علم النفس العربي والإسلامي وفلسفة العقل – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: فاطمة الشملان

علم النفس العربي والإسلامي وفلسفة العقل – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: فاطمة الشملان

 نسخة PDF


مقدمة: هذا نص مترجم لد. ألفريد ل. أيفري، حول علم النفس العربي والإسلامي وفلسفة العقل، والمنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة (صيف 2012) في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.


اعتبر المسلمون السعي للمعرفة أمرا إلهيا، ومعرفة النفس وخصوصا الفكر كعنصر حاسم من هذا السعي. ولذا وفر احتراف هذا الموضوع هيكلة يمكن من خلالها شرح ودمج آليات وطبيعة أحاسيسنا وأفكارنا، كما وفر أساسا أبستمولوجيا لأي ميدان آخر للبحث. فعلى عكس الآراء المناسبية للمتكلمين، اللاهوتيون المسلمون، أراد الفلاسفة ترسيخ معرفتهم عن العالم في واقع متجسد ثابت ومتوقع. تضمن هذا تطبيع النفس ذاتها، خط العلاقة بين حواسها الخارجية والداخلية وبين ملكاتها الخيالية والعقلانية. غير أن الهدف النهائي من هذا الموضوع، اقتران الفكر بالحقيقة الكونية، امتلك بلا ريب جانبا ميتافيزيقيا وروحانيا.

كانت الآراء النفسية التي حددها أرسطو هي النموذج للفلاسفة المسلمين، كما عُدلت من قبل المتغيرات الهيلينية المعبرة عن منظور أفلاطوني. إن القرون التاسعة إلى الثانية عشر هي الحقبة ذات التفلسف الدقيق الذي ميز الفلسفة الإسلامية الكلاسيكية، وهي الحقبة والموضوع الذي تهتم به هذه المقالة والمقسمة كما يلي:

 

  • 1. مصادر والتعابير الأولى: الكندي والرازي

  • 2. الفارابي

  • 3. ابن سينا

  • 4. ابن رشد.

  • المراجع

           – مصادر أولية

           – مصادر ثانوية

  • مصادر أخرى من الإنترنت

  • مواد ذات صلة

 


   1. مصادر والتعابير الأولى: الكندي والرازي

إن فلسفة العقل لأرسطو في الفلسفة الإسلامية جمع لما نسميه اليوم علم النفس والفيسيولوجيا، وليست محصورة لبحوث ملكتنا العقلانية. ومهما يكن “العقل” أو الفكر مهما، بكل جوانبه العملية والنظرية، فهو مجرد جزء من فلسفة “علم النفس.” مصادرهم الرئيسية موجودة في ثلاث أطروحات أرسطية: عن النفس (De anima)، عن الحس والاحساس (De Sensu et Sensibili)، وعن الذكر والاستذكار (De Memoria et Reminiscentia). تنتمي الأخيريتين إلى سلسلة من تسع أطروحات فيزيائية، مسماة وفقا لذلك بـ “أطروحات قصيرة عن الطبيعة” (Parva Naturaliaوتشمل اثنتين تتعاملان مع المواضيع المتعلقة بالأحلام والتنبؤ عبر تفسير معاينها.

ترجم عن النفس كاملا إلى العربية في القرن التاسع، وترجمت أطروحات قصيرة عن الطبيعة جزئيا، بما فيها الأطروحات المتعلقة بموضوعنا. كان الوصول إلى الترجمات العربية للتعليقات الهيلينية على تلك الأعمال متاحا للكتّاب المسلمين، خاصة تلك التي علق عليها ألكسندر الأفروديسي (توفي في القرن الثالث) و = ثاميسطوس (توفي في القرن الرابع).1 عكست آراء الفلاسفة المسلمين تلك المصادر المتعددة، وبذا هم “أرسطيون” بحس مخفف، خصوصا فيما يتعلق بدور واستلزام القوة العقلانية.

تبدو الثقافة الهيلينية الغنية بالعلم والتي كان الإسلام وريثها جلية في عمل أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي (توفي سنة 870) وأبو بكر محمد بن زكريا بن يحيى الرازي (865-925 أو 932). كان الكندي الذي عُرف بـ “فيلسوف العرب” لأصوله العربية، نشطا مع آخرين في دائرته، في تحرير الترجمات العربية المعاد صياغتها لكل من النصوص الأرسطية والأفلاطونية الجديدة. كان على دراية بالفروع الأخرى من العلوم الإغريقية، وكتب أطروحات عن مواضيع شتى. تشكلت آرائه عن علم النفس بشكل أساسي عبر التعرف على الصياغات التي أعدت من عن النفس، ثيولوجيا أرسطو (مختصر تاسوعات أفلوطين) وكتاب الإيضاح في الخير المحض (مختصر مبادئ الإلهيات لأبرقلس، والمعروفة في اللاتينية باسم Liber De Causis). كما ساعدت الكندي النسخة العربية من بصريات إقيلدس في تطوير نظريته عن النظر، المشروحة في رسالة في اختلاف المناظر (De Aspectibus) وأطروحتين أصغر منها (موجودة بالعربية فقط). للأسف، لا يدمج الكندي فهمه للنظر مع الجوانب الأخرى من علم النفس لديه، فتلك الأجزاء لا تصل بشكل متكامل، كنظام مكتمل. إذ نملك عوضا عن ذلك تقريرا متجزئا يشير للاتجاهات التي كان الكندي يسيرها، ومصادر محتملة لما كان يملك بعض المعرفة فيه.

لذا تظهر رسالة في اختلاف المناظر بأن الكندي فضل نظرية الانبعاث للنظر، حيث الأشعة تمتد من العين لتسقط على الجسم، متيحة للمرء أن يراها.2 ومتبعا بصريات إقليدس نهاية الأمر، يمنح الكندي معروضات هندسية ضد كل من نظرية “الانعكاس”، والنظرية التي تصهر الانبعاث مع الانعكاس؛ وهي آراء تنسب غالبها إلى عن النفس لأرسطو وطيماوس لأفلاطون تباعا. إلا أنه وفي أطروحات أخرى، قد يكون الكندي أكثر تعاطفا مع فهم أرسطو للنظر، ممزوجا بمعرفة محتملة لأطروحات ذات صلة لبطليموس ويوحنا النحوي.

تأثر الكندي بأفلاطون وأرسطو من خلال الشروحات والصياغات المعادة التي حاولت أن توفق بين آرائهم، والتي غالبا ما زرعت ثيمات غنوصية وهرمسية على الجذع الأفلاطوني – تحديدا الأفلاطونية الجديدة.3 وبذا فإن ما كتبه في القول في النفس، والذي مفاده منح خلاصة لآراء “أرسطو، أفلاطون، وفلاسفة آخرين،” عن الموضوع، شدد على الطبيعة الخالدة للنفس؛ إذ تنشأ كمادة ثلاثية موحدة خلقها الله، والتي تعود عبر مراحل سماوية متعددة لتكون بالقرب من الخالق، لكونها عاشت حياة يحكمها فيها ملكتها العقلانية. في الواقع، الإنسان الفاضل الذي يتجنب رغباته الجسدية ويسعى للحكمة والعدل والخير والحق (الذين ينسابون من المعرفة)، يشبه الخالق.5 هذا الشبه يتناسب في موضع آخر مع أفعال الله، وليس جوهره.6 ويظهر أرسطو على أنه على اتفاق مع هذا الفصل الجوهري بين الجسد والنفس، وقدرة النفس على معرفة أشياء لا يملكها التحقيق التجريبي.

ينزع الكندي إلى الفلسفة التقليدية أكثر في أعظم ابداعاته، في الفلسفة الأولى، حين يوضح آليات الإدراك على أنها تمضي من الغرض المحسوس (عبر أعضاء الحواس) إلى الحس الكلي والخيال والذكر.7 ويذكر في موضع آخر دور الخيال في كل من تجريد وتقديم الصور بعيدا عن مادتها (Ivry, 135). يتعامل العقل مع الكليات، كما ذُكر في الفلسفة الأولى، بينما تتعامل الحواس (من المحتمل كذلك الخيال والذكر) مع الجزئيات، الأغراض المادية.

إن المصادر المتفرقة الظاهرة عند الكندي تتجلى ثانية في أطروحته القصيرة في العقل.8 شرح المعلقون الهيلينيون منذ زمن كتاب أرسطو عن النفس، وبينوا مراحل الإدراك التي تركها المعلم ضبابية جدا لأن يقبلوها. في حالة الكندي، بدا أن يوحنا النحوي قد وفر للكندي نموذجا من أجل مخططه عن أنواع العقل الأربعة (Jolivet, pp. 50–73; Endress, 197). العقل الأول الذي يفعل أبدا، مبدأ منفصل من العقلانية الذي يحتوي على الأجناس والأنواع، أي الكليات لعالمنا. هذا العقل الأول، مثل ذاك ليوحنا النحوي،9 يمنح عقولنا المستقبلية (العقل الثاني)، الأفكار المجردة القابلة على استقبالها؛ والتي تغدو جزءا من عقل (ثالث) مستحدث ولكنه غير فاعل. إلا أنه حين ينشط، يبزغ العقل الرابع كذلك تماما، عقل فاعل، حيث تتحد الذات فيه مع الغرض. وبذا، العقل الأول والرابع يتشابهان ظاهريا، غير أنهما يختلفان كميا.

لا يتحد العقل الأول مع الرابع، فمع أن الكندي سيجعل النفس المثالية تصعد إلى خالقها، إلا أنه بالمثل متحفظ فيما يخص العلاقة بين الخيال والعقل؛ على الصيغ المتخيلة، التي تُعرف بأنها مستخرجة جزئيا من المادة، أن توفر المادة الخام للعقل، لكن ليس من الواضح كليا بأن تلك الصيغ تقوم بذلك. يمكن لاستنقاص الحس الأفلاطوني أن يكون قد أثر على الكندي هنا، تاركا علم النفس لديه ثنائيا في محصلة الأمر.

أما الرازي، المعروف للغرب اللاتيني بـ (رازيس) ولذا يُشار إليه عادة رازي، فكان بالمثل منجذبا لمنظور مستلهم أفلاطونيا عن النفس، ملونا بالمعاني الصوفية عن الخلق والخلاص. فبينما اتفق مع معنى أفلاطون عن النفس الثلاثية التقسيم، إلا أنه غالبا ما تكلم عن ثلاثة أنفس، تلك العقلانية أو الإلهية المطوِّعة للمشاعر العليا للنفس الحيوانية لتتحكم بالشهوات الأساسية للنفس النباتية.10 ومتبعا التقليد الهليني، يحدد موقع النفس النباتية في الكبد، والنفس الحيوانية في القب والنفس العقلانية في الدماغ. فيما العضوين الجسديين للنفسين الخاضعتين يكفيان لمعنى نشاطيهما، فإن الدماغ – مقعد الإحساس والحركة الإرادية والخيال والفكر والذكر – يُعد مجرد أداة للنفس العقلانية، غير جسدية والخالدة.

يمضي الرازي في مقدمة رسالة طبية إلى تفصيل وظيفي أعمق يتعلق بمسئوليات الأعضاء النفسية المتعددة. إذ يتم التعرف على الملكات الخاصة المطلوبة للدماغ كي يمارس سيادة نفسه بالوهم (مصطلح سيتبناه ابن سينا ويتوسع به)؛ الفكر؛ والحفظ.

بينما بنى الرازي علم النفس الخاص به باستعارات مختارة من أفلاطون وجالينوس وأسطو، إلا أنه ذكر بأنه مضى بعيدا في الميتافيزيقيا. إذ أعتقد بوجود خمس مبادئ عمومية سرمدية، أحدها كانت نفس العالم التي احتاجت لتدخل إلهي لتحريرها من أمر العالم المغوي والمدنس.11 كان ذلك مشابها للرسالة التي قدمها في الطب الروحاني، بأن على النفس العقلانية الخالدة للفرد أن تجاهد لتحرير نفسها من الورطات الجسدية، مخافة أن تتلبس آخر، ليس بالضرورة جسدا بشريا.

قادت ميتافيزيقيا الرازي المبنية على الأسطورة والمقرونة بإيمانه في تناسخ الأرواح وعدم اكتراث جريء للعقيدة الإسلامية المعروفة إلى تهميشه ضمن المؤمنين والفلاسفة بالمثل. ومع هذا، خط الرازي والكندي كذلك مكونات الإدراك التي سيطورها الفلاسفة لاحقا.

 

   2. الفارابي

يدين هذا التطور بقدر كبير إلى عمل أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان الفارابي (870- 950). تبنى الكاتب الخصيب، الفارابي (Farabi) كما يُشار إليه غالبا بالإنجليزية، وعلّق على الكثير من مجموعة أرسطو المنطيقة، بينما رجع إلى أفلاطون من أجل فلسفته السياسية. أما ميتافيزيقياته وعلم النفس الخاص به فقد كانا مزيجا من كلا التقليدين، مؤسسا أرسطية معدلة أو أفلاطونية جديدة تبنتها لاحقا أجيال وتأقلمت معها.

إن معرفة الفارابي بأرسطو جلية في خلاصة ما خطه في كتاباته التي قدمها في فلسفة أرسطو. فالنفس معرفة على أنها ” التي يُعقل بها الجوهر الحي – أعني الذي يقر بالحياة – على أنه جوهر،”12 تخدم الوظيفة الثلاثية بكونها سببا رسميا وكفء ونهائي. والوجود عند البشر، العقل الذي يتخذ دثار الجوهر (مهدي 125) “مبدأ يحدد كنه الإنسان،” عنصر وسببا نهائيا (مهدي 122). يملك العقل النظري تحديدا هذا الوضع، والعقل العملي خاضع له. يكمن الكمال النهائي للشخص في تحقيق هذا العقل النظري، في أن يكون جوهره مطابقا لفعله.

يقع العقل العمومي الفعال (بالرغم من أن الفارابي لا يسميه كذلك) متجاوزا العقل النظري. ويعقل هذا على أنه المبدأ الرسمي للنفس، مولدة في العقل المستقبلي كل من المسلمات الفكرية والقدرة على استقبال كل المعاني الذكية. كما أنها تسهل عمليات الفرد العقلية، كونها مثال للكائن المثالي، تجره إلى نفسه عبر فعل العقلنة. كلما انغمس العقل الفردي الفعال في النشاط النظري، كلما عظم تراكم المعرفة العلمية؛ تجلبه كل خطوة أقرب إلى تلك الكلية للمعرفة والوجود الجوهري في العقل الفعال.

العقل الفردي للفارابي، حتى وإن غدى مثاليا، لا يمكنه سوى أن يقترب من الانضمام لمادة العقل الفعال. يقتنص ذلك ثيمة مسموعة في ميتافيزيقيات أرسطو، حيث عقول العوالم السماوية، راغبة أن تكون كتلك للمحرك الرئيسي، تتقمصه قدر الإمكان. فللفارابي، توجد السعادة المطلقة للشخص في مقاربة المثالي.

يشرح الفارابي هذا ومسائل أخرى تختص بالنفس في قطعته الأثيرة الواسعة المدى، ” آراء أهل المدينة الفاضلة.”13 يسرد الملكات المتعددة للنفس، متبعا نموذج أرسطو عن النفس، مركزا على وجود ميل أو نزعة مصاحبين لبعضهما.14 وبهذا، تحب الحواس أو تكر ما تتلقاه على التو، بناء على ما هو جذاب أو منفر لهم. يترافق هذا التفاعل المؤثر مع القوة التخيلية ومع العقل العملي كذلك، الذي يختار مسار فعله وفقا لذلك.

فللفارابي، قوة الإرادة هي المسئولة عن تلك الرغبات والمنفرات التي تحصل في الإحساس والخيال، محفزة في النهاية السلوك الاجتماعي والسلبي للفرد (Walzer, 171–173). يفرق الفارابي بين ما هو مؤكد على أنه ردة فعل تلقائية للحيوانات تجاه التأثيرات الناشئة في أحاسيسهم وخيالهم، وبين ردة الفعل الواعية والمدركة للبشر، مستعينة بقوة العقلانية. تُعزا ردة الفعل السابقة إلى “الإرادة” اللاحقة للـ “اختيار”. (Walzer, 205).

العقل الذي يعتبر غير مادي بالكامل، لا يملك عضوا جسديا لاحتوائه، على العكس من الملكات الأخرى للروح. ومثل ألكسندر الأفروديسي، يعرف الفارابي القلب على أنه “العضو الحاكم” للجسد.15 وفر القلب بمساعدة الدماغ والكبد والطحال والأعضاء الأخرى الحرارة الغريزية المطلوبة من قبل القوة الغاذية، أي الحواس والخيال (Walzer, 175–187).

يكون الفارابي بأن من المفترض أن هذه الحرارة الغريزية مسئولة كذلك عن الفروقات بين الجنسين. كلما زادت الحرارة (والقوة كذلك) في أعضاء وأطراف الرجال كلما جعلتهم عموما أكثر غضبا وأعنف قوة من النساء اللواتي في المقابل يتفوقن في الخصال “الأضعف” من الرأفة والرحمة.16 إلا أن كلا الجنسين متساويين مع هذا فيما يخص الإحساس والخيال والفكر.

يبدو من هذا بأن الفارابي لم يكن لديه مشكلة في رؤية أن كلا الجنسين متساويين في ملكاتهما الإدراكية وقدراتهما. يبدو بأن هذا جزء من الإرث الأفلاطوني وهو منظور يتشارك به ابن الرشد في إعادة صياغته للجمهورية (Walzer, 401, note 421). وبذا نظريا، يتبر الفارابي النساء قادرات على أن يصبحن فيلسوفات (وكذلك نبيات)، قادرات على الحصول على السعادة والكمال الذي يجلبه هذا.

ومع احتمالية ذلك، وضرورته حتى نظريا، إلا أن الفارابي لا يتوسع في هذا المنظور، مراعاة بلا شك للقناعات الإسلامية. هو أكثر وضوحا فيما يخص عملية العقلنة، وهو موضوع يغطيه هنا بتفصيل بالغ في رسالة منفصلة، في العقل.

في المدينة الفاضلة، يصف الفارابي مسبقا العقل الهيولاني أو “المادي”، كما أسماه ألكسندر، على أنه “رسوم المعقولات” (Walzer, 199). تنشأ تلك الرسوم على شكل هيئات حسية تُنقل للخيال وتحور به قبل أن تُقدم للعقل. يعتبر العقل الهيولاني غير قادر على الاستجابة لتلك البنيات الخيالية بنفسه، إذ يحتاج إلى عامل يفعله، يحركه من الاحتمالية إلى الفعلية. هذا هو عقل أرسطو الناشط، الذي ينزعه ألكسندر الأفروديسي من نفس الفرد إلى كروية منفصلة عن الوجود. إذ يرتبط الآن بالكروي السماوي العاشر (Walzer, 203)، كونه مادة منفصلة تعمل كمصدر مطلق للهيئات في نبوءة (Walzer, 221) وكقوة في كل الناس الذين يفعلون العقول الهيولانية والمعقولات الهيولانية كذلك. يقارن الفارابي قوتها بضوء الشمس الذي يسهل الرؤية عبر إضاءة كل من الذات وموضوع الإبصار (Walzer, 201).

وبمساعدة هذا العقل الفعال، يقدر العقل الهيولاني على تلقي كل الهيئات المعقولة، ابتداء من ” المعقولات الأولى التي هي مشتركة لجميع الناس” في مجالات المنطق والأخلاق والعلم (Walzer, 205). تمثل المعقولات الأولى استكمال الإنسان الأول، بينما الاستكمال الأخير تملكه ما يمكن اكتسابه من المعاني المعقولية قدر المستطاع. يخلق هذا السعادة التي يسعى البشر لنيلها، إذ تجلبهم أقرب إلى الحالة السماوية للعقل الفعال، كونها ارتبطت به قدر المستطاع.

يرسم الفارابي القوة المتخيلة 17 على أنها تملك قدرة المحاكاة، “تحاكي” الهيئات المحسوسة المدركة سابقا ولكن الغائبة حتى يستذكرها العقل. تمتد قدرة المحاكاة على كل القوى الأخرى للنفس، بما فيها المعقولات والقوة العقلانية. يتبني الفارابي هذا في الأساس من فكرة أرسطية18، في تنبؤ ولدرجة أقل من الألوهية، التأكيد بأن يمكن لخيال الفرد أن يستقبل الأفكار المعقولة مباشرة من العقل الفعال وتحويلها إلى تمثيلات متخيلة. يؤمن الفارابي بأن العقل الفعال يطلق المعقولات المخصوصة والعامة كذلك على فرد معين، معبرا عن أحداث حاضرة ومستقبلية كذلك، وتحديد المعرفة بالحقيقة السرمدية عند النبي “أشياء إلهية” (Walzer, 221–23).

يؤقلم الفارابي التنبؤ عبر جعل الهيئات المنطلقة والمستقبلة في الخيال تمر على الحواس ومنها إلى الهواء. هناك تتخذ هيئة حسية بيد أنها غير مادية ومن ثَم تنطلق في رحلة عودة تقليدية إلى الحواس الداخلية (Walzer, 223)

يمكن إيجاد أكثر دراسات الفارابي تفصيلا في الرسالة المعنونة بجدارة “رسالة في العقل“.19 يبدأ بإظهار النصوص المتنوعة التي وُظفت بها هيئات “العقل” و “العقلنة”. إذ يشير بأن أرسطو يستخدم المصطلح في الأطروحات المنطقية والأخلاقية والنفسية والميتافيزيقية. وفي كل مجال، العقل هو المسئول عن استيعاب المبادئ الأولى أو وعود الشخص، ولتمكين الشخص من لاستكمال معرفته أو معرفتها به. وللفارابي، فإن تلك العبارة الحميدة يجب أن تستخدم للتوصية بمنهجيات أرسطو الإبستيمية على التحليل منزوع الطبيعة ومحدود المنطق للمتكلمين. بيد، وكما ينبثق في الرسالة، هذه المبادئ الأولى التي تبدو غريزية، متولدة هناك من قبل العقل الفعال (Bouyges, 29; Hyman, 219). وذاك العقل العمومي، بكل خاصيته الأنطولوجية، هو آخر العقول الأربعة التي يناقشها الفارابي رسميا في الرسالة. هو عقل منفصل، غير مادي بالكامل وخارجي عن العقل الإنساني. وعبر مراجعة تخطيط الكندي وإظهار تأثير فهم ألكسندر الأفروديسي لأرسطو، يطرح الفارابي عملية إدراكية حيث ينقل فيها عقل الإنسان من حالة الهيولانية إلى الفاعلية، مكتسبا في العملية جمعا قليلا من المعقولات التي يمكنه الوصول إليها حين يريد.

وبتجاهل دور الإحساس والتخيل قبل نشاط القوة العقلانية هنا، يصف الفارابي العقل الهيولاني على أنه معد وميل لاستخلاص الماهيات وهيئات الأشياء من جوهرها.20 بيد أن الجاهزية الديناميكية للعقل الهيولاني للفعل هي بسبب العقل الفعال. العالم الغير قمري بهيئات تحتوي كل الأنواع، معتبرة إياهم معقولات هيولانية، وتغذي عقلنا الهيولاني لكي يعقلهم (Bouyges, 24, 29; Hyman, 218, 219).

يحول استقبال المعقول العقل الهيولاني من كونه مجرد ميل للتفكير إلى تفكير فعال بالمعقول؛ عملية حيث يغدو “العقل بالفعل” معقوله (Bouyges, 15; Hyman, 216). يظل العقل الهيولاني نفسه غير متأثر بهذا التحول مع هذا؛ ويبقى هيولانيا خالصا، قادرا على استقبال أفكار معقولة بموضوعية. وكلما زاد عدد المعقولات التي يضعها العقل بالفعل في “العقل المستفاد”، كلما فكر العقل بنفسه في تفكيره بهم. وبفعل هذا، يحاكي العقل المستفاد العقل الفعال، والذي يتزايد في الشبه.

وبترديد صدى الهرمية الأفلاطونية الجديدة للوجود، يصف الفارابي الترتيب العقلي لعالمنا تحت العقلي كالتالي، العقل الفعال في الأعلى والجوهر الأساسي في الأسفل. عقلنة المواد المنفصلة واللا مادية للسموات، خصوصا عقلنة العقل الفعال هو أعلى إدراك مُراد، غير أن الفارابي لا يعتقد بإمكانيته. ولا حتى اكتساب معرفة كلية أو مقاربة للكلية لكل شيء في عالمنا سيوفي الفارابي؛ إذ أن تشكيل معقولاتنا يختلف عن ترتيبها في العقل الفعال، وهناك اختلاف نوعي بين حضورها فيه وما هو معلوم لنا؛ علينا أن نرضى بمحاكات وأشباه المعقولات الخالصة (Bouyges, 29; Hyman, 219).

ومع هذا، فإن تشكيل كم وافٍ من المعرفة، أو بمصطلحات الفارابي، تشكيل مادة تحاكي في عدم ماديتها العقل الفعال. يمثل هذا “السعادة القصوى” وحتى “الحياة الآخرة” وما شابه (Bouyges, 31; Hyman, 220).

يحمل الفارابي وجهات نظر متباينة عن الخلود، متعرفا إليها عبر العقل الكلي بالنفس كاملة الآن، بالرغم من أن تبريره بوضع نفس خالدة للفرد أو عقل خالد يعد ضعيفا (Davidson 1992, 56–57). وبمعالجة أكثر تفصيل للنبوءة، لعل الفارابي أفرد بحذر الاعتقاد الديني في بالحياة الآخرة، وهو معتقد مُتمَسك به بشدة – وبشكل مختلف جدا – في مجتمعه.

 

   3. ابن سينا

طرح ابن سينا (أبو علي الحسين بن عبد الله ابن سينا المتوفي سنة1307)، الفيلسوف المتعدد المواهب والمنتِج الاستثنائي الذي كان لعمله الأثر الأعظم ضمن المفكرين الإسلاميين، فكرة لا لبس فيها عن نفس مستقلة وواعية بذاتها ومهمة وخالدة، وشدد على خلودها. كان باستطاعة ابن سينا فعل ذلك متبعا أفلاطون بدلا من أرسطو في طرح فصل جوهري بين الجسد والنفس. يستهل ابن سينا فصله عن النفس في عمله الموسوعي الشفاء مؤكدا على هذا الوجود المنفصل.21 وعقبها في كل من الشفاء نفسه وموجزه النجاة،22 يعرض ابن سينا حججا كي يدعم زعمه.

آرائه أن الجسدي، الجسد الفاني بكل أجزائه، بما فيها العناصر المشكلة، هو بلا شك مختلف عن النفس الخالصة الخالدة، مثلما الأخيرة لا يمكنها أن تكون هيئة جوهرية من السابق. بل النفس في علاقة عرضية مع جسد معين، متناسبة مع جيل هذا الجسد وحاجاته من أجل تنظيم مركزي ومبدأ مستمر. تدار النفس نفسها من قبل معقولات منفصلة في السماوات ومنبعثة منها على الجسد وتمتلك نزعة طبيعية للجسد الذي أضحى موجودا.23

تُفردن النفس عبر طبيعة مخصوصة لجسدها الموكلة إليه، والتي تسعى لجلبه إلى كمال أخلاقي وفكري. ولكونها غير مادية أساسا، لا تفنى النفس مع الجسد، بل حتى تعود لفردانيتها، أي الصور والأفكار العقلانية التي كدستها خلال إقامتها المؤقتة على الأرض.24 يعزو ابن سينا الوعي الذاتي إلى النفس، أن لها إدراك ذاتي ولا تُعرّف بأحادية مع قوة العقل (Rahman 1952, 66). تختبر النفس الخالدة، اعتمادا على كمية المعرفة التي جمعتها بشكل رئيسي وعلى الحياة التي عاشها الشخص بفضائلها ورذائلها، سعادة أو شقاء سرمدي.25

وبهذا المنحنى، فلسفيا ودينيا، يتجاوز ابن سينا أسلافه الأرسطيين والمسلمين. يفعل ذلك عبر جمع مواضيع أرسطية وأفلاطونية جديدة في أبستمولوجيته.26

إن الانحراف عن أنطولوجية أرسطو الهيولانية جلي في التجربة الفكرية الشهيرة التي صاغها ابن سينا، تصور رجل معلق في الهواء بمعزل تام عن أي تجربة جسدية أو حسية.27 الغاية من هذه التجربة هو إظهار قدرة الإنسان على الاستدلال على وجود النفس عقلانيا، دون عون من قوى الحسبة أو التخيلية أو المادية للنفس. إذ يثبت هذا لابن سينا بأن النفس مادة مستقلة عقلانيا، قبل الانخراط في العالم وكذلك بعد أن تفنى الأعضاء المشاركة التي تخدم الروح.

يتبع توصيف ابن سينا للقوى الخمس الخارجية للروح تلك لكتاب أرسطو النفس، تستقبل الحواس الانطباعات من الأغراض الحسية الموكلة عبر الإرسال الداخلي. إلا أن ابن سينا في نقاشه عن الحواس الداخلية يعدل من التقليد الأرسطي الذي تلقاه. إذ كلما فكر في الأمر، كلما حاد عن أرسطو في اتجاه أفلاطوني.

حدد ابن سينا الحواس الداخلية في ثلاث حجرات في الدماغ، واضعا اثنين في كل حجرة بقوى إدراكية وحفظية تباعا.28 يشكل المنطق و(جانب واحد من) القوة التخيلية الزوج الأول الواقع في الحجرة الأمامية من الدماغ. ينسق المنطق الانطباعات التي تتلقاها حواس الفرد من إنتاج صورة موحدة للغرض الحسي. يشمل هذا، كما قال أرسطو، الانطباعات المرتبطة عرضيا بالغرض،29 ظاهرة تربط ذكر الانطباعات بالإحساس الحاضر. يشير هذا إلى قدرة معينة في جعل الأحكام حاضرة مسبقا في المنطق.

تنقل الصيغ الحسية التي يتلقاها المنطق ويوحدها بعد ذلك إلى القوة الخيالية، كما قال أرسطو؛ عدا أن ابن سينا يقسم هذه القوة، مسميا الظهور الأول قوة مصورة أو خيال. إنها تحفظ هذه الصيغ كاملة، وبذا تسمى بالإنجليزية تبعا للعربية، الخيال “الحفظي” كما “التشكيلي” أو “التصوري”.30

 الحجرة الوسطى هي موقع الزوج الثاني للحواس الداخلية، كما أدركهما ابن سينا أول مرة. واللذين يشكلان قوة غير مسبوقة من “الوهم”؛ وقوة ثانية متلونة النوع. تعمل خياليا (في الحيوانات والبشر) وعقلانيا (في البشر وحدهم) على السواء. وكجانب آخر من القوة الخيالية، يسميها ابن سينا ببساطة المتخيلة، ولكنها تُعرف بسبب وظيفتها على أنها “التخيل التركيبي.” إلا أنه حين تتعامل هذه القوة مع مفاهيم محددة ومادية البناء، فإن ابن سينا يسميها القوة المفكرة.

يطرح ابن سينا وجود قوة وهمية من أجل شرح القدرة الفطرية في كل الحيوانات (بما فيها البشر) للإحساس بمعنى غير حسي داخلي لغرض مدرك من قبل الذات. المعاني بذلك خواص خارج الحس يعرضها الغرض على حيوان أو إنسان في لحظة الإدراك. تؤثر هذه المعاني على المتلقي بقوة كالمشاعر السلبية التي يحسها الخروف حين يعقل الذئب أو المشاعر الإيجابية المحسوسة في إدراك صديق أو طفل.31

لا يجد ابن سينا الوهم بالحيوانات كما أعتقد ابن رشد لاحقا،32 ولكن أدركه بشكل أعرض، مؤثرا على الذوات المنطقية والمادية على السواء. اعتقد أن الوهم يقبض على نواة ما يميز كل غرض مادي طفيف، المعنى الذي يفرق بينه وبين كل غرض آخر.

بالإضافة إلى قوة الوهم، تعرف ابن سينا، مع أرسطو، على قوة الحدس القريبة لها في كونها فطرية وتلقائية والتي هي خطوة رئيسية في الحصول على معرفة معينة. تلك هي القدرة التي على الشخص التفطن فجأة للمصطلح المتوسط للقياس المنطقي المظنون، الطرح الذي يرسي حجة معينة.33 يتعرف ابن سينا على وجود أفراد مذهلين أحيانا والذين حسهم المعنوي قوي فطريا للغاية بحيث يمكنهم الاستغناء عن كثير من الخبرة السابقة سواء التجريبية أو العقلانية. وفي حالات مفرطة ونادرة، هناك أفراد، كالأنبياء، بمعنى فطن، ذكاء، يمكنهم من معرفة موضوع مسألة علمية معينة في التو. وبالرغم من أنها ليست جزءا من الأبستمولوجيا المعرفية، إلا أن ابن سينا يحاول أن يوائم هذه الظاهرية علميا، بالنظر إليها ليس على أنها قوة فطرية لحاسة داخلية وإنما تعبير، مهما كان نادرا، لقوى لاغية للعقل الفاعل.

يعتقد ابن سينا بأن المعاني التي تحصل عليها قوة الوهم تستقبل في الحجرة الثالثة والخلفية من الدماغ في الذكر، الحافظة. تتشارك الحافظة الحجرة الثالثة مع قوة الذكر التي تحتفظ بالمعاني الوهمية الجاهزة للاستذكار.

وبذا يتشكل التذكر لابن سينا في التجميع من قبل القوة التخيلية/ الفكرية للمعاني الوهمية على صعيد، والصيغ الحسية المناسبة المحفوظة في التخيل التشكيلي على الصعيد الآخر. ولهذا السبب، يشار إلى الجانب “الثاني” من القوة التخيلية “التخيل التجميعي؛” إذ يتعامل هو والقوة العقلية مع صيغ ومفاهيم حسية معينة على التوالي، مقدما إياهم كما هم بالضبط وبالكامل. يفعلان ذلك من خلال جمع الانطباعات التي يتلقاها المنطق والقياس، وفصل ما هو غير ذي علاقة بالموضوع.

تتعلق القوة الفكرية بشكل رئيسي على المسائل العملية المتجذرة في الكائن المادي، مشكلة أحكاما بناء على بيانات تجريبية بمساعدة القوى الفطرية للطرح والفطنة المنطقية. فيما يمكن أن يكون إيماءة بالموافقة على التراث، يعتبر ابن سينا الأخبار التي تمنح لها النفس قبولا على اعتبار شدة التواتر كمصدر موثوق قدما لتشكيل الأحكام العملية.34

وفقا لابن سينا، طورت الحيوانات هذه القوة التخيلية فقط. إذ تسمح لهم لأن يعرضوا لأنفسهم ذلك الذي يذكرونه، كما يمكنهم من القدرة، مثل البشر، على الحلم. بينما القوة الفكرية للبشر على الصعيد الآخر، تسمح لهم بأن يتجاوزا التذكر الحدسي، وتقدم لهم عنصرا من التداول العقلاني المحصور بشكل رئيس على الأفعال والأغراض الفردية والدقيقة الخالصة.35

يعتبر ابن سينا القياس متعلقا بالقوة الفكرية في إعادة بناء مفهوم محدد ومادي الأساس. ويمكنه التأثير على تلك القوة، وحين يكون مفرطا، سيغدو مسئولا عن الخيالات والأوهام في أحلامنا وأفكارنا (Black 2000, 227–28). وبالمثل يمكن للقوة القياسية أن تمد نفسها إلى المسائل المنطقية عبر استخدام القياسات المنطقية التي ساعدت في خلقها لتمرير أحكام على الكائنات غير المادية، بذا مؤدية لأحكام مغلوطة في الميتافيزيقيا.36

وكما شُرح، تعمل العديد من الحواس الداخلية، خصوصا النشاطات الممتدة للقوة القياسية والفكرية، بطرق تتخطى مخزون القوة العقلانية وتهدد بالتفريط بموضوعيتها وفصل الطبيعة غير المادية ضارة بالنفس في رحلتها للنعيم الخالد. وكعاقبة، باعد ابن سينا في كتاباته اللاحقة الحدس عن أي قاعدة مادية ضمن القياس والدماغ، واضعا إياه بلا هيئة في النفس كفيض إلهي؛ وحصر القوة الداخلية للتأمل في التفكير بمفاهيم مفاهيمية معينة فقط.37

تردد صدى هذه المحاولة لفصل القوة العقلانية عن الحواس الداخلية في معالجة ابن سينا لمراحل تطور العقل. إذ ينظر لكامل عملية الإدراك حيث كانت الحواس الداخلية مشغولة كحالة ضرورية (لمعظم الناس) غير أنها غير كافية لامتلاك المعرفة الحقة. تُرى جهود الحواس الداخلية في بعض من كتاباته الكبرى على أنها تملك تأثيرا تمهيديا على النفس، معدة إياها لاستقبال المعاني المعقولة العمومية التي هي هدف النفس المطلق واهتمامها الوحيد في النهاية. هذه الأفكار المعقولة ليست مستخلصة من الخيال، كما أراد أرسطو، لكنها تأتي من عامل عقلي كوني، محولا الاحتمال الخالص والعقل السلبي إلى عقل مستفاد.38 هذه حالة فاعلة من الإدراك، حيث العقل مرتبط بفاعلية مع الغرض المعقلن. في النهاية هذا الارتباط هو مع العقل الفاعل، مصدر كل الصيغ على الأرض.

يطرح ابن سينا أيضا، كما فعل أرسطو بالأصل، وجود مرحلة متوسطة من الاحتمالية، مسميا إياها “العقل بالملكة”. في هذه المرحلة، لا تستخدم المعقولات التي اكتسبها العقل، وبالتالي هم احتمال.39 إلا أن التعامل مع المعقولات المكتسبة الفاعلة كاحتمال يبدو متناقضا لابن سينا، لذا يعود بهم إلى العقل الفاعل، حيث يوضعون وينتظرون الاستذكار من قبل العقل بالملكة. وبذا لا يخزن هذا العقل المعقولات المكتسبة لكنه مجرد خادم لتسهيل استردادهم من العقل الفاعل.40

إذا العقل الفاعل هو مصدر صيغ المعقولات على الأرض ومصدر أن وجودنا قادر على ادراكها. يعمل تقريبا كما الشمس، مضيئا على الذات والموضوع المعقول، وموجود في كل مرحلة من تطور عقل المرء الفردي (Davidson 1992, 86, 87, 92).

بينما يتطلب غالب الناس تدريبا أوليا على الحواس لإعداد نفسهم للإدراك العقلاني، الذي يهبه العقل الفاعل تلقائيا،41 يمكن لبعض الأفراد بحدس إعجازي كما رأينا أن يقبضوا على المفاهيم العقلانية والأطروحات فورا. يسم ابن سينا عقول أفراد منعم عليها حدسيا “العقل القدسي”، ويسمي العقل الفاعل “روح القدس.”42 يملك الأنبياء هذه الحاسة إلى درجة مفرطة، متلقين انبعاثات من كل أو تقريبا كل الصيغ المعقولة لروح القدس. يقول ابن سينا ولا يبعد أن القوى التخيلية لأشخاص كهؤلاء قادرة على تصوير الصيغ العمومية المعقولة المنبعثة في هيئات حسية مخصوصة.43

وبذا فإن النبوة لابن سينا كحدث طبيعي، إذا ما كان استثنائي، يوارب على مسألة العناية الإلهية الشخصية. ومهما كان الرب السبب النهائي للعقلنة، فإنه غير منخرط مباشرة في العملية كاملة، كون روح القدس وسيطه للإنسان. وهنا كما دائما، نرى محاولة ابن سينا توفيق فلسفته مع المفاهيم الدينية التقليدية.

قدم ابن سينا الرابطة الطبيعية بين الخيال والعقلنة، من أجل الحفاظ على الطبيعة غير المادية والخالدة للنفس. هي معتمدة على العقل الفاعل تماما، مع جوهرية النفس المستقلة فاصلة إياها من كونها ممتصة فيها.

 

   4. ابن رشد

يشق ابن رشد (أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد 1226-98) دربا أقرب إلى التقليد الأرطوطاليسي عن أسلافه، وعُرف في أوروبا عبر شروحاته لأرسطو. علق عن النفس ثلاث مرات وكتب ملخصا عن ما بعد الطبيعة. وشروحاته القصيرة في النفس بشكل أصح تلخيصا، كونها خلاصة عمل أرسطو عوضا عن شروحات محددة وأدبية أكثر كما في شروحاته المتوسطة والطويلة والضخمة.44 في الشروحات القصيرة، يُعد ابن رشد المسرح لوصف أرسطو للنفس عبر منح ملخص مغلف بتعاليمه الرئيسية في الفيزياء والقياس وعلم الوظائف. تعتني تلك بشكل رئيسي بالتركيب الهيلومورفي لكل الأجسام؛ طبيعة العناصر الأربعة؛ والدور المولد في الكائن التي تسببها الأجسام السماوية وبالحرارة الفطرية أو النفس في الجسم.45 وبذا يشير ابن رشد بأن النفس نتاج أسباب طبيعية، قصية وقريبة، دنيوية وسماوية على السواء. يكمن ضمن الأخير العقل القدسي الذي علاقته مع الأجسام عرضية مثل العقول السماوية الأخرى، بما أنه أساسا “منفصل” عنهم بكونه غير مادي.

يشدد ابن رشد على الهيكل التراتبي للنفس، بدئا بالقوة الغاذية التي تخدم كركيزة للقوى الحسية، مادتهم “مرنبة” لاستقبال الإدراكات الحسية. هذه التراتبية هي أول كمال أو واقعية القوة الحسية، مانحة تلك القوة الاحتمالية حالة وجود واقعية وإن لم تكن مدركة. وبذا القوى الأعلى حاضرة، ولو احتمالا، في الأسفل منها.

كل قوة بالمثل محافظ عليها بمادة واحدة، أو بقوة أقل “روحانية” منها: تخدم الحواس كركيزة للمنطق الذي هو ركيزة للخيال وتلك القوة ركيزة للقوة العقلانية.46 وبهذا يتبع التخيل الحواس في توفير العقل بصور تملك أبعادا معقولة، أو “معاني”، المصطلح الذي يستخدمه ابن رشد بتوسع من الآن فصاعدا. تلك المعاني حاضرة في الصيغة المقدمة للحواس، ولكن يجب أن تنتظر عقلا ليقدرها، كونها قُدمت أولا على أنها معاني حسية ثم خيالية إلى الحواس والتخيل تباعا. وبذا يوظف ابن رشد “المعاني” ليس لنقل هيئة الغرض المدرك كما هو، ولكن كما حُس أو تُخيل أو تُذكر أو عُقل من خلال القوى المستقبلة للنفس.

تقع مساهمة ابن رشد في فلسفة العقل بالأساس في محاولته تعريف وإعادة تعريف نشاطات الحواس الداخلية، ولتحديد طبيعة العقل الهيولاني أو المادي. إذ يناقش دور الحواس الداخلية بشكل أساسي في شروحات النفس كما في ملخصاته عن الحواس والذاكرة. يبني عمله على أرسطو والكتابات النفسية لسلفه الأندلسي ابن باجة (توفي 1138)، والمعروف بالغرب باسم أفينبيس.47 كما يدخل في عمل ابن رشد كذلك رده وامتعاضه من ابن سينا، رافضا من ضمن أشياء أخرى، تصعيده للوهم إلى درجة حس داخلي إضافي. إذ لابن رشد، يمكن للتخيل والذاكرة القيام بعمل قوة الوهم لابن سينا.

بدأ أرسطو أطروحته عن الذاكرة بالتفريق بين أفعال الذكر والاستذكار. إذ رأى أن الاثنين يتعلقان بالحواس الداخلية (المنطق والتخيل) والقوة العقلانية بالرغم من أنهما يفرقان عنها.48

ففي منظور أرسطو، يستبطن وينسخ التخيل غرضا قُدم بالأساس إلى الحواس ونُظم إلى إحساس مفرد عن طريق المنطق؛ وتستقبل القوة التذكارية “بعضا من ذلك الشيء كصورة”، “نوعا من الانطباع” لذلك المدرك (المنقول عبر التخيل).49 التذكار هو فعل مقصود يجمع الانطباع المحفوظ في الذاكرة مع المدرك كما تُخيل بالأصل.

 

وفي تفصيل نص أرسطو، يعتبر ابن رشد الذاكرة وكأنها مصنوعة من قبل عملية مستمرة من التجريد أو “الروحانية.” يُحس بالصيغة الخارجية للغرض بداية مع العديد من قشوره التي تقرأ بشكل مخصوص. ثم يتلقاها  المنطق والقوة التخيلية 50 (تبني مقصود) لهذه الصيغة بأسلوب غير مادي متصاعد، ليعقبها التعامل مع القوة المفرقة أي القوة الفكرية على أنها حس داخلي آخر.51 تخدم هذه القوة كجسر بين التخيل والعقل، متعاملة مع صور معينة في طريقها لتقصي أكثر جانب فارق من كل مدرك. إنها تأتي بعملية التنقية لذكر مغلق يتلقى معنى جُعل أساسي أو معنى لمدرك معين.52

يخزن الذكر هذه الصور غير المتذكرة والتي جُعلت أساسية ويغدو قادرا على أن يذكرهم عند الرغبة عبر فعل الإرادة. أما التذكر فيعيد جمعهم في القوة الفكرية مع صور كاملة تبرز السمات المادية للغرض المسعى إليه. وكما وصف، هناك توازي بين نشاط الذكر وذلك للعقل الكامن كما طوره ألكسندر الأفروديسي، إذ كلاهما يحتفظ بالمعاني الأولية التي تشكل تباعا محتويات مفهومة لمدرك معين معطى (دور الذكر) أو مفهوم عام (العقل الكامن).

في حين يحصر ابن رشد بشكل عام القوة الذكرية على المعاني لصيغة متخيلة معطاة، فإنه يقر بأنها مرتبطة بالعموميات. يكون هذا عبر القوة الفكرية، رابطة العمومي مع صورة معينة ما، مستذكرة بمساعدة المعنى المخزن في قوة الذكر: أي المعنى هي السمة الفارقة أو طبيعة الصورة.53 أي القول بأن المرء يذكر فكرة عامة عبر ذكر الصورة التي تتضمنه. ومثلما يقول أرسطو، “دون صورة، التفكير مستحيل.”54

وبذا يفهم أرسطو التذكر على أنه عملية من ثلاثة طيات: توظف القوة الفكرية المعاني لصيغة متخيلة محفوظة في الذكر، وتجمعهم مع الصورة الحسية الأصلية لتستنبط تذكرا كاملا للمدرك المراد.55 تشابه هذا المخطط مع ذلك الذي طوره ابن رشد صادم، بالرغم من أن مخطط ابن رشد أكثر شحا.

يتعرف ابن رشد مع ابن سينا على أن الحيوانات تملك حسا معنويا حادا وقادرة على التعرف عل الخصائص غير الحسية في طبيعة الآخرين فورا، وبالتالي تحسين نجاتهم. يعتبر ابن رشد بأن هذه وظيفة التخيل، يحرضها الذكر، ولا تمنحها حالة مستقلة لقوة الوهم، لعدم رغبته بمضاعفة قوى النفس أكثر مما فعل أرسطو.56

إلا أن ابن رشد يتبع جالينوس و “اجماع الرأي” بدلا من أرسطو في تحديد موقع الحواس الداخلية والذكر في أجزاء متعددة من العقل: المنطق والقوة التخيلية في الفص الأمامي والقوة الفكرية في الوسط والذكر في الخلف.57 قيل إن الذكر الجيد يعتمد على جفاف مقدمة وخلفية الدماغ، والذكر السيئ نتيجة الرطوبة التي تمنع الصور والأفكار من أن تحافظ على قوامها. إن أفضل قابلية، والتي تظهر في الشباب، هي من النوع الوسط، ممكنة كل من سرعة الفهم (الفائدة الإيجابية من الرطوبة) والذاكرة الطويلة.

وبينما تملك الحواس الداخلية، كما الحواس الخارجية بالطبع، مواقع متجسدة في أعضاء الجسم، فإن القوة العقلية تفتقر ذلك. هذا لا يمنع ابن رشد من إدراكها على أنها مبنية على نمط هيولاني تمتاز به فيزياء أرسطو. وكما عُبر عنه في تلخيص النفس، إن القوة الفكرية، المسماة هناك القوة الفاعلة، هي التي تحوي أولا معاني حسية وتخيلية وتمارس خيار وتشاور ضمن خطوط عقلانية استقرائية واستثنائية على السواء. تخدم القوة الفاعلة بعدها كمادة أو ركيزة لنظريتها النظرية، التي تجرد الفكرة العمومية أو الطرح من موضوع معين تم التوجه له سابقا.59

المعقولات النظرية الساعية للحقيقة العمومية هي ذروة كمال النفس التي يسميها ابن رشد السعي الإلهي المطلق،60 بالرغم من أنه يعتقد بأن أفرادا قلة نجحوا فيه نسبيا. المعرفة المطلقة المُسعى إليها هي تلك للعقل الفاعل نفسه. لم تصل البشرية ككل لهذا المستوى، لكنها ستفعل يوما ما، بما أن “الطبيعة ترفض” بالسماح لكل الاحتمالات الحقة (والمتناهية) من ألا تُعقل في النهاية (وتُمنح عمومية سرمدية).61

وفي حين لا يُعاد هذا التصريح في شروحاته الاثنتين الأخر في النفس، إلا أنه يظل اعتقاد ابن رشد في الكمال الفردي عبر معرفة العقل الفاعل راسخا. كل تأمل لمعقول هو فعل للتعرف على الذات والغرض، لا وجود لحاجز مادي بينهما.62 إلا أنه يعتقد بأن معرفة العقل الفاعل مع هذا تثبط كل شيء عداها، إذ محتواها شامل بشكل متفرد وبالكامل. توجد أنواع الصيغ على الأرض موحدة فيه بطريقة تقدمه كوجود معقول واحد.

امتلك ابن رشد منظور العقل الفاعل كصيغة للصيغ (الأرضية) طيلة حياته، بيد أن فهمه للعلاقة بين العقل والصيغ على الأرض خضع للتغيير. في حين كان يفكر بدئا بأن العقل الفاعل مادة منبعثة فعّلت صيغ على كل المواد تحت الشمس، إلا أنه اعتبره لاحقا بمصطلحات أرسطية كسبب كفء للعقلنة ببساطة، “مضيئا” أو مفعلا كلا من احتمالية الذات العاقلة والغرض المعقول.63 إلا أنه، كغرض مطلق في سعي الإنسانية للمعرفة، خدم العقل الفاعل كسبب نهائي للعقلنة، وباتحاده معه منح السعادة التي يمكن لنفس الإنسان امتلاكها.

أتت احتمالية العقلنة لابن رشد، كأسلافه، والممثلة من قبل العقل الهيولاني، إلى الواقعية عبر العقل الفاعل. يخلق هذا حفظا كامنا للأفكار، أي العقل بالملكة، والذي يصبح من خلال العملية العقل المستفاد. في هذه المرحلة الأخيرة من تطور العقل حيث يجرب الاتصال مع العقل الفاعل ويصبح الاتحاد للذات والغرض.64

كابد ابن رشد أكثر من أسلافه مع معنى العقل المحتمل أو “المادي”. ففي تلخيص النفس، يقدم موقفين، متبعا في الأول منظورا الكسندريا- باجهيا يرى العقل المادي كنزعة في الجسم أو القوة التخيلية؛ ومن ثَم، ولضمان موضوعيته غير المادية، كمادة خارج النفس أساسا. 65  هذا المنظور اللاحق، وبتأمل قبض عليه ثاميسطوس، هو المقدم في الشروحات الطويلة، التي يحول القارئ فيها لما هو توصية جلية للموقف الذي يحمله ابن رشد هناك.66

إلا أن لابن رشد موقف ثالث من طبيعة العقل المادي. وهو المنظور المقدم في الشروحات المتوسطة والتي كان من الممكن أن كتبها في الشروحات الطويلة، أو على الأرجح، عقب المسودة الأولى منها.67 امتلكت اللاتينية الغربية الشروحات الطويلة فقط مترجمة، وجهلت المنظور الفلسفي البديل للعقل المادي المقدم في الشروحات المتوسطة. بالرغم من أنها ذات أهمية فقط لليهود الفلاسفة المهتمين بابن الرشدية، الذين يقرأون الترجمة العبرية وافتقروا لترجمة عبرية للشروحات الطويلة، إلا أن موقف الشروحات المتوسطة تمتلك اتساقا يستحق الملاحظة.

فكما في تقديمه الأولي في الشروحات القصيرة، يعتبر ابن الرشد العقل المادي في الشروحات المتوسطة مرتبطا مباشرة بالقوة التخيلية، أو بالأحرى بالمعاني المعقولة التي تميل إليها تلك القوة المادية. إلا أنه يشدد الآن بأن هذه العلاقة مع القوة التخيلية “عرضية” بالنسبة لطبيعة العقل المادي، كون علاقته الأساسية مع العقل الفاعل. العقل المادي مؤقت، تجلي طفيف في البشر للعقل الفاعل السرمدي والفعلي دائما. إنه “أول كمالنا”، بينما يمثل العقل الفاعل كمالنا المطلق، أو “الصيغة النهائية” لنا.68

تصمم الشروحات المتوسطة العقل المادي عبر صهر أفكار ألكسندر الأفروديسي وثاميسطوس. مع اعتقاد ألكسندر بأن العقل المادي أو المحتمل هو ميل أو قدرة تملكها النفس لتمثيل الصيغ التخيلية كمعقولات مجردة؛69 بينما مع ثاميسطوس، يرى ابن رشد العقل المادي كمادة غير مادية منفصلة. إلا أنه عند ابن رشد في الشروحات المتوسطة مجرد ركيزة لهذه المادة المنفصلة، كون العقل الفاعل تعبيرها التام والفعلي دائما.

في الشروحات الطويلة، يحتفظ ابن رشد بالعقلين المادي والفاعل المنفصلين أي غير الماديين مع طبيعتهما البالغة، وعلاقتهما مع العقلنة من المحتملة إلى الواقعية. إلا أنه يعاملهما كمادتين منفصلتين، وليس جانبين من نفس العقلنة. وبذا يفترض أن العقل المادي، بمعاملته “ككائن رابع”، المبدأ الكوني للمادة بصفة الاحتمالية، وبمعية المبدأ الرسمي الذي يقدمه العقل الفاعل، يشرح طبيعة ونشاط الصيغ المعقولة؛ المُشَكلة حتى كأغراض محسوسة بمبادئ هيلومورفية مشابهة.70

وبذا ترى الشروحات الطويلة العقل المادي على أنه “العقل الأخير من العقول المنفصلة في التراتبية السماوية،” بعد العقل الفاعل.71 قد تولد إعادة الموضعة الجسدية هذه للعقل المادي انعدام فساده وموضوعيته بالنسبة لابن رشد، لكنها لا تفسر وجود القوة المنطقية في البشر وهو وجود يقر به ابن رشد. ولهذه الغاية، يوسع من دور الفكر في العملية الإدراكية. وكما ذكر آنفا، يراه كقوة مادية تقع في الدماغ وقادرة على استقبال وتمرير كل من المعاني التخيلية الموجودة في الحس والمعاني العقلانية للتخيل، وبالتالي منشئة عملية من التجريد والعمومية يكملها العقلين المادي والفاعل.72 كما يقدم ابن رشد في الشروحات الطويلة “عقلا حساسا” يملك طبيعة ووظيفة مادية مشابهة لربط المجالات المخصوصة بالعمومية للصور والمعقولات.73

بيد أنه وبالرغم من كل محاولاته في الشروحات الطويلة لمباعدة العقل المادي من الجسم الفاني للفرد عبر ما يمكن رؤيته على أنها قوي عقلانية بديلة، إلا أنه يشمل العقل المادي وحتى العقل الفاعل في التطور العقلاني للشخص. إذ أن وجودهما أساسي لسعي الإنسان خلف الكمال العقلاني، مهما كانت غير أساسية من منطلق المواد العمومية نفسها. موقع تلك القوى غير المادية في النفس ليس جليا على الإطلاق، سواء في الشروحات المتوسطة أو الطويلة، ولكن عملها وديناميكيتها الداخلية حاضرة بالمثل. يُكمل الفرد عقله أو عقلها، وكلما كمل أي كلما تجمعت الحقائق المجردة، كلما قل تميز عقله وتفرده وكلما قل “انتمائه” لذاك الشخص. في النهاية يكون العقل المدرك بالكامل للشخص قادرا على أن يتحد مع العقل الفاعل وتزال كل آثار الفردانية.

كان ابن رشد مدركا لندرة إن لم يكن انعدام الأفراد الذين وصلوا إلى الكمال العقلاني أي البراعة في كل ما يُعرف، وحتى ذلك الشخص لا يمكنه الحفاظ على حالة من الاتحاد للأبد، لكونه بشر ويحتاج الطعام والشراب والمساعي غير العقلانية. إن ابن رشد، في كل شروحاته وكتاباته الأخرى عن الموضوع، لا ينتفص الوجود في الكائنات الحية ذات التفرد العقلاني. ظن الكثير بأن نظرية ابن رشد للطبيعة الواحدة أنكرتها، حيث لا وجود إلا لمادة واحدة وعقل فاعل كذلك.

يصور ابن رشد، في واحدة من مقالاته المصغرة عن الموضوع، العقل المستفاد للشخص والمدرك تماما أثناء فقدانه لهويته إبان الحصول على اتحاد مع العقل الفاعل، 74 على أنه متشرب تماما فيه. يمكن أن يحصل هذا للفرد النادر فيما هو حي، مع أنها حالة مؤقتة من الكينونة حينها. إبان فناء الجسم، يُحتوى العقل غير المادي لكل شخص، مهما كان كثيرا أو قليلا، ضمن عقل فاعل. إذ لا تحتمل الظروف المناطة والمادية التي جلبت الفرد إلى التعرف على الحقائق العمومية والتي أثرت على التركيب الخاص لنفسه هذا الاحتواء، ولا تملك المعقولات العمومية المستفادة مادة كي تبقى في مكان عدا العقل الفاعل، حيث تُمثل دائما.

في الختام، يمكن للمرء القول بأن علم النفس لدى الفلاسفة المسلمين التقليديين منقسم بين الإدراك الأرسطي والأفلاطوني الجديد، مع محاولة مبتكرة نُكهت بإدراك أو بآخر. غالبا ما نُسفت الطبيعانية لأرسطو جانبا في السعي خلف معرفة عن حقائق عمومية تعد بالنعيم الأبدي، وإن ثبت صعوبة هذا المفهوم فلسفيا.

 

 

 


المراجع

المصادر الأولية:

  • Aristotle, 1995 Barnes, Jonathan, trans., The Complete Works of Aristotle. Princeton, Bollingen.
  • Alfarabi, 1938 Bouyges Maurice, ed., Risâlah fî l-‘Aql. Beyrouth, Imprimerie Catholique.
  • –––, 1962 Mahdi, Muhsin, trans., Alfarabi’s Philosophy of Plato and Aristotle. Ithaca, Cornell University Press.
  • –––, 1985 Walzer, Richard, Farabi on the Perfect State. Oxford, Clarendon Press.
  • Al-Kindî, 1950-53 Abû Rîdah, M.‘A.H., ed., Rasâ’il al-Kindî al-Falsafîya. Cairo, Dâr al-Fikr al-‘Arabî. 2 volumes.
  • –––, 1974 Ivry, Alfred L., trans., Al-Kindî’s Metaphysics. Albany, State University of New York Press.
  • Avicenna, 1956 Bakos, Jân, ed. and trans.,Psychologie D’Ibn Sînâ (Avicenne) d’après son oeuvre ash-Shifâ’. Prague, Editions de l’Académie Tchécoslovaque des Sciences.
  • –––, 1985 Fakhry, Majid, ed., Avicenna: Kitâb al-Najât. Beirut, Dâr al-ACIRCfâq al-Jadîdah.
  • –––, 2005 Marmura, Michael, trans., Avicenna: The Metaphysics of the Healing. Provo (Utah), Brigham Young University Press.
  • –––, 1960 Moussa, Mohammad Youssef, Dunya, Solayman, Zayed, Sa’id, edd., Avicenna’s Metaphysics: Al-Shifâ’, Al-Ilâhiyyât. Cairo, Organisme Général des Imprimeries Gouvernementales.
  • –––, 1952 Rahman, Fazlur, trans., Avicenna’s Psychology: Book 2, Chapter 6 of Kitâb al-Najât. London, Oxford University Press. Reprint Westport, CT., Hyperion.
  • –––, 1959 Rahman, Fazlur, ed., Avicenna’s De Anima: Being the Psychological Part of Kitâb Al-Shifâ’. London, Oxford University Press.
  • Averroes, 1982 Bland, Kalman P., ed. and trans., The Epistle on the Possibility of Conjunction with the Active intellect by Ibn Rushd with the Commentary of Moses Narboni. New York, The Jewish Theological Seminary of America.
  • –––, 1961 Blumberg, Harry, trans., Epitome of Parva Naturalia. Cambridge, MA, The Mediaevel Academy of America; Arabic edition, 1972.
  • –––, 1930 Bouyges, Maurice, ed., Averroes’ Tahafot at-Tahafot. Beyrouth, Imprimerie Catholique.
  • –––, 1953 Crawford, F. Stuart, ed., Averrois Cordubensis: Commentarium Magnum in Aristoteles De Anima Libros. Cambridge, MA., The Mediaeval Academy of America.
  • –––, 1954 Van Den Bergh, Simon, trans., Averroes: Tahafut al-Tahafut. London, Luzac.
  • –––, 2002 Ivry, Alfred L., ed. and trans., Averroës: Middle Commentary on Aristotle’s De anima. Provo (Utah), Brigham Young University Press.
  • –––, 1985 Nogales, Salvador Gómez, ed., Epitome De Anima. Madrid, Consejo Superior de Investigaciones Cientificas Instituto“Miguel Asín” Instituto Hispano-Arabe de Cultura.
  • –––, 1987 Nogales, Salvador Gómez, trans., La Psicología de Averroes: Commentario al libro sobre el alma de Aristóteles. Madrid, Universidad Nacional de Educación a Distancia.
  • –––, 2009 Taylor, Richard C., trans. Averroes (Ibn Rushd) of Cordova: Long Commentary on The De Anima of Aristotle. New Haven, Yale University Press.
  • Ibn Bâjjah, 1942 Palacios, Miguel Asin, ed. and trans., “Tratado de Avempace sobre la union del intellecto con el hombre,” Al Andalus7, 1–47.
  • –––, 1960 al-Ma‘sûmî, Muhammad Saghîr Hasan, ed., Kitâb al-Nafs. Damascus, al-Majma‘ al-‘Ilmî al-‘Arabî.
  • –––, 1961 al-Ma‘sûmî, Muhammad Saghîr Hasan, trans., ‘Ilm al-nafs, (Science of the Soul). Karachi: Pakistan Historical Society. Reprinted by F. Sezgin, Publications of the Institute for the History of Arabic and Islamic Science: Islamic Philosophy 75, Franfkurt am Main, 1999.
  • –––, 1968 Fakhry, Mâjid, ed., Rasâ’il Ibn Bajja al-ilâhîya(Opera Metaphysica). Beirut, Dâr al-Nahâr li-l-Nashr. Reprint 1990.
  • –––, 1983 al-‘Alawî, Jamâl al-Dîn, ed., Rasâ’il falsafîya li-Abî Bakr Ibn Bâjja. Beirut-Casablanca: Dâr al-Thaqâfa—Dâr al-Nashr al-Maghribîya.
  • Razi, 1939 Kraus, Paul, ed., Opera Philosophica. Cairo, n.p.
  • –––, 1950 Arberry, Arthur J. The Spiritual Physick of Rhazes. London, John Murray. Reprinted as Razi’s Traditional Psychology, Damascus (n.p., n.d).

المصادر الثانوية:

  • Adamson, Peter, 2006, “Vision, Light and Color in Al-Kindi, Ptolemy and the Ancient Commentators,” Arabic Sciences and Philosophy, 16: 207–36.
  • Altmann, Alexander, 1965, “Ibn Bâjjah on Man’s Ultimate Felicity,” H.A. Wolfson Jubilee Volume (n.e.), Jerusalem, The American Academy of Jewish Research, I:47–87.
  • Arberry, Arthur J., 1964, Aspects of Islamic Civilization. London, George Allen & Unwin.
  • Black, Deborah L., 1993, “Estimation (Wahm) in Avicenna: The Logical and Psychological Dimensions.” DialogueXXXII, 219–58.
  • –––, 1996, “Memory, Individuals and the Past in Averroes’s Psychology,” Medieval Philosophy and Theology5, 161–87.
  • –––, 2000, “Imagination and Estimation: Arabic Paradigms and Western Transformations.” Topoi19, 59–75.
  • D’Ancona Costa, Cristina, “Aristotelian and Neoplatonic elements in Kindî’s Doctrine of Knowledge.” American Catholic Philosophical QuarterlyLXXIII, 9–35.
  • Davidson, Herbert A. 1992, Alfarabi, Avicenna, & Averroes, on Intellect. New York, Oxford University Press.
  • Druart, Thérêse-Anne, 1988, “The soul and Body Problem: Avicenna and Descartes,” Arabic Philosophy and the West, ed. Thérêse-Anne Druart. Washington, D.C., Center for Contemporary Arab Studies, Georgetown University, 27–49.
  • Endress, Gerhard, 1994, “Al-Kindî Über die Wiedererinnerung der Seele.” Oriens34, 174–219.
  • Fakhry, Majid, 1970, A History of Islamic Philosophy. New York, Columbia University Press.
  • Gutas, Dimitri, 1988, Avicenna and the Aristotelian Tradition. Leiden, Brill.
  • –––, 2001, “Intuition and Thinking: The Evolving Structure of Avicenna’s Epistemology,” Aspects of Avicenna, ed. Robert Wisnovsky. Princeton, Markus Wiener Publishers, 1–38.
  • Hasse, Dag, 2000, Avicenna’s De anima in the Latin West. London, Warburg Institute.
  • Hyman, Arthur and Walsh, James 1973. Philosophy in the Middle Ages. Indianapolis, Hackett Publishing.
  • Ivry, Alfred L., 1997, “Averroes’ Short Commentary on Aristotle’s De anima,” Documenti e Studi Sulla Tradizione Filosofica MedievaleVIII, 511–49.
  • –––, 1999, “Averroes’ Three Commentaries on De anima,” in G. Endress and J.A. Aertsen, eds., Averroes and the Aristotelian Tradition. Leiden, Brill, 199–216.
  • Janssens, Jules, 1987, “Ibn Sînâ’s Ideas of ultimate Realities, Neoplatonism and the Qur’ân as Problem-Solving paradigms in the Avicennian System.” Ultimate Reality and Meaning10, 252–71.
  • Jolivet, Jean, 1971, L’Intellect selon Kindî. Leiden, Brill.
  • Michot, Jean R. 1986, La destinée de l’homme selon Avicenne. Louvain, Peeters.
  • Peters, Francis, 1968, Aristoteles Arabus. Leiden, E.J. Brill.
  • Rahman, Fazlur, 1958, Prophecy in Islam. London, George Allen & Unwin.
  • Sebti, Meryem, 2000, Avicenne: L’ame humaine. Paris, Broché.
  • Taylor, Richard, 1999, “Remarks on Cogitatio in Averroes’ Commentarium Magnum in Aristotelis De anima Libros,” in G. Endress and J.A. Aertsen, eds., Averroes and the Aristotelian Tradition. Leiden, Brill, 217–55.
  • Taylor, Richard, 2005, “The Agent intellect as ‘form for us’ and Averroes’s Critique of al-Fârâbî,” Proceedings of the society for Medieval Logic and Metaphysics, 5, 18–32.
  • Wolfson, Harry A. 1935, “The Internal Senses in Latin, Arabic and Hebrew Philosophic Texts.” Harvard Theological Review, vol. 28, 70–133; reprinted in Wolfson, Studies in the History of Philosophy and Religion. Cambridge, MA, 1973, I: 250–314.

الأدوات الأكاديمية:

·     Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.
·     Look up this entry topic at the Indiana Philosophy Ontology Project (InPhO).
·     Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.

مصادر أخرى من الأنترنت:

مواد ذات صلة:

Al-Farabi | Al-Kindi | Al-Razi [Fakhr al-Din] | Alexander of Aphrodisias | Arabic and Islamic Philosophy, disciplines in: natural philosophy and natural science | Aristotle | Aristotle, General Topics: psychology | Galen | Ibn Bâjja [Avempace] | Ibn Rushd [Averroes] | Ibn Sina [Avicenna] |imagination | intentionality: in ancient philosophy | intentionality: medieval theories of | memory |mental representation: in medieval philosophy | Plato | Plotinus | soul, ancient theories of

 

المصدر: Ivry, Alfred, “Arabic and Islamic Psychology and Philosophy of Mind”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Summer 2012 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/sum2012/entries/arabic-islamic-mind/>.

error: المحتوى محمي