صواب سبينوزا: الفرح، والأسى، والدماغ الذي يشعر (1) – أنتونيو داماسيو / ترجمة: إخلاص الصاعدي، يوسف الصمعان

صواب سبينوزا: الفرح، والأسى، والدماغ الذي يشعر (1) – أنتونيو داماسيو / ترجمة: إخلاص الصاعدي، يوسف الصمعان

صواب سبينوزا: الفرح، والأسى، والدماغ الذي يشعر

أنتونيو داماسيو

 

ترجمة: إخلاص الصاعدي، يوسف الصمعان

 

 

Lookinf f spinoza

 

الفصل الأول : لِـــج حيّز المشاعر

لِـــج حيّز المشاعر

مشاعرُ الألم، أو المتعة أو ما بينهما هي حجرُ الأساس لعقولنا. غالبا ما نفشل في ملاحظة هذه الحقيقة البسيطة لأن الصور العقلية للأشياء و الأحداث المحيطة بنا، بالإضافة إلى صور الكلمات و الجمل التي تصفها، تستهلك الكثير من انتباهنا المُثقَل. و لكن هاهي ذي؛ مشاعرٌ لعددٍ لا يُحصى من العواطف و الحالات المرتبطة بها، الموسيقى المتصلة لعقولنا، الدندنة التي لا تقف لأكثر الألحان شيوعا و التي لا تخمد إلا عندما ننام، الدندنة التي تتحول إلى غناء صدّاح عندما يسكننا الفرح أو لحنٍ جنائزي حزين حينما يتولاّنا الأسى[1]*.

نظراً للتواجد المطلق للمشاعر، قد يظن المرء أن علومها قد بُيّنت بجلاء منذ زمن بعيد – ماهية المشاعر، كيف تعمل و ماذا تعني- و لكن الحاصل غير هذا تماما. إن فهمنا البيولوجي و النيوروبيولوجي neurobiology (البيولوجي العصبي) للمشاعر و عناصرها الأساسية – الألم و المتعة- هو الأقل ما بين كل الظواهر العقلية. هذا محير؛ لا سيّما إن أخذنا بعين الاعتبار أن المجتمعات المتقدمة تُنمّي المشاعر بلا حياء و تكرّس كل الموارد و الجهود للتلاعب بهذه المشاعر عن طريق الكحول، معاقرة المخدرات، الأدوية الطبية، الطعام، الجنس الحقيقي و الافتراضي، و كل أساليب الاستهلاك أو الممارسات الدينية و الاجتماعية الباعثة على الرضا.

لستُ متفاجئا حقيقة من الوضع الراهن، نظرا لما اعتقدته عن المشاعر أثناء نشئتي، لم يكن صحيحا في معظمه. فعلى سبيل المثال؛ ظننت أنه يستحيل تعريف المشاعر بشكل محدد، عكس الأشياء التي يُمكن رؤيتها أو سمعها أو لمسها. كانت المشاعر معنوية، خلاف الكيانات المحسوسة. عندما بدأت أتأمل كيف أبدع الدماغ العقل، قبلت العُرف القائم الذي يرى المشاعر خارج الصورة العلمية. يمكننا أن ندرس كيف تجعلنا أدمغتنا نتحرك.  يمكننا دراسة العمليات الحسيّة، البصرية، و خلافهما، و يمكننا أن نفهم كيف تركّب الأفكار. يمكننا أن ندرس كيف يتعلم الدماغ و يحفظ الأفكار. يمكننا أيضا دراسة التفاعلات العاطفية و التي نستجيب بواسطتها للأشياء و الأحداث المتعددة. أمّا المشاعر feelings – و التي يمكن تمييزها عن العواطف emotions، كما سنرى في الفصل القادم- فـتبقى مراوغة. كان على المشاعر أن تظل غامضة إلى الأبد. كانت خاصة و متعذرا بلوغها. لم يكن من الممكن تفسير كيف حدثت المشاعر و لا أين حدثت. ببساطة؛ لم نستطع أن ندرك ما وراء المشاعر .

و كما كان الحال مع الوعي، كانت المشاعر خارج حدود العلم، ملقاة خارجا و ليس من قبل المعارضين الذين يقلقهم أن تُفسّر علوم الأعصاب فعلا أي شيء عقليّ فحسب، بل أيضا من قبل علماء الأعصاب المتمذهبين بيولوجيا أنفسهم، فهم يزعمون قيودا مستعصية لا يمكن تخطّيها. إن استعدادي الشخصي لقبول هذا الاعتقاد كحقيقة واقعة بيّــنٌ من خلال السنوات العديدة التي قضيتها دارسا أي شيء عدا المشاعر. لقد استغرقت وقتا لأرى لأي درجة كان هذا الأمر غير مبررٍ و لأدرك أن نيوروبيولوجيا neurobiology المشاعر ليست بأقل قابلية للتطبيق منها للإبصار أو الذاكرة.  لكنني أدركت ذلك آخر المطاف، و هذا، بالمقام الأول، لأنني جوبهت بواقع مرضى الأعصاب و الذين أجبرتني -حرفيا- أعراضهم لأبحث حالتهم، كما تبين لاحقا.

تخيل، على سبيل المثال، أن تقابل شخصا أصبح غير قادرٍ على أن يشعر بالحرج أو الحنو compassion -عندما اقتضى الحال حرجا أو حُنُـوّاً – نتيجة لضرر في عضية محددة من دماغه، و مع ذلك يمكنه أن يكون سعيدا، حزينا، أو خائفا بشكلٍ طبيعي ؛ تماما كما كان قبل مرض الدماغ هذا. ألا يستوقفك ذلك؟ أو تصوّر شخصاً عاجزا عن تجربة الخوف لمّا كان الخوف ردّ الفعل الملائم للمقام، ننيجة لضرر دماغي في مكانٍ آخر، و مع ذلك ما يزال يحنو. قد تكون قسوة الاضطراب العصبي هوةً لا قرار لها بالنسبة لضحاياها؛ المرضى و أولئك المطالبون بالمراقبة. لكنّ مبضع المرض مسؤول أيضاً عن مزيّته المـُخلّصة الوحيدة: عبر نزع عمليات الدماغ الطبيعية عن بعضها البعض، و بدقة متناهية غالبا، توفر الأمراض العصبية مدخلا فريدا للحصن المنيع؛ الدماغ البشري و العقل .

إن تدبّر أوضاع هؤلاء المرضى و غيرهم من ذوي الحالات المماثلة يثير فرضيات مثيرة. أولا، يمكن منع فرادى المشاعر عبر إيذاء عضيات دماغية منفصلة، أي أن عطب قطاع محدد من دارات الدماغ brian circuitry  يصاحبه عطبٌ لحدث عقلي محدد. ثانيا؛ بدا واضحا أن أجهزةً دماغية مختلفة تتحكم بمشاعر مختلفة، إذ لا تختفي كل أنواع المشاعر دفعةً واحدةً عندما تعطب منطقة تشريحية واحدة بالدماغ.  ثالثا، و الأكثر مفاجأة، عندما فقد المرضى قدرتهم على التعبير عن عواطف معينة، فقدوا أيضا قدرتهم على اختبار المشاعر المكافئة لها، لكن العكس غير صحيح: يفقد بعض المرضى مشاعر محددة و لكن لا يزالون يعبرون عن العواطف المكافئة. و حين كانت العواطف و المشاعر توأمان، هل ولدت العواطف أولا لتتلوها المشاعر ثانية و تتبعها كـظلها للأبد؟ يبدو أن العاطفة تسبق الشعور، على الرغم من قرابتهما الوثيقة و تزامنهما الظاهري. معرفة هذه العلاقة المفصلة ستشكل نافذةً لاستكشاف المشاعر، كما سنرى.

يمكن اختبار فرضياتٍ كهذه بمساعدة تقنيات المسح الدماغي brain scanning، و التي تسمح لنا أن ننتج صورا لتشريح الدماغ البشري و نشاطه. خطوةً بخطوة، بدأت و زملائي بتخطيط جغرافيّة الدماغ في حالات مختلفة من الشعور، بدايةً بالمرضى، و من ثمَّ بالسليمين من الأمراض العصبية. كنّا نهدف لتوضيح شبكة الآلياتِ التي تسمح لأفكارنا بأن تثير حالاتٍ عاطفيةٍ و تستدعي مشاعرا (١).

لعبت العواطف و المشاعر دورا مهما، و لكن مغايرا جدا، في اثنين من كتبي السابقة. عالج كتاب “خطأ ديكارت” *[2] دور العواطف و المشاعر في اتخاذ القرار، بينما لخّص “ الشعور بما يحدث” *[3] دورها في بناء الذّات. لكنّ التركيز في الكتاب الحالي على المشاعر نفسها؛ ماهيّـتها و ما تمدّنا به. معظم ما أناقشه هنا من براهينٍ لم يكن موجودا حينما كتبت الكتب السابقة. لقد برزت أرض أكثر صلابة لفهم المشاعر. إذن، الغرض الأساس لهذا الكتاب هو تقديم تقرير مرحليّ عن طبيعة المشاعر و الظواهر المتصلة بها و دلالتها الإنسانية؛ كما أراها الآن كطبيب أعصاب، عالم أعصاب و مستفيدٍ مواظب.

خلاصة رأيي الحالي عن المشاعر هو أنّها، و كما تحدث في العقل أو الجسد، تعبيرٌ عن كدرِ الإنسان أو ازدهاره. ليست المشاعر مجرد زخرفٍ يُلحٓقُ بالعواطف يمكن نبذُهُ أو الإبقاء عليه. يمكن للمشاعر أن تكون تجلّيات عن حالة الحياة داخل الكائن الحيّ ككل و غالبا ما تكون كذلك؛ كشفٌ عن الغطاء بالمعنى الحرفيّ.  و باعتبار الحياة آداءا بهلوانيا خطراً، تكون معظم المشاعر تعبيرات عن الكفاح من أجل الاتزان، أفكار عن التصحيحات و المواءامات المبهرة و التي ينهار بدونها الآداء كله، حيث الخطأ الواحدُ أكثر مما ينبغي. إن كان لأيّ شيء في وجودنا أن يكون كاشفا بجلاء عن عظمتنا و صغَارنا المتزامنين فلا بد و أن يكون الشعور.

كيف تغشى هذه التجلّيات العقل؟ هذا نفسه بدأ يتجلّى. يستعمل الدماغُ عددا من المناطق المخصّصة العاملة بتناغمٍ لتصوّر جوانبٓ لا حصر لها من أنشطة الجسم على شكل خرائط عصبيّة. هذه الصورةُ مركّبةٌ، صورةٌ للحياة متغيرةٌ على الدوام آلياً و بسرعة. إن القنوات الكيميائية و العصبية التي تنقل للدماغ الإشارات التي يصور بها هذه الصورة النابضة بالحياة مخصصةٌ كما نسيجُ القنّب الذي يستقبلها تماما. لغزُ كيف نشعرُ أضحى أقل غموضا.

يحقّ لنا أن نتساءل إن كان لمحاولتنا فهم المشاعر أي قيمةٍ أبعد من إرضاء فضولنا. أعتقد، و لعدة أسباب، أنّ لها قيمةً أبعد بالفعل. يسهم توضيح نيوروبيولوجيا المشاعر و سابقتها العواطف في سعينا لفهم مشكلة العقل/ الجسد، و هي مشكلة رئيسية لفهم مَن نكون. تصطف العواطف و التفاعلات المرتبطة بها جانب الجسد، أما المشاعر فمصطفةٌ جانب العقل.  فحص الكيفية التي تثير بها الأفكار عواطفا و الكيفية التي تصبح معها الانفعالات الجسدية نوعا من الأفكار نسميه مشاعرا يوفرُ مدخلا مميزا لمقاربة العقل و الجسد؛ التمظهران المتباينان علانيةً لكائن واحدٍ متشابكٍ بسلاسة تامة.

و مع ذلك، فلهذا الجهد عوائدٌ أكثرَ عملية. إذ من المحتمل أن يُسهم توضيح بيولوجيا المشاعر، و العواطف الوثيقة الصلة، في المعالجة الفعالة لبعضٍ من أكبر مسببات المعاناة البشرية، من ذلك: الاكتئاب، الألم، و إدمان العقاقير. علاوة على ذلك، فــفهم ماهية المشاعر، كيفية عملها، و معناها أمرٌ لا غنى عنه لبناءٍ مستقبلي  لنظرة عن البشر أكثر دقة من المتوافرة حاليا، نظرة تأخذ بعين الاعتبار التقدم في العلوم الاجتماعية، الإدراكية و البيولوجيا. لِمٓ نفترض أي فائدةٍ عمليّة لبناء كهذا؟ لأن نجاح البشرية أو فشلها يعتمد إلى حد كبير على الكيفية التي يُدرِج بها الجمهور و المؤسسات المكلفة بحكم الحياة العامة هذه النظرة للبشر في مبادئها و سياساتها. فهم نيوروبيولوجيا العواطف و المشاعر مفتاحٌ لصياغة مباديء و سياسات قادرة على خفض كدرِ الإنسان و تعزيز ازدهاره. و فعليا، فالمعرفة الجديدة تخاطب حتى الطريقة التي يتعامل بها البشر مع التفسيرات القدسيّة و العلمانية لوجودهم و ما ينشأ عنها من ضغوط لم يُبت فيها بعد.

الآن، و بعد أن وضعت الخطوط العريضة لغرضي الأساسي، فقد حان الوقت لأفسر لِمٓ استدعى كتابٌ كهذا اسم سبينوزا في عنوانه، و هو المكرّسٌ لأفكار جديدة عن طبيعة المشاعر البشرية و أهميتها. لستُ فيلسوفا و ليس هذا كتابا عن فلسفة سبينوزا، يُعقلُ إذن أن تسأل: لِمٓ سبينوزا تحديدا؟ الجواب القصير هو أن سبينوزا وثيق الصلة كليّا بأي نقاش عن مشاعر الإنسان و عواطفه. رأى سبينوزا البواعث drives، الدوافع motivations، العواطف و المشاعر – فرقةٌ دعاها سبينوزا الوجدان affect- كجانب رئيسي للإنسانية. كان الفرح و الأسى مفهومين أساسيين في معرض محاولته فهم الإنسان و اقتراح ما من شأنه يحيا حياته على نحو أفضل. الجواب الطويل شخصيٌّ أكثر، و هو ما سأتناوله لاحقا.

لاهاي

 الأول من ديسمبر عام ١٩٩٩: يصر حاجب فندق دي آند الودود: ” لا ينبغي لك أن تمشي في مثل هذا الجو يا سيدي، دعني أستدعي لك سيّارة أجرة. الريح لا تبشر بخير. تكاد تعصف، يا سيدي. انظر إلى الأعلام.” كان محقّـا، فالأعلام ترفرف مجنّحةً، و السحب تتسارع شرقا. أرفض عرضه بالرغم من أنّ صفّ السفارات بـ لاهاي يبدو كما لو كان سيُقلع. قلت بأنني سأمشي، و أنني سأكون على ما يرام. فوق ذلك، ألا تلاحظ جمال السماء ما بين الغيوم؟ لا يملك الحاجب أي فكرة عن المكان الذي أقصده، و لن أتطوع بإخباره. ما كان لـِ يظن؟

تكاد السماء أن تكفّ، كما يسهل عليّ مغالبة الرياح بشيء من العزم. يمكنني حقيقةً أن أمشي بشرعة متّبعا خارطتي الذهنية للمكان. في نهاية الممشى أمام فندق دي ان، عن يميني، أرى القصر القديم و دار موريس Mauritshuis مزيّنةً بوجه رامبرانت- حيث أنهم يعرضون بورتريه ذاتية له ضمن معرض استعادي. تبدو الشوراع مقفرة تقريبا بعد ساحة المتاحف، رغم أن هذا قلب البلدة و في يوم عمل عادي. لا بد أن تحذيرا ما أبلغ الناس بضرورة بقاءهم داخلا. فليكن، هذا أفضل، يمكنني أن أعبر ساحة سباو Spui دون أن أتخطى حشدا. بدا الطريق غير مألوفٍ بعد أن وصلت الكنيسة الجديدة New Church و ترددت لوهلة، لكن سرعان ما اتضع الخيار: أنعطف يمينا عند شارع جاكوبسترا Jacobstraat، ثمّ يسارا عند شارع فاخينسترا Wagenstraat ،  ثم يمينا مجددا عند شتيل فييركيد Stilleverkade. ما إن مضت الدقائق الخمس التالية إلا و كنت في بافيليونز خاخت Paviljoensgracht (قناة الصيوان). أقف الآن عند المنزل رقم ٧٢-٧٤.

تبدو واجهة المنزل كما تخيلتها تقريبا. منزلٌ صغيرٌ بارتفاع ثلاث طوابق، و عوض ثلاث نوافذ، نسخة أخرى من منازل القناة الصغيرة المعتادة. منزلٌ متواضع أكثر من كونه مترفا. إنه مصون جيدا و لا يبدو مختلفا كثيرا عمّا كان عليه في القرن السابع عشر. جميع النوافذ موصدة بلا دلالة على أي نشاط. باب المنزل مُعتنى به و مصبوغ جيدا، و بجانبه جرسٌ نحاسي لامع داخل إطارٍ حُفرت على حافته: “منزل سبينوزا”. أضغط الحرس بحزمٍ و لكنّي لا أتأمل الكثير. لا أسمع صوتا بالداخل و لا أرى  ستائرا تُرفع. كما أنّ أحدا لم يرفع السماعة حينما حاولت الإتصال قبلا. سبينوزا منصرف لمزاولة عمله.

هنا عاش سبينوزا السنوات السبع الأخيرة من حياته القصيرةو هنا أيضا مات عام ١٦٧٧. نُشرَت “رسالة في اللاهوت و السياسة”، و التي كان يحملها معه عند وصوله، من هنا مغفلةً من التوقيع. كذلك أكمل “الأخلاق” هنا و نُشر بعد وفاته بسريّة الهوية ذاتها.

لا أمل لي في تفحص المنزل اليوم، لكن لم يذهب كل هذا سدى. ففي الجزء  الأوسط المزروع  الذي يفصل بين محازيّ الطريق، توجد حديقة مدنيّة على نحو غير متوقع. لقيت سبينوزا نفسه هناك، شبه محجوبٍ بــ ذُرَى الرياح من أوراق الشجر، جالسا بجدية و سكينة في أبدية برونزية متينة. كان يبدو هانئا و غير مكترثٍ بزوبعة الرياح، و لا ينبغي له، فقد نجى من طوام أكبر في زمنه.

كنت أتقصى سبينوزا على مدى السنوات القليلة الفائتة، أفتّش عنه في الكتب مرات، و في الأماكن مراتٍ أخرى، و لهذا أجدني هنا اليوم. تسليةٌ ملفتةٌ للنظر، كما ترون.. تسليةٌ لك أخطط يوما لأن أتبناها. سبب ذلك متعلّقٌ بالصدفة كثيرا. قرأت لـ سبينوزا أول ما قرأت و أنا مراهق – لا عُمر أفضل من هذا لقراءة سبينوزا في الأخلاق و السياسة- بيد أنه من العادل القول بأنه و بينما  تركت بعض الأفكار انطباعات دائمة، فإن احترامي له كان مُجملا. لقد كان مُذهلا و محرّما في آنٍ واحد. و لاحقا، لم أفكر بـسبينوزا متصلا بعملي على وجه مخصوصٍ أبدا. مع ذلك، كان له اقتباس لطالما أغليته – كان من كتابه “الأخلاق” و يتعلق بفكرة الذات. عاد سبينوزا إلى حياتي عندما عنّ لي إيراد الاقتباس و احتجت لأن أتحقق من صحته و سياقه.  وجدت الاقتباس مطابقا لمحتوى الورقة المصفرّة التي ثبّتتها يوما على الجدار. لكنن حين شرعت بقراءة المقطع المحدد الذي وقعت عليه و ما يسبقه و ما يتلوه، لم أستطع أن أتوقف؛ ببساطة. الآن، أصبح معظم ما بدا مستغلقا يوما ما مألوفا، مألوفا بشكل يثير الغرابة، بل و مرتبطا بعملي الحديث من جوانب عدة. لم أكن لأُصادق على كل آراء سبينوزا. فـبعض المقاطع مبهمة، كما أن بعض الأفكار بقيت متعارضةً و متناقضةً داخليا حتى بعد قراءات متعددة. كنت لا أزال محتارا و حانقا أيضا. لكني كنت، عموما، في تناغمٍ مُرضٍ مع أفكاره؛ بغض النظر عن نتيجة ذلك. أشبه إلى حد ما الشخصية في رواية برنارد مالامود “المُصلِح” و الذي قرأ بضع صفحات لـسبينوزا و بقي يقرأ و يقرأ كما لو كانت تلحق زوبعة: ” لم أفهم كل كلمة، لكنك حين تتعامل مع أفكار كهذه تشعر أنك ممتطٍ مكنسة الساحرة في جولة” (٢). تطرق سبينوزا لمواضيع تؤرقني كعالم- طبيعة العواطف و المشاعر و علاقة العقل بالجسد- و هذه المواضيع أرّقت مفكرين سابقين كُثر أيضا. في رأيي،على أية حال، أجده مُفلحا في تنبؤ حلولٍ بالكاد بدأ يطرحها العلماء اليوم لمعالجة هذه المسائل. كان هذا مفاجئا.

فعلى سبيل المثال، عندما قال سبينوزا بأنّ الحب ما هو إلا حالةٌ من المتعة، الفرح، مصحوبة بفكرة مسببٍ خارجي، فقد فصل بوضوح بالغ عملية الشعور عن عملية امتلاك فكرة عن ما من شأنه أن ينتج عاطفةً (٣) . الفرحُ شيءٌ و ما سبّبه شيء آخر. يتحد الفرح أو الحزن و فكرة الشيء المسبب لأّيهما بالنهاية طبعا، و عقليا، لكنهما كانا عمليتان متمايزتان في البدء؛ داخلنا ككائنات حية. وصف سبينوزا نظاما وظيفيا يكشف عنه العلماء اليوم؛ كحقيقة: الكائنات الحية مصممة بالقدرة على أن تتفاعل عاطفيا للأحداث و الأشياء المختلفة. هذا التفاعل متبوع بنمطٍ ما من الشعور، و هو مكون من شكل من أشكال المتعة أو الألم بالضرورة.

أشار سبينوزا أيضا إلى أنّ الوجدان قويٌّ على نحو لا يُبقي أملا في مغالبة الـُمتلِـف من الوجدان – الشغف اللامنطقي- إلا بإخضاعه بوجدان إيجابي أقوى، وجدان أثاره الفِكر. لا يمكن قمع الوجدان و لا تعطيله إلا بوجدانٍ معاكسٍ أشدّ منه قوة. (٤)  بعبارة أخرى، يقترح سبينوزا أن نحارب العواطف السلبية بعواطف أقوى لكن إيجابية؛  يثيرها الفكر و إعمال الذهن. إن مفهوم إخضاع الشغف يالعواطف المثارة فكريا، و ليس بالفكر وحده، مركزيٌّ في تفكيره. ليس من السهل تحقيق ذلك بأي حال، لكن سبينوزا لم يكن ليرى كثير جدوى في أي شيء سهل المنال.

من مفاهيم سبينوزا بالغة الأهمية لما سأناقشه لاحقا هو مفهومه عن كون العقل و الجسد – كلاهما- خصائص متناظرة ( أو لنقل تمظهرات) للجوهر عينه (٥). و على أقل تقدير، فقد لَـفت سبينوزا الانتباه إلى معارضته لما كان سائدا في عصره و ذلك برفضه أن يُسند العقل و الجسد لجوهرين مختلفين. برز امتعاضه شاخصا وسط يمٍّ من الامتثال. مع ذلك، فالأكثر إثارةً للاهتمام، هو أنه يرى العقل البشري كفكرة الجسد البشري (٦). يستوقفني هذا الاحتمال. لربما أصاب حدس سبينوزا و أدرك المباديء الكامنة خلف الآليات الطبيعية المسؤولة عن التمظهرات المتناظرة للعقل و الجسد. كما سأناقش لاحقا، فأنا مقتنع بآن العمليات العقلية مرتكزة على خرطنة (تمثلات) الجسم بالدماغ mapping؛ مجموعة من الأنماط العصبية و التي تصور استجاباتنا للأحداث المسببة للعواطف و المشاعر. لا باعث على الارتياح أكبر من مصادفة عبارة سبينوزا هذه و التساؤل عن معناها المحتمل.

كان هذا أكثر من كافٍ لإيقاد فتيل حماسي لسبينوزا، لكن هنالك المزيد مما من شأنه أن يديم اهتمامي.  ففي نهج سبينوزا، تسعى الكائنات الحية لزاما بطبيعتها لتصون كيانها، و يُشكّل هذا السعي الضروري جوهرها الفعلي. تبرز الكائنات الحية للوجود و لها قدرةٌ على تنظيم حياتها، فتحمي بقاءها. و بالتلقائية نفسها، تجتهد الكائنات لتبلغ ” كمالا وظيفيا أعلى”؛ كمالا يقابل سبينوزا بينه و بين الفرح. و يحصل هذا السعي الحثيث و هذه الميول بشكل لا مَوعِيّ.

في ظلمة، و من خلال جمله الغير مرهفة و الغير منمّقمة، شيّد سبينوزا بُنيةً  لتنظيم الحياة على ذات الدرب التي سيسلكها ويليام جيمس، كلود بيرنار و سيغموند فرويد لاحقا بعد عقدين. بالإضافة لذلك، فقد كان سبينوزا موافقا لتفكير تشارلز داروين التطوري، و ذلك برفضه الاعتراف بتصميمٍ هادفٍ في الطبيعة و بإدراكه أنّ الأجساد و العقول مكونةٌ من أجزاء يمكن لها أن تجتمع مع بعضها البعض في أنماطٍ تختلف باختلاف الفصائل الحية.

مسلّحا بتصوره المُعدّل عن الطبيعة البشرية، شرع سبينوزا في ربط مفاهيم الخير و الشر، و الحرية و الخلاص بمفهومي الوجدان و تنظيم الحياة. لقد اقترح  أن المعايير التي تحكم سلوكنا الاجتماعي و الخاص لا بد و أن تكون مصاغة من فهم أكبر للإنسانية، فهمٍ نابعٍ من اتصالنا بالإله أو الطبيعة داخلنا.

تعد بعض أفكارِ سبينوزا جزءا لا يتجزأ من ثقافتنا، و رغم ذلك؛ سبينوزا غائب كمرجع – على حد علمي- عن جهودنا الحديث لفهم بيولوجيا العقل. (٧)  هذا الغياب بحد ذاته مثير للاهتمام. فـ سبينوزا ذائع الصّيت كفيلسوف أكثر من كونه مفهوما أو مستوعبا فعلا. يبدو سبينوزا أحيانا كما لو كان منبعثا من لا شيء، في بهاءٍ فريدٍ غير مفسّر، لكن هذا الانطباع خاطيء- فهو مُنتمٍ إلى عصره الفكري إلى حدٍّ كبير بالرغم من أصالته. و يتبدّد ظاهريا بالفجاءة نفسها بلا ترِكة- انطباعٌ خاطيء آخر باعتبار أننا نجد روح مقترحاته المحظورة شاخصةً خلف عصر التنوير و ما بعده في القرن الذي تلا وفاته. (٨) أحد التفسيرات لمكانة سبينوزا كمشهورٍ غيرِ مُتعرّف عليه هو الفضيحة التي تسبب بها حينها. و كما سنرى (في الفصل السادس)، فقد عُدَّت كلماته هرطقةً و حظرت لعقود و لم تُقتَبس إلا في معرض الهجوم على عمله، باستثناءات قليلة. شلّت هذه الهجمات معظم محاولات معجبيه لمناقشة أفكاره علنا. لقد قوطع بذلك التتالي الطبيعي للعرفان الفكري الذي يتبع عمل المفكّر عادةً، في ذات اللحظة التي  استخدمت فيها بعض أفكاره دون نسبة فضلها إليه. مع ذلك، بالكاد يفسر الوضع الراهن ما الذي جعل سبينوزا يزداد شهرة بينما يظل مجهولا حينما حاباه أمثال جوته Goethe و ووردزوورث Wordsworth. ليس من السهل التعرف إلى سبينوزا؛ لربما كان هذا التفسير أفضل.

تكمن الصعوبة في تواجد “سبينوزات” عدة لأخذها بعين الاعتبار، أربعة على الأقل حسبما أحصيت. سبينوزا الأول و الأسهل منالا هو الباحث الديني الراديكالي و الذي يعارض كنائس عصره مقدّما تصورا جديدا عن الإله و مقترحا طريقا جديدا للخلاص البشري. يليه سبينوزا المهندس السياسي؛ المفكر الذي يصف سمات دولةٍ ديموقراطية مثاليةٍ يسكنها مواطنون مسؤولون سعداء. سبينوزا الثالث هو الأكثر استغلاقا ما بين المجموعة: الفيلسوف الذي يستعمل حقائق علمية، في طريقة تجمع الحدس و التدليل الهندسي ليصوغ فهما عن الكون و قاطنيه من الإنس.

الإحاطة بهؤلاء الثلاث سبينوزات و شبكة تداخلاتهم كافٍ لندرك الدرجة التي يمكن أن يبلغها تعقيد سبينوزا. لكن هناك سبينوزا رابع: البيولوجي الطليعيّ #. و هذا هو المفكر البيولوجي المتواري خلف عدد لا حصر له من المعطيات، المسلمات، الفرضيات، البراهين و الحواشي. آخذا بعين الاعتبار حقيقة أنّ بعض التقدم في علوم العواطف و المشاعر متماشٍ مع مقترحات أفصح عنها سبينوزا أولا، فـ غرضي الثاني من هذا الكتاب أن أصل سبينوزا الأقل شهرة بالملائم من النيوروبيولوجيا المعاصرة. لكني أشدد مجددا على أن هذا الكتاب ليس كتابا عن فلسفة سبينوزا. لا أناقش فكر سبينوزا خارج الجوانب المتصلة بالبيولوجيا. هدفي أكثر تواضعا. يُحسب للفلسفة تنبؤها، عبر تاريخها، بما أتت به العلوم. و بالمقابل، أعتقد أن الاعتراف بهذا الجهد التاريخي يخدم العلم جيدا.

تقصّي سبينوزا

 سبينوزا وثيق الصلة بالنيوروبيولوجيا رغم أن تأملاته عن العقل البشري نابعة من قلقه الأكبر عن الحالة البشرية. كانت علاقة البشر بالطبيعة شغله الشاغل. لقد حاول إيضاح هذه العلاقة حتى يقترح بدوره وسائلا عملية للخلاص البشري. بعض هذه الوسائل شخصي ، تحت تحكم الفرد الكامل، و يعتمد البعض الآخر على المساعدة الممنوحة للفرد من بعض أشكال التنظيمات الاجتماعية و السياسية. ينحدر فكره من فكر أرسطو، لكن أساسه البيولوحي أكثر صلابة كما هو متوقع. لقد اكتشف سبينوزا، قبل جون ستيوزات مِل John Stuart Mill بدمن، علاقةً بين السعادة السخصية و الجمعية من جهة، و الخلاص البشري و بُنية الدولة من جهة أخرى. و يبدو أن هنالك إقرارٌ معتبر بفكره، من ناحية تبعاته الاجتماعية على الأقل.  (٩)

وصف سبينوزا دولةً ديموقراطية مثالية، سماتها المميزة: حرية التعبير – كتب قائلا:  لـِ فليفكر كل امريء بما شاء و ليفصح عما يمليه عليه تفكيره أيا يكن – (١٠) ، الفصل بين الدولة و الكنيسة و عقدٌ اجتماعي سخيّ يرعى سلامة المواطنين و تآلف الحكومة. قدّم سبينوزا مقترحه هذا متقدما على إعلان الاستقلال و التعديل الدستوري الأول بقرنٍ من الزمان. ما يثير الاهتمام حقا هو استباقه لبعض جوانب البيولوجيا الحديثة، كجزء من مساعيه الثورية.

أيُّ رجلٍ إذن هذا الذي فكّر بالعقل و الجسد على نحو لا يعارض تفكير معاصريه بشدة و حسب، بل يزامن ثلاث مئة سنين لاحقة و تزيد؟ أيُّ ظروفٌ خلقت روحا مغايرةً كهذه؟ في معرض محاولتنا الإجابة عن هذه الأسئلة، يجب أن نضع في حسباننا سبينوزا آخر، الرجل صاحب الأسماء الأسماء الثلاثة المتمايزة – بِـنتو Bento، باروخ Baruch، بِـندكتوس Benedictus #- الرجل المقدام و الحذر، لين الجانب و صعب المراس، المتواضع و المتعحرف، الرقيق و المُتجرّد، المثير للإعجاب و الاستفزاز، القريب من العينيّ الملحوظ و الروحاني بلا خجل في آنٍ واحد. لم يُفش أبدا عن مكنونات مشاعره الخاصة مباشرةً في كتاباته،  هذا ليس أسلوبه، و لذا سنراوغ لنجمع شتات أجزاءه من ألف طريق غير مباشر.

شرعتُ أتقصى الرجل في غرابة عمله، قبل أن أعي. أردت فقط أن أقابل الرجل الساكن في مخيلتي، أحادثه قليلا و أطلبه توقيع نسختي من “الأخلاق”. أصبح غرضي الثالث من هذا الكتاب هو التبليغ عن بحثي عن سبينوزا و قصة حياته.

وُلد سبينوزا بمدينة أمستردام المزدهرة عام ١٦٣٢، منتصف عصر هولندا الذهبي. في نفس العام، و على مقربة من مسكن سيينوزا، يرسم رامبرانت فان راين Rembrandt Van Rijn، ذو الثلاثة و العشرين ربيعا، لوحته “درس التشريح مع دكتور تولب” ، و التي استهلّت شهرته. كما أصبح قنسطنطين هيغنز Constantijn Huygens، راعي رامبرانت، الشاعر، رجل الدولة، سكرتير أمير ولاية أوراني، و صديق جون دون John Donne، أبا مؤخرا للطفل كريستيان هيغنز Christiaan Huygens و الذي سيبلغ فيما بعد ليصبح أحد أكثر الفلكيين و الفيزيائيين شهرة على مر العصور.  يسكن ديكارت، الفيلسوف الأبرز يومها و البالغ اثنان و ثلاثين سنة، بأمستردام أيضا، بمحاذاة قناة الأمير ( برينسنخاخت)، و هو قلق بشأن الكيفية التي ستتلقي بها هولندا و العالم خارجها أفكاره عن الطليعة البشرية. سيُدرّس الجبر لـ كريستيان هيغنز قريبا. سأستوحي وصف سيمون شاما Simon Schama للمكان ذاك العصر، لأقول بأن سبينوزا برز للعالم وسط ترفٍ مربكٍ ماديٍّا و فكريا. (١١)

كان بِنتو الاسم الذي منحه كلا من ميكيل و حنّة ديبورا ابنهما سبينوزا عند ولادته، و هما من اليهود السفارديم البرتغاليين الذين استقروا في أمستردام. كان يُعرف بـ باروخ بين أصدقاءه و في الكنيس اليهودي أثناء نشأته في مجتمع التجار و الباحثين اليهود الميسورين في بأمستردام. ثم اتّخذ اسم بِندكتوس في الرابعة و العشرين من عمره بعدما أبعده الكنيس. لقد نبذ سبينوزا راحة منزل العائلة في أمستردام و بدأ رحلته الهادئة المتروية و التي كانت قناة الصوان #الجناح# (بافيليونز خاخت) آخر محطاتها. لأسمائه الثلاثة، الاسم البرتغالي بِنتو، باروخ العبري و بِندكتوس اللاتيني) معنى واحد: المُبارَك. ماذا يحكي الاسم إذن؟ سأقول؛ الكثير. قد تتقابل الكلمات الثلاث بسطحية، لكن ما ترمي إليه كل واحدة منها مختلف جذريّا.

 احترس

كم أودّ دخول المنزل، أفكّر، لكن بابه موصدٌ للآن. كل ما يمكنني فعله الآن هو أن أتخيل أحدهم بارزا من مركب مُرسىً على مقربة، ثم يدخل المنزل مستفسرا عن سبينوزا ( كانت  بافيليونز خاخت – قناة الصوان – قناةً مائية واسعة تلك الأيام، ثم رُدِمت لاحقا و تحولت إلى شارع، مثلها مثل الكثير من قنوات أمستردام و البندقية). سيفتح الرائع فان دخ سبيك Van der Spijk ، الرسام و مالك المنزل، الباب. ثم سيرشد الزائر بِـود إلى الاستوديو ، خلف النافذتين الكبيرتين بجانب الباب الرئيسي، و يطلب منه لانتظار ريثما يبلغ نزيله سبينوزا أنّ ضيفا قد وصل.

تقع غرف سبينوزا في الطابق الثالث، لذا سيهبط السلّم اللولبي؛ أحد تلك السلاسل المريعة الملتفة بإحكام و التي تشتهر بها العمارة الهولندية بشكل مخزٍ. سيكون مهندما بأناقةٍ بـ زي النبلاء – ليس زيّا جديدا كليا و لا مهترئا، بل معتنىً به جيدا؛ طوقُ عنقٍ أبيض مُنشّىً، سروالٌ أسود حدّّ الركبتين، صدريّة ٌجلدية سوداء، سترة وبرية سوداء تلائم كتفيه تماما، حذاءٌ جلديٌّ أسود لامع بـأبازيم فضية كبيرة و لربما حمل عكازا خشبيا ليهادن به السلالم. كان لسبينوزا ميلٌ خاصٌّ للأحذية الجلدية السوداء. قسماتُ وجهه، المحلوق جيدا، متناسقةٌ و عيناه المتقدتان ذكاءا تهيمنان على مظهره. كان شعره أسودا أيضا، و كذلك حواجبه الطويلة؛ أما بشرته فـ زيتونية، قامته متوسطة و قدّه خفيف.

سيُدعى الزائر بأدب و دماثة، و لكن بصراحةٍ مُقتصدة، لأن يدخل في صلب المسألة بين يديه. سيستضيف هذا المعلم الكريم نقاشات عدة عن البصريات، السياسة و الدين خلال ساعاته المكتبية. سيقدّم الشاي و سيستمر فان دخ سبيك في رسمه بهدوء غالبا و لكن بتؤدة و وقار ديموقراطي مهيب. سيتوارى أطفاله السبعة النشطون في مؤخرة المنزل بينما تخيط والدتهم السيدة فان دخ سبيك. ستكون المدّبرة في المطبخ كادحةً. يمكنك تصوّر المنظر.

يدخن سبينوزا غليونه. و بينما تُصارع رائحته عبق زيت التربنتين، ستُطرح الأسئلة، تُعطى الأجوبة و يخفت ضوء النهار تدريجيا. لقد استقبل سبينوزا زوارا لا حصر لهم، من جيران و أقارب لـفان دخ سبيك إلى الطلبة الشبّان التواقين و الشابات المنقادات، من غوتفريد لايبنتز Gottfried Leibniz و كريستيان هيغنز إلى هينري أولدنبورغ Henry Oldenburg رئيسُ الجمعية الملكية البريطانية المؤسسة حديثا. تـَشي نبرة خطابه بأنه كان أكثر ما يكون سماحةً مع البسطاء و أقل ما يكون صبرا مع نظرائه. يبدو أنه احتمل الأحمق الحَيِيّ بسهولة لكن لم يُطِق نقيضه.

يمكنني أن أتخيل أيضا، في يوم آخر كئيب، موكبا جنائزيا في الخامس و العشرين من فبراير عام ١٦٧٧. تابوت سبينوزا البسيط، متبوعا بعائلة فان دخ سبيك و رجال مرموقين كثر، في ما مجموعه ستّ عربات، متجهين سويّا إلى الكنيسة الجديدة على بعد بضع دقائق. أقفل قاصدا الكنيسة الجديدة و متتبعا خط سيرهم المحتمل. أعرف أن ضريح سبينوزا في باحة الكنيسة، و لعلّي أدلف من دار الأحياء لأطوف بدار الموتى.

تحيط البوابات باحة الكنيسة لكنها مفتوحةٌ على مصراعيها. لا مقبرةَ تُذكَرُ حقيقةً، مجرد أرض معشبة، أُشُنٍ، شجيرات و ممرات موحلة ما بين أشجار أطول. أجد القبر تماما حيث ظننت أنني سأجده، في نهاية الساحة، خلف الكنيسة، جنوب شرق. هناك يستلقي حجر مُسطّح على مستوى الأرض و شاهد ضريح عمودي؛ مُعرَّى و غير مزخرف. بجانب الإفصاح عن هوية صاحب القبر، نُقش على الشاهد المقابل اللاتيني لـ” احترس ! ” ( Caute!) . هذه نصيحة مقتضبةٌ مرعبة، لا سيما إن أخذنا بعين الاعتبار أن رفات سبينوزا ليس بالقبر فعلا، و أن جسده قد سرق في وقت ما بعد المراسم بينما كان ممددا في الكنيسة، و لا يعلم أحد من الفاعل. أخبرنا سبينوزا بأن لكل شخصٍ أن يفكر بما شاء و يفصح عما يفكر به، لكن ليس تماما، ليس بهذه السرعة. توخّ الحذر. لن تُفلت حتى عظامك إن لم تحترس فيما تقول ( و تكتب).

كانت هولندا جمهوريةً أغلبَ حياة سبينوزا، هيمن يان دي فيت Jan De Witt، المحافظ الأكبر#، على حياتها السياسية خلال سنين نضج سبينوزا. دي فيت رجلٌ متطلعٌ و مستبدّ، لكنه مستنير أيضا. ليس من الواضح لأي درجة عرف دي فيت سبينوزا، لكنه فطِن لأمره حتما و لعله ساعد في احتواء غيظ السياسيين الكالفينيين الأكثر محافظة، لما  أثارت رسالة اللاهوت و السياسة القلاقل. امتلك دي فيت نسخةً من الكتاب منذ العام ١٦٧٠م. و لقد سرت شائعاتٌ بأنه قد التمس رأي الفيلسوف في مسائل سياسية و دينية، و تقول الشائعات أيضا بأن سبينوزا كان مسرورا بالتقدير الذي تلقاه. حتى و لو كانت الشائعات غير صائبةٍ، فلا يساورنا إلا قليل من الشك بشأن اهتمام دي فيت بأفكاره سبينوزا السياسية و تعاطفه، على أقل تقدير، مع آراءه الدينية. لقد أحس سبينوزا بالأمان بحضرة دي فيت، و حُقّ له دلك.

لاقى حس سبينوزا بالأمان النسبي نهايةً عاجلة سنة ١٦٧٢م، خلال واحدة من أحلك الساعات ظلاما في عصر هولندا الذهبي. ففي منعطفٍ حادٍّ للأحداث، من النوع المميز لهذه الحقبة المتقلبة سياسيا، اغتيل دي فيت و أخاه على يد أوباش، و ذلك على خلفية الاتهام الخاطيء بأنهم خونة لقضية هولندا في حربها الجارية مع فرنسا. طوال الطريق إلى المشنقة، طعن المعتدون الأخوين دي فيت بالمطاوي و ضربوهما بالهراوات، حتى أنه لم تعد هنالك أي حاجة لشنقهما ما إن وصلوا. ثم شرعوا بتعرية الجثتين، علقوهما رأسا على عقب على غرار ما يفعل الجزّارين، ثم فرقوهما أجزاءا. بيعت بعض الأشلاء كتذكار و أُكِل البعض الآخر نيئا أو مطبوخا، وسط نشوة تثير كلّ الاشمئزاز. حصل كل هذا في مكان لا يبعد كثيرا عن حيث أقف الآن، على زواية منزل سبينوزا حرفيا، و لربما كانت أحلك ساعاته هو أيضا. صدم الهجوم عددا من المفكرين و الساسة. ففي باريس الآمنة، كان لايبنتز مرتاعا، و كذلك كان هيغنز؛ صعبَ الاستثارة بالعادة. أما سبينوزا، فـفقد صوابه. كانت الهمجية التي كشفت عن الطبيعة البشرية في أدنى حالاتهاو أخزاها كفيلةً بـِهزّ رباطة جأشه و التي عمل جاهدا للحفاظ عليها.  حضّر يافطة تقول ( همجية قصوى) و أراد أن يضعها قرب الرفات. لحسن الحظ، أنقذت حكمة فان دخ سبيك الجديرة بالثقة الموقف. فقد أغلق الباب ببساطة و احتفظ بالمفتاح مانعا بذلك سبينوزا من مغادرة المنزل و مواجهة موتٍ محقق. انتحب سبينوزا علنا – يقال بأنها المرة الوحيدة التي شوهد فيها مقاسيا آلام عاطفة جارفة. تبدد المرفأ الفكري الآمن، كما عرفه.

أنظر لقبر سبينوزا كرةً بعد كرة فأتذكر النقش الذي حضّره ديكارت لشاهد قبره: ” تعيش جيدا بقدر ما تكتم”. (١٢) تفصل سبع و عشرون سنة فقط ما بين المتعاصرَين جزئيا ( مات ديكارت سنة ١٦٥٩). أمضى كلاهما معظم حياته في الفردوس الهولندي، إما بسبب الحق المكتسب بالولادة كسبينوزا، أو اختيارا كـ ديكارت – قرر ديكارت في مرحلة مبكرة من مهنته أن أفكاره ستصطدم مع الكنيسة الكاثوليكية و الملكية بموطنه فرنسا على الأرجح، فغادر إلى فرنسا بهدوء. مع ذلك، اضطر الاثنان للمواربة و الإدعاء، و لربما اضطر ديكارت لتشويه أفكاره أيضا. السبب واضح. عام ١٦٣٣م، بعد مولد سبينوزا بعام، استوجبت محكمة التفتيش الرومانية جاليليو و وضعته قيد الإقامة الجبرية. و بالسنة نفسها، أوقف ديكارت نشر كتابه “رسالة عن الإنسان” و لم يعفه هذا من التصدّي للهجمات الشرسة على تصوراته عن الطبيعة الإنسانية. بحلول عام ١٦٤٢م، و بشكل مُناقض لتفكيره السابق، افترض ديكارت للإنسان روحا خالدة تتواجد بمعزل عن جسده الفاني، و لعلها إجراء وقائي لاتقاء المزيد من الهجمات. إن نوى ذلك فعلا، فقد أفلحت الاستراتيجية بالنهاية، لكن ليس في حياته. لاحقا، ارتحل إلى السويد ليُدرس الملكة كريستينا الغير المألوفة و لا الموقرة. ثم مات في الخامسة و الأربعين، في منتصف شتاءه الأول في ستوكهولم. و وسط كل الامتنان الذي يتوجب علينا أن نبديه لأننا درجنا في عصر مختلف، ما زال يرتعد المرء حين يفكّر بالتهديدات الموجهة لحرياتٍ صعبة المنال كهذه. لربما لا يزال الحذر مندوبا.

بينما أهمّ بمغادرة باحة الكنيسة، لا أملك إلا أن ألتفت للمغزى الغريب لمكان الدفن هذا. لِـمَ دُفِن سبينوزا، المولود يهوديا، بحانب هذه الكنيسة البروتستانتية المؤثرة؟ الإجابة معقدةٌ مثلها مثل أي شيء آخر يخصّ سبينوزا. من المحتمل أنه دُفن هنا لأنه و بعد طرده من جماعته اليهودية،  نُظِر إليه كـمسيحي فرضيا، فـ لا يمكن دفنه بالمقبرة اليهودية في اودغـكيغك Ouderkerk على أية حال. لكنه ليس هنا الآن، ليس فعليّا، و لعل ذلك بسبب أنه لم يكن يوما مسيحيا صالحا، لا بروتستانتيا و لا كاثوليكيا، و كان ملحدا في أعين الكثيرين. و كَـم هو ملائمٌ كلّ هذا. ما كان إله سبينوزا يهوديا و لا مسيحيا. ما أجاب إلهه الدّعوات و لا تيسرت مخاطبته. كان متواجدا في كل ذرة من الكون بلا بدايةٍ و لا نهاية. مدفونا و غير مدفون، يهوديا و ليس يهوديا، برتغاليا لكن ليس فعلا، هولنديا لكن ليس تماما، انتمى سبينوزا للا المكان و كل مكان.

بالعودة إلى فندق ديز انديز، الحاجب سعيدٌ لرؤيتي معافىً تامَّ البدن. لا أقاوم ألا أخبره عن ذهابي للبحث عن سبينوزا و أنني قصدت منزله. باغت قولي الرجل الهولندي الصارم، فسكت هنيهة في ذهول، ثم تمتم: ” أتعني الفيلسوف؟ “. حسنا، هو يعرف من يكون سبينوزا،  فـبعد كل شيء، هولندا أحد أحسن الدول تعليما على وجه الأرض. لكنه لم يملك أدنى فكرة عن أنّ سبينوزا قضى النصف الأخير من حياته هنا في لاهاي، مُتِمّا بعض أهم أعماله هنا، وافته المنية هنا، قبره هنا – نوعا ما على أي حال- و أنّ له منزلا و تمثالا و ضريحا تحفظ ذكراه، على بعد اثني عشر مربعا سكنيا فقط من هنا. و لأكون منصفا، قلة تعرف أي شيء من هذا كله. قال الحاجب اللطيف: ” قليلا ما يتحدثون عنه هذه الأيام”.

في بافيليونز خاخت ( قناة الصيوان)

أعود، بعد يومين، إلى المنزل رقم ٧٢ في بافيليونز خاخت، و قد رتّب لي مضيفاي الكريمان الزيارة. الجو اليوم أسوأ، و شيء يشبه الإعصار يهب من ناحية بحر الشمال.

ستوديو فين دخ سبيك أدفأ بقليل من الخارج و أكثر ظلمة بالتأكيد. يعلق منه في ذهني عصيدٌ أخضر و رماديّ. إنه مكان صغير، يسهل أن يلزمَ الذاكرة كما يسهل على المخيلة أن تتلاعب به. أعيد ترتيب الأثاث ذهنيا و أشعل الأضواء و المدفئة. أجلس بما يكفي لأتخيل تحركات سبينوزا و فان دخ سبيك على هذا المسرح المحصور، و أستنتج بعدها أن تجديد الديكور، أيا كان، غير قادر على تحويل هذه الغرفة إلى الصالون الوثير الذي يستحقه سبينوزا. هذا درس في التواضع. في هذه المساحة الصغيرة، استقبل سبينوزا زواره اللامعدودين، بينهم لايبنتز و هيغنز. في هذه المساحة الصغيرة، تناول سبينوزا طعامه- ما لم يكن مشتتا للغاية بسبب عمله فـينسى الأكل برمته- و تجاذب أطراف الحديث مع زوجة فان دخ سبيك و أطفالها الصاخبين. في هذه المساحة الصغيرة، جلس واجما محطما بعد خبر اغتيال دي فيت.

كيف كان لـ سبينوزا أن ينجو من هذا الحبس؟ لقد نجا بتحرير نفسه من ضيق المكان لسعة عقله اللامتناهية بلا شك، سعة تفوق فيرساي و حدائقه و لا تقل عنه زخرفا، و هو المكان الذي سيمشي فيه لويس الرابع عشر، و الذي يصغر سبينوزا بست سنوات بالكاد و المقدر له أن يتجاوزه بثلاثين، متبخترا وسط قاطرة من حاشيته، في الفترة ذاتها.

كانت إيميلي ديكنسون محقةً حين قالت أنّ دماغا واحدا فقط، باعتباره أوسع من السماوات، يَرحَبُ بيسرٍ لِـيسَع فكر صاحبه الجيد و العالم بأكمله بجانبه.

 

رابط الفصل الثاني

 


*1  يعود المعنى الأساسي لكلمة مشاعر لشكل من أشكال تجربة الألم أو المتعة كما يحدث حال تلبّس العواطف و الظواهر المرتبطة بها ؛ بينما يعود معنى آخر شائع إلى تجارب كاللمس و تقدير شكل أو تركيب شيء ما. سيستخدم مصطلح مشاعر خلال هذا الكتاب بمعناه الأساسي، ما لم يُنٓص على غير ذلك.

[2]* انظر خطأ ديكارت، أنتونيو داماسيو، ترجمة الغفيلي، موقع حكمة.

[3]* انظر الشعور بما يحدث: دور الجسد و العاطفة في صناعة الوعي، ناشرون، ٢٠١٠.

 

هوامش غير مترجمة:

 

 1 the structure and operation of the nervous system of a living being can be studied at different levels of organisation, from the small and simple ( the microscopic molecules that constitute an enzyme or a neurotransmitter) to the large and complex ( the macroscopic brain regions and their interconnections on the basis of whose operation we behave and think). most of the work discussed in this book focuses on the latter level— the large scale system level. the ultimate goal of our efforts is to connect the evidence from that level to evidence at levels below and above. The levels below include circuits and pathways; cells and chemical signal transmission. The levels above include mental and social phenomena.

In spite of the major importance of certain regions in the unfolding of this or that phenomenon, the processes of mind and behaviour result from the concerted operations of the many regions that constitute brain systems, small and large. None of the grand function of the human mind — perception , learning and memory, emotion and feeling, attention, reasoning, language , motion — arises in as single centre in the brain. Phrenology, the idea the idea that one brain centre would produce one grand mental ability is a thing of the past. It is appropriate, however, to recognise that brain regions are highly specialised in terms of the contribution they can make to the overall function of a system. Their contribution is both special and flexible, subject to the vagaries of the occasion and to global influences , a bit like the string player in the symphony orchestra who will play well or not depending on this colleagues, the conductor, his mood and so forth.

in addition to modern imaging scanners, which allow us to investigate brain anatomy and function, there are many any other ways to probe the brain, ranging from the study of the electrical and magnetic phenomena produced by brain activity, to the study of gene expression in small brain regions.

(2) Yakov tells the Magistrate what Spinoza means to him. Bernard Malamud, The Fixer (New York: Farrar, Straus and Giroux, 1966,Viking Penguin, 1993 )

(3) Spinoza, The Ethics, Part III ( New York: Dover Press, 1955). Other editions of The Ethics used in the text include Edwin Curley’s in The Collected Works of Spinoza ( Princeton University, 1985) and Joaquim de Caevalho’s Etica ( Relogio e Agua, Lisbon, 1992).

(4) Spinoza, The Ethics, Part IV, proposition 7, ibid.

(5) Spinoza,The Ethics, Part I, ibid.

(6) The Ethics, Part II, ibid.

(7) Jean Pierre Cahngeux is a notable exception. He closes his 1983 book L’Homme Neuronal with a Spinoza quote. Jean Pierre Cahngeux, Neuronal Man: The Biology of Mind ( New York : Pantheon, 1985). He also discusses the relevance of Spinoza to neuroscience in La Nature et La Regle ( Paris: Editions Odile Jacob, 1998) with Paul Ricoeur. Other thinkers who have noted a connection between Spinoza and modern psychology or biology are Stuart Hampshire, Spinoza ( New York: Penguin Books, 1951); Errol Harris, The Foundations of Metaphysical Science ( New York: Humanities Press 1965); Edwin Curely, Behind the Geometrical Method; A reading of Spinoza’s Ethics ( Princeton, N. J. : Princeton University Press, 1988).

(8) Jonathan Israel makes a powerful argument for Spinoza’s behind-the-scences- role in the Enlightenment in Radical Enlightenment: Philosophy and the Making of Modernity ( New York: Oxford University Press, 2001) Also see chapter 6 of this volume for comments on Spinoza’s role in the Enlightenment.

(9) Gilles Deleuze, Spinoza : a Practical Philosophy ( San Francisco: City Lights Books, 1988); Michael Hardt, A. Negri, Empire  ( Cambridge, Mass. : Harvard University Press, 2000)

(10) Spinoza, A theologico-political treatise and A political treatise ( R. H. M. Elwes, Benedict de Spinoza; A theologico-political treatise and a political treatise , New York: Dover Publications,1951) .

(11) Simon Schama, An Embarrassment of Riches ( New York: Random House, 1987).

(12) Descartes apparently had used the quotes in life . it comes from Ovid’s Tristra: “bene qui latuit, bene vixit”

 

—————————————

ثبت المصطلحات

Term Fixation / looking for Spinoza

  • Emotion/ Emotions عاطفة / عواطف*.        انفعال / انفعالات
  • Feel يشعر *.     يحس
  • Feeling/ feelings شعور/ مشاعر*.   إحساس/ أحاسيس
  • Feeling brain الدماغ الشاعر. الدماغ ذو الشعور. الدماغ المدرك.  الدماغ ذو الوجدان.  وجدان الدماغ.  مشاعر الدماغ    الدماغ الشاعري
  • Emotion feeling الشعور بالعاطفة. إحساس العاطفة/ الإحساس بالعاطفة
  • Affect/ affective عاطفة. وجد. وجدان * / عاطفي.  انفعالي.  وجداني*  ا
  • مزاج* حالة مزاجية
  • ألم*
  • Pleasure  متعة     لذة    التذاذ.  سرور
  • Pleasant/ unpleasant. سار مرض مفرح جيد ممتع / غير
  • Joy فرح* بهجة.  سرور ابتهاج
  • * حزن
  • Sorrow أسى*
  • Passion شغف
  • Happiness السعادة*
  • Embarrassment ارتباك حرج* احراج
  • Curiosity فضول
  • Compassion حنو* عطف شفقة
  • Sympathy (emotion) عطف. تعاطف.  مشاركة وجدانية
  • Empathy(feeling). تشاعر اعتناق اعتطاف استشعار … التقمص العاطفي  تعاطف
  • Empathize يتعاطف. يتشاعر
  • Sympathize عطف شارك وجدانيا
  • استتباب اتزان توازن استقرار داخلي حيوي
  • Organism عضو كائن  حي
  • Self preservation حفظ النفس حفظ الذات   حب البقاء
  • Drives دوافع حوافز بواعث* غرائز
  • Motives/ motivations دافع / دوافع دافعية
  • Appetite/ appetites شهية شهوات* اشتهاء
  • Desires\ Desire. رغبة / رغبات *
  • Sexual desire الرغبة الجنسية
  • Emotions-proper عواطف فعلية حقيقية مخصوصة* . ا
  • Background emotion ارضية العواطف مشاعر خلفية* الاساس اساسية السابقة
  • Primary/ basic emoticon عواطف أولية* بدائية / أساسية*. قاعدية
  • Social emotions عواطف اجتماعية
  • Reason فكر* منطق
  • States حالات*
  • Mental images صور عقلية*
  • Mental phenomena ظواهر عقلية
  • Objects موضوع . شيء
  • Wellbeing عافية* سلامة خير رفاهية
  • Survival البقاء* الاستمرار. دوام على قيد الحياة
  • Conatus كونتوس. محاولة ميل نزعة النجاة البقاء او الاستمرارية  لاتيني
  • Life- governance
  • Reward/rewarding. ثواب جزاء مكافأة / مجز مكافيء مجازاة
  • Regulation ضبط. تنظيم*. تنظيم انتظام تكييف ملاءمة
  • Regulate يضبط ينظم*
  • Body states حالة / حالات جسدية جسمية بدنية جسمانية
  • Map (v) يرسم. يخطط*. ى
  • Brain mapping خريطة دماغية خرائط الدماغ موضعة خرطنة* تخطيط
  • Body mappings ) in brain)
  • Actual maps خرائط فعلية حقيقية
  • Simulation/ simulated محاكاة / محاكاة محاكى صوري تشبيهي
  • Pattern/patterns نمط/أنماط
  • Reflex مُنعَكس فعل منعكس انعكاسي
  • Stimulus / stimuli منبه/ منبهات. محفز* / محفزات     تنبيه تحفيز
  • Reaction استجابة. ارتكاس. رد فعل . تفاعل* انفعال.
  • Non-conscious ( process) لا مَوعيّ
  • Unconscious ( mind component )
  • Nature الطبيعة*
  • Human nature الطبيعة البشرية*
  • Trigger/triggers اطلق نشط. بعث. اثار* / مثير
  • Execution *آداء تنفيذ تفعيل
  • Appraisal تقدير فحص
  • Evaluation تقييم*
  • Emotion-triggering sites مناطق زنادية. إثارة   للعواطف
  • Emotion-execution sites مناطق آداء. تفعيل*  العواطف
  • Emotionally competent stimulus
  • Emotionally competent object
  • Emotionally competent situation
  • Emotional state حالة عاطفية
  • Processing
  • Process عملية*
  • Brain maps خرائط عصبية*
  • Mapping/ signaling neurons
  • Bodily emotions/reactions ## تفاعلات جسدية
  • Channels قنوات
  • Scan مسح* فحص تفرس
  • Activity ( brain) نشاط
  • Neurological diseases أمراض عصبية
  • Mechanism آلية. آلية عمل
  • Thought/ thoughts فكرة* أفكار*
  • Self ذات* نفس. أنا.
  • Descartes Error خطأ ديكارت
  • The Feeling of What Happens إحساس ما يحدث* الشعور بما يحدث. الشعور بالحاصل
  • Decision making اتخاذ القرار* صنع القرار
  • Distress كدر*. ألم. وجع. هم. محنة. مصيبة. ضيق.
  • Adjustment مواءمة
  • Adaptation تكيف تأقلم
  • Center مركز
  • Region منطقة
  • Drug addiction إدمان العقاقير
  • Drug abuse معاقرة المخدرات
  • Arrangement نظام
  • Substance ( of mind body) جوهر
  • Essence جوهر* حقيقة باطن
  • Being كيان*. وجود كينونة
  • Endeavor سعى/ سعي
  • Necessity لزام. ضرورة
  • معايير* قواعد السلوك
  • Conduct سلوك