حلّ قضية عنف السلاح عن المرض النفسي – ترجمة: سارة اللحيدان

حلّ قضية عنف السلاح عن المرض النفسي – ترجمة: سارة اللحيدان

غالبا ما تُصوّر الأخبار المضطربين نفسيا بأنهم خطر على الآخرين، في حين أن الانتحار هو أعظم خطر عليهم.


يتلاشى الغبار وتخف الصدمة والهلع بعد كل حادثة إطلاق نار، ثم تبدأ العقول الوجلة بعد ذلك بخلق تفسيرات لهذه الحادثة. ونظرا لتكرار الوفيات الناجمة عن الأسلحة في الولايات المتحدة، تواجه الحكومة بانتظام محبط أسئلة على غرار “لماذا حدث ذلك؟” و “من بمقدوره أن يفعل هذا؟”.

يبرز دائما-ولسوء الحظ- تفسير يتناقله الجميع لحكاية ثابتة وخطرة، فعند حدوث أي جريمة إطلاق نار، فالمتهم يجب أن يكون مضطربا نفسيا. يقول جيفري سوانزون، بروفيسور الطب النفسي في جامعة Duke ” يقع علينا نحن كباحثين في دراسة الأمراض النفسية، مسؤولية كبيرة لنقض هذه الخرافة “. “أقولها بقوة وبصوت عال، وأكررها دائما، المرض النفسي ليس جزءا كبيرا من مشكلة عنف السلاح في الولايات المتحدة”.

فالغالبية العظمى من الناس ممن يعانون من مرض نفسي غير عنيفين، تماما مثلما أن الغالبية العظمى من الناس غير عنيفين. إن ما نسبته فقط من العنف في الولايات المتحدة- ليس فقط عنف السلاح- بل أي نوع من أنوع العنف، يعزى في الغالب إلى الفصام، اضطراب ثنائي القطب، أو الاكتئاب (وتعد هذه الثلاثة أكثر ما يستشهد بها على العنف) بعبارة أخرى، ما نسبته 69٪ من العنف في أمريكا ليس له شأن بالمرض النفسي.

هناك دراسة أجريت عام 1998 قامت بمتابعة مرضى أخرجوا من المصحات النفسية، ووُجد أنهم لا يميلون للعنف تماما، مثل غيرهم من أفراد المجتمع- إلا إذا كان لديهم مشكلة تعاطي المخدرات. فالمرض النفسي بمفرده إذن ليس عامل عنف خطر في الدراسة.

تلك هي الحقائق، ولكنّ ما يروى في الغالب له تأثير أكبر من الحقائق، وأن ما نسبته 4% قد تؤثر بشكل بالغ في أذهان الناس. ونشرت أيضا دراسة جديدة في مجلة Health Affairs عن الكيفية التي تساهم بها الأخبار بترسيخ هذه الروايات. وبنظرة على الصحف البارزة المتعددة وشبكات البث التي تغطي المرض النفسي من عام 1995 حتى عام 2014. فإن أكثر من نصف القصص التي تنوقلت خلال تلك الفترة أي ما نسبته 55٪ قد ذكرت العنف مقرونا بالمرض النفسي. وقد كانت هذه النسبة ثابته خلال تسعة عشر عاما على الأغلب. لكن القصص التي تربط المرض النفسي بحوادث إطلاق النار تحديدا تزايدت من نسبة 9% بين 1994 و 2004 لنسبة 22% بين عام 2005 و 2014.

ربما يعزى ذلك بشكل جزئي لحوادث إطلاق النار كتلك التي حدثت في توكسون عام 2011، حيث كان القاتل يعاني بالفعل من الفصام. تقول إيما مغنيتي المؤلفة الرئيسة لهذه الدراسة، وبروفيسورة السياسة الصحية في جامعة جون هوبكنز، “إن مثل هذا الحدث يستحق النشر، لكن ربطه بالمرض النفسي لا يمثل العديد من المرضى الذين يعانون من الفصام، أو حتى الإشارة إلى أنهم أكثر عنفا [ومع هذا] يعم هذه الربط كافة نفوس العامة “.

تنتشر شكوك الناس بحالات القتلة النفسية حتى عند غياب أي دليل على معاناتهم من أي نوع من الاضطرابات. فعلى سبيل المثال، في مقال عن مسلح قام بقتل أستاذ في جامعة كاليفورنيا لوس أنجلوس كتبت مجلة نيويورك “لا تملك الشرطة حتى الآن معلومات حول ما إذا كان ساركار لديه تاريخ لمرض نفسي”، ما لذي يجعل غياب هذه المعلومات تحديدا أمر يستحق الذكر؟ يبدو أن المرض النفسي مرتبط جدا بعنف السلاح في عقول الناس وعليه يجب أن نعالجه حتى عند غيابه!

وفي حال وجود دليل على أن القاتل يعاني من مرض نفسي، فإن الإعلام يغتنم هذه الفرصة، كحادثة الطيار الذي حطم طائرة جيرمان عام 2015، وكان لديه تاريخ مرضي ومعاناة من الاكتئاب. فكانت الرسالة “لقد عرفنا ما يعاني منه الآن!”. من الصعوبة تمرير ذلك، لأن هنالك أمر خاطئ يعاني منه بالفعل. ومن المؤكد أن من يتمتع بصحة نفسية جيدة، لن يخرج ليقتل مجموعة من الناس.

تقول مغنيتي “تلك هي الفروقات الصعبة، فأي شخص يقوم بقتل آخر بسيناريو حادثة إطلاق نار، لن نعتبره سليم العقل. لكن ذلك لا يعني أن لديهم تشخيصا طبيا ومرضا نفسيا قابلا للعلاج. ولربما كان لديهم، على سبيل المثال، مشاكل في تنظيمهم العاطفية كتلك التي تتعلق بالغضب، وهي ظاهرة أخرى منفصلة. وقد يكون هناك تعاطي للمخدرات، أو مجموعة من عوامل العنف الخطرة “

يضيف رون هونبيرغ مستشار سياسي في التحالف الوطني للأمراض النفسية، “حتى نعي تماما هذه الفروقات، فإن لدينا طريقا طويلا للبحث في علوم الدماغ”. وقد أظهرت دراسة مغنيتي أن تعزيز الأخبار لتلك الروايات لها عواقب خطرة في الغالب. وأظهرت أبحاث أخرى أن قراءة ما يروى عن حوادث إطلاق نار من قبل أشخاص مضطربين نفسيا تُشعر الناس بسلبية أكبر تجاه المرض النفسي. وتعد هذه وصمة العار الأكبر التي قد تؤدي بالكثير للعزوف عن العلاج.

يتساءل هونبيرغ “ألا نخاطر بفعلنا هذا بخلق مزيد من الحواجز؟ فقد يقول الناس، لو وصمت كشخص لديه تشخيص نفسي، فإن في ذهن الناس نهاية محددة، يا إلهي! من الصعب طلب المساعدة عندما تحتاجها”.

إن حوادث إطلاق النار جعلت الناس ينادون بتحسين فحوص المرض النفسي لحاملي الأسلحة، أو تحسين العناية بالصحة النفسية بشكل عام، والتي يمكن أن تكون أمرا عظيما، فالله يعلم أننا بحاجتها، ولكن مرة أخرى, لن يكون للعناية بالصحة العقلية تأثير كبير في تفسير العنف. فهذا يعد سوء تأطير للمشكلة، لأن هناك سبب مقنع لتعديل سياسة ضبط الأسلحة وإبعاد المضطربين نفسيا الخطرين من الوصول للأسلحة. ليس لأنهم قد يؤذون غيرهم، بل لأنهم ربما يؤذون أنفسهم

رغم أن حوادث إطلاق النار الكبيرة والمخيفة تحوز على انتباه كبير عندما يأتي الأمر لعنف السلاح، إلا أن 60 بالمئة من وفيات الأسلحة كانت لحوادث انتحارية. ودراسة أخرى حول هذا الموضوع في Health Affairs تؤكد على أن الانتحار وليس جرائم القتل، هي أعظم مشكلة صحية عامة للمضطربين نفسيا ممن يملكون الأسلحة. بحث سوانزون وزملاؤه في هذا الشأن، ووجدوا أن هناك 81,704 من الناس يحصلون على خدمات صحية عامة للفصام، اضطراب ثنائي القطب، أو لاضطراب اكتئابي متقدم في مقاطعتين بفلوريدا. وقاموا بتتبع هؤلاء الناس وسجل وفياتهم، بالإضافة إلى كونهم ممنوعين من حيازة الأسلحة أم لا.

ظهر معدل الناس الذين ماتوا في حادثة انتحار في تلك المجموعة أعلى بأربع مرات من عامة السكان. وكان معدل جرائم العنف أقل بمرتين. وتشير الدراسة أنه بالنظر إلى أن هذه المجموعة من الناس تتلقى رعاية حكومية، والتي “ربما يكون لديها عوامل عنف أخرى خطرة بما فيها، الفقر، والحرمان الاجتماعي، البطالة، انعدام الاستقرار، تعاطي المخدرات، تاريخ من ضحايا عنف، تعرض لعنف الأحياء، أو التورط مع نظام العدالة الجنائية “. لذا ليس من المنطقي أن يعزى معدل جرائم العنف في هذه المجموعة للمرض النفسي وحده.

قد يعزى ذلك لسبب أن معظم الناس في هذه المجموعة هم من الفقراء، وأقل عرضة للإقدام على الانتحار بواسطة السلاح مقارنة بعامة السكان (ربما ليس بإمكانهم حتى حيازته). لكن مانسبته 72 بالمئة من الناس الذين أقدموا على الانتحار باستخدام السلاح كانوا كما يقول سوانزون “مؤهلين قانونيا للحصول على السلاح بنفس اليوم الذي استخدموه لإنهاء حياتهم”. “وهذا يشير إلى مشكلة في معاييرنا التي نملكها لتحديد الناس المعرضين للخطر”. وهناك ما نسبته 28 بالمئة ممن لم يسمح لهم بحيازة أسلحة تدبروا أمر الحصول عليها بطريقة ما، فالقوانين لدينا ليست مفروضة بالقوة.

يقول سوانزون: “هي فرصة كبيرة للحد من حيازة السلاح، لأجل صحة الجميع”. “ويمكن أن تُحدث تلك الفرصة فارقا كبيرا في معدل إنقاذ محاولات الانتحار. فمن بين الناس الذين نجوا من محاولات الانتحار، هناك أكثر من تسعين بالمئة لا يسعون لقتل أنفسهم لاحقا. لكن تبقى الأسلحة هي الطريقة الشائعة للانتحار، فينجح ما نسبته 85٪ من الناس عندما يحاولون الانتحار باستخدام السلاح.

خلصت الدراسة إلى “أن النتائج تشير إلى أن الانتحار، وليس جرائم القتل ينبغي أن تكون على رأس جهود الوقاية من عنف الأسلحة، ويجب التركيز على من يعانون من أمراض نفسية خطيرة في نظام الرعاية العام”

وعلى حد قول هونبيرغ و سوانزن فإن هذه ليست القضية. ففي الغالب يتحدث الناس خلال التجارب عن إجراء فحوص للمرضى نفسيا قبل حيازتهم للسلاح، وذلك في سياق الحد من جرائم العنف، وليس الانتحار. هذا الحديث هو ما يجري عبر وسائل الإعلام وبين السياسيين من وقت لآخر، بعد أي حادثة إطلاق نار مأساوية، ربما لأن الحديث عن المرض النفسي أسهل من الأسلحة.

يقول هونبيرغ “نحن مجتمع عنيف في أمريكا، والحديث يجري بالفعل عن خطة لجعل أمريكا أقل عنفا، ولأن هذا النقاش مشحون بالعاطفة والانقسامات والخلافات السياسية، ففي الغالب يؤول الحديث إلى نسبة قليلة من الناس المتورطين بالعنف، وهم المصابين بأمراض نفسية. بإمكاننا بدلا من إلقاء اللوم أن نتفق على الأقل حول ما نفعله حيال الأسلحة والمضطربين نفسيا، بدلا مما نفعله حيال الأسلحة بشكل عام “.

المصدر

error: المحتوى محمي