عالمنا اللامتناظر – هيگستروم و كُنديپودي

عالمنا اللامتناظر – هيگستروم و كُنديپودي

مجلة العلوم – أغسطس – سبتمبر1995 / المجلد 11


 

 إن الطبيعة تؤلف عالما لامتناظرا بالنسبة إلى اليمين واليسار، من ذراته إلى

كائناته البشرية. وسنشرح في هذه المقالة كيف يؤدي اللاتناظر الكامن

في الجسيمات الأولية إلى اللاتناظر الظاهر في الأشياء المحسوسة.

<A.R.هيگستروم>ـ<K.D.كُنديپودي>

في عام 1848، وبينما كان <لويس باستور> يفحص أحد أملاح حمض الطرطير تحت المجهر، لاحظ أن هذا الملح يؤلف شكلين من البلورات أحدهما صورة للآخر في مرآة مستوية، فما كان منه إلا أن فصل بالملقط بين النوعين، وأذاب كل نوع ـ على حدة ـ في الماء، ثم سلط خلال كل محلول حزمة ضوء مستقطب. وباستغراب كبير لاحظ أن أحد المحلولين يدوِّر مستوي استقطاب الضوء باتجاه حركة عقارب الساعة وأن المحلول الآخر يدوِّر هذا المستوي في الاتجاه المعاكس.

إن هذا الاكتشاف المثير، الذي تم على يدي باستور وهو ابن 25 عاما، أدى به لأن يبتكر نظرية في البنية الجزيئية للمادة. وفي ذلك العصر، كانت المعلومات عن بنية المادة في السلم المجهري بسيطة للغاية. لكن باستور افترض أن الشكلين المميزين لبلورات ملح الطرطير، وقدرتهما على تدوير الاهتزازة الضوئية باتجاهين متعاكسين، ناتجان كلاهما من أن جزيئات الملح نفسها تتخذ شكلين فراغيين متناظرين يمينا ـ يسارا، فقال: إن بعض الجزيئات ذو شكل «يميني» وبعضها الآخر ذو شكل «يساري».

ولدى دراسة اللاتناظر القائم في تلك البلورات توصل باستور إلى اكتشاف عظيم آخر عام 1857: إذ لاحظ أن نوعا من الفطريات قد نما في محلول غير فعّال ضوئيا، أي إنه كان في الأصل لا يؤثر في مستوي استقطاب الضوء. وبدلا من أن يسكب هذا المحلول «الملوًّث» في البالوعة ـ كما كان يمكن أن يفعل سواه ـ فحصه بحزمة ضوء مستقطب، فتبين له أن هذا المحلول قد صار ذا مفعول ضوئي، أي إنه دوًّر مستوي استقطاب هذه الحزمة الضوئية. لقد حوّلت عضويات (متعضيات) مجهرية ـ الفطريات ـ محلولا غير فعال ضوئيا إلى محلول فعال ضوئيا.

علّل باستور هذه الظاهرة الجديدة ـ بناء على نظريته في البنية الجزيئية ـ بأن المحلول كان غير فعال ضوئيا لأنه كان يحوي مقدارين متساويين من نوعي الجزيئات: اليميني واليساري، ثم كان أن تفاعلت الفطريات مع أحد النوعين فقط، فصار المحلول غنيا بالنوع الآخر، وكان من شأن هذا الاختلال أن جعل المحلول فعالا ضوئيا.

وهكذا اكتشف باستور أن كيمياء الحياة تتحسس باللاتناظر بين الجزيئات، على صعيد اليمين واليسار، مما جعله يعتقد ـ في البدء ـ أن هذه الخاصية هي التي تميز المادة الحية عن المادة العاطلة (الميتة). ثم صرح فيما بعد: إن هذا اللاتناظر في الطبيعة لا يقتصر على كيمياء الحياة، بل إن «الحياة، كما تتجلى لنا، ناجمة عن اللاتناظر الكامن في عالمنا هذا.» بعدها، وأمام الأكاديمية الفرنسية للعلوم، قدم افتراضه العظيم «إن العالم غير متناظر» L’univers est dissymétrique.

لم يكن أحد يتصور، في ذلك الوقت، مبلغ صحة هذا الافتراض. لكننا نعلم اليوم أن في الطبيعة أشياء كثيرة غير متناظرة «بالانعكاس عن المرآة»(1)، وأن العالم غير متناظر في كل المستويات، من الجسيمات دون الذرية إلى الأجسام المحسوسة (العيانية). ولئن كنا لانزال نجهل أصل هذا اللاتناظر ونشوءه؛ فإن العقود القليلة الماضية بينت لنا ـ بالبحث العلمي ـ كيف تنشأ «اليدوية» في مستوى ما عن اليدوية الموجودة في مستوى آخر. وللتدقيق في هذا الموضوع نبدأ أولا بالأشياء المألوفة في حياتنا اليومية.

اللولبية

إن معظم الأشياء الموجودة في الطبيعة لا تنطبق على خيالاتها (صورها) المرآتية فنقول: إنها «ملولبة» chiralوموجودة بشكل «يساري» أو «يميني». ولئن كنا نفهم ما معنى يميني ويساري في الأشياء المألوفة ـ كجسم الإنسان والبراغي مثلا ـ فإن هاتين الصفتين اعتباطيتان في مجال الأشياء الأعقد، كالأشجار وأغصانها ذات الأشكال غير المنتظمة. فخيال بعض الأجسام البسيطة في المرآة ـ كالكرة والمثلث ـ يطابق الأصل، ونقول عن هذه الأجسام: إنها لاملولبة.

وليست اللولبية صفة مقصورة على الأجسام وحدها، بل يوجد أيضا ظواهر، كالتفاعلات الكيميائية مثلا، يمكن أن تكون ملولبة. وتبدي بعض التفاعلات النووية والذرية تفضيلا لليمين أو اليسار، وذلك بتوليد جسيمات من أحد النوعين ـ اليساري أو اليميني ـ أكثر مما تولِّده من النوع الآخر. ولو كانت الظواهر كلها لاملولبة، لرأينا مقادير متساوية من المنظومات اليمينية والمنظومات اليسارية. وبما أن الأمر ليس كذلك، فإن بعض الظواهر الطبيعية لامتناظرة.

وعلى الرغم من أن الجسم الملولب ونظيره المرآتي متباينان بالتعريف، فإننا لا نرى ـ للوهلة الأولى ـ سببا لأن يكون أحدهما أميز من الآخر. ومع ذلك يظهر أن الطبيعة تفضِّل عموما أحد النوعين على الآخر، وهذا ما يظهر بوضوح في الكائنات الحية. فالإنسان مثلا غير متناظر تشريحيا: إن قلبه في اليسار وكبده في اليمين على سبيل المثال. وهو أيضا غير متناظر (ملولب) وظيفيا: فعلى الرغم من أن استخدام اليد اليسرى أو اليمنى لا يبدو ذا ميزة لصاحبها نجد أن عدد الناس الضُبُط(2) ambidextrous قليل. ولكن لماذا كانت إحدى اليدين تخدم أحسن من الأخرى؟ إن الأجوبة المقترحة عن هذا السؤال عديدة، ولكننا مازلنا نجهل السبب الحقيقي.

ومادام البشر غير ضُبُط كلهم، فلماذا معظم الناس «يمينيون»؟ إن كون اليمينيين أكثر عددا من اليساريين هي ظاهرة لدى كل الشعوب وفي كل العصور، لا ترتبط بعرق أو ثقافة. ولكننا لا نرى محذورا لو كان معظم الناس يساريين، إلا أن المصادفة على ما يبدو قد قضت بتفوق عدد اليمينيين. ثم لماذا لم تكن مقادير النوعين متساوية عند الولادة؟ إننا نجهل أيضا سبب ذلك، لكننا نفترض أن تفضيل استخدام إحدى اليدين على الأخرى شيء وراثي: أي إن أفضلية استخدام اليد اليمنى صارت بالوراثة طاغية ـ لأي سبب كان، ثم ظلت هكذا.

وفي العضويات صفات ملولبة أخرى. فقوقعة الحلزون يمكن أن «تتحلزن» يمينيا أو يساريا؛ لكن الواقع أن التحلزن اليميني أكثر هيمنة في جانبي خط الاستواء. ومن بين الأنواع ذات القواقع اليمينية تظهر ـ نتيجة الطفرات ـ أفراد يسارية بنسبة ضعيفة تتراوح ـ بحسب الأنواع ـ بين واحد في المئة وواحد في عدة ملايين. وليس التحلزن اليميني قاعدة مطلقة، بل إن بعض الأنواع، مثل الوِلْك المتألق lightning whelk في ساحل الأطلسي، تهيمن عليها القواقع اليسارية، وأخيرا توجد أنواع نادرة يتساوى عندها تقريبا عددا القواقع اليمينية واليسارية، منها مثلا حلزون كوبا الشجري (Liguus poeyanus) cuban tree snail.

إن للكائنات الحية ـ بصفة عامة ـ جهة التفاف مفضلة: فنبات صريمة الجدي يلتف نحو اليسار، في حين يلتف اللبلاب ـ مثل معظم النباتات الملولبة ـ يمينيا. والقوقعيات ـ مثل النوع ليكوس فيرجينوس ـ عموما ملولبة يمينيا، وقد تظهر في النوع نفسه نماذج يسارية ناجمة عن الطفرات. وتشكل البكتيريا باسيلوس سبتيلس مستعمرات ملولبة يمينيا عادة، وبالتسخين تتحول إلى يسارية. ونذكر أخيرا أن الذرات والجزيئات هي الأخرى تنطوي على خصائص لولبية، لكننا لانزال نجهل الصلة بين هذه اللولبية ولولبية الكائنات الحية.

والنباتات، كالحيوانات، معظمها ملولب: ففي حين يلتف اللبلاب (convolvulus arvensis) bindweed(أحد النباتات المعترشة) يمينيا في تسلقه، تلتف صريمة الجدي (lonicera sempervirens) honeysuckleيساريا. وبعض العضويات المكروية كالبكتيريا ملولبة أيضا. فمنذ السبعينات، درس<H.N.منديلسون>وزملاؤه في جامعة أريزونا سلوك البكتيريا باسيلوس سبتيليس Bacillus subtilis التي تشكل مستعمراتُها لوالب يمينية عموما، ولكن الذي يلفت النظر أن ارتفاع درجة الحرارة يعكس اتجاه التفافها.

لولبية الجزيئات الكيميائية

ذكرنا أن باستور قال بأن الجزيئات ملولبة هي الأخرى، ويسمي الكيميائيون الجزيء وخياله المرآتي بالنظيرين المرآتيين. وقد احتفظوا ـ من دراسات باستور على الدوران الضوئي ـ بالرمز L (الحرف الأول من levo = يسار) للنظير الذي يدير مستوي استقطاب الضوء نحو اليسار، وبالرمز   dextro) D  =يمين) للنظير الذي يدير المستوي نحو اليمين. وكثيرا ما نصادف أشكالا نظيرية مرآتيا في مواد عضوية أو غير عضوية (معدنية)، وبصورة أساسية في كل الجزيئات اللازمة لتطور الحياة تقريبا، وخصوصا في البروتينات المسؤولة عن بنية الخلايا الحية وعن نظامها الكيميائي، وكذلك في الدنا DNA، ذلك الجزيء الذي يختزن المعلومات الوراثية.

إن جزيء البروتين هو بوليمر عضوي، أي سلسلة طويلة حلقاتها جزيئات أصغر، هي حموض أمينية. وعلى الرغم من أننا نعرف عدة مئات من الحموض الأمينية، فإن عدد ما يدخل منها في بروتينات المادة الحية هو 20 حمضا فقط، وجميعها ملولب، باستثناء الگليسين glycine، ويمكن أن توجد بالشكلين L و D. لكن الغريب أن البروتينات الطبيعية لا تحوي سوى حموض أمينية من النوع L. (توجد حالات نادرة ذات سلاسل قصيرة من حموض أمينية من النوع D، ولها عندئذ دور بيولوجي خاص).

إن بعض البروتينات، وهي الإنزيمات (الإنظيمات)، تقوم بوظيفة مُحفِّزة للتفاعلات البيوجزيئية، وخصوصا تصنيع بروتينات أخرى، وتتعلق المقدرة التحفيزية للإنزيمات ـ بشكل خاص ـ ببنيتها الفضائية (ثلاثية الأبعاد)، وهي بنية يتحكم فيها تعاقب (تسلسل) الحموض الأمينية L. إن بعض الپپتيدات المصنًّعة من النظيرين المرآتيين D و L، ذات نشاط تحفيزي شبه معدوم، لأنها ـ بخلاف معظم الإنزيمات ـ غير مطوية على نفسها بشكل مجدولات التفافية منتظمة، أي ما يسمى الالتفاف ألفا alpha helix.

ولما كانت معظم جزيئاتها الحيوية (الأساسية) ملولبة؛ فإن كيمياء البشر حساسة جدا إزاء فروقات اللولبية. والمثال الأكثر مأساوية حدث في عام 1963 عندما استُعمل الدواء المعروف باسم تاليدوميد thalidomide: ففي حين عالج أحد نظيري هذا الجزيء الملولب الغثيان الصباحي عند النساء الحوامل، سبّب النظير الآخر تشويهات ولادية مخيفة. واليوم تحرص الصناعة الصيدلانية بعناية فائقة، على فصل النظيرين، أحدهما عن الآخر. وفي إحدى الحالات الأقل خطرًا حالة الليمونين limonene، وهو مركب موجود في الليمون والبرتقال والعطور. هنا يستطيع الإنسان تمييز النظيرين بالشم، لأن رائحة أحدهما تشبه رائحة البرتقال، ورائحة الآخر تشبه رائحة الليمون.

وعلى شاكلة البروتينات، فإن الدنا والرنا RNA بوليمران لا يوجدان في الطبيعة إلا على شكل أحد النظيرين الملولبين. وهما مركبان من أربعة أنواع من الوُحَيْدات (الوحدات الفرعية)، ينطوي كل منها على سكر لامتناظر من نوع النظير المرآتي D حصرا. ولهذا السبب يشكل الدنا والرنا لولبين يمينيين. ولما كان تناسخ الحموض النووية منوطا بنشاط بروتينات مؤلفة من سلاسل حموض أمينية يسارية، فإن لولبية الحموض النووية ولولبية البروتينات غير منفصلتين.

إن الدور البيوكيميائي المميز الذي تؤديه الحموض الأمينية L والسكاكر D دور مضاعف الخصوصية، فإذا استثنينا الشذوذات القليلة ـ التي سنعرض لها فيما بعد ـ نجد، من جهة أولى، أن الخصائص الكيميائية للنظيرين L وD، بصورة أساسية، متناظرة مرآتيا. ثانيا: إذا صنّعنا في المختبر جزيئات ملولبة باستخدام مواد تفاعل غير ملولبة نحصل على مقدارين متساويين من النظيرين L و D، إلا إذا وجهنا التفاعل (عملية التصنيع) باستخدام وسيط لاتناظري أثناء التفاعل.

إن اللولبية خاصية تمتلكها الأجسام التي لا يمكن أن تنطبق على خيالاتها (صورها) المرآتية (في مرآة مستوية). فالكرة الساكنة مطابقة لخيالها المرآتي، فيقال: إنها لاملولبة، وهي تظل كذلك ولو كانت دوّامة على نفسها (a)، لأننا نستطيع أن نطابق الكرة (الجسم الأصلي) على خيالها، وما علينا في سبيل ذلك سوى أن نقلبها رأسا على عقب فتنطبق على خيالها الأولي. أما إذا كانت تتحرك على طول محور سبينها (تدويمها) (b) فلا يعود خيالها عندئذ قابلا للانطباق عليها فتصبح ملولبة. ويقال، اصطلاحا، عن الجسم المتحرك الدوّام على نفسه: إنه يميني إذا كان يتصرف كبرغي يميني (أثناء توغله في الخشب)، وفي عكس ذلك يقال: إنه يساري (c). أما جهة السبين (التدويم) فتعرف «بقاعدة اليد اليمنى»: إذا طوينا أصابع اليد اليمنى باتجاه الدوران مع إبقاء الإبهام مفتوحا، فإن اتجاه الإبهام يحدد اتجاه محور السبين (d): (إن الأيدي والبراغي أجسام ملولبة لأنها لا يمكن أن تكون مطابقة لخيالاتها المرآتية.)

هناك سبب أساسي وراء هذا التناظر: فالتفاعلات الكيميائية ناجمة في جوهرها عن تفاعلات كهرطيسية بين الذرات، ومن شأن القوى الكهرطيسية، إذا حصل تفاعل ما، أن تحرِّض التفاعل النظير بالسرعة نفسها. ونقول عن القوة التي تحرِّض ـ باحتمال واحد ـ التفاعل ونظيره معا، إنها تحفظ المماثلة (الزوجية) parity في المنظومة. ولما كانت القوى الكهرطيسية تحفظ المماثلة، فإن من المتوقع أن يحوي عالمنا هذا مقادير متساوية من كلا النظيرين المرآتيين Lو D. ولكن لماذا ليست الحال كذلك؟ إن الجواب كامن في فحص اللولبية على الصعيد دون النووي.

أربع قوى

إن كل الجسيمات الأولية المعروفة تتفاعل فيما بينها بوساطة قوى تُصنف في أربعة أنواع: قوى التثاقل (الثقالة)، والقوى الكهرطيسية (المسؤولة عن التفاعلات الكيميائية العادية)، والقوى النووية الشديدة (المسؤولة عن تماسك النوى الذرية)، والقوى النووية الضعيفة الأقل شيوعا من القوى الأخرى. كان يظن حتى عام 1957، أن الطبيعة متناظرة في دنيا الجسيمات الأولية، أي إن هذه القوى الأربع تحفظ المماثلة. لكن تبين في العام 1957 أن القوة النووية الضعيفة لا تحفظ المماثلة.

إن عالمنا لامتناظر في مستويات عديدة. وتحوي المستطيلات الملونة الملولبات التي تحبذها الطبيعة. إن معظم الحلزونيات البحرية ذات قواقع ملولبة يمينيا، ومع ذلك يوجد بعض أنواع طافرة ذات لولبية يسارية. كما أن معظم النباتات المتسلقة تلتف يمينيا. هذا في حين تأتي البكتيريا الملولبة على شكلين: يميني ويساري. أما البروتينات والدنا DNA فهي عموما ملولبة يمينيا، واليسارية منها نادرة، ولا نصادف (في الطبيعة) تناظرًا مرآتيا فعليًا. والحموض الأمينية يمكن أن توجد بالشكلين: اليميني واليساري، إلا أن طاقتيهما مختلفتان بسبب تأثير القوة النووية الضعيفة ، وهي قوة ملولبة. أما في الكائنات الحية فكل الحموض الأمينية تقريبا يسارية. وتؤثر القوة النووية الضعيفة أيضا في الإلكترونات الدائرة حول نواة الذرة فتجعل النوى يمينية عموما. إن النيوترينوهات جسيمات أولية لا توجد إلا بالشكل اليساري: أي إن اتجاه سبينها يعاكس اتجاه حركتها.

إن القوة النووية الضعيفة ـ كما يوحي اسمها ـ أضعف نسبيا زهاء 1000 مرة من القوة الكهرطيسية و000 100 مرة من القوة النووية الشديدة. وتتجلى القوة الضعيفة أوضح ما يكون في النشاط الإشعاعي بيتا الناجم عن التفكك الفعال لبعض النوى الذرية. والحقيقة أن أشعة بيتا تتألف من إلكترونات عالية الطاقة ومن بوزيترونات؛ وهذه الأخيرة هي الجسيمات المضادة للإلكترونات (توائمها). وللإلكترونات، كما للبوزيترونات، سبين spin جوهري (أصيل) وهو الاندفاع الزاوي لدوران الجسيم على نفسه كالدوامة، لذلك فإنها تشكل نوعين من الجسيمات: الجسيمات D وهي التي تتحرك باتجاه سبينها، والجسيمات L التي تتحرك في عكس ذلك الاتجاه. ولقد اكتُشِف انتهاك (عدم انحفاظ) المماثلة لدى القوة الضعيفة عام 1957: فقد لاحظت <Sh.Ch.وو>، وزملاؤها في جامعة كولومبيا، أن الجسيمات بيتا الصادرة عن الذرات المشعة لامتناظرة على صعيد اللولبية: أي إن الإلكترونات Lالصادرة تفوق في عددها الإلكترونات D.

ولقد أفضت الدراسات اللاحقة للإشعاعات بيتا إلى اكتشاف النيوترينو والنيوترينو المضاد، وهما جسيمان حياديان كهربائيا (أي لا يحملان شحنة كهربائية)، يصدران لدى التفكك بيتا ويسيران دائما بسرعة الضوء. وعلى شاكلة الإلكترونات تمتلك النيوترينوهات المضادة الصادرة عن الذرات المشعة سبينا، لكن هذا السبين يميني دوما، بخلاف سبين الإلكترونات المصاحبة، ونحن لانزال نجهل سبب تفضيل هذه اللولبية في هذا المستوى الأساسي. من جهة أخرى، تصدر المادة المضادة في نشاطها الإشعاعي فائضا من البوزيترونات D، والنيوترينوهات L حصرا. فهل يجب أن نفهم أن النيوترينوهات D والنيوترينوهات المضادة L غي في الكون أصلا؟

في الستينات، كان يُعتقد أن انتهاك المماثلة مقصور على التفاعلات النووية، وأن التفاعلات الكيميائية والتفاعلات بين الذرات والضوء (أي التي تهيمن فيها القوى الكهرطيسية) تحفظ المماثلة. لكن<S.واينبرگ>(من جامعة تكساس في أوستن) ومحمد عبد السلام (مدير المركز الدولي للفيزياء النظرية بتريستا (ICTP)) و<L.Sh.گلاشو>(من جامعة هارڤارد) اقترحوا في أواخر الستينات نظرية لتوحيد القوة الكهرطيسية مع القوة الضعيفة [انظر: “Unified Theories of Elementary-Particle Interaction” by S. Wienberg;

Scientific American, July 1974].

وتتنبأ هذه النظرية بوجود قوة جديدة «كهرضعيفة» تربط إلكترونات الذرة ببروتونات النواة ونيوتروناتها. وفي السبعينات، أكدت تجارب أجريت في المركز CERN وجود هذه القوة التي تنتهك المماثلة.

وبما أن القوة الكهرضعيفة ملولبة تميز بين اليمين واليسار، فإن الذرات والجزيئات ـ التي كنا نظنها لاملولبة ـ هي ملولبة بأسلوب ما. إضافة إلى ذلك، فإن النظائر المرآتية ـ مثل الحموض الأمينية L و D ـ يجب أن تمتلك خصائص فيزيائية متباينة، كالطاقة مثلا، لأن هذه الخصائص منوطة باللولبية.

إننا نعلم اليوم أن عالمنا هذا لامتناظر يمينا ـ يسارا، وذلك صعودا من سلم الجسيمات الأولية إلى سلم البنى المحسوسة. فكيف تنشأ هذه اللاتناظرات؟ وهل تولِّد اللولبيةُ في مستوى ما لولبيةً في مستوى أعلى أم أن كلا منهما مستقل عن الآخر؟ سنحاول الإجابة عن هذين السؤالين ـ بقدر الإمكان ـ بدءا من أصغر سلم نعرفه: دنيا الجسيمات الأولية.

لولبية الجسيمات الأولية

في حال السكون، تكون الجسيمات الأولية ـ كالإلكترون أو البوزيترون ـ ذات تناظر كروي، وبالتالي لاملولبة. لكن إذا كان الجسيم ذو الدوران السبيني متحركا، سواء باتجاه محور السبين أو عكسه، فإنه يصبح ملولبا. وإذا كان الجسيم يرسم خلال حركته لولبا مثل برغي يميني يقال: إنه يميني، أما إذا كان تصرفه مثل برغي يساري فيقال: إنه يساري.

إن اللولبية في مستوى الجسيمات الأولية (دون الذرية) منوطة بانتهاك المماثلة. والقوة الكهرضعيفة في نظرية واينبرگ ـ عبدالسلام ـ گلاشو تميز اليسار عن اليمين من خلال «تيارات الشحنة الضعيفة» و«التيارات الحيادية الضعيفة». وشدة هذين التيارين ـ اللذين يُرمز لهما بالقوة W والقوة Z ـ بين أي جسيمين أوليين تتعلق بالمسافة بينهما و«بشحنتيهما».

إننا نستخدم هنا كلمة «شحنة» بالتشابه مع الكهرباء، حيث يحمل الإلكترون شحنة كهربائية سالبة، وحيث تكون القوة بين أي إلكترونين قوة تنافر. لكن الشحنة الضعيفة W معدومة لدى الإلكترون D وغير معدومة لدى الإلكترون L. أي إن الإلكترون D لا «يتحسس» إطلاقا بالقوة W. ولئن كنا لانزال نجهل سبب تصرف القوة الضعيفة بهذا الشكل الذي يعتبر خاصة أساسية لها، فإننا نعلم أن إحدى نتائج هذه اللولبية هي أن التفكك بيتا النووي المحكوم بالقوة W، يصدر إلكترونات معظمها يسارية.

تصبح الذرات ملولبة بتأثير القوة النووية الضعيفة Z. وفي القسم العلوي الأيمن من الشكل إلكترون يدور حول النواة وذو سبين صاعد (متجه نحو الأعلى)، خياله المرآتي يقابله في الأيسر. ولو كانت القوة Z غير موجودة لكانت مدارات الإلكترونات حول النواة تشبه المدارين المرسومين في القسم الأوسط من الشكل. إن النواة موجودة في مركز كل ذرة. فإذا قلبنا الخيال المرآتي رأسا على عقب أمكن انطباق المسارين الإلكترونيين (الجديد والأصلي) أحدهما على الآخر بالشكل والاتجاه: أي إن المسار وخياله لاملولبان. أما في حالة وجود القوة Z فإن اتجاه حركة الإلكترون حول النواة ينزع إلى اتخاذ جهة سبين الإلكترون، فنرى في القسم السفلي من الشكل أن المدارين ملولبان: أي إن الإلكترون (في عالم الواقع) يصعد اللولب بالقرب من النواة دائرا بشكل يميني وينزل بعيدا عن النواة دائرا بشكل يساري. أما في الخيال المرآتي (الشكل الأيسر السفلي) فيحدث العكس، لكن مثل هذا الخيال المرآتي غير موجود في عالم الواقع. إن هذه المخططات مكبرة 1010 مرة لإيضاح مفعول القوة Z.

إن الإلكترونات D و L تحمل شحنات من النوع Z بإشارات متعاكسة وبمقادير شبه متساوية، فالإلكترونات Dتنجذب نحو النواة بالقوة Z، أما الإلكترونات L فتنفر من النواة. (إن تأثير الشحنتين الضعيفتين W و Z في الإلكترونات الملولبة لا يتم بهذا الشكل بالضبط إلا إذا كان الإلكترون ذا طاقة عالية، ومتحركا بسرعة تقارب سرعة الضوء. ومع ذلك، فإن هذه المفاهيم مفيدة لفهم اللاتناظرات الملولبة لدى الإلكترونات ذات الطاقة المنخفضة).

إن جزيء الإيثيلين المفتول جزيء ملولب بسيط مؤلف من ذرتي كربون وأربع ذرات هيدروجين (C2H4). إن هذا الجزيء مستو في حاله الأساسية، لكن الهياج الحراري يشوهه فيفتله بزاوية من رتبة بضع درجات. يمثل الرسمان العلويان النظيرين المرآتيين L (في الأيسر) و D (في الأيمن). وفي هذا الجزيء ظاهرة تعرف باسم الاقتران السبيني ـ المداري spin-orbit coupling، الذي ينزع إلى توجيه سبين الإلكترونات في عكس اتجاه اندفاعها الزاوي المداري، بما يتيح ظهور منطقتين مختلفتين من حيث لولبية الإلكترونات. أما الرسمان السفليان الناجمان عن حسابات أحدنا (هيگستروم) وتلميذه<S.M.منتگمري>في جامعة ويك فورست، فيبينان هاتين المنطقتين منظورا إليهما من «أعلى» الخط الواصل بين ذرتي الكربون. المناطق الحمراء تحوي الإلكترونات اليمينية، والمناطق الزرقاء تحوي الإلكترونات اليسارية. أما في الخيال المرآتي لهذا الجزيء فالأمور معكوسة. وللقوة الضعيفة Z مفعولان متعاكسان على الإلكترونات اليمينية واليسارية، مما يجعل طاقة الإيثيلين L أقل من طاقة نظيره المرآتي D.

لو فحصنا خيال عالمنا هذا في مرآة لرأينا أن التفكك بيتا يحرر إلكترونات D وأن القوة Z تجذب الإلكتروناتL نحو النواة. ولما كانت هاتان الظاهرتان غير ملحوظتين في عالم الواقع، نستنتج ـ من طريق أخرى ـ أن قوة التفاعل الضعيفة ملولبة وتنتهك انحفاظ المماثلة.

الذرات والجزيئات

بما أن القوة الضعيفة Z تفعل فعلها بين الإلكترونات والنوى نستنتج أن جميع الذرات، كالإلكترونات، ملولبة: عندما يكون الإلكترون قريبا من النواة، وبسبب قوة Z، تكون جهة حركته باتجاه محور سبينه، أي إنه يرسم لولبا يمينيا [انظر الشكل في الصفحة السابقة]. فمدار الإلكترون ـ الذي كنا في غياب القوة Z نحسبه دائريا ـ يأخذ بالقرب من النواة شكل لولب يميني. ولما كانت القوة المسؤولة عن هذه الحركة الملولبة تنتهك المماثلة، فإن خيال الذرة في المرآة ـ أي الذي يُظهر إلكترونا ذا مسار ملولب يساري ـ غير موجود كذرة واقعية في الطبيعة.

وبما أن القوة Z واهية جدا فقد يُظن أنه من المتعذر قياس هذه الحركة الملولبة: إذ إن نظرية الكهرضعيفة (واينبرگ ـ عبدالسلام ـ كلاشو) المعتمدة تبين بالحساب أن دوران مستوي استقطاب الضوء الذي يخترق غازا من الذرات لن يتجاوز5-10درجة، أي بمقدار الزاوية التي تُرى ضمنها راحة الكف من مسافة 1000 كيلومتر تقريبا، وعلى الرغم من صغر هذه الزاوية تمكّن التجريبيون من كشفها، وبالمقدار المتوقَّع، مبرهنين بذلك على لولبية الذرات [انظر: An Atomic Preference between Left and Right,”

by M-A. Bouchiat and L. Pottier;

Scientific American, June 1984].

وهذا برهان واضح على أن اللاتناظر اللولبي في دنيا الجسيمات الأولية يسبب لاتناظرا لولبيا في مستوي الذرات.

وفي سلم الجزيئات التي تلي الذرات مباشرة، تمنح القوة Z طاقتين مختلفتين للنظيرين المرآتيين. والفرق الطاقي بينهما ناجم عن ظاهرة رهيفة دقيقة. في البدء، لنتصور جزيئا ملولبا حول محور شاقولي، وأن القوة Z «غائبة»، فالإلكترون الذي يتجه سبينه «نحو الأعلى» والذي يصعد اللولب، يكون إلكترونا يمينيا. ولو كان هذا الإلكترون يهبط اللولب لكان يساريا. ولما كان عدد الإلكترونات، التي تتحرك على مداراتها نحو الأعلى، يساوي ـ احتماليا ـ عدد الإلكترونات التي تتحرك نحو الأسفل، نستنتج أن اللولبية الوسطية يجب أن تكون معدومة.

لكن القوة الكهرطيسية بين الإلكترونات والنوى في الجزيئات (وهي قوة تحترم المماثلة) تسعى إلى توجيه سرعة كل إلكترون في عكس اتجاه محور سبينه. وتسمى هذه الظاهرة بالاقتران السبيني ـ المداري spin-orbit coupling، الذي يعمل لصالح نزول الإلكترونات ذات السبين المتجه نحو الأعلى، ولصالح صعود الإلكترونات ذات السبين المتجه نحو الأسفل. وحصيلة ذلك، في كلتا الحالين، أن ينطبق سبين الإلكترون على منحى حركته ولكن في الاتجاه المعاكس. أي إن الاقتران السبيني ـ المداري يمنح معظم الإلكترونات في الجزيء الملولب يمينيا حركة لولبية يسارية، والعكس بالعكس. والجزيء الذي تتعايش فيه منطقتان بلولبيَّتين مختلفتين ينطوي إذًا على منطقتين تتلولب إلكتروناتهما باتجاهين مختلفين [انظر الشكل في الصفحة أعلاه].

لقد افترضنا في المحاكمة السابقة أن القوة Z غير موجودة. الآن ماذا يحدث بوجودها؟ بما أن تأثير هذه القوة في الإلكترونات اليسارية يختلف عن تأثيرها في الإلكترونات اليمينية، ينتج أن طاقة أحد الجزيئين النظيرين ستختلف عن طاقة النظير الآخر: تزداد إحداهما وتنقص الأخرى.

إن القوة Z واهية لدرجة أنه استعصى حتى الآن كشف تأثيرها تجريبيا في الخصائص الكيميائية للجزيئات. لكن<F.S.ميزون> و<E.G.ترانتير> من الكلية الملكية بلندن، توصلا إلى نتيجة نظرية مهمة. فقد قاما، بين عامي 1983 و 1986، بحساب طاقة عدد من الحموض الأمينية L و D آخذين القوة Z في الحسبان، فتبين لهما أن للنظيرين المرآتيين طاقتين مختلفتين. وأن النظير L، وهو الشكل البيولوجي المهيمن، له الطاقة الأخفض.

تنبئ القوانين الأساسية للميكانيك الإحصائي بأن الشكل ذا الطاقة الأخفض يكون، في حال التوازن، أكثر وفرة من الشكل ذي الطاقة الأعلى. وعلى هذا يكون ميزون وترانتير قد برهنا على أن الحموض الأمينية L أكثر وفرة في الطبيعة من الحموض D، بمعدل ذرة واحدة إلى1017  ذرة. وذلك الفرق الضئيل جدا هو السبب، على ما يبدو، في تشكيل كميات متساوية من النظيرين L و D للحموض الأمينية في المختبر. وعلى الرغم من ذلك، هل لهذا الفرق الضئيل، الناتج من القوة النووية الضعيفة، أثر في هيمنة عدد الحموض الأمينية L وعدد السكاكر D؟

لولبية الكائنات الحية

إن معلوماتنا عن أصل الحياة رديئة لدرجة أن التكهنات بأسباب ظهورها سابقة لأوانها. لكن البيوكيميائيين بدؤوا، منذ تجارب<L.S.ميلر>عام 1953 في جامعة شيكاغو، يدرسون نشوء عدة جزيئات بيولوجية، فتبين لهم تفوق بعض النظائر المرآتية في أثناء التطور الكيميائي الذي يتجه من الذرات إلى الحياة.

إن هذا الواقع يطرح ثلاثة أسئلة مهمة: كيف نشأت إذًا النظائر المرآتية النموذجية من خلال تفاعلات كيميائية غير ملولبة؟ هل تفوقت الحموض الأمينية L والسكاكر D على نظائرها الملولبة بفعل القوة النووية الضعيفة؟ هل كان تفوق بعض النظائر سببا أم نتيجة لظهور الحياة؟ سنعالج هذه الأسئلة تباعا.

إن التفاعلات الكيميائية قادرة، على الرغم من تناظرها المرآتي ومهما بدا هذا الأمر غريبا، على صنع مقادير غير متساوية من الحموض و  وذلك بسبب ظاهرة اسمها الانكسار التلقائي للتناظر spontaneoussymmetry breaking. فالحال المتناظرة تتميز بتساوي مقداري الشكلين L و D؛ أما في الحال اللامتناظرة فيكون أحد المقدارين أكبر من الآخر. والانكسار التلقائي للتناظر آلية تنتقل بوساطتها منظومة ما «تلقائيا» من حال متناظرة إلى حال لامتناظرة.

التحفيز الذاتي وانكسار التناظر يُوضَّح عملهما في هذا النموذج الكيميائي البسيط جزيئان لاملولبان، S و T يُصُبّان في بركة ماء (إلى اليسار) ويتفاعلان ليشكلا جزيئا ملولبا X بنوعيه النظيرين XL و XD. يمكن بعدئذ للجزيء X أن يتفاعل مرة أخرى ليشكل جزيئا آخر XL أوXD. ويسمى هذا التناسخ تحفيزا ذاتيا. ويمكن أيضا للجزيئين XL و XD أن يتفانيا كي يعطيا جزيئا آخر P. ولما كان أي من هذه التفاعلات لا يشجع أيا من النظيرين L و D على حساب الآخر، فإن تركيزي XL و XD يظلان متساويين. لكن معادلات سرعة التفاعل تبين أن التوازن بين التحفيز الذاتي والتفاني المتبادل غير مستقر. إن الوسيط الحرج critical parameter هو لامبدا (l)، وهو حاصل جداء تركيزي S و T. وعندما تكون l أكبر من قيمة معينة حرجة lc، تتجه المنظومة نحو حال يتفوق فيها أحد النظيرين XL أو XDعلى الآخر، ويحدث هذا التفوق بعشوائية تامة. وبذلك يتعرض التناظر، الذي كان موجودا بين L و D، إلى «انكسار تلقائي». إن ألفا (a)، وهي الفرق بين تركيزي XL و XD تشكل قياسا لهذا اللاتناظر. وقد أجرى <E.F.موس>من جامعة ميسوري، و<E.V.P.ماك كلينتوك>من جامعة لانكستر، محاكاة حاسوبية لهذا النموذج فتبين لهما (في الوسط) أن ازدياد l يؤدي إلى انكسار التناظر، أي إن أحد النظيرين أصبح أغزر بكثير من الآخر، وهو هنا النظير XD، على الرغم من أن شيوع XL ممكن بالاحتمال نفسه. ثم عدّلا مرة أخرى عوامل المحاكاة لإعطاء النظير XL مزيّة ضعيفة إضافية تشبه ما يمكن أن تفعله القوة الضعيفة Z (في اليمين). فبازدياد l تتبع المنظومة بشكل شبه منهجي الفرع السفلي حيث يهيمن XL، ويصبح سلوك الفرع العلوي، حيث يهيمن XD، ضعيف الاحتمال. يمكن إذًا لنموذج من هذا القبيل أن يفسر لماذا تهيمن الحموض الأمينية L في الطبيعة على نظائرها D.

إن فعل الانكسار التلقائي للتناظر لا يحدث إلا في ظروف فيزيائية معينة. فلا يمكن أن يحدث في منظومة معزولة لا تتبادل طاقة ولا مادة مع الوسط المحيط بها. بل إن مثل هذه المنظومة «المغلقة» ستسير نحو توازن ترمودينامي، وهو حال يتعلق فيها تركيز النوع الجزيئي بطاقة الجزيء وإنتروپيته (اعتلاجيته) entropy. ولما كانت طاقتا النظيرينو D متساويتين (بإهمال فرق الطاقة الضئيل الناجم عن القوة Z) فإن تركيزيهما يصبحان متساويين وإن الحال النهائية تصبح تناظرية.

أما المنظومة المفتوحة، التي تتبادل طاقة أو مادة مع بيئتها، فتصبح غير متوازنة ترموديناميا، أي يمكن أن تنتقل ـ بفعل الانكسار التلقائي للتناظر ـ إلى حال لامتناظرة، فتحتوي على تركيزين مختلفين من النظيرين L و D.

في عام 1953، ابتكر<CH.F.فرانك>(من جامعة بريستول) نموذجا بسيطا يوضح كيف يمكن أن يفعل الانكسار التلقائي للتناظر فعله في منظومة كيميائية مؤلفة من نوعَيْن جزيئيين. يَفترض نموذج فرانك أن كل نوع منهما يمكن أن يتكاثر، وأن وجود أحدهما يمكن أن يبطئ تكاثر الآخر. إن سرعتي تكاثرهما مبدئيا متساوية، وكذلك تأثيراتهما المتبادلة بينهما، ولكن ما إن يصبح أحد النوعين أكثر وفرة من الآخر بقليل (عن طريق التفاوتات الإحصائية العشوائية مثلا) حتى تتفاقم هيمنته عدديا على النوع الآخر بسرعة ويسود تماما، وبذلك يختل التوازن التناظري بين النوعين وتتطور المنظومة تلقائيا نحو حال لاتناظرية يهيمن فيها عدد جزيئات أحد النوعين على النوع الآخر.

إن لولبية الجزيئات البيوكيميائية الشائعة في الطبيعة قد تكون أثرا من آثار الظروف التي كانت سائدة قبل ظهور الحياة أو نتيجة لعمليات الحياة. هناك نظرية تقول بأن الخلية الحية الأولى، التي نشأت إبان انبثاق الحياة عن «الحساء البدئي» كانت لا تحوي سوى حموض يسارية (a). لكن هذه الفرضية تبدو قليلة الاحتمال إذا كان الحساء يحوي مقادير متساوية من النظيرين المرآتيين L و D. وهناك احتمال آخر هو أن الخلية الأولى التي تكونت بصورة عشوائية كانت تحوي فائضا ضئيلا من الحموض الأمينيةb)L )، وأن آلية الانتخاب التطورية، بالتالي، قد عززت نمو أشكال الحياة التي لا تحوي سوى أحد النظيرين المرآتيين. كما افترض البعض أن الحياة قد ظهرت في أمكنة عديدة في وقت واحد، بكلا الشكلين اللذين يحويان حموضا أمينية من النوعين L و(c)D)، ثم بدأ التنافس بين هذين النظيرين بحيث أسفر عن انقراض الحياة المؤسسة على النظائر D. وهناك أخيرا نظرية كاتبي هذه المقالة، وتنص على أن الانكسار التلقائي للتناظر أدى إلى تجانس تقريبي في اللولبية في كل أمكنة ظهور الحياة (d)، لكن القوة النووية الضعيفة، التي تنتهك انحفاظ المماثلة، قد فعلت فعلها في آلية الانكسار التلقائي للتناظر، وذلك لصالح الحموض الأمينية اليسارية.

ومن السهل أن تتخيل كيف يمكن أن يحدث ذلك على الصعيد البيولوجي، إذ نستطيع أن نفترض ما يلي: لو وُجدت في الماضي السحيق وعلى سطح هذه الأرض حياة كحياتنا اليوم ولكن متناظرة، فإن النوع الذي نحياه اليوم قد هيمن على النوع الآخر أثناء تنافسهما وأدى إلى انقراضه مع مرور الزمن. ويبين نموذج فرانك أن هذا ممكن في عالَم الجزيئات أيضا: أي إنه يفسر كيف أمكن لفائض من الحموض الأمينية L، أو لفائض من السكاكر D، أن يبرز من الحساء البدئي (الخليط الأول) primordial soup الذي كان يحوي تركيزين متساويين من النظيرين المرآتيين.

القوة الضعيفة مرة أخرى

ننتقل الآن إلى السؤال الثاني: هل القوة النووية الضعيفة هي المسؤولة عن هيمنة الحموض الأمينية L والسكاكرD؟ لقد سعى الباحثون، منذ اكتشاف انتهاك المماثلة، إلى معرفة كيف أتيح للتفكك بيتا ولسواه من الظواهر المشابهة أن تفضل بعض النظائر المرآتية فتؤدي إلى فائض فيها. وفي عام 1957، لاحظ<F.ڤستر> و<V.L.T.ألبرخت> في جامعة ييل، أن الإلكترونات بيتا، لكون معظمها ملولب يساريا، تصدر إشعاعا كهرطيسيا معظمه ملولب يساريا (أي إشعاعا استقطابه متحلزن نحو اليسار)، فافترضا أن هذا الإشعاع اليساري يفكك أحد النظيرين المرآتيين بنسبة كبيرة ويترك بالتالي فائضا من خياله المرآتي (النظير الآخر). لكن هذا الاختلال ضعيف جدا ولم يُلحظ حتى الآن تجريبيا.

إن الجسيمات بيتا قادرة بحد ذاتها على تفكيك الجزيئات الملولبة: فقد أوضحت حسابات أحدنا (هيگستروم) أن الفرق النسبي في سرعة تفكك النظيرين و D يساوي زهاء جزء واحد من 1110. وقد بينت تجارب<A.ريتش> و<C.J.ڤان هاوس> وزملائهما في جامعة ميتشغان أن هذا الفرق النسبي أقل من جزء واحد من910.

إن القوة الضعيفة Z قادرة أيضا على تغيير سرعتي تشكل الحمضين الأمينيين L و D. ومع ذلك، إن مفعول هذه القوة ـ كما رأينا آنفا ـ ضئيل جدا، حيث إنها لا تسبب إلا فرقا نسبيا من رتبة 10-17، وبسبب ضآلة هذا الفرق لا بد من القبول بأن آلية تضخيم أخرى قد فعلت فعلها فأدت إلى هيمنة الحموض الأمينية L والسكاكر D.

وقد برهن أحدنا (كنديپودي) مع <W.G.نلسون> (من مختبر لوس آلاموس القومي) على أن مثل آلية التضخيم هذه موجودة، نظريا على الأقل، في منظومات كيميائية غير متوازنة. ويستغل مهندسو الاتصالات هذه الآلية (التي يسمونها تسوية الضجيج noise averaging) لاستخراج إشارة كهربائية مقصودة من خلفية مشوشة. لنتصور بركة ماء يتنافس فيها على النشوء نظيران مرآتيان، كما في نموذج فرانك، إن هذا الماء يتعرض لتأثيرات عديدة تنزع إلى «تفضيل»أحد النظيرين أولا، ثم إلى تفضيل النظير الآخر. إن التفاوتات الناجمة عن هذه التأثيرات ذات مفعول يفوق بكثير مفعول القوة الضعيفة. ولئن كانت هذه التفاوتات، بسبب عشوائيتها، يبطل بعضها مفعول بعض، فإنه يتاح للقوة الضعيفة ـ مع مرور الزمن ـ أن تفعل فعلها اللاتناظري المستمر فتؤدي إلى انكسار التناظر ومن ثم إلى هيمنة أحد النظيرين.

إذًا، ما الظروف التي تتيح لتسوية الضجيج أن تفعل فعلها، وما السلم الزمني المطلوب؟ أولا، إن هناك بركة ماء يجب أن تُرفد على الدوام بسيل متفاوت الغزارة من المواد المؤثرة اللاملولبة الضرورية لتشكيل النظائر المرآتية. عندئذ تكون المنظومة مفتوحة وبعيدة عن التوازن، فيمكن للتناظر أن ينكسر تلقائيا. ثانيا، إن تلك المواد المؤثرة يجب أن تشكل نظائر مرآتية قادرة فيما بينها على التكاثر بالتَنسُّخ وعلى التنافس. وأخيرًا، إن البركة يجب أن تكون كبيرة (تقريبا مساحة سطحها 10 كيلومترات مربعة وعمقها بضعة أمتار) ومتخالطة بما يكفي لكي تتفانى ـ إلى حد كبير ـ التفاوتات الإحصائية وسطيا. فعند تحقيق هذه الظروف يتاح للقوة النووية الضعيفة أن تولد انكسار التناظر في غضون فترة تتراوح ما بين000 50 و000 100عام، فتصبح ـ بعد هذا الزمن ـ نسبة النظير L ـ من الحموض الأمينية مثلا ـ مساوية 98% على الأقل (بافتراض أن القوة النووية الضعيفة تفضل النظائر المرآتية L). وفي مثل هذه البيئة سيتاح نشوء وتطور حياة مستمدة من الحموض الأمينية L.

إن هذه الظاهرة الكيميائية البطيئة تستلزم زمنا أكبر من أن يتاح كشفها في المختبر. لكن <E.F.موس> (من جامعة ميسوري بسان لويس) و<E.V.P. ماك كلينتوك> (من جامعة لانكستر)عَمَدا إلى محاكاتها حاسوبيا مؤكدين وجود الآلية المتوقعة، إلا أن أحدا لم يلحظها بعد في منظومة كيميائية واقعية.

قبل الحياة أم بعدها؟

لقد عرضنا نماذج كثيرة يمكن أن تفسر «عدم تناظر الحياة». ويبقى السؤال الأخير المهم: هل نشأ هذا اللاتناظر قبل ظهور الحياة البدئية («الخلية الحية الأولى») أم بعده؟ من الصعب أن نفهم ـ بالاعتماد على ما نعرفه اليوم عن بنية البوليمرات البيولوجية ووظيفتها ـ كيف يمكن أن يعمل بروتين أو حمض نووي يحوي نظائر من النوعين L و Dمعا. لقد تبين من عدة تجارب أن سلاسل الحموض الأمينية، التي تحوي النوعين L و D معا، لا تشكل بصورة صحيحة اللوالب ألفا الضرورية للبروتينات كي تؤدي وظيفتها التحفيزية.. ومن الصعب علينا أن نفهم كيف أتيح للبنى الحية المعقدة أن تتطور إذا لم تكن كل الحموض الأمينية في البروتينات ـ وكذلك كل الوُحَيْدات من الحموض النووية ـ ذات لولبية متجانسة homochirality (أي جميعها ملولب باتجاه واحد). وعلى هذا يبدو أن انتخاب وحيدات من لولبية متجانسة قد حدث حتما قبل ظهور الحياة.

ولئن وجدت عدة نماذج تحفيزها ذاتي، وتكسر التناظر ـ كنموذج كنديپودي ـ نلسون المذكور سابقا ـ وتستجيب لهذه الفرضية، فإننا لا نعرف ـ حتى الآن ـ أحدا استطاع أن يعطي مواصفات مركبات بيولوجية ـ قبل نشوء الحياة ـ تتجاوب مع الخصائص كلها التي تستلزمها هذه النماذج. وهنا يرى بعض الباحثين أن هذا الأمر عقبة كبيرة. ومن ثم يستنتجون أن اللولبية قد ظهرت بعد الخلية الأولى لا قبلها.

إذًا، يرى هؤلاء الباحثون أن الخلية الأولى قد نشأت بحدث شاذ لم يكن ينطوي على اللاتناظر المهم الذي تمتاز به أشكال الحياة الحديثة، وأن «السلف المشترك» لكل العضويات الحية كان يحوي، مصادفة، فائضا ضئيلا من الحموض الأمينية L والسكاكر D. كان هذا السلف إذًا ينطوي على لاتناظر ضئيل. ومع ذلك فإن البروتينات المصنوعة من نوع نظيري مرآتي واحد تشكل مُحفِّزات أفضل من البروتينات المصنوعة من خليط من النوعين، كما أن الحموض النووية التي تحوي نوعا نظيريا مرآتيا واحدا تكون أحسن استقرارا، وتتفاعل البروتينات L مع الحموض النووية D بكفاءة أكبر. وعلى هذا، فإن ضغط الانتقاء في بيئة تنافسية، أثناء تعاقب الأجيال، دعم تَشَكُّل حياة ذات بروتينات يسارية (أي لا تحوي سوى حموض أمينية يسارية)، وذات حموض نووية يمينية (أي لا تحوي سوى سكاكر يمينية). لكن مازال أمام هذه الفرضية مشكلة تنبؤ شكل أحيائي قابل للنمو ـ لسلف مشترك ـ يتألف من بوليمرات بيولوجية تحوي مقادير شبه متساوية من النظيرين المرآتيين L و D. ومن أجل تجنب هذه المشكلة افترض بعض البيوكيميائيين أن الخلية الأولى كانت تحوي ـ مصادفة ـ مركبات مؤلفة كلها، أو تقريبا كلها، من حموض أمينية يسارية، لكن احتمال ذلك ضئيل جدا.

وقد اقترح آخرون تفسيرا ثالثا يقول بأن ظهور الحياة لم يكن حدثا شاذا. بل إن هناك انكسارات للتناظر حدثت مصادفة في أمكنة عديدة، ودون أن يكون للقوة النووية الضعيفة شأن فيها. فهيمنت «حياة يمينية D» في أمكنة تشكل الحموض الأمينية D، وهيمنت «حياة يسارية L» في أمكنة تشكل الحموض الأمينية L. ثم كان من شأن التنافس بينهما أن انقرضت الحياة D دون أن تترك أثرا.

واضح مما تقدم أن الأسئلة المهمة حول أصل ومنشأ اللاتناظر المرآتي في الحياة تبقى دون إجابات، إننا لانزال نجهل أصل اللاتناظر المرآتي في بذور الحياة، وبالتالي في عالم المحسوسات. وعلى الرغم من قدرة القوة النووية الضعيفة ـ التي تفعل فعلها على مستوى الجسيمات الأولية ـ أن تحدد جهة اللاتناظر (اليمين واليسار) في الذرات والجزيئات، فإننا نجهل إذا ما كانت هذه الخصائص تتجلى في دنيا النبات والحيوان. إذ لا يبدو أن اللاتناظر اللولبي في قواقع الحلزونيات، على سبيل المثال، ناجم عن اللاتناظر الأصيل في بروتيناتها أو الدنا فيها: إذ إن بعض الحلزونيات L تلد أحيانا ذُرية ذات قواقع يمينية، فاللاتناظر في الحلزونيات أو لدى الكائنات البشرية أو الملفوف أو السراطين، لايزال إذًا سرا من الأسرار، لكن مما لا شك فيه أن بيولوجيا النمو والتطور ستلقي الضوء يوما ما على هذه المسائل.


 المؤلفان

oger A.Hegstrom – Dilip K.KondePudi

يعملان في قسم الكيمياء بجامعة ويك فورست. حصل هيگستروم على البكالوريوس من كلية سينت أولاف عام 1963 وعلى الدكتوراه من جامعة هارڤارد عام 1968، وتركزت أبحاثه على مفعول القوة الكهرطيسية ومفعول القوة الكهرضعيفة في الذرات والجزيئات. أما كنديپودي فقد حصل على البكالوريوس من جامعة مدراس عام 1971 وعلى الماجستير من معهد التقانة الهندي ببومبي عام 1973، والدكتوراه من جامعة تكساس في أوستن عام 1979. وقد قاده اهتمامه بأصل المعقدات ونظامها إلى الاضطلاع ببحوث في الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا.


مراجع للاستزادة 

THE AMBIDEXTROUS UNIVERSE: MIRROR ASYMMETRY AND TIME-REVERSED WORLDS. Second Revised and Updated Edition. Martin Gardner. Charles Scribner’s Sons, 1979.

WEAK NEUTRAL CURRENTS AND THE ORIGIN OF BIOMOLECULAR CHIRALITY. D. K. Kondepudi and G. W. Nelson in Nature, Vol. 314, No. 6010, pages 438-441; April 14, 1985.

PARITY VIOLATION AND THE ORIGIN OF BIOMOLECULAR CHIRALIT’Y. Dilip Kondepudi in Entropy, Information, and Evolution: New Perspectives on Physical and Biological Evolution. Edited by Bruce H. Weber, David J. Depew and James D. Smith. The MIT Press, 1988.

MAPPING THE WEAK CHIRALITY OF ATOMS. R. A. Hegstrom, J. P. Chamberlain, K. Seto and R. G. Watson in American Journal of Physics, Vol. 56, No. 12, pages 1086-1092; December, 1988.

Scientific American, November 1994


 (1) من المعلوم للناظر في مرآة مستوية أن خيال يده اليمنى هو اليد اليسرى لصورته فيها، والعكس بالعكس، أي إن المرآة تقلب اليمين يسارا واليسار يمينا.

(2) الأَضْبَط (مؤنثها ضَبْطاء وجمعها ضُبُط): هو الذي يستخدم كلتا يديه بمهارة واحدة تقريبا.

error: المحتوى محمي