علم السوداء: مقدمة لفكر ثيودور أدورنو – جيليان روز / ترجمة: فاطمة الشملان

علم السوداء: مقدمة لفكر ثيودور أدورنو – جيليان روز / ترجمة: فاطمة الشملان

GillianRose

جيليان روز


 يكشف كتاب جدل التنوير تناقض المفهوم العقلاني الذي امتلكته أواخر القرن الثامن عشر: فعوضا عن أن يجلب الانعتاق الذي وعد به، غدا هو نفسه صيغة جديدة من الهيمنة. غير أن أدورنو يكشف هنا وبشكل أكثر إلحاحا تناقضات الحركات الفلسفية الجديدة للقرن العشرين التي تعد بالانعتاق، أي ’ جدل الإنسانوية’. كان أدورنو وكثير من الكتّاب الألمان لحقبة الحرب منجذبين لموقف غير إنسانوي.1 رفضوا الإرث الإنسانوي للتأريخ والأنثروبولوجيا الفلسفية و ’ الواقعية’ في الفن والأبستمولوجيا، حيث كانت تُرى على أنها مفلسة وعاجزة عن توفير أي تحليل لواقع تاريخي تغير جدا. اعتبر أدورنو أن تلك الأنواع من ’ اللا إنسانوية’ استعبادية عوضا عن محررة لأنها أعادت خلق الشرور ذاتها التي سعت لتعريفها وتجنبها. وبذا اكتشف ’ جدل الإنسانوية’ وأظهر كيف أن الفلسفة الجديدة، السيسيولوجيا، والأدب النظري انتكستا إلى افتراضات تأستا عليها. عزا هذا جزئيا إلى طموح الفلسفة القديم لبناء أسس لا تميد من أجل مسعاها الخاص، وجزئيا بسبب المحاولة غير الواقعية لعدم صنع أي رابط على الإطلاق مع قوة الأوهام القديمة وأسسها الاجتماعية. هذا الاعتقاد، بأن التحول الفكري والاجتماعي لا يمكن أن يصبح ناجعا إلا إذا أُذعن لقوة التقاليد، كان دائما معيار الراديكالية لمدرسة أدورنو ومدرسة فرانكفورت وليس غموضهما. كانت سابقة أدورنو هي في الإقرار بأنه نفسه محكوم بأن تتفاقم فيه المتلازمة التي سعى لتحليلها، وطبعا بأن تطبيق نظرية تسببت في تزايد تشييء عمله ذاته هو سبيل لقبول درجة من العجز النظري مقابل التخلي عن ادعاءات عجز فلسفي وسياسي. لقد استبسل في إيجاد درب خارج تناقض ’ اللا إنسانوي’ وذلك عبر التقليل من الإنسانوية على أرضيتها، حيث كانت ردة فعله بالانشغال بالأسلوب. ’ الأسلوب’ ليس موحدا أو مصنفا، ولا يتسامى فوق المواد التي يصنعها، ولكن يقف كتيقظ مستديم للنمط الذي تُقدم عبره النظرية، وبالتالي معيدا صياغة العلاقة بين النظرية والتطبيق. إن كان لوكاش حوّل الماركسية إلى منهج، فإن أدورنو حولها إلى بحث عن الأسلوب.2

يتم التوجه للتحليل الاجتماعي كسؤال ملازم لها عن ’ الوساطة المفاهيمية’ للواقع الاجتماعي.3 يفسر أدورنو نظرية ماركس عن القيمة بحيث تصف عملية هيكلة الواقع الاجتماعي على مستوى المعنى، أو بشكل أدق، على مستوى الوهم. هذه العملية نتاج المواد وتبادلها التي تستلزم” تخفيض السلع كي تستبدل بالمعادلة لها، لشيء تجريدي”،4 وذاك التجريدي بهذا الحس، مفاهيمي. وهذا ’ الكيان المفاهيمي’ يسميه أدرونو ’ وهم’ .5 وبذا يُقدم الواقع للناس بطريقة “تمنعهم من أن يصبحوا واعين للظروف التي يعيشون تحتها.” 6 يشق هذا المنظور عبر التفريق بين الطبيعانية واللا طبيعانية، أو بمفردات أخرى، بين التأويل والفهم Erkliiren and Verstehen)). حيث يصر على التشكيل الهيكلي للواقع الاجتماعي وفقا لمبدأ يمكن أن يُحدد دون أي إشارة إلى المعنى المتداول عن هذا الواقع من قبل الأفراد. ومع ذلك، ينتج هذا المبدأ توهمات تستدعي أن تفسر على مستوى المعنى. يشير ‘المعنى’ إلى الطريقة التي يبدو فيها هيكل المجتمع عقلانيا في حين هو ليس كذلك، وغير عقلاني حين يكون كذلك. لا يُعزا إلى ‘المعنى’ الأفعال المتعمدة للأفراد، ولا يشير إلى مفاوضة المعاني المشتركة من قبل الفاعلين الاجتماعيين. ‘المعنى’ أو ‘المفاهيمية’ ميزة للهيكل الاجتماعي. وفي دنيا الفن، يفرق أدورنو بين ‘معنى’ عمل وبين تواصله واستقباله؛ حيث يتوافق ‘المعنى’ هنا مع عملية الإنتاج وبذا للطريقة التي يمثل بها العمل العلاقة بين الذات والموضوع الاجتماعي. فصعيد الإنتاج يتضاد مع صعيد التبادل والاستهلاك الذي يمكن لتقديس السلعة أن يتدخل ويحجب المعنى لعمل فني. وهكذا فإن انتاج المعنى يعارض تواصله (وهم)؛ أي في هذه الحالة يتضاد ‘المعنى’ مع الوهم. وعلى العموم، يُعرّف ‘المعنى’ بالطريقة التوهمية التي يظهر بها هيكل المجتمع عقلانيا أو غير عقلاني. هذا هو سبب تفضيل أدورونو بأن يسمى المعنى ‘مفاهيمية’، حيث يوحي ‘المعنى’ بالصراحة والشفافية. وعليه يشير ‘الوهم’ إلى المظهر المضلل للواقع الاجتماعي المتولد من عملية الإنتاج الضمني. يشرح أدورنو فرض ‘الوهم’ عبر تحليل النمط الضمني للإنتاج؛ بيد أنه يشرح مفاوضات الوهم من قبل الأفراد عبر مفاهيم التحليل النفسي ليظهر بأن ” الذات فقدت مادتها.’ فالشخصية التسلطية هي محاولة للنظر في تفاوض الوهم هذا، ولكن في ذلك الكتاب تُقدم العملية الضمنية التي تفرض الوهم بصيغة مثبطة بحيث يفشل أدورنو في صنع رابط مقنع.

يُنشيء استيعاب أدورنو لنظرية القيمة غموضا مثيرا في نظرية ماركس عن صنع وعي بالطبقة البروليتارية. فالتأويل التقليدي لصنع وعي بالطبقة البروليتارية في مجتمع رأس مالي هو أن يتحد العمال الذين يبيعون قوتهم العاملة ليتشاركوا نفس مكان العمل، حتى تغدو مصالحهم المشتركة كطبقة نسبة إلى طبقة أخرى/ أي من يمتلكون وسائل الإنتاج، جلية بالنسبة لهم أكثر. بمعنى آخر، تصبح العلاقات الاجتماعية الضمنية التي تحدد الهيكل الاجتماعي ظاهرة وعقلانية لهم نتيجة تجربتهم في مكان العمل. وعلى العكس، كان المجتمع الاقطاعي قبل الرأسمالية، حيث لم يمتلك الفلاحين الفرصة ليدركوا مصالحهم المشتركة كونهم معزولين في إقطاع سيدهم. بيد في النمط السابق للإنتاج، كانت علاقات الاستغلال الاجتماعية بين الفلاح والسيد شخصية ومباشرة، وبذا شفافة وعقلانية – في كل جوانب الحياة الاجتماعية وليس في تنظيم العمل فحسب. هذه الثنائية في الطريقة التي تكون فيها العلاقات الاجتماعية عقلانية والطريقة التي لا تكون فيها عقلانية ضمن نفس المجتمع هي ما يتكرر في اعتبار ماركس عن المجتمع الرأسمالي. حيث وفقا لماركس، يعتمد انتاج السلعة على قوى تبادل الإنتاج الحر وبذلك على نشوء أسواق تتدخل بشكل متزايد في العلاقات بين الأشخاص وتحجب تلك العلاقات، مانحة إياها مظهر علاقات بين أشياء (تقديس السلعة). إذا شُدد على هذا الجانب من نظرية ماركس عن القيمة، فإذن كلما غدت الأسواق أكثر تعقيدا، فإن العلاقات بين الأشخاص تصبح أقل ظهورا وأقل فهما بالنسبة لهم سواء داخل أو خارج مكان العمل. يأخذ أدورنو هذا الجانب من تحليل ماركس كهيكل عمل لفهم الرأسمالية الحديثة. هو مهتم بالصيغ الجديدة التي تحجب الواقع الاجتماعي في المجتمع الرأسمالي الحديث، ومركزية ‘الوهم’ في تحليله إنما هي طريقة لتشكيل مسألة الهيمنة الأيديولوجية دون أي إشارة للوعي الطبقي، الإقصاء، السيطرة أو التشريع. إلا أنه وكنتيجة لهذا لا يميز بين التجارب التي يملكها الناس عن ‘الوهم’؛ أي لا يمكن لعدم المساواة الاجتماعية أن تصير مفهوما.

يبعث أدورنو اعتبارات ثابتة عن ‘الأساس’ و’البنى الفوقية’ عبر العودة إلى التمييز بين عمليات ونتائج الصيغ الاجتماعية. غير أنه يركز على الصيغ الثقافية والأعمال الفكرية والفنية، وليس على الصيغ الاجتماعية المتناظرة كصيغة الأجر أو صيغة المال. يملك هذا التوجه ميزة بأن تُدرك الأعمال الفكرية والفنية على أنها حقيقية كصيغ عوضا عن كونها ظاهرة ثانوية أو انعكاس للواقع الاجتماعي، والتي في المقابل تمنح صيغة من تجربة الواقع الاجتماعي. تصل بنا هذه الميزة إلى تعريف اجتماعي راديكالي أو سيسيولوجي للصيغة الفنية والفكرية.  كصيغ من الوهم الاجتماعي، تُعرّف التشعبات والامتدادات التي قد تنبثق بين الصيغة الثقافية والاستقبال الاجتماعي على أنها ميدان التساؤل الاجتماعي. بيد أن اهمال تلك الصيغ الاجتماعية التي يعتمد عليها تناظر الصيغة الثقافية هو أمر خطير. يفصح أدورنو أن التغير وقع في منظومة الإنتاج وفي أسواق العمل والبضائع مما أدى إلى أن الهيكل الاجتماعي في سوق العمل ومكانه ظل غير عقلاني، بينما في سوق البضائع الثقافية وفي صعيد وقت الفراغ اكتسب منطقا موهوما. وبالرغم من أنه يتهم الاجتماعيين على جعل المجتمع ضبابي، غير أنه ذاته لا يتحقق إلا من الضبابية التي تظهر على الصعيد الثقافي. وبذا فإن بالرغم من أن تحقيقاته في احتمالية أن التجربة الثقافية مبنية على نظرية مكتملة تماما عن الإنتاج الفني والتبادل والاستهلاك إلا أنها تجري في خواء نظري.

اهمال أدورنو لصيغ اجتماعية يضاءل من قدرته على تقديم تحليل قاهر للمنظومة السياسية وعلاقات النفوذ في مجتمع رأسمالي. فعبر عمله كله، كان النفوذ في المجتمع متسيدا غير أنه متملص. تلك طريقة أخرى عُممت بها نظرية القيمة عند ماركس كـ ‘تشييء’ مع إشارة واهنة للعلاقات الإنتاجية الواقعية بين الأشخاص ودون أي تعرف على ذات اجتماعية. وبذا يتم التشديد على أن عملية الإنتاج ككل قوية، ويغدو التشييء مرادفا لمبدأ القوة الموحدة والمؤثرة على الجميع بشكل متساوٍ، غير أنه لا يمكن تحديد موقعها. يدين أدورنو على هايدغر طوعيته المزعومة، على الإيعاز بأن اكتمال الشخص وادراكه هو اختيار شخصي. فوفقا لأدرونو، يتجاهل منظور هايدغر قوة المؤسسات الاجتماعية والسياسية التي تحدد الأشخاص وبالتالي تُطوّق أي احتمال للقرار الذاتي أو الاستقلالية. بيد أن أدورونو نفسه واقع في مأزق مشابه: هو يجعل إعادة وضع ’ الفرد’ في سياق اجتماعي-سياسي مستحيلا. هو يعيد تعريف نظرية ماركس عن الطبقة بطريقة تجعل الهيمنة ضمن الطبقة كما بين الطبقات عصية على التحليل، وتعيق مفهوم المنظومة، وتتبنى مفاهيم فرودية بطريقة تعد بأن تصير اجتماعية بشكل راديكالي، ولكن تقصر عند اللحظة حين يمكن لهذه المفاهيم أن تتحول لنظرية فعل اجتماعي – سياسي. انعدام الاتساق هذا بين نقده لهايدغر وموقفه هو، ينبثق لأن أدورنو لا يمنح اعتبارا للصيغ السياسية المشابهة. هو بذلك ضحى بالامتياز المتفرد للتوجه الماركسي: اشتقاق العلاقات السياسية والدولة من تحليل العلاقات الإنتاجية والاجتماعية لنوع مخصوص من المجتمع. وذلك صحيح أيضا بالنسبة لعمل هابرماس.7 فبالرغم من أنه بنى نظريته عن الرأسمالية الحديثة على نظرية الدولة، إلا أنه تخلى عن تحليل صيغة – السلعة كوحدة أساسية للتحليل الاجتماعي. وكنتيجة، الدولة هي قوة فريدة، وتُدرَك العلاقة بين الدولة والمجتمع عبر اختزالها نهاية الأمر إلى سؤال عن شرعية الدولة. وبذلك من المستحيل التساؤل عما إذا فصل الصعيد السياسي عن الصعيد الاجتماعي – الاقتصادي والاستقلال النسبي عن الدولة هو حقيقي أو بالكاد ظاهر؟

فكرة بأن أدورنو هو هيغلي ماركسي هي تبسيط شديد ومضلل، فعلاقته بهيغل لا تقارن بتلك مع لوكاش. يرفض أدورنو حل لوكاش للتناقضات المتعذر حلها في الابستمولوجيا التقليدية –  بمنح أولوية لطبقة جوهرية جديدة، البروليتاريا. هو لا يرفض مسألة جوهرية كهذه، أو ثنائية الذات/ الموضوع. فعلى العكس من مفكرين آخرين، كهايدغر وألتوسير، هو يبتكر مصطلحا جديدا للتخلي عن الافتراضات القديمة السابقة، فأدورنو يعتبر تناقضات الفلسفة والنظرية حقيقة وقوية كي يعاد تعريفها ولكن ليس لكي يتم تجاوزها أو تُفسخ عدا نتيجة ألم التناقض. يفسر أدورنو هذه التناقضات كانبثاق من التعرف المغلوط للعلاقة بين الفكر والواقع الاجتماعي، بين الذات والموضوع. فكل الفلسفة، والسيسيولوجيا والفن، يفسرها أدورنو على أنها نشاط ذهني يمنح صيغة لعلاقة كهذه على أنها أبستمولوجيا، حتى وإن كانت الفلسفة المعنية هنا تحتوي على محاولة راديكالية كي ترتد عن الأبستمولوجيا. ففي هذا الحس العام من ‘ تخليص’ التقليد وليس ابطاله، يبدي أدورنو تطلعا هيغليا غير أن عدته المفاهيمية من نقد التفكير الهوياتي والجدلية السلبية والتشييء ليست بهيغلية على الإطلاق في أصلها.

اعتبار أدورنو عن ‘الذات’ مترسبة. هو يقدم منظورا بأن اعتبار الذات، سواء كانت الفرد أو الطبقة، يجب أن ‘تُفسر وتُرفض’.8 يجب أن تُرفض كاتحاد شامل أو معين بأي معنى هيغلي موجود، أو كطبقة تمثل مصالحها المعينة مصالح المجتمع بأكمله، الطبقة الشاملة، بأي معنى ماركسي أو لوكاشي موجود. إلا أنه من الخطأ اجتماعيا ومنطقيا عدم تفسير شيء من الاعتبار للـ ‘ذات’. هو خاطئ اجتماعيا لأن لا يمكن ادراك التشكيل الاجتماعي وحلحلته دونه، وكنتيجة هو خاطئ منطقيا لأنه يؤدي إلى تناقضات في النظرية. ومع هذا فإن أدورنو يرثي ‘الذات’ التي فقدت ‘مادتها’ وتلبس فكره هذه الوكالة الطيفية المفقودة.

كما لا يمكن أن يُحكم على فهم ‘الذات’ هذا بأنه ‘هيغلي يساري’ حيث أن أدورنو يحط باستمرار من كل صيغ ‘الإنسانوية التجريدية ‘. فهو يستخدم النظرية الفرويدية ليعرض بأن الذات الإنسانية، أو ‘الأنا’، لا تشكل اتحادا راسخا بذاته، لأنها تتكون من مجتمع مبني على انتاج السلعة. هو يرفض الإيعاز الإنسانوي مثل هيغل أو فيورباخ ولوكاش بأن الذات قادرة، أو يمكنها، أن تصلح أو تهلك عبر جوهرها بالرغم من تعريفه ‘ المرء أيديولجية اللاأنسنة’.

لفت أدورنو نفسه الانتباه إلى تهمة أخرى عنه تتعلق بالجناح اليساري الهيغلي بدا تجاهها أكثر هشاشة: بأنه شدد التأكيد على النظرية، وربط الفكر بالمجتمع ككل عوضا عن ربطه بالنشاط الإنتاجي للأشخاص وبذا لطبقة اجتماعية مخصوصة.10 كان رد أدورنو على هذه التهمة هو أن تحليله للعمليات الاجتماعية الضمنية ليست مبنية على أي اعتبار للمجتمع ‘ككل’. التركيز على تبادل السلعة يعني أنه لا يمكن للمجتمع ‘ككل’ أن يكون موضوعا للتحليل. هو يقر بأن عملية الإنتاج والصيغ الاجتماعية الناتجة عنها، وليس النشاط الإنتاجي أو وكالة الطبقات الاجتماعية أو الأفراد، هم موضوع تحليله. كانت إجابته على مسألة حال النظرية هي لجعل الأمر أكثر وضوحا عن كيف ‘علم السوداء’ تحديدا محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين النظرية والتطبيق.

إن أفضل ما يُعرف به أدورنو هو تقديمه نظرية نقدية كبديل للفلسفة الوضعية في السيسيولوجيا. ولكنه يستحق اهتماما أكبر لتقديمه بديلا لتلك المواقف التي ترفض الفلسفة الوضعية، كظواهرية هورسل وهيرومنطيقية هيدغر. ولدى انتقاده للظواهرية والهيرومنطيقية قوة مساوية فيما يتعلق بوليدهم الاجتماعي، السيسيولوجيا الظواهرية والهيرومنطيقيا و’السيسيولوجيا الانعكاسية’. 11 تكشف ما تسمى سيسيولوجيا ‘انعكاسية’ اهتماما أبستمولوجيا على أساس انبثاق نشاطها ذاته من وعي نقدي للطريقة التي ‘تُشكل’ بها السيسيولوجيا التقليدية موضوعها سواء بتنظيرها أو كلامها.12 تصنع كل هذه الأنواع من السيسيولوجيا الفلسفية عمليات ذهنية لدى الموضوع الواقع في استعلامهما وليس حقائق أخلاقية أو قيم مشتركة.13 حجة أدورنو ضد الظواهرية والهيرومنطيقية بأنها تعيد ظاهريا، نوعا ما، ما تقوم به الفلسفة الوضعية باطنيا؛ أي تبني الحقيقة أو الواقع على تحليل الوعي، وبالتالي تخفض الواقع الاجتماعي إلى وعي مقيد له بشكل واضح. وبذلك هو يتجنب التناقض في السيسيولوجيا الانعكاسية، حيث لأن الإشارة إلى الذات يُحكم عليه بالمنطق قبل الإشارة للمجتمع، فإن المجتمع والتاريخ يضيع في تراجع لا نهائي للتشكيل الذاتي.

وُظف التشييء كفئة نقدية في هذا التقليد الوضعي وفي التقليد الماركسي الجديد كذلك وفي الخليط الاجتماعي للتقليدين مما أدى به ليكون غامضا للغاية. هناك استخدامين منفصلين للتشييء غالبا ما يلتبسان أو حتى ينصهران: استخدام يحدد مكان إدراك الواقع الاجتماعي في الذهن وحده، واستخدام يجعله في العمليات الاجتماعية المحسومة.14 ففي الحالة الأولى التشييء حقيقة وكيفية للوعي بشكل رئيسي، بينما في الثانية هو عملية اجتماعية موضوعية تحدد الوعي بشكل أساسي. الفرق بين هذين الاستخدامين هو الفرق بين رأي بأن شيئا تجريديا يُعتقد خطئا على أنه حقيقي أو حقيقة ثابتة، ورأي بأن شيئا صلبا يُعتقد خطئا على أنه تجريدي. صُهر هذين الاستخدامين في محاولات السيسيولوجيا الحديثة لتعميم نظرية ماركس عن القيمة عبر استخدام فئة التشييء.15 لعل الالتباس انبثق لأننا في اللغة الإنجليزية نفهم ‘تجريدي’ على أنه يعني غير حقيقي، و’حقيقي’ و ‘صلب’ على أنه مادي وشبيه بشيء. بينما في التقليد الألماني قد يعني ‘صلب’ مجموعة العلاقات التي تميز الشيء، وقد يعني ‘التجريدي’ عزل بعض تلك العلاقات. توحي نظرية تقديس السلعة عند ماركس بأن العلاقات الصلبة بين الأشخاص مهيكلة ومعروضة بطريقة تعزل بعضا من تلك العلاقات، وبذا يبدو بأن السلعة توجد لوحدها. ولكن في الإنجليزية، يميل تأويل ما يوجد لوحده كشيء حقيقي أو صلب (مادي أو شبيه بالمادي)، ويؤخذ بأن ماركس يشدد على أن شيئا يُعتقد خطئا بأنه حقيقي. وبهذه الطريقة، التركيز منصب على كيف يُفقد تحول سلسلة من العلاقات إلى أخرى، مع أن كل منها حقيقي. وبذا ينقلب تفسير عملية اجتماعية معينة من الناحية الموضوعية والتاريخية إلى طريقة شاملة في التفكير.

وجدت تلك الفئة من التشييء طريقها أيضا إلى الأدب الاجتماعي كفئة نقدية ظاهريا عبر قرار تالكوت بارسونز ترجمة عبارة ويبر Bigriffsrealismus (واقعية مفاهيمية)، كـ ‘تشييء’.16 يمكن لاستخدام فئة التشييء خارج التقليد الماركسي أن يبعث مشاكل في التأويل. فويبر يعارض عزو الواقع إلى مفاهيم نظرية حين لا تملك تلك المفاهيم سوى وضع أنماط مثالية، أدوات العالم الاجتماعي، والتي لا توظف أي حكم على واقعها. بيد أن ‘التشييء’ استخدم أيضا لوصف كيف أتى الاعتقاد بأن سلسلة من العلاقات او الخصائص ‘تجريدية’، بمعنى أن واقعها محجوب.17 وويبر لم يقترح بأن هناك واقعا آخر معلوما بطريقة بديلة ولكن مشوها بتشييدنا العلمي. يقام الكثير من انتقاد السيسيولوجيا على أساس التهمة العرضية للتشييء والتي توحي بأن مفهوما ‘تجريديا’، سواء كان مقترحا أم نظرية، قد اكتسب وضعا غير شرعي.18 من الجلي أن هذه التهمة المُدينة لا تضيف شيئا للأخطاء المعينة المُدلى بها لأن لم تُقدم معايير لصنع نظرية مناسبة. وبذا فإن الاحتكام إلى ‘التشييء’ كأداة نقدية متطورة خدّاع.

يوفر أدورنو ترياقا ضد هذه الالتباسات ويظهر كيف تنبثق. هو لا يحط من الفلسفة الوضعية في السيسيولوجيا عبر المحاجة بأن سيسيولوجيا كهذه تشكل موضوعها عبر اسقاط معاني على واقع ظاهري معطى، وبذلك حجب العمليات التي يُصنع منها واقع المجتمع ويعاد صنعه باستمرار في التفاوض على المعنى من قبل الفاعلين الاجتماعيين. كما لا يحاج بأنه متى ما أدرك بأن الذهن يعمل على المعاني الاجتماعية التي يبدو بأنه يواجهها، أي قد يعاد بناء العملية التي من خلالها تتشكل تلك المعاني بطريقة ستقدم الواقع الاجتماعي شفافا وعقلانيا. هو يرفض بهذا منظور أن المعنى الاجتماعي يمكن أن يُفهم على أنه أفعال قصدية للأفراد، حتى وإن فهمت على أنها قصدا تذاوتيا. كما يرفض منظور إمكانية تأويل المعنى الاجتماعي فقط عبر الخضوع لحلقات الهيرومنطيقية المتعددة التي تضمها. هو يفضح تناقضات في اعتبار هوسرل عن المعنى القصدي وفي معنى هيدغر الهيرومنطيقي ويعتبر تابعهما الاجتماعي غير اجتماعي بشدة.

صمم اعتبار أدورنو للـ ‘المفاهيمية’ على أنها وهم مصنوع اجتماعيا لكي ينافس أي نظرية عن تشكيل المعنى تقترح بأن ’ المعنى’ مباشر أو عقلاني على الفور. وهذا هو سبب تفضيله لأن يسمى موضوعه ’ مفاهيمية’ عوضا عن ’ معنى’. فوفقا لأدورنو، ’ الذات العارفة’ في السيسيولوجيا جزء من الموضوع المقبوض عليه، ويظل هذا مجهولا عند السيسيولوجيا الظواهرية كما في الفلسفة الوضعية للسيسيولوجيا. فأي سيسيولوجيا تشكل جزئيا المعاني التي تلصقها بالمجتمع، ولكن لا تتبعها بأن تلك المعاني تُختزل في ’ الذات العارفة’، واختزالها في ذات هو صيغة أخرى من الجهل بها. يشرّع اعتبار أدورنو للتجسيد والتفكير الهوياتي لكيفية عمل الذهن على معنى المفاهيم المستقبلة دون الإيعاز بأنه ابتكر تلك المفاهيم في المقام الأول. فوفقا لهذا الاعتبار، المجتمع يفرض المفاهيم علينا والتي يمكننا بعدها إعادة فرضها عليه. الجهل الهيكلي للعلاقة بين المفاهيم والواقع الاجتماعي الضمني (الوهم) هو نتيجة عملية اجتماعية، انتاج قيمة في التبادل. إذن ’ المعنى’ بذلك مبهم.

كما تشرح معارضة أدورنو للاعتبارات الظواهرية والهيرومنطيقية للمعنى بديهيته ((prima facie في الفصل الغريب بين تقنيات البحث السيسيولوجي التجريبي عن استخدامها التقليدي وتأويلها. وبما أن وصولنا للواقع التجريبي وللعدة المفاهيمية غير مفصول ومقيد، فإن الفكرة باختبار الاقتراحات النظرية بمؤشرات تُعرّف على أنها مستقلة كوسيلة هو أمر غير مترابط. وبذلك أدورنو لا يتخلى عن أن البحث التجريبي يدور حول ذاته بشكل عضال، ولكن يستخدم مدى من الوسائل التجريبية لاستكشاف الاختلافات المتشعبة بين السبل التي يفهم بها الواقع الاجتماعي والسبل التي يحدد بها هذه العقلانية الوهمية. هذا الاستغلال للاجراءات التجريبية مصمم لتحاشي ليس الفهم ’ العلموي’ لها فحسب ولكن أيضا أي تبني لها يأخذ بعين الاعتبار فقط الحلقة التأويلية بين النظرية ومؤشراتها المخصصة لها.19

يضمن هذا الاصرار على التأمل المفاهيمي للواقع وليس ’ المعنى’ بهذه الكيفية، ألا يُفقد التاريخ أبدا.20 يظهر التاريخ عبر فكر أدورنو باعتماده على اعتبار مجتمع تاريخي معين مبني على انتاج السلع. يظهر التاريخ في الأسئلة الملحة عن الإمكانية التاريخية للتجربة الثقافية نسبة إلى التغيرات في نمط الانتاج. ويظهر التاريخ في تحليل الصيغ التاريخية الجديدة، الفكرية والفنية، التي تعيد خلق العلاقة المتغيرة بين الذات والموضوع. أدرونو متعنت في أن على التاريخ ألا يظهر بأي نوع من التاريخانية:” تقدح التاريخانية بمبدأها؛ قوة التاريخ.” 21 يفهم أدورنو ’ التاريخينية’ على أنها أي فلسفة للتاريخ تطرح غائية من التسوية في زمن تاريخي، ونسبية تاريخية في المعنى البسيط لتأويل ظاهرة بالنسبة للحقبة التي جرت بها. استمدت الماركسية قوتها تقليديا من قدرتها على توحيد هذين المنظورين، يعني الشقاق الحديث تاريخيا بين عمليات الانتاج وأنماط التوزيع والاستهلاك. ولأدورنو من الأصح لـ ’ قوة التاريخ’ تمحيص التناقضات والانقطاعات بين الأعمال الفكرية والفنية و ’ حقبتها’ وليس استمراريتها. فمن وجهة نظره، كان هذا لتجنب التاريخانية، بمعنى أي مناشدة لنشوء أو انحلال التناقضات كمبدأ أو محرك للتغير التاريخي. ولكنها على نحو مخصوص، تبلغ صيغة من التاريخانية المعكوسة، فلكي تُفحص التناقضات والانقطاعات بين عمل وحقبته، بين عملية الانتاج والتشكل الثقافي، فإن ذلك لايزال يتضمن اتخاذ علاقة محدودة وسلبية بين العمل وحقبته. فضل أدورنو التاريخانية المعكوسة على رفض بينجامين الصريح للتاريخانية.22 حيث لم يكن لبنجامين أن يستعيد ’ قوة التاريخ’ إلا بابتكار أنطولوجيا جديدة.

عُرف عمل هابرماس بمنحه بديلا للقصور في فكر أدورنو.23 فهو يتهم أدورنو بلبس نقد الأيدولوجية مع نظرية المجتمع الرأسمالي الحديث؛ أي جعل النظرية مستحيلة عبر بنائها على ’ الكل خطأ’ وهو طرح يتحتم عليه استبعاد أي نفي محدود. كما يجحد هابرماس احتمالية ’ النقد الجوهري’ لأن المجتمع الرأسمالي الحديث ما عاد يوفر أي أعراف أو قيم أو صيغ ثقافية يمكن للـ ’ النقد الجوهري’ أن يحتكم إليها.24 يفسر هابرماس نقد أدورنو للهوية على أنها هيغلية، ويفهم فكره على أنه مبني على أفكار للتسوية مع ’ بعث الطبيعة’. يبدو أنه أخذ طرح أدورنو ’ الكل خطأ’ حرفيا جدا، متجاوزا اللعبة الجدلية فيه. فهو لا يمنح أي صحة لنظرية ماركس عن القيمة لإنتاج مجتمع من الوهم في المجتمع الرأسمالي الحديث، ولا يرى بأن نقد الهوية عند أدورنو ليس بهيغلي. ناهيك عن بعده عن تعريف مشكلة بعث الطبيعة، أدورنو يعيد تعريف ’ الطبيعة’ لتعني ’ تاريخ الثقافة’ ويرفض بشكل لافت للنظر أي تسوية للتاريخ أو تأليه للطبيعة.

إلا أن أدورنو لا زال يقدم تحديا مهما لهابرماس، فاعتبار هابرماس ’ المنافع المبنية على المعرفة’ ترجع لأطروحات قديمة عن الأبستمولوجيا بطريقة سعى أدورنو تحديدا لتجنبها.25 حيث أن هذا الاعتبار يعيد ترسيخ النظرية في ’ ذات عارفة’ لا يمكن شرح تشكيلها كصنع ضمن مجتمع تاريخي معين. تعيد خلق نظريته عن ’ الكفاءة التواصلية’ وعن ’ الوضع المثالي للكلام’ صيغة من التفكير الهوياتي وتعمد على احتمالية التسوية في التاريخ. للقول بأنه لم يعد هناك مكان للـ ’ النقد الجوهري’ في المجتمع الرأسمالي الحديث هو اعتراف بأن الافتراضات المسبقة القديمة للفلسفة لا يمكن تنجبها. ولذا فإن الحد من احتمالية النظرية هو أكثر تدميرا مما رغب به أدورنو على الإطلاق. وبالمثل فإن الجدل بين أدورنو وبنجامين لا يزال جديرا بالاهتمام. فمثل جدل قريب بين هابرماس وقدامير،27 فإن السابق يبلغ حد دق نقد الأيدولوجيا ضد الهيرومنطيقيات. فعلى العكس من هيرمونطيقيات قدامير، كانت تلك لبينجامين مبنية على تأويل المجتمع الرأسمالي المتقدم. مواقف أدورنو وبينجامين أكثر تنافرا والمسائل التي على المحك أكثر أهمية من الجدل بين هابرماس وقدامير والتي تعد منهجية بالمقارنة. إذا “التفكير…يعلم نفسه بأن جزءا من معناه هو في المقابل ليس فكرة، [إذن] فسجنه له نوافذ.’28 إن ’ المفهوم التوكيدي للتفكير’ الذي يعرّفه أدورنو هنا هو صيغة من التطبيق.29 ولكن حتى كتطبيق هو محدود في الأصل. ويغدو ’ التطبيق’ أكثر إبهاما حين يؤكد الفكرة أو النظرية عن حين يعارضها.  قد يعني توكيد ’ تطبيق’ للنظرية، بأن النظرية صيغة من النشاط الاجتماعي الذي يٌعرّف بحسب هدفه الذي يُعد أداة، أو قد يعني بأن النظرية هي صيغة من التدخل الاجتماعي مقابل دراسة مستقلة وسلبية. فلأدورنو، على العلاقة بين التطبيق والنظرية أن تعتمد على العلاقة بين الذات والموضوع. فاحتمالية وصلاح أي تطبيق، حتى لو فهم على أنه فعل موجه لغاية معينة، لا يمكن أن يُقرر إلا استنادا على التحليل النظري لعلاقة الذات/الموضوع لواقع المجتمع؛ وإلا فإن فعلا كهذا يشرع بشكل عمياني ولا طائلة منه. يطلق أدورنو على فعل كهذا ’ فعل كاذب’.30 وبهذا فإن ’ التطبيق’ هو اعتبار نظري.31 على النظرية أن تمتلك الأولوية على التطبيق بهذا الحس، ولكن لا تملك أولوية على الموضوع. حيث لا تملك النظرية القدرة على إبراء الانفطار بين الذات والموضوع باستخدام وسائلها. هناك منطق في أن ’ التطبيق’ كقوة للموضوع أشد من ومنفصلة عن النظرية.32 كان أدورنو مقتنعا بحتمية إعادة تعريف النظرية كصيغة من النشاط الاجتماعي دون إدراك ذاك النشاط على أنه أداتي. قُصد من العنوان الجدل السلبي أن يشق عبر التفريق التقليدي للنظرية/التطبيق من خلال رسم النظرية كصيغة تدخل تحارب أنماطا سائدة من التفكير الهوياتي، دون أن تُعد في المقابل هوية جديدة بين المفاهيم والواقع. وكنتيجة، يتحدى أدورنو باستمرار محاولات جديدة لجعل النظرية أداة. نظرية كهذه تُخطئ فهم العلاقة بين الذات والموضوعية الاجتماعية. وبذلك هي عاجزة ورجعية ومظهرة للظروف ذاتها التي تسعى لإسقاطها. هذه المهمة لإعادة تمثيل النظرية كصيغة تطبيق دون المغالاة في مزاعمها بأنها سلاح ثوري هي لأدورنو ’ أخلاقية التفكير’.

كان انتقاد أدورنو للوكاش وبينجامين هو في إنشائهما لدوغمائيات جديدة، أي صيغ هوية جديدة. لقد فضح الدوغمائية في أعمالهما عبر توليته الاهتمام الشديد للصيغة التي قدما بها فكرهما، أي لأسلوبهما. ففي حين أعجب أدورنو بأعمال لوكاش القديمة، بما فيها التاريخ والوعي الطبقي، إلا أن أشد ما عارضه هو مبادئ لوكاش الأخيرة في نقده الأدبي، وانتقص على وجه الخصوص عجزه على فهم الحداثة في الفن. تقفى أدورنو القواصر في اعتبار لوكاش عن الواقعية إلى قبوله فن الاتحاد السوفيتي الرسمي كانعكاس لواقع المجتمع ببساطة، وقبوله للواقعية الاجتماعية، والتي إذا طبقت على روسيا، تلمح بأن النظام السياسي السوفيتي مجتمع حر.33 في المقابل، وصم لوكاش أدورنو وبمعية الأدب الطليعي بأنه ’ لا أنسانوي’ و ’ منحط’، عاجز على فهم أسباب تركيز أدورنو على الأسلوب. 34 استعرض أدورنو بأن انعدام الإحساس هذا من طرف لوكاش يكافئه عدم اكتراث الأخير بالأسلوب، والذي ينشق من فكرته الفجة عن العلاقة بين الفن والواقع الاجتماعي.35 فلوكاش يموت من الداء الذي يتأسى عليه أكثر بكثير من عمل أولئك الذين يندد ضدهم، عبر السماح لعمله أن يكون تطبيقا دوغمائيا ورجعيا.

اعتقد أدورنو بأن حماس بريخت وبينجامين على الاحتمالات الجديدة للفن، والتي عوضا من أن تُبنى على طقس… فإنها تُبني على ممارسة أخرى هي السياسة،”36 إنما هي وسيلة أخرى للنظر للفن والنظرية على أنهما أداتان. كانت وجهة نظرهما مبنية على الانتقاص من قوة الموضوع وبذلك كانا غارقين بالسذاجة. ففي نقاشاته لأعمالهما، استعرض أدورنو التناقضات والعجز المطلق الذي من المحتم انبثاقه عن وجهة نظر ’ توظيفية’ للفن والنظرية. إلا أن أدورنو نفسه عجز عن التفريق بين التأثير السياسي للصيغ المختلفة من الفن الشعبي.

علم السوداء ليس مذعنا ولا هامدا ولا متشائما. هو يحاج بأن النظرية، مثل الفلسفة، مصممة كي تستعيض وتميل لأن تتجاوز نفسها بعواقب سياسية مريبة. الواقع الاجتماعي للمجتمع الرأسمالي المتقدم أصعب مراسا مما يمكن لنظرية كهذه أن تسمح بالتنازل عنه، ولأدورنو حس جدلي دقيق لتناقضاتها. كان أدورنو يخطط لعمل عن الفلسفة الأخلاقية حين مات. إن ’ أخلاقيته’ تطبيق للفكر وليس وصفة للفعل السياسي أو الاجتماعي.

 

 


المراجع:

*من الفصل السابع Melancholy Science) The) والذي يحمل نفس عنوان الكتاب. عادة ما تنقل كلمة Melanocholy إلى العربية (ملنخوليا) إلا أني آثرت الاسم العربي لها ألا وهو (السوداء) والتي تُنسب إلى طغيان المرة السوداء (الدم المتخثر في الطحال) على توازن أخلاط الجسم الأربعة وهي نظرية أنشأها إيمبيدوكليس وطورها أبقراط بعده. انظر تاريخ الجنون: من العصور القديمة وحتى يومنا هذا. تأليف كلود كيتيل، ترجمة: سارة رجائي يوسف وكريستينا سمير فكري، مراجعة: داليا محمد السيد الطوخي (مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، الطبعة الأولى ٢٠١٥ م) صفحة 23-33.

  1. See, for example, Husserl, The Crisis of European Sciences and Transcendental Phenomenology: An Introduction to Phenomenological Philosophy, 1936, trans. David Carr (Northwestern University Press, 1970); And Heidegger, Brief über den “Humanismus”, 1946, in Wegmarken (FaM: Klostermann, 1967) pp. 145-49. For discussions of Adorno and ‘Humanism’, see Schmidt, ‘Adorno – ein Philosoph des realen Humanismus’, in Theodor W. Adorono zum Gedächtnis, 52-77, and Jay, ‘The Frankfurt School’s Critique of Marxist Humanism’, in Social Research, XXXIX (1972) 285-305.
  2. Tom Bottomore, ‘Class structure and social consciousness’, in Mészâros (ed.) Aspects of History and Class Consciousness (London: Routledge & Kegan Paul, 1971) pp. 49–64.
  3. S.8 SuEF p.209, tr. p. 80.
  4. Ibid.
  5. Ibid., p.210, tr. p. 81.
  6. See, for example, Habermas, ‘What does a crisis mean today? Legitimation problems in late capitalism’, in Social Research XI (1973) 643-67, and Legitimation Crisis, 1973, trans Thomas McCarthy (London: Heinemann, 1967). However, Claus Offe has re-established the connection between commodity analysis and the state. See Strukturprobleme des kapitalistischen Staates (FaM: Suhkamp, 1972) and Offe and Volker Ronge, ‘Theses on the Theory of the State’, New German Critique, 6, 1975.
  7. I adapt Adorno’s dictum, ‘Universal history must be constructed and denied’, G.S.6 ND p.314, tr. p. 320.
  8. S.6 JE p.452, tr. p. 59.
  9. ‘Relation to Left-Wing Hegelianism’, in G.S.6 ND PP. 146-7, TR. PP. 143-4.
  10. I draw here on Adorno’s lectures on sociology, eSoz, and extrapolate from his criticism of sociology.
  11. See, for example, Peter McHugh et al., On the Beginning of Social Inquiry (London: Routledge & Kegan Paul, 1974) Alan Blum, Theorizing (London: Heinemann, 1974).
  12. Herminio Martins has called this ‘the cognitive paradigm’, ‘Time and Theory in Sociology’, in John Rex (ed.), Approaches to Sociology An Introduction to major trends in British Sociology (London: Routledge & Kegan Paul, 1974) pp. 251, 263. Aaron V. Cicourel, Cognitive Sociology (Harmondsworth: Penguin, 1973).
  13. Russell Keat and John Urry, Social Theory as Science (London: Routledge & Kegan Paul, 1975), ch. 8, make a similar distinction, but then go on to make the mistake which I discuss, p. 18of.
  14. For example, Peter L. Berger and Thomas Luckmann, The Social Construction of Reality (Harmondsworth: Penguin, 1971) pp. 106, 222, 225 Geoff Pearson, ‘Misfit Sociology and the politics of socialization’, in Ian Taylor et al. (eds), Critical Criminology (London: Routledge & Kegan Paul, 1975) p.148f.
  15. Talcott Parsons (ed. and tr.), The Theory of Social and Economic Organization (New York: Macmillan, 1947) p. 103 Weber, Wissenschaftslehre (Tübingen: Mohr, 1973) p. 554.
  16. Morris Cohen, Reason and Nature (Glencoe: Free Press, 1952 (1931)) pp. 302, 390, to whom Parsons refers, op. cit., n. 25.
  17. See Ralf Dahrendorf’s discussion of this, ‘Sociology and Human Nature’, in Essays in the Theory of Society (London: Routledge & Kegan Paul, 1968) pp. 95–106; Dean C. Tipps, ‘Modernization Theory and the Comparative Study of Societies: A Critical Perspective’, in Comparative Studies in Society and History, 15 (1973) 222.
  18. For example, Aaron Cicourel, Method and Measurement in Sociology (Glencoe: Free Press, 1964).
  19. Martin has drawn the attention to the failure of post-functionalist sociology and of structuralist Marxism to conceptualise history. Such sociology evinces a concern with ‘process’, and the Marxism a concern with history, but at the thematic level rather than at the substantive level; see Martins, ‘Time and Theory in Sociology’, pp. 246-50.
  20. s.14 Diss,’Tradition’, 1961, p.141.
  21. Benjamin, ‘Thesis on the Philosophy of History’, 1940, Illuminations, pp. 255-66.
  22. Habermas, ‘ Urgeschichte der Subjektivität und verilderte Selbstbehauptung’, Philosophisch-politische Profile, pp. 184-99.
  23. Habermas, ‘Einleitung: Historischer Materialismus und die Entwicklung normativer Strukturen’, Zur Rekonstruktion des historischen Materialismus (FaM: Suhrkamp, 1976) pp. 10-11.
  24. See Habermas, Knowledge and Human Interests, 1968, trans. Jeremy J. Shapiro (London: Hienemann, 1972) esp. ‘Appendix’ (1965).
  25. Habermas, ‘Toward a Theory of Communicative Competence’, Recent Sociology no.2 Patterns of Communicative Behaviour, Hans Peter Dreitzel (ed.) (New York: Macmillan, 1970) pp.114-48.
  26. See Habermas’ and Gadmer’s contribution to Karl-Otto Apel et al., Hermeneutik und Ideologiekritik (FaM: Suhrkamp, 1971).
  27. S.8 Posstreit p. 306, tr. p.24.
  28. ‘ Marginalien zu Theorie und Praxis’, in Stichwrote, p. 171, and ‘Resignation’, in Kritik, pp. 149-50.
  29. ‘ Marginalien zu Theorie und Praxis’, p. 181, and ‘Resignation’, p.147.
  30. S.6 ND p.147, tr. p.144.
  31. S.1 AP P.338; Prisms p. 28, tr. pp.32-3.
  32. S.11 NzL. 11 ‘Erpresste VersÖhung’, p.277 and passim.
  33. Lukács, Realism in our Time, p.37, and Adorno, op. cit., p. 257.
  34. , pp. 254-5.
  35. Benjamin, ‘The Work of Art in the Age of Mechanical Reproduction’, p.226.
  36. See, G.S.7 ‘Editorisches Nachwort’, p.537.
error: المحتوى محمي