عقلنا اللاواعي – جون بارج

عقلنا اللاواعي – جون بارج

“إن بواعثنا ورغباتنا اللاواعية تسيِّر أفكارنا وأفعالنا بطرق لم يكن <فرويد> يتخيلها أبدا”

 

 – بإختصــار –

صنع القرار غالبا ما يقوم به البشر من دون أن يبذلوا قدرا كبيرا من الجهد الفكري الواعي: كيف يصوتون أو ماذا يشترون أو أين يريدون قضاء إجازاتهم، أو كيف يتعاطون مع خياراتهم الحياتية الأخرى التي لا تعد ولا تحصى.

وتستند طريقتنا في تدارس قضايانا الحياتية والتخطيط لها إلى عمليات ذهنية لاواعية، وهذا يعود بالطبع إلى سبب وجيه. فاتخاذ الأحكام تلقائيا هو أمر حيوي لنا جميعا، فهو يمكننا، مثلا، من تفادي الاصطدام بسيارة أو حافلة ركاب تتجه نحونا.

والسلوكيات التي يتحكم فيها اللاوعي لا تقتصر على النظر إلى الطريق في الاتجاهين عند المنعطف بل تتجاوز ذلك بكثير، وصولا إلى تصرفاتنا تجاه الآخرين التي يتأثر الكثير منها بمواقفنا المطمورة تحت مستوى الوعي.

وقد أمضى <S. فرويد> حياته المهنية كلها في التأمل بمعنى اللاوعي. أما الدراسات الحديثة، فتمدنا برؤى أكثر واقعية عن الطريقة التي نقيم بها علاقاتنا مع رؤسائنا في العمل، أو مع زوجاتنا وأزواجنا.

 

 

عندما يحاول علماء النفس فَهْم الطريقة التي يعمل بها عقلنا، فإنهم كثيرا ما يتوصلون إلى استنتاج قد يبدو مذهلا: استنتاج يفيد بأن الناس غالبا ما يتخذون قراراتهم من دون أن يفكروا فيها كثيرا، و بتعبير أدق، يتخذونها قبل أن يفكروا فيها بطريقة واعية. فعندما نقرر، مثلا، كيف سنصوت أو ماذا سنشتري أو أين سنقضي إجازاتنا، أو نقرر القيام بغير ذلك من الأعمال التي لا تعد ولا تحصى، فإن أفكارنا اللاواعية، حتى التي لا علم لنا بها، عادة ما تؤدي دورا كبيرا في صنع هذا القرار. ومؤخرا، أظهرت الأبحاث بصورة جلية مدى التأثير العميق لعقلنا اللاواعي في تشكيل تآثراتنا اليومية.

ومن بين أشهر الدراسات المعنية بإيضاح سلطة اللاوعي، دراسة تركز على عملية اتخاذ القرار بشأن أهلية مرشح ما لشغل إحدى الوظائف الرسمية. وقد شملت هذه الدراسة مجموعة مكونة من ناخبين صوريين خصص لهم جزء من الثانية لمعاينة الصور الواحدة من الصور الفوتوغرافية التي تظهر على صفحات الإنترنت لأشخاص ترشحوا لمناصب حكومية وسيناتورية أمريكية في ولايات غير الولايات التي كان يعيش فيها هؤلاء الناخبون. وبعد ذلك، طُلب إليهم أن يحكموا على المرشحين استنادا إلى معايتنهم الخاطفة لتلك الصور. ومن اللافت أن هذا الاستطلاع التجريبي بصفته اقتراعا بالوكالة جاء معبرا تعبيرا دقيقا عن الخيارات اللاحقة للناخبين الفعليين في تلك الولايات. فتقدير أهلية المرشحين استنادا إلى معاينة وجوههم خلال فترة أقل مما تستغرقه طرفة عين كان قادرا على التنبؤ بنتائج اثنتين من أصل ثلاث عمليات انتخاب.

لا تزال التأثيرات اللاواعية في أفكارنا وأفعالنا تشغل بال العلماء المهتمين بدراسة العقل منذ أكثر من 100 سنة. ففي مجموعة مؤلفاته الضخمة أكد <S. فرويد> على أن الوعي هو الحيز الذي يشغله التفكير العقلاني والانفعالات، وأن اللاوعي هو مخبأ اللاعقلانية. أما علماء النفس المعرفي المعاصرون، فقد قاموا بتعديل هذه النظرة الفرويدية للعالم على نحو جعل الديناميكية النفسية(1) تبدو أقل استقطابا، وذلك بعد أن تبين أن كلا النوعين من عمليات التفكير هذه يساعداننا على التكيف مع التبدل المستمر في احتياجات نوعنا البشري الذي يتوقف بقاؤه على قدرته على تعبئة قواه العقلية اللازمة لاصطياد ماستودون(2) Mastodon في العصر الحجري، أو لمجابهة التحدي في منازلات العصور الوسطى، أو لاتخاذ قرار ببيع أسهم شركة أبل بيعا مكشوفا في الألفية الجديدة.

 

لقد تخلى علم النفس لما بعد <فرويد> عـن مفهومي «الهو» id و«الأنا»ego وتبنى تصورا أكثر براغماتية حول ما يحدد تعريـف اللاوعي البشـري نفسـه.

وقد قدم <D. كينيمان> [الحائز جائزة نوبل] توصيفا للتمييز الحديث بين التلقائي automatic والمضبط controlled‎. ففي كتابه الأكثر مبيعا «التفكير السريع والتفكير البطيء»(3)، يصف <كينيمان> عمليات التفكير التلقائي بالسريعة والفعالة، وبأنها عادة ما تتم خارج نطاق المعرفة الواعية؛ مما يجعلها خالية من التفكر أو التخطيط. كما أن هذه العمليات لا تتطلب سوى مُنبِّه بسيط: فالكلمات على هذه الصفحة، على سبيل المثال، يتم ربطها بمعانيها في عقلك دون عناء يذكر، في حين أن العمليات المضبَّطة هي خلاف ذلك، إذ إنها تتطلب مشاركة هادفة وبطيئة نسبيا للتفكير الواعي: تخيل، مثلا، حجم الجهد المضني الذي يتطلبه منك تحضير ملف إقراراتك الضريبية.

وكما هي الحال في العلاقة السائدة بين «الهو البدئي» primal id و«الأنا الكاظمة» controlling ego عند <فرويد>، فإن نظام التلقائية والنظام المضبط يتمم أحدهما الآخر، ولكنهما أيضا يتصارعان في الوقت نفسه. ففي الوقت الذي ينبغي عليك، مثلا، أن ترتكس دون طول تفكير لتفادي الاصطدام بحافلة ركاب تتجه نحوك بسرعة، يكون عليك أيضا أن تضبط نفسك كظما لرغبتك في توجيه لكمة إلى سائق الحافلة المتهور.

تغص حياتنا اليومية بالأحكام السريعة – أي بعمليات التفكير التلقائي نسبيا – وهذا يعود بالطبع إلى سبب وجيه. فجميعنا يعلم جيدا في الحقيقة أن معظم الأشخاص الذين نتآثر معهم – باستثناء عدد قليل نسبيا – هم أشخاص غرباء قد لا نراهم أبدا مرة أخرى: مثلا، أشخاص يصطفون معنا طابورا في البنك، أو أشخاص يمارسون أعمالهم، كالصرافين وسائقي سيارات الأجرة ونوادل المطاعم ووكلاء التأمين والمعلمين وغيرهم. إن الإدراك اللاواعي الابتدائي the default unconscious perception يولد لدينا توقعات عن أنماط سلوك الأفراد وسماتهم الشخصية بناء على الحد الأدنى المتوفر لدينا من معلومات. فنحن نتوقع، مثلا، أن النادلات يعملن بطريقة مميزة، تختلف عن الأسلوب الذي نتوقع أن يعمل به أمناء المكتبات أو سائقو الشاحنات. ولا تأتينا هذه التوقعات عن أولئك الأفراد من خلال التفكير فيهم، بل تنشأ لدينا مباشرة بناء على الوظيفة الاجتماعية التي يؤديها كل منهم.

إن الطريقة اللاواعية التي ندرك بها الأشخاص الآخرين في سير حياتنا اليومية هي ضرب من التفاعل الانعكاسي reflexive reaction. أما المشاعر السلبية، غير المفهومة، واللامبررة أحيانا، التي قد نضمرها للآخرين، فيجب علينا أن نبذل جهدا متعمدا واعيا لتجنبها. وكلما كان اللاوعي أشد تأثيرا، كان علينا أن نبذل على صعيد الوعي جهدا أعظم للتغلب على هذا التأثير، وهذا ما ينطبق بوجه خاص على أنماط السلوك المعتادة: فقد يعود شخص كحولي إلى منزله مساء ويصب الشراب في كأسه، أو قد يقوم شخص آخر يعاني مشكلة في الوزن بتناول رقائق البطاطا: هاهنا ينبذ كلاهما ببساطة النزعة التعويضية الرامية إلى ضبط النفس.

قطع الاتصال : إن التباطؤ في تسمية ألوان الكلمات التي تدل على لون مختلف يُمكِّننا من اختبار حالات الشرود اللاواعي.

 

لا بد من فهم طبيعة القوة الجاذبة التي يمارسها اللاوعي علينا، كي لا نتعرض للغرق في بحر من البواعث التي يصعب الوقوف عليها والتحكم فيها. فقدرتنا على ضبط تصرفاتنا الشخصية – سواء تعلق الأمر بتكوين صداقات، أو تحسين فرص الحصول على وظيفة جديدة، أو التغلب على مشكلة تتعلق بتناول الكحول – هي قدرة لا تتوقف فقط على جيناتنا وأمزجتنا وشبكات الدعم الاجتماعي في محيطنا، بل تتوقف أيضا، وبقدر لايستهان به، على كفاءتنا في تحديد طبيعة بواعثنا وفي سعينا إلى التغلب عليها وعلى انفعالاتنا التلقائية التي تؤثر في جميع جوانب حياتنا اليقظة. ولكي نشق طريقنا في هذا العالم، لا بد أن نتعلم كيف نتصالح مع لاوعينا نفسه.

 

تفاعلات حدسية(**)

عندما نصادف شخصا لا نعرفه، يتشكل لدينا انطباع أولي عنه حتى قبل أن نبدأ بالحديث إليه. إذ بوسعنا مراقبة جنسه أو عمره أو العرق الذي ينتمي إليه، وهي خصائص ما إن ندركها حتى يتم ربطها أوتوماتيكيا بمخزوننا من الصور النمطية المستبطنة internalized stereotypes والمتعلقة بكيف يمكن أن يتصرف أعضاء جماعة معينة. وهذه الافتراضات حول هذه الفئة الاجتماعية أو تلك – والتي تنطوي على نعوت كثيرة من بينها، مثلا: عدائي، كسول، دمث، داهية… إلخ – هي افتراضات خاطئة في معظم الأحيان، ولا تنطبق على هذا الشخص بحد ذاته الذي يتبع جماعة ما ونراه الآن أمامنا، فهو عادة شخص لم يرتكب أي فعل يبرر ما نكوّنه عنه من مثل هذه الانطباعات، سيئة كانت أو حسنة.
وغالبا ما تستمر هذه التفاعلات الانعكاسية، حتى ولو كانت تتعارض مع قناعاتنا الواعية. فكثير من الأشخاص الذين يصرحون بأن موقفهم من الأقليات هو موقف إيجابي، يصابون بالدهشة عندما يكشف لهم علماء الاجتماع بواسطة اختبار بسيط ما يتناقض مع تصريحاتهم هذه. واختبار الترابط الضمني Implicit Association Test هو اختبار يقتضي من الأفراد المشاركين توصيف الأشياء المعروضة أمامهم على شاشة الحاسوب تبعا لما تتميز به من سمات: فالجرو كائن جيد غالبا، والعنكبوت كريه… وفي مرحلة لاحقة من الاختبار تعرض على المشارك سلسلة من الوجوه لأشخاص من أعراق متباينة، ثم يُطلب إليه تسميتها بأحد الألوان: أبيض أو أسود أو غيرهما.

 

 

[ردا على الناقدين]

لماذا تفشل بعض دراسات العلوم الاجتماعية(***)

في الآونة الأخيرة، نُشرت تقارير مزودة بوثائق تفيد بأن بعض الدراسات الأصلية التي تثبت تأثير اللاوعي في السلوك الاجتماعي، لم تتمكن الدراسات الجديدة من استنساخها تحت الشروط الإجرائية اللازمة: مثلا، تلك الدراسات الأصلية التي أظهرت أن الأشخاص يمشون بسرعة أبطأ بعد استماعهم لكلمات ترتبط بكبار السن (”فلوريد“ و ”يانصيب“)(4). بيد أن هذه التقارير تغاضت عن ذكر أن الكثير من الدراسات الأخرى التي نشرت على مدى العقد الماضي، أو نحو ذلك، نجحت في إعادة إنتاج موجودات(5) أصلية تتعلق بالتفكير اللاواعي والسلوك، وقامت برفد هذا المسار الاستقصائي باتجاهات جديدة.

كما أكدت هذه الدراسات على أن الإيماءات أو الكلمات العابرة اللاواعية التي سبق وأن تَشكل لها رابط قوي – أي «برمجة» primingبلغة عالم نفس اجتماعي – قادرة على تغيير سلوك الشخص. وإضافة إلى ذلك، فإن هذه الدراسات تقدم لنا الدليل على أن الدوافع دون عتبة الوعي تستعمل العمليات الذهنية ذاتها (الذاكرة العاملة والوظائف التنفيذية) التي تستخدمها الأفعال الواعية الخاصة بضبط النفس، وتبين لنا أيضا أن الناس غالبا ما يسيئون فهم الأسباب الحقيقية الكامنة وراء تصرفاتهم عندما تتأثر بخفقات اللاوعي.

أما الدراسات التي تكرر فشلها في مسألة الاستنساخ، فقد تقاعست بصورة عامة عن الأخذ بالإجراءات اللازمة، كما حذت حذو تجارب سابقة اتسمت بجنوحها إلى حصر تأثير اللاوعي في سلوك الشخص في مجال ضيق جدا. وفي حين أن العديد من الدراسات الأصلية لجأت إلى استخدام الكلمات وغيرها من الأدوات اللفظية لبرمجة السلوك، فإن الدراسات التي تجنبت استخدام التلميحات اللفظية واستعملت عوضا عنها منبهات أكثر بساطة وواقعية لتحريض السلوك؛ كالصور الفوتوغرافية للاعبين رياضيين منتصرين على سبيل المثال، كانت دراسات أكثر نجاحا، ذلك لأن هذه الأصناف من التنبيه أكثر قدرة على توليد مؤثرات برمجية لاواعية في حياتنا اليومية.

لقد تلقى هذا الحقل من علم النفس الاجتماعي المزيد من الدعم من الدراسات التصويرية التي تستقصي طريقة العمل السائدة في مناطق الدماغ التي تنشط بفعل التلميحات اللاواعية المؤثرة في أنماط سلوكنا وأحكامنا. إذ إن هذه الدراسات تزودنا ببعض ما يساعدنا على فهم الأساس الفيزيولوجي لتأثيرات البرمجة. فمسوح الدماغ(6) تثبت أن الباحات التي تنشط عادة عندما يدرك الشخص قيد الفحص ما إذا كان سطح المادة الذي يمسه خشنا أو ناعما، هي باحات تتوهج أيضا عندما يعاني أو لا يعاني هذا الشخص صعوبات في التفاعل مع شخص آخر – أي من حيث المبدأ عندما يمر بلحظة مقيتة أو لحظة عذبة. كما تبين أن مناطق الدماغ المتوسط نفسها والتي تستجيب للدفء المادي، تستجيب أيضا للود والسخاء بوصفهما يعبران عن الدفء الاجتماعي.

وليس السؤال ما إذا كانت التأثيرات اللاواعية المختلفة على الأحكام وأنماط السلوك تأثيرات واقعية ويمكن استنساخها – فهي كانت وما زالت كذلك – بل السؤال هو لماذا يتسنى ذلك انتساخ هذه التأثيرات لبعض الباحثين، ولا يتسنى لبعضهم الآخر. وتعود أهمية هذا السؤال إلى أنه يحثنا على تطوير معارفنا حول الكيفية التي تعمل بها العوامل المؤثرة الاجتماعية اللاواعية. وإلى أنه يلفت انتباهنا بالقدر اللازم إلى السياقات والشروط المحكمة التي يتطلبها إنتاج الأفكار والسلوكيات من التلميحات البرمجية اللاواعية. وهناك المزيد من العمل لا يزال ينتظرنا، لاسيما وأن الكتلة الإجمالية للبينات التي تم جمعها حتى الآن تظهر بوضوح العوامل اللاواعية المؤثرة في اتخاذ الأحكام والانفعالات والسلوك والدوافع، تكمن أهميتها العملية في الدور الذي تؤديه في حياة المجتمع ككل، وفي الحياة اليومية لأفراده على حد سواء.

 

 

وهنا تكمن الخدعة: فالأزرار المستخدمة في مهمة التقييم الأولي هي الأزرار نفسها المخصصة لإنجاز مهمة تصنيف المجموعة. فالزر الأيسر يمكن استخدامه للإجابة بكلمتي «جيد» و«أبيض»، في حين أن الزر الأيمن مخصص لكلمتي «سيئ» و«أسود». وفي تجربة لاحقة، تعكس التسميات، فيصبح الزر الأيسر مخصصا للإشارة إلى الأشياء الجيدة والوجوه السود، والأيمن للسيئ والأبيض. ومن شأن الشخص المشارك الأبيض عند قيامه بالمهمة الأسهل أن يُظهِر بعض ما يضمره من أحكام مسبقة، وهي أحكام يتم الكشف عنها بقياس استجابته الأكثر سرعة تحت شروط تكون الأزرار فيها مرتبة بطريقة تتناسب مع حالة «سيئ/أسود» أكثر منها مع حالة «جيد/أسود». ولا ريب في أن هناك كثيرا من الأشخاص الذين يتبنون مواقف إيجابية واعية تجاه الأقليات، ويعتقدون أنهم يتعاملون مع الناس جميعا بما تمليه عليهم ضمائرهم من إنصاف ومساواة. ومع ذلك، فإن هؤلاء الأشخاص أنفسهم يصابون بالدهشة من الصعوبة البالغة التي يعانونها عندما يتطلب الأمر منهم أن يضغطوا بسرعة أبطأ على أزرار «جيد/أسود.»

 

تتسبب هذه النماذج من التفاعلات في تعقيد العلاقات الشخصية بين الناس، وتعيق أيضا ما نصبو إلى تحقيقه من معاملة عادلة في المحاكم وأماكن العمل والمدارس. ويعود السبب الحقيقي في ذلك إلى أن مثل هذه التفاعلات تنبثق من أعماق العقل اللاواعي. وبما أننا لسنا على علم بهذه المشاعر، فهي غالبا ما تجنح إلى التشويش على ما نركز عليه بطريقة واعية في لحظة ما. وبدلا من أن نتعرف تحيزاتنا العنصرية غير المسلم بصحتها، نقوم بتحويل انتباهنا إلى ما لهذا الشخص أو ذاك من ملامح وسمات سلبية. وهكذا، فقد يعمد أحد موظفي القبول الجامعي في كلية الطب، مثلا، إلى رفض طلب تقدم به طالب مستقبلي ينتمي إلى إحدى الأقليات بذريعة أن معدله أقل من درجة الممتاز، وذلك من غير أن يهتم بما يتمتع به هذا الطلب من جوانب رصينة أخرى، أو يعي أنه لا يعير هذه الملامح السلبية نفسها مثل هذه الأهمية في تقييمه للمتقدمين الآخرين.

ومع أن الأبحاث التي تُعنى بدراسة الإدراك الاجتماعي اللاواعي كانت تركز في معظمها على الصور النمطية والأحكام المسبقة، فإن إطار هذا الحقل من الاستقصاء، هو في الحقيقة أوسع من ذلك بكثير. ولا نزال عموما، نحن بني البشر، نجد صعوبة في تفكيك الشبكة المعقدة للجذور التي تنبت منها مشاعرنا الإيجابية والسلبية المختلفة، ونجنح إلى سوء الفهم في إدراكنا للأسباب الحقيقية التي تكمن وراء هذه المشاعر. وفي استعراض معهود لهذه الظاهرة، كان على المشاركين في استجواب هاتفي تقييم جودة حياتهم بمجملها حتى تلك اللحظة. وسرعان ما تبين أن لحالة الطقس السائدة في يوم الاستجواب تأثير في طبيعة هذا التقييم، فغالبا ما كان المشاركون يصفون وجودهم الكلي بالمبهج في أيام الطقس اللطيف. إضافة إلى ذلك، فقد كان إدراك هذا الأثر إدراكا واعيا من قبل المشاركين كفيلا بإحداث تغيير فوري لديهم، فعندما كانوا يسلطون انتباههم على الطقس في الخارج، كانت مشاعرهم الممزوجة بلون ضياء الشمس أو لون قتامة الغيوم تفقد تأثيرها في كيفية التقييم.

 

خارج السيطرة(****)

لا تؤثر أفكارنا ومشاعرنا اللاواعية في الطريقة التي ندرك بها أنفسنا والعالم من حولنا فحسب، وإنما تؤثر في أفعالنا اليومية أيضا. وقد بقي تأثير اللاوعي في السلوك مدعاة للجدل بين علماء النفس على مدى عقود، حيث كان القرن العشرون في جـزء كبير منه شاهدا على ما قدمه <F .B. سكينر>، وأتباع المدرسة السلوكية من علماء النفس، من حجج قوية تفيد بأن أفعالنا تخضع كليا لسيطرة ما نراه ونسمعه ونلمسه في محيطنا الخارجي، وأن القصد الواعي لا دور له. وقد تم تجسيد هذه الفكرة في التجربة المعهودة التي يتعلم فيها جرذ عن طريق التجربة والخطأ trial and error أنه كلما ضغط على قضيب معدني، حصل على حبيبة من الطعام. وتقوم الرؤية السكينرية the Skinnerian worldview، على التصور الآتي: إن معظم أفعالنا ما هي سوى ترجمات أكثر تنوعا وتعقيدا للفكرة المعبرة عن قيام الحيوان بالضغط بأنفه على القضيب المعدني. ولكي نحصل على ما نريد، لا نحتاج إلى أكثر من أن نضغط على القضيب المعدني المناسب: تلقيم ماكنة السكاكر بورقة دولار نقدية، على سبيل المثال.

ومع أن الأبحاث في ستينات القرن العشرين فضحت زيف مدرسة سكينر السلوكية، فإن التطرف في الرأي المعارض الذي يصل إلى حد الزعم بأن السلوك يخضع دائما للمراقبة القصدية، ولا يتأثر بتاتا بالتلميحات البيئية بصورة مباشرة، هو بدوره زائف. إذ إن مجرد مراقبتنا لشخص آخر أو استماعنا إليه يجعلنا نتصرف بطرق قد لا نلاحظها فعلا.

فالناس ينزعون بصورة طبيعية إلى تقليد ومحاكاة السلوك الجسدي عند الآخرين – أي تعبيراتهم الانفعالية وحركات أذرعهم وأيديهم ووضعيات أجسامهم. وهذه النزعات التي يعج بها كل مكان من العالم الطبيعي، تتجلى في الأسلوب الرشيق الذي تستخدمه حشود الأسماك وقطعان الظباء وأسراب الطيور في تنسيق أنماط سلوكها الجماعي group behavior على نحو تتحرك فيه كما لو كانت متعضيا organism واحدا تقريبا. أما بخصوص البشر، فقد لوحظت هذه النزعة لتقليد ما يفعله الآخرون من حولنا ومحاكاته بصورة عفوية عند الرضع وصغار الأطفال، حيث لا يزال علماء النفس منذ نحو قرن من الزمن يقدمون الحجة تلو الأخرى على أن المحاكاة تساعدنا على تعلم اللغة وسلوكيات أخرى من أمهاتنا وآبائنا.

إضافة إلى ذلك، فإن المحاكاة لا تختفي بانتهاء مرحلة الطفولة، بل تستمر إلى ما بعدها، حيث تعبر عن نفسها فيما بات يعرف بمصطلح أثر الحرباء chameleon effect: فلعلك تجد نفسك وأنت تتبنى وضعا جسديا وغيره من السلوكيات لشخص آخر كنت قد بدأت معه للتو بتبادل أطراف الحديث في حفلة مسائية، كتشبيك الساقين وضم الذراعين وحك الرأس بطريقة مشابهة، على سبيل المثال. وإنك لا تتوقف عن هذه المحاكاة حتى تقرر أن تملأ كأسك بالشراب مجددا وتبحث عن محاور آخر تبدأ بتقليد وقفته وحركاته الإيمائية، شأنك في ذلك شأن حرباء يتركز جهدها الرئيسي على الاندماج في بيئتها. ويبدو أن التوافق مع أنماط سلوك الآخرين ينطوي على أهمية تلاؤمية، وخصوصا عندما يواجهك ظرف اجتماعي معين لا تعرف فيه بعد، ما الذي عليك القيام به كي يكون سلوكك مناسبا.
«عندما تكون في روما، تصرّف كما يتصرف أهل روما», هذه نصيحة ذات مدلول عميق، إذ إنه من المستبعد عموما أن يتورط الآخرون في تصرفات محفوفة بالخطر، أو في سلوكيات غير لائقة اجتماعيا. وبحسب ما أثبتته دراسات أجرتها <P. نيدرتال> وزميلها <R. زاجونگ> في إطار تعاونهما البحثي المشترك بجامعة ميتشيگان، فإن هذه النزعة الطبيعية للمحاكاة لها أثر طويل الأمد يأخذ بألبابنا عندما نقوم بمراقبة كيف أن الزوجين يصبحان أكثر تشابها كلما مضى وقت أطول على حياتهما المشتركة. ولعل السبب في ذلك يعود إلى أن كلا منهما يتبنى يوما بعد يوم بطريقة لاواعية تعابير وجه الآخر وأوضاعه الجسدية.

تنمي المحاكاة لدى البشر استعدادا اجتماعيا للقيام بما يجب فعله عقب اللحظة الراهنة، دون الحاجة إلى التزود بمعالم طريق ظاهرية ترشدهم إلى ذلك: فانتظارهم بصبر في طابور طويل يحث الآخرين على أن يحذوا حذوهم؛ ومثل ذلك كإمساك الشخص بمصراع الباب مفتوحا أمام جاره، أو كبحه لجماح كلبه أو امتناعه عن رمي القمامة أينما شاء. فجميع ذلك يؤثر في مزاج الآخرين بطريقة تجعلهم يتصرفون على نحو صائب. فالمحاكاة اللاواعية تعزز مشاعر التعاطف مع الآخرين؛ أي مشاعر «اللحمة الاجتماعية» التي تبعث إحساسا بالتقارب حتى بين الأشخاص الذين يجهل أحدهم الآخر كليا. وتتمثل المحاكاة بأجلى أشكالها عندما يشارك شخصان أو أكثر في النشاط نفسه في ذات الوقت، كالسير في الاستعراضات العسكرية أو المشاركة، على سبيل المثال، في إنشاد تراتيل كنائسية. وقد أظهرت دراسات عن التزامن السلوكي أن لهذا التزامن أثراً يتجلى في زيادة التعاون بين الأشخاص المشاركين حتى ولو كان أحدهم لم يجتمع بالآخر من قبل أبدا.
بيد أن نزعة التقليد الطبيعية سلاح ذو حدين. فقد أثبت اختصاصي علم النفس <K. كيزر> وزملاؤه [من جامعة گرونينگن بهولندا] في أبحاثهم الميدانية، أن الفعل الآثم يتمخض عنه فعل آثم آخر. فبعد أن قام الباحثون بوضع كتابات زخرفية على جدار في أحد الأزقة، لاحظوا زيادة في كمية المنشورات الموزعة بجوار مقاود الدراجات العادية الموقوفة على طول هذا الزقاق؛ كما لاحظوا أيضا أن مكافحة الكتابة الزخرفية على الجدران وغيرها من الخروقات الصغيرة المزعجة، يمكنها أن تؤثر بدرجة إيجابية عالية في جودة الحياة بالمدينة. وتجدر الإشارة إلى أن نتائج هذه الأبحاث تدعم نظرية النوافذ المحطمة broken windows التي يُعتبر عمدة مدينة نيويورك السابق <R. جولياني> أشهر المؤيدين لها، فقد شَنّ في منتصف تسعينات القرن العشرين حملة شعواء دعا فيها إلى تطبيق قوانين صارمة ضد مرتكبي الخروقات البسيطة، كرمي النفايات وقطع الشارع خلافا لأنظمة السير وتخريب الممتلكات. وقد تم إرجاع الانخفاض الحاد في معدلات الجريمة الذي شهدته هذه الفترة إلى هذه السياسة جزئيا.

وغالبا ما تمتد نزعة انتساخ الآخرين إلى أبعد من مجرد تقليد حركاتهم الإيمائية وتعابير وجوههم، لتصل إلى درجة التماهي مع بعض جوانب هوياتهم الشخصية. فعندما نلتقي بأحد معارفنا أو يُستحضر ذكره أمامنا، فإن ذلك قد يحرض لدينا عملية ذهنية لاواعية تبرمجنا primes us للبدء بمحاكاة بعض أنماط سلوكه المميزة. وقد أُجري عدد من الدراسات على طلبة جامعيين كان عليهم أن يستمعوا خلالها إلى توصيفات مرتبطة بالمسنين (”فلوريد“ و ”أشيب“ و ”يانصيب“… إلخ). وبعد انتهاء التجربة تبين أنهم يمشون في القاعة بسرعة أبطأ، وذلك تماشيا مع الصورة النمطية السائدة عن كبار السن باعتبار أن هؤلاء ضعفاء وبطيئو الحركة. وبالمثل، فإن الكلمات أو الصور المبرمجة priming التي ترتبط بالفكرة النمطية السائدة عن المُمَرِّضات تؤدي إلى تعزيز النزعة السلوكية لمساعدة الآخرين. كما أن التلميح إلى الصور النمطية المرتبطة بالسياسيين يفضي إلى الإطناب في المحاضرات. ويبدو أن كافة هذه المؤثرات تفعل فعلها على صعيد اللاوعي، من دون أن يعي المشاركون كيفية تأثر سلوكهم بها.

وقد أظهرت الاستقصاءات حول ما يطلق عليه علماء النفس الاجتماعي التهديد النمطي stereotype threat أن مجرد استحضار إحدى الأفكار النمطية – حول العرق أو الهوية الجنسية، مثلا – في ذهن أحد أعضاء مجموعة تستهدفها مثل هذه الانحيازات، كفيل بالتأثير سلبا في أدائه في المدرسة أو في مكان العمل. وقد قام <C. ستيل> [من جامعة ستانفورد] بتوثيق ظهور هذا الأثر السلبي على نتائج الامتحان عندما يطلب إلى أحد الطلبة المنتمين إلى إحدى الأقليات قبل بدء الفحص أن يجيب خطيا عن سؤال يتعلق بالجماعة العرقية أو الإثنية التي ينتمي إليها. وقد أوضحت الراحلة <N. أمبادي>، خلال فترة عملها في جامعة هارڤرد، أنه حتى فتيات ما قبل المدرسة في مراكز الرعاية النهارية بهارڤرد يسجلن نتائج سيئة في اختبارات الرياضيات السهلة، إذا ما تم تذكيرهن بهويتهن الأنثوية قبل بدء الاختبار. أما الأخذ بأفكار نمطية إيجابية على نطاق واسع، فله تأثير معاكس. ففي الدراسة نفسها التي شملت فتيات ما قبل المدرسة، كان أداء الفتيات الأمريكيات من أصول آسيوية أفضل من المتوسط إذا ما تم تذكيرهن بخلفيتهن الإثنية، بينما كن يتلعثمن إذا ما تم التركيز خلال تمرين البرمجة priming exercise على هويتهن الجنسية.
لقد أدى الفشل في إعادة إنتاج نتائج بعض الدراسات التي أجريت حول البرمجة مؤخرا إلى إثارة خلافات في الرأي. ويعود هذا الفشل إلى أسباب معقدة تتعلق جزئيا بالمناهج التي استخدمت في تلك الدراسات. ويتضمن الإطار في الصفحة 34 شرحا إضافيا للجوانب الدقيقة من هذه المسألة.

ليس للعوامل اللاواعية، في واقع الأمر، تلك الفعالية التي تمكنها دوما من تسيير ما نمارسه من أفعال. فكثير من الناس على اطلاع جيد بفكرة الإعلانات دون عتبة الوعي subliminal advertising في القاعات السينمائية. وهي إعلانات تحمل عبارات تومض بصورة لامرئية على الشاشة، كعبارة «تناول البوب كورن»، مثلا، التي كان يعتقد سابقا أنها تفضي إلى زيادة في مبيعات أكشاك الصالات السينمائية. وفي خمسينات القرن العشرين ظهرت مخاوف من الإعلانات دون عتبة الوعي إثر صدور كتاب <V. باكارد> أولياء الإقناع المستترون The Hidden Persuaders الأكثر مبيعا. ومع أن هذه التقارير، كما اتضح في آخر الأمر، كانت مزيفة في معظمها، فلا يزال الكثير من الناس يتساءلون عن إمكانية وجود رسائل دون عتبة الوعي من شأنها أن تؤثر في سلوك المستهلك. وبالفعل، فقد أظهرت الأبحاث اللاحقة بصورة مقنعة أن الشخص إذا ما كان يتحفز للقيام بفعل ما، كإطفاء عطشه – فإنه قد يتأثر برسالة دون عتبة الوعي تحثه على تفضيل ماركة معينة من المشروبات على غيرها.

أما الإعلانات العادية غير المثقلة برسائل مستترة، فهي مؤثرات قوية بحد ذاتها. ففي إحدى الدراسات التي تناولت موضوع الإعلانات التلفزيونية العادية، عُرِض على المشاركين مقطع تلفزيوني مدته خمس دقائق تضمن مشاهد من كوميديا شعبية، حيث قدم لهم خلال ذلك وعاء مليء بمقرمشات السمك الذهبية، فتبين أن تقديم أي نوع من إعلانات الطعام أثناء فترات الاستراحة المخصصة للإعلانات التجارية يؤدي إلى زيادة كبيرة في استهلاك المشاركين لمثل هذه الوجبات الخفيفة. ومن هنا يتبين أن هذه الإعلانات الغذائية قامت ببرمجة المشاركين لتناول الوجبات الخفيفة، وذلك بعيدا عن أي من المؤثرات دون عتبة الوعي الخادعة. ونخطئ كثيرا إذا ما اعتقدنا أننا قادرون على تحصين سلوكنا من التأثر بالإعلانات، بمجرد أن نكون على دراية تامة بمضامينها.

 

المعرفة المجسدة(*****)

تركز بعض الدراسات التي تبحث في اللاوعي والسلوك على الطريقة التي تؤثر بها البيئة المادية المحيطة في الحالة النفسية لعقلنا. وقد قام <F.شتراك> [الذي يعمل حاليا بجامعة فرتسبورگ في ألمانيا]، مع زملائه، بإجراء سلسلة من التجارب أظهر فيها أن المفعول الارتجاعي اللاواعي unconsciousfeedback للتعابير الطارئة على وجوه الباحثين – كالابتسام أو العبوس، مثلا – قادر على جعل الناس يحكمون على الأشياء التي تتبدى في ساحة رؤياهم حكما قيميا يتمثل في كلمتي: يروق أو لا يروق لي. وكان المشاركون في الدراسة يحملون أقلام رصاص، إما بأسنانهم – لتقليص عضلات الوجه تعبيرا عن الابتسام – أو بشفاههم – لبسطها تعبيرا عن العبوس، الأمر الذي يعني أن الوضع البدني لعضلات الوجه كانت تولد ما يتناسب معها من حالة نفسية.

وقد أظهرت الدراسات في هذا المجال البحثي الذي يُعرف باسم المعرفة المجسدة embodied cognition، أن هناك حشدا من الأفعال والأحاسيس البدنية التي تحرض حالات نفسية ترتبط ارتباطا مجازيا بهذه السلوكيات والمشاعر. فإذا تذكرت، مثلا، حادثة سابقة قمت خلالها بجرح مشاعر شخص آخر، فإن ذلك قد يزيد من رغبتك في تقديم المساعدة للآخرين والتعاون معهم بطريقة ودية تعويضا عن ذلك الفعل الآثم. وفي إحدى الدراسات المشهورة، طُلب إلى المشاركين استذكار أحد تصرفاتهم التي تبعث على الشعور بالذنب، ثم طلب إليهم بعد ذلك غسل أيديهم؛ ظاهريا، للمساهمة في منع انتشار ڤيروس الإنفلونزا داخل الغرفة التي تجرى فيها التجربة. وقد لوحظ أن هذا الفعل البدني لغسل الأيدي كان يبدو وكأنه غسل لإزالة الذنب. كما لوحظ أيضا أنه لم يعد هناك أي تلكؤ في إظهار نزعة المودة أو نزعة تقديم المساعدة للآخرين لدى أفراد المجموعة التي قامت بالممارسات التطهيرية، مقارنة بالآخرين الذين لم ينظفوا أيديهم – وهي ظاهرة تدعى أثر ماكبث Macbeth effect، تيمنا بطقوس غسل اليدين القهرية عند الليدي <ماكبث> في مسرحية لشكسبير, تحمل المسمى نفسه: <ماكبث>.

ويبدو أن الوقاية من المرض تلبي، بالمثل، احتياجات اجتماعية أو سياسية مجردة. ففي إحدى الدراسات أدلى مشاركون من التيار السياسي المحافظ، بُعيْد تلقيحهم بلقاح ڤيروس الإنفلونزا (H1N1)، بتصريحات تنمُّ عن مواقف أكثر إيجابية تجاه المهاجرين مقارنة بأولئك الذين لم يتلقوا حقنة اللقاح، كما لو كان التحصين من غزو ڤيروس الإنفلونزا قد صعّد إدراك هؤلاء، فباتوا يتصورون أن القادمين الجدد لديهم غايات حسنة، ولا يسعون بطريقة أو بأخرى إلى غزو ثقافة مجتمعهم وسلبها.

والمجاز يجد طريقه أيضا إلى الأسلوب الذي نستخدمه في وصف الأشخاص الذين نصادفهم بصورة روتينية. فجميعنا يدرك ما تحمله «العلاقة الوثيقة» من معنى، أو ما يشير إليه «الأب البارد» من مدلول. وتجزم إحدى النظريات الحديثة التي تعد واحدة من حوامل مفهومية conceptualscaffolding، أن استعمالنا لهذه الاستعارات المجازية بهذه السهولة يعود إلى أن الصيغة المجردة للمفهوم العقلي ترتبط ارتباطا وثيقا بالعالم المادي الذي نعيش في كنفه. فالتجارب تظهر أن الأشخاص الذين يمسكون بكوب من القهوة الساخنة لفترة وجيزة، تتشكل لديهم انطباعات بأن الآخرين «أكثر حرارة»، وأكثر ودا وسخاء، مما لو كانوا يمسكون بكوب من القهوة المثلجة. وفي السياق ذاته، أظهرت دراسات حول الآلية اللاواعية التي تؤثر بها خبرات الحياة البدنية بطرق مجازية في السلوك واتخاذ الأحكام، أن جلوس المشاركين في جلسة تفاوضية على مقاعد صلبة يجعلهم أكثر تشددا في النقاش، وأكثر تصلبا في إبرام التفاهمات عند إجراء المفاوضات، مقارنة بأولئك الذين يجلسون على مقاعد لينة. كما أن إمساكهم بشيء خشن، كان يفضي بهم إلى إطلاق أحكام أكثر إحراجا على محاوريهم والتعامل معهم بأسلوب أقل لباقة.

ولدينا نزعة لاواعية لتقييم كل ما نحتك به تقريبا بالمعيار الخام «جيد أو سيئ». فحتى استجابتنا الأتوماتيكية اللاواعية، إنما تتم ترجمتها إلى حركتينا الأساسيتين؛ نزعة الاقتراب من الشيء ونزعة الابتعاد عنه. وفي الآونة الأخيرة قام <R. ويرز> [الاختصاصي في علم النفس السريري من جامعة أمستردام] بتطوير طريقة علاجية ناجحة للكحولية وغيرها من أمراض الإدمان بناء على هذه الرؤية. وكان على المرضى، أثناء المعالجة، أن يستجيبوا لصور تستعرض سوء استخدام الكحول بطرق مختلفة، وذلك من خلال دفع رافعة بصورة متكررة، من دون أي توجيهات أخرى تتعلق بطريقة تقييم معاني الصور. ومقارنة بمجموعة المرضى الشاهدة، أظهر المرضى الذين قاموا بدفع الرافعة انخفاضا ملحوظا في معدلات النكس بعد مضيّ عام على بدء المعالجة. كما أصبحوا أكثر قدرة على التأمل الفكري في مساوئ الكحول. إذ إن الربط اللاواعي بين الحركات العضلية وفعل الاجتناب المترتب على هذه الحركات، يؤدي إلى نشوء مواقف نفسية سلبية من جهة، ويحرص ارتكاسا معويا حشويا من جهة ثانية، الأمر الذي يساعد المرضى على تجنب الوقوع في غِواية الشرب خارج حدود العيادة.

 

انبعاث فرويد من جديد(******)

وهناك اهتمام آخر، انصب على أبحاث تجريبية أجريت على مسألة الدوافع والأهداف اللاواعية؛ أي ينصب على المسألة الأساسية التي تتمحور حول السؤال الآتي: «ماذا يريد الناس فعلا؟» وهو، بالطبع، السؤال نفسه الذي اهتم به <فرويد> اهتماما مركزيا في مسيرته البحثية الطويلة. بيد أن النظريات الحديثة التي تبحث في العوامل المسيرة للسلوك تختلف عما طرحه طبيب الجهاز العصبي النمساوي، ذلك لأن نمط التفكير المعتمد فيها مستمد من دراسات أجريت على مجموعات مكونة من الناس العاديين، عوضا عن دراسة حالات الأفراد المضطربين نفسيا. فضلا عن ذلك، فإن هذه النظريات تشير إلى نظام نفسي أحادي، يتوفر لدينا جميعا، وبوسعه أن يعمل بالطريقتين الواعية واللاواعية كلتيهما، وذلك بخلاف اللاوعي الفرويدي الذي يعمل بموجب قواعده الخاصة المستقلة كليا عن تلك القواعد المسيرة للنشاط الواعي.

وبالفعل، فقد وجد الباحثون في علم النفس الحديث للرغبة، أن السبل التي نسعى بها إلى تحقيق أهدافنا هي سبل متشابهة جدا، سواء كنا نعي هذه الأهداف أو لا نعيها. وقد قام كل من <M. بيسيگليون> و <C. فريث> [من مركز ويلكوم ترست(7) للتصوير العصبي بجامعة كوليج لندن آنذاك] بإجراء دراسات حول هذه الظاهرة، حيث كان يطلب إلى المشاركين في الدراسة القيام بدفع رافعة بأسرع ما يمكن عند الطلب. وقبل كل تجربة، كان المشاركون يتلقون إما إشارة واعية أو إشارة تحت عتبة الوعي، وذلك بشأن المكافأة التي قد يحصلون عليها. وكانت الحوافز الأقوى (جنيه إسترليني مقابل بنس واحد) تجعل المشاركين يدفعون الرافعة بسرعة أكبر، سواء أدركوا أو لم يدركوا ذلك إدراكا واعيا. إضافة إلى ذلك، فقد كان تصوير الدماغ يظهر في تجارب المكافآت بنوعيها – الوعي وما دون عتبة الوعي – التوهج ذاته في مناطق الدماغ الحساسة للحافز. وهذه الدراسات وغيرها تشير إلى أن التنبيه المدرك إدراكا لاواعيا قد يكون بوسعه دفع الشخص إلى السعي الحقيقي إلى تحقيق أحد أهدافه دون علم منه بكيفية نشوئه، ودون الحاجة إلى مداولة واعية أو إرادة حرة.

وعقل اللاواعي ليس باستطاعته فقط أن يحثنا على التوجه نحو خيار معين، بل بوسعه أيضا أن يساعدنا على استحضار الدافع اللازم لترجمة هذا الخيار إلى واقع فعلي. وكما يعرف علماء النفس منذ أمد طويل، وبفضل تجارب العلوم الاجتماعية، فإن امتلاك الناس للسلطة غالبا ما يدفعهم إلى الإفصاح عن سلوك يتسم أولا بالأنانية والفساد والسعي وراء المصالح الشخصية. إذ إن الرغبة الملحة في ممارسة السلطة داخل الجماعة غالبا ما تشي بنفسها من خلال سلسلة من التلميحات البدنية الدقيقة التي لا نعيها. ففي إحدى الدراسات طُلِب إلى المشاركين الجلوسَ عشوائيا على كرسي أحد الأساتذة الجامعيين خلف الطاولة، فتبين أن من يقوم بذلك من هؤلاء المشاركين سرعان ما يصبح أقل اكتراثا بآراء الآخرين به، وأقل قدرة على ضبط نفسه في التعبير عما يخفيه من مشاعر عنصرية وغيرها من الأحاسيس المعادية للمجتمع، مقارنة بالمشاركين الذين كانوا يجلسون على كرسي الطلبة أمام طاولة الأستاذ.

ولحسن الحظ، فإن الكثير من الناس يسعون إلى تسجيل أهدافهم في الاتجاه الذي يصب في مصلحة الآخرين، شأنهم في ذلك شأن الآباء الذين يضعون مصلحة أبنائهم فوق مصالحهم الخاصة. وإذا كان الأثر العام لامتلاك السلطة يتمثل بالسعي الحثيث إلى تحقيق الغايات الشخصية الأساسية بطريقة لاواعية، فمن واجب الأفراد ذوي التوجه الجماعي communally أن يكونوا أكثر استعدادا لمساعدة الآخرين، وأقل نزعة للتركيز على أنفسهم. وبالفعل، فقد أظهرت الدراسات أن السلطة تجعل هؤلاء الأشخاص ينطلقون من منظور غيري في تعاملهم مع الآخرين، فينجزون الجزء الأكبر من العمل ويتركون لغيرهم ما تبقى منه. وهنا لابد من التنويه مرة أخرى بأنهم يمارسون هذه الأفعال جميعها دون علم منهم بما يكمن خلفها من دوافع. إضافة إلى ذلك، فإن هؤلاء الأشخاص يصبحون أكثر انشغالا بآراء الآخرين بهم، وأكثر تحفظا في إظهار ما يحتفظون به من نزعة للتحيزات العنصرية.

لقد كتب <فرويد> عددا لا يحصى من آلاف الكلمات لتفسير ما يجعل رغباتنا المكبوتة تُفصِح عن نفسها في الصور والقصص التي تعج بها أحلامنا الليلية. أما آخر ما أجري من أبحاث، فيمدنا بمنظور أكثر براغماتية حول الكيفية التي تقوم بها أفكارنا وانفعالاتنا، الواقعة تحت مستوى الوعي مباشرة، بتحديد شكل العلاقات التي تربطنا برؤسائنا في العمل أو بوالدينا أو بشريك حياتنا أو بأحد أطفالنا. الأمر الذي يعني أنه يمكننا الآن التخلي عن الأفكار القديمة المتعلقة بعقدة أوديب(8) والأخذ بحقيقة أن اللاوعي يمارس وجوده لدينا في كل لحظة من حياتنا، سواء كنا في حالة اليقظة التامة، أو كنا نغط في حلم عميق.

 

المؤلف

John A. Bargh

   

 

<بارج> أستاذ في علم النفس ومدير لمختبر المعرفة التلقائية والدوافع والتقييم في جامعة Yale. ويعنى هذا المختبر بدراسة العوامل اللاواعية المؤثرة في السلوك، ويبحث في مسائل أخرى كمسألة الإرادة الحرة وحدودها.

مراجع للاستزادة

Automaticity in Social-Cognitive Processes. John A. Bargh et al. in Trends in Cognitive Sciences, Vol. 16, No. 12, pages 593–605; December 2012.
The Selfish Goal: Autonomously Operating Motivational Structures as the Proximate Cause of Human Judgment and Behavior. Julie Y. Huang and
John A. Bargh in Behavioral and Brain Sciences (in press).

(*)OUR UNCONSCIOUS MIND

(**)GUT REACTIONS

(***)Why Some Social Science Studies Fail

(****)OUT OF CONTROL

(*****)EMBODIED COGNITION

(******)FREUD REDUX

(1) psychological dynamic
(2) صفة تُطلق على عدد من الحيوانات اللبونة الضخمة المنقرضة التي تشبه الفيلة، لكن أسنانها الطاحنة molar teeth ذات بنية مختلفة. (التحرير)
(3) ”Thinking Fast and Slow“

(4) Florida and bingo

(5) findings

(6) brain scans

(7) Wellcome Trust Center

(8) Oedipus complexes

*مجلة العلوم

error: المحتوى محمي