيعة عن القصدية، الأمر الذي يعمل على إنهاء الانفصال الحتمي بين القيمة والطبيعة البشريين دام أكثر من خمسة قرون، بما يبشر البشر من جديد بالتأهل مجددا إلى اعتلاء عرش الوجود بعدما كاد يغرق في المنطق الاستلابي سواء استلاب الطبيعة الصماء أو استلاب القيمة الجوفاء.

بهذا الاتجاه إذن يتطور منطق الأمور، أعني تحقيق غايتين رئيستين:

  • صهر البشر في المملكة الحيوانية العامة ورفع بعض أصناف الحياة إلى المملكة القصدية الخاصة، فليست كل الموجودات قصدية، حيث القصدية تنوجد حيث توجد طاقة حية.

  • صهر الإنسانية الرائدة راهنا في بقية الحضارة البشرية ورفع البشريات جميعا إلى مرتبة الإنسانية، حيث السيادة تحصل حيث وجدت الرؤية الواصلة بين المادة والروح.

بهذا الاتجاه يسير الكدح التنويري راهنا، والذي ينزاح بالضرورة من اعتماد المثال العمومي الأجوف إلى تحقيق النموذج الخصوصي المثمر القادر على تحقيق المثل القيمية في أرقى معانيها الجامعة بين الاهتمام الجزيئي والهم الكلاني، فيصير البحث والاهتمام الجزئي موجَّها بالهم الكلي المتفتق عن الأجزاء ذاتها، بما يحيل إلى حيوية فاعلة تتجاوز كل “تجويف مثالي” يمكن أن يولّد تدميرا ذاتيا للبشر فضلا عن تدمير الكون، اعتبارا من أن تمييز الإنسان لنفسه عن بقية الموجودات اعتباطيا كان العلة الجوهرية لكل التمييزات الاعتباطية الأخرى (العنصرية والطبقية) التي تولدت عنها كوارث القرن العشرين والتي تمتد إلى المرحلة الراهنة، لذلك لم يعد خيارا أن نوطّن ذاتنا ضمن هذا الحقل الجدير والمثير والذي سيفتح آفاقا لا حدود لها نحو الإمكان الحضاري للبشرية جمعاء نظرا وعملا. والله أعلم وأحكم وهو الهادي إلى سواء السبيل.

error: المحتوى محمي