حوار مع صبا محمود: الحرية الدينية والأقليات والإسلام / ترجمة: إبراهيم الفريح

حوار مع صبا محمود: الحرية الدينية والأقليات والإسلام / ترجمة: إبراهيم الفريح

تُعدُّ الأنثربولوجية صبا محمود واحدة من أبرز الباحثات المعاصرات فيما يتعلق بالإسلام، والعلمانية، والحركات الإسلامية، والمرأة. الحوار التالي رغم أنه أُجري قبل قبل ما يزيد على أربع سنوات، إلا أني شعرت بأهمية ترجمته لما يحمله من تلخيص لبعض أفكار صبا ومشاريعها ولندرة تداول اسمها في العالم العربي. بجانب العديد من المقالات والفصول المنشورة، صدر لها قبل أشهر قليلة كتاب (Religious Difference in a Secular Age: A Minority Report)، وقبل ذلك كان كتابها المهم والذي صدرت طبعته الأولى في 2005 (Politics of Piety: The Islamic Revival and the Feminist Subject)، وأيضًا شاركت مع آخرين في كتاب (Is Critique Secular? Blasphemy, Injury, and Free Speech). أرجو أن يجد القراء العرب في هذه الترجمة بعض الفائدة وأن تكون مدخلًا لأعمال هذه الباحثة المهمة.

 IMG_1556

الحرية الدينية والأقليات والإسلام: حوار مع صبا محمود

صبا محمود أنثروبولوجية تُدرّس في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، أثارت أعمالها العديد من التساؤلات حول العلاقة بين الدين والعلمانية، والأخلاق والسياسة، والسلطة والحرية، يُقدّم كتابها “سياسة التقوى” دراسة لحركة التقوى النسائية الشعبية في القاهرة، حيث يُسائل الكتاب الافتراضات التحليلية والسياسية للنسوية، فضلاً عن الافتراضات الليبرالية العلمانية التي تُقيم على أساسها مثل هذه الحركات غالبًا.

 في كتاب “هل النقد علماني؟” تنضم لطلال أسد، وجوديث بتلر، وويندي براون في إعادة النظر في الجدل الذي أثارته  الرسوم الدنماركية والذي صُوّر بأنه صراع  بين التجديف وحرية التعبير، بين الرؤية  العلمانية والدينية للعالم.

 تعمل صبا محمود الآن على مشروعٍ مقارن حول حق الحرية الدينية وحول العلاقات بين الأغلبية والأقلية في الشرق الأوسط.  تحدثنا حين كنا نتناول الإفطار في مدينة نيويورك.

 

 

ناثان شنايدر: أعلم بأنك تتابعين الأحداث في مصر، بل وقد ذهبت إلى هناك مرتين منذ الإطاحة بنظام مبارك، كيف يمكن أن تصفي الوضع؟

صبا محمود: أعتقد بأن هذا الوقت مثيرٌ للاهتمام بشكل لا يُصدق في مصر، البلد منخرط في عملية تاريخية ومندفعة من التحول السياسي. الرهانات عالية جدًا، ومن غير الواضح ما إذا كان هذا النوع من التغيرات -السياسية والاجتماعية والاقتصادية- التي تتصورها ثورة 25 يناير يمكن أن يتحقق. تواجه هذه الثورة -مثل أي ثورة أخرى في التاريخ الحديث- تحديات هائلة في الداخل والخارج على حد سواء.

 

ما هي بالضبط تلك التحديات من وجهة نظرك؟

صبا محمود: أصبحت الحركة منقسمة -كما هو متوقع- حول كيف يُفترض أن يكون المستقبل المشترك للبلد بعد الإطاحة بنظام مبارك. عادت إلى الواجهة مرة أخرى الخلافات القديمة التي تم وضعها جانبًا لاسقاط نظام مبارك، الفروق الطبقية، الأيديولوجية، والدينية، كلها تُؤثر على الرؤية التي يفترض أن يكون عليها المجتمع العادل. ثانيًا: هناك مسألة تحول النظام السياسي من الداخل من أجل إنشاء بنية ديموقراطية لا تتضمن إصدار قوانين وإجراءات انتخابية جديدة  فحسب،  بل وسن قوانين تعالج مطالب المجتمع الديمقراطي، ثم هناك التحدي المتمثل في كيفية تفكيك جهاز أمن الدولة الممقوت بشدة، ببيروقراطيتة المتضخمة والفاسدة المتمثلة في المراقبة والثأر، وبوجود قانون الطوارئ الذي سَهّل عملياته على مدى عشرين سنة.

عاد المتظاهرون إلى الشوارع مرة أخرى في الأشهر الأخيرة للمطالبة بوضع حدٍ للمحاكمات العسكرية التي استمرت منذ الإطاحة بمبارك (أورد البعض أن أكثر من 10.000 شخص قد حوكموا أمام محاكم عسكرية منذ قيام الثورة). هذه المحاكمات العسكرية ترمز للنظام القديم الذي ما يزال قائمًا، والذي سعى متظاهرو ثورة 25 يناير إلى تفكيكه. أخيرًا – وربما الأكثر أهمية- هناك قضايا اقتصادية نسقية، لا تتعلق بمصر فقط ولكن تنتمي إلى النظام الدولي للتمويل ورأس المال. مصر- كحال دول العالم الثالث الأخرى- هي رهينة في الوقت الحالي للأزمة الاقتصادية العالمية وللضغط الهائل الذي وضع على تلك البلدان من قبل المؤسسات الدولية (مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي) والقوى الجيوسياسية (الولايات المتحدة وأوروبا الغربية) لمقاومة الرغبة الاجتماعية لإصلاحات اقتصادية تقدمية.

 الجيش المصري هو جزء من هذا النظام واستفاد منه كثيرًا، لا أستطيع أن أتصور كيف يمكن للجيش باعتباره المؤسسة الأساسية المسؤولة عن هذا “التحول”، أن يضع مصالحه الاقتصادية جانبًا ليُلبّي المطلب الشعبي لتحقيق العدالة الاقتصادية، هذا هو ما يُفسّر إلى حدٍ ما  لماذا يستمر المصريون بمختلف طبقاتهم وخلفايتهم في تنظيم الاعتصامات والاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد.

 

كيف برأيك يمكن التغلب على هذه التحديات؟

صبا محمود: لدي ثقة في الشعب المصري وفي تعطشه ورغبته في تغيير الوضع الراهن، لا أحد منا تنبأ أو توقع ما كان المصريون بعزم وإرادة سياسية قادرين على تحقيقه في 11 فبراير 2011، ما لا يمكن تخيله أصبح ممكناً. القوى ذاتها هي تدير الأمور الآن وأظن أننا جميعًا سنجد الكثير لنتعلمه من التطورات التي ستتكشف في مصر في السنوات القادمة.

 

بدون أدنى شك، ولكن دعينا الآن نعود للوراء قليلًا، قرأتُ لأول مرة مقالتك ” التلقائية المتكررة وتقليدية النسك” عندما كنت طالبًا مستجدًا في الكلية، وكان لها تأثيرٌ كبيرٌ ما أزال أستشعره على كيفية نظري لممارسة الشعائر الدينية، أتساءل في هذا السياق عما إذا كنتِ أيضًا مررتِ بتجربةٍ في وقت مبكر أعادت توجيهك فكرياً؟

صبا محمود: الشيء الوحيد الذي كان له تأثير حاسم علي كان “فكرة أنثروبولوجيا الإسلام” لطلال أسد. كنت طالبة دراسات عليا في جامعة ستانفورد في ذلك الوقت، وكنت أعمل على قضايا تتعلق بالدين في وقت كان يشهد القليل من الاهتمام بهذا الموضوع ضمن تخصص الأنثروبولوجيا، كان هذا قبل أحداث 11/9 ولم يظن الناس أنَّ للدين تلك الأهمية العظمى، كنت أقرأ كثيرًا لوحدي، وأشير لهذا المقال في أحد الهوامش، لم يكن لدى مكتبتنا حتى نسخة منه، لذا اضطررت لطلبه من خلال الاستعارة من المكتبات الأخرى. جلست، وأتذكر بوضوح قراءته ثم إعادة قراءته عدة مرات، شكَلت لي الأسئلة التي تجبر المقالةُ القارئَ أن يسأل تحديًا حقيقيًا، ليس فقط فيما يتعلق بالإسلام ولكن بالدين بشكل عام. الورقة متداولة على نطاق واسع الآن، ومعظم الطلاب المتخصصين في الأديان والإسلام يميلون إلى قراءتها، لكنها كانت كنزًا مدفونًا في ذلك الوقت.

أخبريني ما الذي قادك إلى الأنثروبولوجيا في المقام الأول؟ كنتِ مهندسةً معمارية قبل ذلك؟

صبا محمود: نعم كنت مهندسة معمارية لأربع سنوات، كنت منخرطةً في النضال ضد سياسة الولايات المتحدة الخارجية في أمريكا الوسطى والشرق الأوسط في ذلك الوقت، وأدركت عندما اندلعت حرب الخليج الأولى بأنَّ هناك العديد من الأسئلة الملحة التي ساهمت الحرب في جلبها إلى الواجهة، والتي أنا نفسي لم أجد لها إجابة، أسئلة تتعلق بالمشهد السياسي والاجتماعي المتحول في العالم الإسلامي، وصعود السياسة الإسلامية وما يُشكّله هذا من تحدي بالنسبة لنا نحن الذين نشأنا مؤمنين بوعود القومية العلمانية لبناء مستقبل مختلف، أصبحت الحركات الإسلامية المُعبِّر الأساسي للمعارضة السياسية في مختلف الدول الإسلامية في أعقاب الثورة الإيرانية في عام 1979.

 عزمتُ على العودة إلى الدراسات العليا من أجل التفكير في التحولات التي حدثت جراء هذا الصعود في المشهد الاجتماعي والسياسي للمجتمعات الإسلامية، لم أكن أعرف حقًا الكثير عن الأنثروبولوجيا في ذلك الوقت، ولذا التحقت ببرنامج الدراسات العليا في العلوم السياسية، والذي وجدته ذا توجه مركزي أوروبي للغاية؛ فأدركت أنَّ هذا التخصص لن يساعدني على استكشاف نوعية الأسئلة التي كنت مهتمة بها، كنت محظوظة بما فيه الكفاية في ذلك الوقت لألِج إلى حقل الأنثروبولوجيا الذي أصبح بمثابة تخصصي الأصلي من ذلك الحين.

unnamed (1)

هل وجدت في الأنثروبولوجيا المجال الذي يمكن أن يعالج الأسئلة التي تهمك بوصفك ناشطة؟

صبا محمود: أظن بأن أي تخصص آخر كان سيستوعب نشاطي، ولكن الأنثروبولوجيا مكنتني من متابعة مسألة الاختلاف بطريقة جدية. كان الهدف التقليدي للأنثروبولوجيا الاجتماعية/الثقافية دراسة الآخر البدائي من أجل تأكيد خصوصية القيم الثقافية والاجتماعية الغربية (وفي أحيان كثيرة تفوقها)، شرع علماء الأنثروبولوجيا وآخرون في أواخر الثمانينات في نقد قوي لفكرة جوهرانية (essentialized ) الاختلاف الثقافي ولا تاريخيته (ahistorical ) الذي كان شائعًا في هذا الحقل لفترة طويلة، وكانت إحدى النتائج المهمة لهذا النقد أنَّ الأنثروبولوجيا انتقلت الى التفكير بطريقة نقدية حول مسألة الاختلاف، ليس الاختلاف الثقافي فحسب ولكن كيف أنَّ اختلاف التاريخ والتقاليد، وترتيبات القوة تُجبر الناس على العيش وتجربة الحياة بطرق متابينة.

إجمالًا، أجدُ أنَّ التزام الأنثروبولوجيا بالتفكير بطريقة نقدية حول الاختلاف فريدٌ من نوعه في العلوم الإنسانية ويستحق الاهتمام والاستكشاف. لذلك – إجابة على سؤالك-  فإنَّ مجال الأنثروبولوجيا ليس بدرجة كبيرة منفتحاً للنضال على نحو استثنائي، وإنما إصراره على أن نتعامل مع الاختلاف، وفي الوقت ذاته أن نعي علاقات القوة التي تسلسل الاختلافات هرميًا وتجوهرها هو الأمر الذي مكنني من العمل المثمر في هذا المجال.

تقولين في موقعك الإلكتروني إن خبرتك في مجال العمارة أثرت على عملك في الأنثروبولوجيا، هل يمكن أن توضحي كيف كان هذا التأثير؟

صبا محمود: ربما تكون هذه مبالغة! ولكن عندما كنت أعمل في الهندسة المعمارية أدركت حينها أنَّي لم أكن سعيدة  كثيرًا بالانغماس مع النخبة وبالنزعة التكنولوجية للمهنة، بدأت العمل بدلًا من ذلك مع المشردين، في تصميم المساكن وتمويلها وبنائها للأشخاص الذين لايستطيعون دفع الإيجار أو الرهن العقاري. كان العمل في معظمه في المجتمعات الحضرية المزدحمة، في الولايات المتحدة، ولفترة وجيزة في باكستان. جعلتني هذه التجربة أدرك قيمة الحياة الحضرية، والتحديات التي تبرزها للناس وكيف يتعاملون معها. بمعنى، هذا ما يركز عليه كتابي “سياسة التقوى”؛ أشخاص يحاولون أن يفهموا عالمًا ألغى إلغاءً كاملًا إمكانية وجود حياة هانئة، ورغم هذا لا يزال الناس يحاولون إعادة بناء هذه الإمكانية من خلال مواءمة أنواع مختلفة من الممارسات والعادات.

 

لماذا اخترتِ القاهرة موقعًا لعملك الميداني ؟

  صبا محمود: ذهبت في البداية إلى الجزائر؛ فكان العمل الميداني فيها مستحيلًا نظرًا لكونها في خضم الحرب الأهلية في ذلك الوقت، ذهبت أيضًا إلى فاس والدار البيضاء ولكن وجدت النقاش السياسي مقيدًا ومحاصرًا بشدة، مما يجعل من الصعب العمل على القضايا التي كنت مهتمة بها.

على النقيض كانت القاهرة، حيث وجدت مكانًا مُفعمًا بالحيوية والحياة مع سجالات حول أهمية العلمانية والإسلام السياسي، وماذا يعني أن تكون  مسلمًا في العالم المعاصر، كانت شوارع المدينة تنبض بهذه القضايا، وغالبًا لم أشعر أن المصريين مقيدون فيما يتعلق بالتعبير عن آرائهم الدينية والسياسية، لقد وجدت أنَّ الثقافة الشعبية في المدينة مفيدة جدًا للمشروع الذي أردت العمل عليه، ولذا  بقيت.

ما الذي قادك للأدوات النظرية التي ساعدتك في تفسير تلك التجربة في “سياسة التقوى”؟

صبا محمود: بحلول الوقت الذي ذهبت فيه للقيام بالعمل الميداني في القاهرة كنت قد أصبحت ناقدة بشدة للكتابات الموجودة تلك التي حللت الحركات الإسلامية، والتي كانت ذات نزعة وظيفية  (functionalist) واختزالية إلى حدٍ كبير، بحيث يبدو أنها توافق المفهوم الهيدروليكي للسياسة: إذا سحقت مكانًا ما ستظهر الفقاعات في مكان آخر. بعبارة أخرى، السياسة الإسلامية (Islaimc politics) كانت بديلًا لأمر أكثر جوهرية: الفشل الاقتصادي والافتقار إلى الديمقراطية وغيرها. لكنني كنت إلى حدٍ بعيد أقل استعدادًا للتفكير في تلك المجموعة من الممارسات الدينية المجسدة التي واجهت، وكيف يمكن لها أن تُؤثر في السياسة أوتساندها معنويًا. في الحقيقة  كان تحديًا بالنسبة لي أن أفكر في استغراق الناس في تفاصيل الشعائر الجسدية وأن لا أقرأها بوصفها تدينًا مُضلل أو في غير محله. كنت أميل في البداية -مثل عدد لا يحصى من الباحثين الآخرين- لرؤيتها على أنها غير ذات أهمية للسياسة ولجوهر الدين على حد سواء، لكن بعد إنجازي للعمل الميداني وعندما عدت وشرعت في الكتابة بدأت أفكر بعمق أكثر حول هذه القضايا ومدى قصور استجابتي لما كنت أرصد في الميدان. قادتني عملية التأمل والكتابة هذه إلى إعادة التفكير في الفارق بين الأخلاق والسياسة في النظرية السياسية الليبرالية، فضلًا عن مركزية التأثير والممارسات المجسدة للتخيلات والمشاريع السياسية.

في التمهيد لكتابك “سياسة التقوى”، تتكلمين ببلاغة كبيرة حول العلاقة بين هذا المشروع وتجربتك منذ بلوغ سن الرشد في باكستان، هل باكستان ستواصل التأثير على الأسئلة التي تطرحين والطرق التي من خلالها تفكرين بهذه الأسئلة؟ باكستان بلا شك أصبحت تلعب دورًا مختلفًا على الساحة العالمية في السنوات الأخيرة.

صبا محمود: التطورات في باكستان مأساوية جدًا، رهن الجيش الباكستاني مستقبل البلاد لخوض سلسلة من الحروب بالوكالة عن الولايات المتحدة، حروب دمرت تدميرًا منهجيًا بنيتها التحتية، ناهيك عن الحياة الاجتماعية والسياسية في البلاد. كتاب “سياسة التقوى” هو تحليل لنوع مختلف من الحركات الإسلامية في مصر، تلك التي غيرت الحياة الاجتماعية والسياسية ولكن ليست تدميرًا لإمكانياتها الذاتية. لعبت الحركات الإسلامية في باكستان دورًا مدمرًا للغاية، خاصة مع صعود الحركات الجهادية التي عقدت صفقة خاسرة مع الجيش الباكستاني من جهة، ومصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية، من جهة أخرى. الأمر يختلف تمامًا في مصر، حيث جماعة الإخوان المسلمين، أكبر منظمة سياسية إسلامية في مصر تحاشت حالة القتال على الأقل منذ الخمسينات، وشبكة مجموعات الدعوة -التي أحلل في كتابي- إصلاحية بطبيعتها، وتركز بشكل كبير على الدعوة والأنشطة الخدمية الاجتماعية، ولم يستمر نشاط المسلحين الإسلاميين في مصر طويلًا، ولا يمتلكون ذلك النوع من القوة التي يمتلكها نظراؤهم  في باكستان، ونتيجة لذلك، الوضع الاجتماعي والسياسي للإسلام في مصر مختلف جذريًا عن نظيره في باكستان.

في مشروعي الحالي، بدأت في تناول مسألة كيف تحول الجغرافيا السياسية (geopolitics ) الطرق التي يدار بها التعايش الديني وينتج ويتحول. ولكن، في حين أن الجغرافيا السياسية حولت بالتأكيد الحياة الباكستانية، لا افكر في هذا الامر ضمن السياق الباكستاني بشكل خاص في عملي الحالي.

unnamed3

هل يمكن أن تخبريني المزيد عن مشروعك الحالي؟

صبا محمود: أنا منهكمة في مشروعين وثيقي الصلة، يُركّز مشروعي الشخصي على كيفية تحول العلاقات الإسلامية-المسيحية تاريخيًا من خلال بروز مفاهيم حقوق الأقليات والحرية الدينية في الشرق الأوسط، مع التركيز بشكل خاص على مصر، وأعمل كذلك بجانب هذا على مشروع جماعي لمدة ثلاث سنوات مع ثلاثة من الزملاء (اليزابيث هيرد، بيتردانشن، وينفريد سوليفان) بتمويل من مؤسسة هنري لوس على مشروع  عنوانه “سياسة الحرية الدينية: جدل القيم والممارسات المحلية”، يرُكّز على كيفية تحول الحرية الدينية من خلال الجدالات القانونية والسياسية في مجموعة مختلفة من الدول في أوروبا والولايات المتحدة والشرق الأوسط وجنوب آسيا.

 تميل معظم الدراسات العلمية حتى الآن لمعاملة الحرية الدينية بوصفها فردية وبوصفها مبدأ مستقر، منصوصًا عليها في الوثائق القانونية الدولية والوطنية، في حين تميل دراسات أخرى للتركيز على مدى اختلاف التقاليد الدينية من حيث قابليتها أو مقاومتها لإدماج المفاهيم الليبرالية للحرية الدينية. يتميز مشروعنا بأنه يسأل ما إذا كانت الحرية الدينية يمكن في الواقع أن تُعامل على أنها مبدأ مستقر أو فردي يرمي إلى تحقيق الأهداف والغايات المشتركة، بالنظر لتنوع السياقات التاريخية والسياسية. سوف نتتبع مجموعة متنوعة من الادعاءات باسم الحرية الدينية، بهدف تحديد الخلافات المعيارية التي تحدث في مجموعة متنوعة من السياقات السياسية الوطنية والدولية. نهتم بهذا لأننا نعتقد أنه من أجل التوصل إلى أي نوع من الاتفاق يتعلق بحقوق الإنسان، من المهم أولًا أن نفهم ما هو حقًا معرض للخطر في معارك الحرية الدينية. ومن المهم أيضا أن نتساءل عما إذا كانت الحرية الدينية – مع الأخذ بالاعتبار استخداماتها المختلفة وقيودها- هي أفضل وسيلة لتحقيق التعايش بين مجموعة متنوعة من الجهات ذات العلاقة.

يبدو أن قضية الحرية هي الخيط الذي يربط عملك السابق مع ما تقومين به في الآونة الأخيرة، سواءً أكانت حرية الاستقلال الشخصي كما  في “سياسة التقوى” أو الحرية الدينية في القانون الدولي كما هو في عملك الحالي، هل أثر أحدهما في كيفية تفكيرك في الآخر؟

صبا محمود: هذا سؤال مثير للاهتمام، أتفق على أن الحرية هي محور كلا المشروعين. غالبًا ما يُصوّر حق الحرية الدينية على أنه  فرداني، سواء في التعديل الأول للدستور أوالاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان أو الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ومع هذا فإن حق الحرية الدينية يُتصوَّر كذلك باعتبار الجماعة بوصفه حقًا لمجموعة لممارسة تقاليدها بحرية، ودون تدخل لا مبرر له أو سيطرة عليها. وكان هذا المفهوم الأخير مهمًا جدًا للأقليات الدينية للمطالبة بجانب من الاستقلالية والتحرر من معايير الأغلبية ومن تدخلات الدولة، وفي عملي الحالي أحاول التفكير في كيف يمكن لهذه التصورات البديلة للحرية الدينية أن تقف في حالة توتر مع بعضها البعض، وأنواع الطرق المسدودة التي تنتج من خلالها.

ما الأدوات البحثية التي تستخدمين؟ هل هو عمل ميداني مرة أخرى؟

صبا محمود: يُشكّل العمل الميداني جزءًا مهمًا، ولكن للمشروع أبعادٌ تاريخية وجغرافية وسياسية وقانونية أيضًا، ويعود هذا لاهتمامي بتتبع كيفية تحول مفاهيم الحرية الدينية عبر الزمن والتاريخ، وأيضا عبر الانقسام بين الدول الغربية وغير الغربية، ولذا أنا أبحث في ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي والقوانين والمعاهدات الدولية، وكذلك في سوابق قانونية معينة في أوروبا تلك التي انتقلت  إلى الشرق الأوسط واكتسبت قبولًا هناك.

أخبريني المزيد عن كيف يكون العمل الميداني؟ في النهاية أتصور أن الطريقة المعتادة لدراسة القانون الدولي هي نصية في المقام الأول، كيف يمكن للعمل الميداني أن يفيد هذا النوع من الأسئلة؟

صبا محمود: أنا مهتمة بالحياة الاجتماعية للقانون، خصوصًا أن العديد من القضايا المعروضة على المحاكم عن حق الحرية الدينية في الشرق الأوسط تُخاض ليس في المحاكم فحسب، ولكن من خلال الحملات الشعبية التي تُطلق في المجالات  الثقافية والسياسية، فيتشكل شعور الناس عما تعنيه الحرية الدينية من الجدل القائم بين منظمات حقوق الإنسان والحقوق المدنية وحقوق الأقليات. ينطوي جزء من دراستي الميدانية في مصر على العمل مع ممارسي النشاط الحقوقي، ولا سيما أولئك الذين يستخدمون البروتوكولات الدولية لحقوق الإنسان في استراتيجياتهم القانونية وحملاتهم الشعبية.

هل يمكن أن توجزين لنا كيف جاء كتاب “هل النقد علماني” وما نوعية القضايا التي تضمنها؟

صبا محمود: برزت فكرة الكتاب أثناء فعالية نُظّمت في جامعة كاليفورنيا في بيركلي للإعلان عن إنشاء وحدةٍ جديدةٍ للبحث في النظرية النقدية وتدريسها. ولّدت الندوة الافتتاحية الكثير من النقاش والاهتمام، وليس فقط في حرم بيركلي ولكن في موقع The Immanent Frame كذلك. فاتحني القائمون على مركز تاونسند للعلوم الإنسانية  -حيث أقيمت الفعالية- وغيري من المشاركين حول وضع بعض أبحاث الندوة معًا في شكل كتاب، ونظرًا لتعذر جمع  كل الأوراق البحثية في الندوة، ركزنا على تلك التي ناقشت الرسوم الدنماركية المثيرة للجدل. قررنا أنا وويندي براون وطلال أسد وجوديث بتلر أن نحاول إعداد الكتاب حول هذه القضية مع الاحتفاظ أيضا ببعض الدوافع الأساسية للندوة.

 

يبدو أن الجدل الواسع الذي صاحب قضية الرسوم الكاريكاتورية يعيد نفسه مرة أخرى مؤخرًا من خلال مجمع بارك51  في مانهاتن، أو ما يُسمّى “مسجد غراوند زيرو” وقبل هذا بأمد طويل كانت الفتوى ضد سلمان رشدي بخصوص”آيات شيطانية”.

صبا محمود: أعتقد أن هناك اختلافات جوهرية بين هذه القضايا المثيرة للجدل، أعتقد أن هذه الأخيرة واضحة إلى حدٍ كبير بأنها تتعلق بحق أقلية -كثيرا ما يُساء لها-  لبناء مكان للعبادة بالقرب من موقع استثمر بحماس وطني-قومي ، في حين أن القضايا محل النزاع السابقة  تمحورت حول اعتراضات المسلمين على كيفية تصوير النبي محمد.

وبما اختتمت للناس قضايا تصوير النبي؟

صبا محمود: ليس من قبيل الصدفة أنه مع كل من “آيات شيطانية” والرسوم الدنماركية ما كان على المحك هو نوع محدد من العاطفة والرابطة  الدينية التي يشعر بها  المسلمون الأتقياء -وبالتأكيد ليس كل المسلمين- نحو شخصية النبي محمد، ونحو رمزيته ومثاليته، هذه العلاقة تجبرنا على أنَّ نفكر في التدين بطرق أكثر تعقيدًا من اعتباره إيمانًا ذا خصوصية معينة، أو بوصفه نظامًا من القواعد والمبادئ والمحرمات. يجب أن يُفكر المسلمون وغير المسلمين تفكيرًا نقديًا حول ما إذا كان الشعور بالإهانة التي يُستقى من هذا النوع من التدين قابل للترجمة إلى لغة الحقوق، وما إذا كان فهم هذا المعنى من الإساءة ذا قيمة للحياة الأخلاقية والسياسية لمجتمع متنوع دينيًا. أعتقد أن هناك ميلًا متزايدًا في الولايات المتحدة وأوروبا -من جانب الأغلبية والأقليات على حد سواء- نحو اللجوء إلى القانون وإلى الدولة لتسوية القضايا الأخلاقية والمعنوية، رغِب الجانبان في وقت الرسوم الدنماركية المثيرة للجدل أن يخضعا للقانون لتسوية مطالباتهم، ولكن أعتقد أن مثل هذه الاتجاه إلى القانون أو التشريع يُجمّد المواقف ويسمح للدولة بالتدخل في مجالات كانت تدعي الحياد نحوها . مساهمتي في هل النقد علماني؟ تُناقش هذه القضايا بمزيدٍ من التفصيل مما لا يمكن أن أوجزه بإنصاف هنا. باختصار، ما أقترحه هو أن الصراعات حول الاختلافات الدينية لا يمكن ببساطة أن تُحل عن طريق اليد الثقيلة للقانون. باعتبار هذه الصراعات تنطوي على حساسيات دينية متنافسة، وكذلك تحيزات عميقة وتعصبات؛ فيجب أن يتم التعاطي معها على أسس أخرى -ثقافية وأخلاقية وغريزية -. قد لا يُثمر هذا عن نتائج فورية أو نهائية، لكن هو خطوة ضرورية ومهمة في سبيل خلق نظام سياسي متعدد الأديان.

إذن كيف برأيك آلت الأمور في قضية بارك51؟

صبا محمود:هناك بطبيعة الحال هيمنت اللغة الجارحة والمسيئة على النقاش على الرغم من أنَّ شخصية محمد لم تكن مقحمة. في قضية  الرسوم الدنماركية المثيرة للجدل – إذا كنت تذكر-  كان الادعاء بأنَّ الحق في حرية التعبير يعني الحق في أن تُسيء إلى أي شخص أيًا كان، وصُوّر هذا على أنَّه سمة من سمات المجتمع المنفتح، التعددي، الديمقراطي، بل إن البعض جادل  بأن الرسوم بمثابة وسيلة  لخلق الإساءة بهدف توليد حوارٍ نقدي بين المسلمين حول الإسلام. في المقابل، في النزاع حول بارك51، جادل البعض رافضًا بناء المجمع على مقربة من مركز التجارة العالمي، فعلى الرغم من أحقية  المسلمين بذلك بموجب التعديل الأول للدستور، إلا أنَّ حجتهم كانت أنَّ من شأن ذلك أن يسيء إلى المشاعر الأمريكية، فاستخدم الادعاء بالجرح والإساءة في كلتا الحالتين لأهداف مختلفة.

 IMG_1557

انعكست أدوار اللاعبين هنا، أليس كذلك؟

صبا محمود: بالضبط. أعتقد أنَّ ما هو عرضة للخطر في كل هذه الجدالات هو وضع أقلية دينية داخل مجتمعات تُصرّح ذاتيًا بلبراليتها، وتدّعي أنَّ لديها أقوى آليات ممكنة لاستيعاب مصالح الأغلبية والأقلية على حد سواء، ومع هذا نجد أنَّ حقوق الأقليات مُؤطَّرة بالفعل من خلال معايير الطائفة الأكبر، بحيث يُحكم على مطالب الأقلية ويُطعن فيها  بناءً على تلك المعايير، وهنا الموضع الذي ما تزال فيه فكرة الحرية الدينية وحرية التعبير باعتبارها حق فردي غير كافية لاستيعاب الوضع. علينا أن نبدأ في التفكير من حيث كيفية وزن الجماعات ديموغرافيًا وسياسيًا على حد سواء، وكيف يقيد هذا السياق الذي تُرفع فيه مطالبات معينة أو تُسمع. ليس كافيًا الإشارة إلى حق موجود في الدساتير، مثل حق حرية التعبير أو الحرية الدينية، ثم تتبع تطبيقه من عدمه، هناك أسئلة أكثر صرامة. على المرء أن يُفكر في الكيفية التي من خلالها تُهيكل معايير الأغلبية الأخلاقية والثقافية والاجتماعية إمكانيةَ ممارسة الحريات الفردية والجماعية للأقليات بطريقة مختلفة. يُفترض أن أوضّح أنَّ هذه المشكلة البنيوية تَسِم كل الدول القومية (مبنية كما هي على حساب التفاضل والتكامل الديموغرافي لأقلية وأغلبية السكان)، وليست مختصة بالمجتمعات اليوروأمريكية ببساطة.

عندما تقاربين هذه القضايا اليوم هل ما تزالين تقاربينها بوصفك ناشطة وباحثة في الوقت ذاته؟

 صبا محمود: لا، يمكن القول إنّي أتعامل معها بوصفي باحثة أكثر من كوني ناشطة. كثيرًا ما قادني عملي الفكري لتحدي مواقفي السياسية ولتعقيدها، لتعقيد ذات الأرضية التي يمكن عليها تصور السياسة وإدارتها. السياسة -في رأيي- تتطلب نوعًا معينًا من انغلاق التفكيرحتى يتسنى أن تحكم وأن تنفذ، في حين يتطلب العمل الفكري نوعًا مختلفًا من العمل. بمعنى، بطبيعة الحال كل المناقشات سياسية في مثل هذه القضايا الجدلية، ولكن أنا لا أبدأ متخذةً موقفًا سياسيًا ومن ثم أرى كيف تتجلى الحجة.

على سبيل المثال  كنت في حيرة إبان الرسوم الدنماركية المثيرة للجدل من أن نوع الإساءة التي عَبَّر عنها المسلمون المتدينون العاديون لم تجد لها أي صوت في السجالات الجدلية سواءً في الصحافة الإسلامية أو الأوروبية. حاولت أن أفهم معنى هذا الصمت، وقادني هذا للإشارة إلى أنَّ هذا النوع من التدين الذي أعرب عنه معظم المسلمين ردًا على الرسوم الدنماركية كان غير متوافقٍ مع لغة الحقوق والمقاضاة، والمقاطعة التي  استحوذت على النقاش، ولكون هذا التدين  تحديدًا لا يمكن أن يُحتوى ضمن لغة الهوية السياسة لم يكن له صدى في النقاش العام، وغني عن القول أنَّ هذا الرأي لم  يكسبني أصدقاء في أي الفريقين.

هل هناك شيء محدد تعتقدين أنَّ الغرب يحتاج إلى معرفته عن العالم الإسلامي، أو الإسلام، أو الأقليات المسلمة؟ هل من رسالة تعتقدين بأنَّها يجب أن تُوضّح؟ أو أن المساءلة كافية؟

صبا محمود: لا أعتقد أن المساءلة كافية. ولكنني أعتقد أنَّ هناك حاجة ماسة لمناهضة طريقة تأطير الأشياء الحالية، باعتبارها مواجهة حضارية بين الإسلام والغرب، طريقة التفكير هذه ليست خطيرة فحسب، بل أيضًا ليست مستدامة على المدى الطويل، وأولئك الذين يودون الخروج من هذا الجدل المحموم عليهم مسؤولية لجعل الناس يدركون لماذا هذا التأطير قاصر ومُشكِل بل وخطير، وعلى رغم الاختلافات المهمة في الأيديولوجيات السياسية والتقاليد الدينية، أعتقد أنَّ لدينا اللغة التاريخية والمهارات التحليلية لنفكر بشكلٍ مختلف، لنتخيل مستقبل لايكون الإسلام والغرب فيه محاصرين في لعبةٍ لا رابح فيها . لنأخذ مثالًا بسيطًا، عندما أتحدث عن ذلك النوع من العلاقة التي يستشعرها كثيرٌ من المسلمين المتدينيين تجاه محمد -والتي كانت إلى حدٍ ما معرضة للخطر في قضية الرسوم الدنماركية المثيرة للجدل- من المؤكد أنه يمكن إدراكها من قِبل الباحثين في النصرانية (بالتقاليد العريقة والغنية للقربان المقدس وعيد الجسد)، والمسيحية الأرثوذكسية الشرقية، وأواخر العصور القديمة. بالتأكيد يمكن أن نفكر معًا حول مفاهيم مختلفة للتدين وما المساحة التي يحوزها في واقعنا السياسي وما الآثار التي يمكن أن تترتب عليها، من دون الانزلاق إلى هاوية عدم الفهم الحضاري أو عدم القابلية للقياس.



ماذا عن المخاوف من النسويات الغربيات تحديدًا؟ يبدو الأمل ضئيلًا أحيانًا في وجود أرضية مشتركة لقضايا المرأة؟

صبا محمود: مرة أخرى، النسوية لديها تراث ثري ومتنوع من الفكر ومن  الممارسات العملية. الميل الحالي نحو رسم صورة تختزل النسوية والإسلام باعتبارهما متضادين قاصر؛ نظرًا لتعقيد كلا التراثين. هناك بلا شك أسباب تاريخية للارتياب الكبير التي تُعامل به بعض الرموز الإسلامية في المجتمعات اليوروأميركية، ولكن آمل من الأشخاص الرصينين أن يكونوا قادرين على التفكير من خلال هذا التاريخ بطريقة نقدية. خذ مثالًا على ذلك الهوس الحالي بقضية الحجاب في أوروبا: لطالما كان الخطاب الاستعماري يُصور الحجاب بوصفه رمزًا أساسيًا لدونية الشرق الحضارية، والإسلام تحديدًا، ونتيجة لهذا ليس مفاجئًا أنَّ الحركات المناهضة للاستعمار اتخذت هذا الرمز على وجه التحديد وسيلةً  لنقض الرأي الاستعماري، وفي ذات الوقت هذا الاعتناق يجسد أهمية الحجاب للهوية الإسلامية.

الخطاب الحالي، بمعنى من المعاني، هو إعادة صياغة لهذا التاريخ، لكن الجديد هو الطريقة التي عُطّل فيها الحجاب في التجربة الأوروبية والتركية باسم العلمانية، بحيث ساوت بين العلمانية ومبدأ المساواة بين الجنسين.على سبيل المثال، ارتكزت الأحكام الصادرة عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان التي تدعم حظر الحجاب في تركيا وفرنسا على ذريعتين مترابطتين: الأولى:أنَّ الحجاب هو رمز لاضطهاد المرأة. والثانية: بما أن العلمانية هي للمساواة بين الجنسين وبما أنَّ فرنسا وتركيا دولتان علمانيتان، لا يمكن التغاضي عن هذه الممارسة، ولكن من الناحية التاريخية، نادرًا ما كانت العلمانية إلى جانب المرأة الفرنسية في مجال حقوق المرأة وإلا لمُنحت حق التصويت قبل وقت طويل من عام 1945، ولكان الفصل بين الكنيسة والدولة قد حقق المساواة بين الجنسين في القرن التاسع عشر عندما اعتمدت الدول الأوروبية هذا المبدأ. لطالما كانت العلاقة بين العلمانية وحقوق المرأة علاقة مضطربة، وهو أمر مهم للتفكير من داخل تاريخ الحركة النسوية. هذا لا يعني بالطبع أنَّ على المرء أن يشجب العلمانية ويتبني الدين أو العكس بالعكس، على المرء أن يكون قادرًا على رؤية التداخل المتبادل بين الدين والعلمانية حتى يُشخّص المشكلة بشكل صحيح، خلاف ذلك، أعتقد أننا نخاطر بإضعاف الجانب النقدي للفكر النسوي.

لقد وجدت أن مقالتك حول احتشاد النسويات لدعم غزو أفغانستان قوية جدًا، أتذكر حينها ذهولي من الكيفية التي رأت فيها المرأة الأمريكية تشابهها مع النساء في أفغانستان تحت حكم طالبان، الأمر الذي جعل البعض متحمسًا لدعم مغامراتنا العسكرية هناك، ولكن هل من طريقة أفضل لنتحالف مع النساء في العالم الإسلامي؟

صبا محمود: تمزق النسيج الاجتماعي بأكمله في المجتمع الأفغاني نتيجة لعدة أمور: أولا: الحرب بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، بين عامي 1979 و 1989، ثم حرب الولايات المتحدة ضد حركة طالبان وتنظيم القاعدة الآن. يسقط ضحايا من المدنيين بشكل يومي تقريبًا، غالبيتهم العظمى من النساء والأطفال وكبار السن، نتيجة للقنابل الأمريكية والطائرات بدون طيار. يتجاوز هذا العنف ويوازي أعمال العنف التي تشنها طالبان على الأفغان. نقرأ عن هذه الخسائر البشرية في وسائل الإعلام، لكنني لا أرى أي احتشاد من قبل المنظمات النسوية الرئيسية في الولايات المتحدة للمطالبة بوضع حد لهذه الكارثة. يقف هذا الصمت في تناقضٍ حاد مع الحملة الشعبية الواسعة التي نظمتها الأغلبية النسوية (Feminist Majority) في أواخر التسعينيات للإطاحة بنظام طالبان.

 تسألني النسويات الأمريكيات كثيرًا عما يمكن القيام به لمساعدة النساء الأفغانيات، إجابتي بسيطة وقصيرة هي: أولًا: إقناع الحكومة بوقف قصفهم، وثانيًا: حث حكومة الولايات المتحدة للمساعدة على تهيئة الظروف السياسية، لا الحلول العسكرية التي لا تقود إلا إلى طريق مسدود في أفغانستان. حالة العوز والحرب المستمرة هي التي دفعت الباكستانيين والأفغان للانضمام إلى طالبان (إلى جانب الانتهازية التؤامرية لحكوماتهم). ربما أنّ الوقت قد حان لتقييم ما إذا كان توجيه المساعدات العسكرية الأميركية نحو المزيد من مشاريع الإصلاح الاقتصادي والسياسي البناءة والشاملة قد تسفر عن نتائج مختلفة.

error: المحتوى محمي