سيميوطيقا العوالم الممكنة: التخييل السردي نموذجًا – جميل حمداوي

سيميوطيقا العوالم الممكنة: التخييل السردي نموذجًا – جميل حمداوي


المقدمة:

من المعروف أن السيميوطيقا تدرس اللغة الطبيعية والاصطناعية معًا، أو تدرس اللغة المنطوقة باعتبارها دوالاًّ لفظية ورمزية من جهة، واللغة البصرية باعتبارها إشارات وأيقونات وعلامات ومخططات من جهة أخرى، ومن ثَم فنظرية العوالم الممكنة عبارة عن نظرية دلالية ومنطقية وسيميائية، يمكن تطبيقها بشكل من الأشكال على الأجناس الأدبية والتخييلية، وبالتالي فهي تستحضر مجموعة من العوالم الاحتمالية الممكنة والمفترضة التي توجد بموازاة العالم الواقعي الحقيقي، ومن ثم تهدف نظرية العوالم الممكنة إلى دراسة العلاقة بين العوالم التخييلية والعالم الواقعي الحالي، في ضوء قوانين الصدق والحقيقة، أو في ضوء معايير الصحة والخطأ، والآتي أن ذلك لا يتحقق إلا من خلال ربط كلمات العالم التخييلي بالعالم الإحالي أو المرجعي أو الواقعي أو الموضوعي، ويعني هذا أن سيميوطيقا العوالم الممكنة تشتغل على لغة العوالم التخييلية في ارتباطها بالعالم الإحالي أو بعوالمها الافتراضية الخاصة إن وجدت، أو دراسة العوالم التخييلية باعتبارها أنظمة علاماتية ولسانية، بغية رصد الدلالة أو المعنى، أو تحصيل السيميوزيس، ومن ثَم تستعين السيميوطيقا بعلم الدلالة والمنطق[1] معًا في استجلاء نظرية العوالم الممكنة التي تتضمنها النصوص التخييلية إن تفكيكًا وإن تركيبًا، والهدف من ذلك كله هو فَهم المكونات المنطقية الأساسية الثلاثة المولدة للخطابات القضوية والتخييلية، وهي: الحقيقة، والدلالة، والتعيين، سيما أن هذه النظرية منطقية ودلالية وإحالية بامتياز.

أضف إلى ذلك أن دوليزيل (Doležel) يعتبر العوالم الممكنة التخييلية بمثابة مواضيع وأنشطة وفضاءات لخطابات سيميوطيقية[2]، ما دامت هذه الموضوعات قابلة للإدراك والتمثل عن طريق اللغة الرمزية، مع عقد التماثلات المنطقية الإحالية بين الكلمات والعالم، وتعيين الجهات الدلالية والمنطقية.

إذًا، ما نظرية العوالم الممكنة؟ وكيف تبلورت هذه النظرية؟ وما أهم تصوراتها النظرية والتطبيقية؟ وكيف تعاملت النظرية الأدبية مع العوالم الممكنة في مجال التخييل السردي؟ وما أهم الإجراءات المنهجية لمقاربة العوالم التخييلية في ضوء المقاربة السيميوطيقية؟ وما أهم المصطلحات النقدية التي تستعين بها نظرية العوالم الممكنة في مقاربتها لما هو سردي وتخييلي؟ هذا ما سوف نتوقف عنده في موضوعنا هذا.

 

مفهوم نظرية العوالم الممكنة:

نعني بنظرية العوالم الممكنة (Les mondes possibles) تلك النظرية المنطقية الدلالية التي تبحث في العوالم التخييلية المقابلة للعالم الواقعي الذي نعيشه بواسطة تجاربنا الذاتية، ومن هنا، فثمة ارتباط وثيق بين عملية التخييل والعالم الممكن، ومن ثَم فالهدف هو التثبت من صحة الملفوظات التخييلية وصدقها في ضوء الإحالة الماصدقية، كما يقصد بالعالم الممكن ذلك العالم المتوقع والممكن منطقيًّا؛ أي: إن العوالم الافتراضية والخيالية يمكن لها أن تكون متماثلة مع الواقع الحقيقي أو غير متماثلة، وإذا كان مجال الخطاب الحقيقي يتلاءم مع العالم الواقعي، فهل يمكن أن نتساءل عن صحة الملفوظات التي تتناول الأشياء والمواضيع في الخطابات التخييلية ضمن عوالمها الممكنة؟ ومن هنا، فعلم جهات الدلالة (La sémantique modale) هو الذي يتولى رصد الضرورة والاحتمال المنطقيين في الخطابات التخييلية وعوالمها الممكنة.

ومن هنا، فالعالم الممكن هو المجموع النهائي من الطرائق التي ترصد لنا وجود العالم وحضوره، ويعني هذا كله أن كل جملة جهة تستطيع أن تعين لنا حقيقة العالم التخييلي في علاقة مع العالم الواقعي الحالي، وبالتالي ليس هناك فجوة بين العالم والحقيقة.

هذا، ويعرفه الباحث المغربي طه عبدالرحمن تعريفًا منطقيًّا بقوله: “العالم الممكن هو حالة شاملة للموجودات جامعة مانعة، إذ ما من حالتين جزئيتين للموجودات متعارضتين، إلا ودخلت فيه إحداهما، وخرجت الأخرى، بحيث كل عالم ممكن هو بمنزلة مجموعة من القضايا تتميز بالاتساق والاستيفاء، فما من قضية إلا وتلزم عن هذه المجموعة أو يلزم نقيضها.

وأهم المسائل التي تعالجها نظرية العوالم الممكنة هي وضع الذوات فيها، فهل الذوات تتغير بتغير العوالم (نظرية بلانتينگا)[3]؟ أم أن العوالم تتغير مع ثبوت الذوات (نظرية سول كريبك)[4]؟ أم أن للذوات نظائر هي التي تتغير بتغير العوالم الممكنة[5]؟ (نظرية دافيد لويس)”[6].

ويعني هذا أن نظرية العوالم الممكنة تبحث في مفهوم المماثلة أو تماثل الذوات، أو تباينها عبر العوالم.

وللتوضيح أكثر، إذا كانت نظرية التحليل الماصدقي تربط القضايا المنطقية بالواقع أو العالم الأنطولوجي الخارجي ضمن نظرية الصدق والكذب، من خلال التركيز على العلاقة الموجودة بين الأقوال والواقع سلبًا أو إيجابًا، كأن نقول: “الأستاذ حاضر”، فهذه العبارة لها دلالة ماصدقية حينما تتطابق مع الواقع التجريبي المتحقق إيجابًا أو سلبًا، لكن السؤال هو: هل جميع العبارات اللغوية واللسانية تُحيل على واقعها المادي الفيزيائي؟

إذا أخذنا هذه العبارة: “يعتقد أحمد أن الثلج أحمر”، فهذه القضية لا يستسيغها التأويل الماصدقي، لكنها صادقة وممكنة حسب نظرية العوالم الافتراضية أو عوالم الإمكان التي تتناقض مع التأويل الماصدقي؛ لأنها لا تتقيد بالعالم الذي يضم الأفراد والوقائع الواقعية، كما يبدو ذك جليًّا عند كريبك وهينتينگا، ومن هنا تصبح هذه العبارة دالة بالنسبة للعالم الواقعي من جهة، وللعوالم الاعتقادية الممكنة من جهة أخرى، فعبارة (يعتقد أحمد أن الثلج أحمر)، قد تكون غير متحققة في العالم الواقعي، “بل تكون دالة في العوالم الاعتقادية والممكنة، ما دام يصر أحمد على احمرار الثلج في عالم تخييلي يخصه هو، لا كما في العالم الواقعي الذي يعيشه مع الآخرين، ومن ثم فهناك ارتباط بين ماصدق العبارة والسياق الاعتقادي والافتراضي الذي وردت فيه، بحيث لا تصدق العبارة أو تكذب إلا إذا عرفت في العالم الاعتقادي الذي وردت فيه تلك العبارة، إذًا فالثلج أحمر في العالم الممكن الذي يعتقده أحمد، ومن هنا يختلف التأويل الماصدقي عن تأويل العوالم الممكنة”[7].

وعليه، يقصد بالعوالم الممكنة ” مجموعة من القضايا التي تنعت بأفعال القلوب أو القضايا الاعتقادية التي تسمح بالانتقال من العالم الذاتي (الاعتقادات الشخصية للمتكلم) إلى عالم تتحقق فيه الحقيقة المنطقية، ويعتقد هينتيگا (Hintikka) أنه بالإمكان وضع منطق للعوالم الممكنة من خلال إحداث صلة وصل بين الفضاء الذاتي للمتكلم والفضاء الموضوعي للقضية، بشكل يسمح بالانتقال من العالم الذاتي الاعتقادي إلى عالم تتحقق فيه المعالجة الماصدقية للقضية “[8].

وعل العموم ينقسم الواقع (Le Réel) إلى واقعين: الواقع الحالي (Le Réel actuel)، والواقع الممكن (Le Réel possible )، ومن ثم فالعوالم الممكنة مثل المفاهيم أو مثل الحقائق الضرورية، ويعني هذا أن الذوات قد تكون حقيقية في الواقع الحالي، وقد تكون حقيقية في واقع العوالم الممكنة، ومن هنا ترتبط العوالم الممكنة بقوانين الصدق والإحالة والماصدق من جهة، وقوانين الكذب والزيف والوهم من جهة أخرى، ويتحقق هذا كله من خلال ربط الكلمات بالعالم.

أضف إلى ذلك تدرس نظرية العوالم الممكنة القضايا النصية في علاقة بعالمها المرجعي الإحالي، أو من خلال ربط العالم التخييلي بالعالم المرجعي، وتبيان علاقة الارتباط والإحالة، ويعني هذا البحث عن القيمة المنطقية للعبارات، من خلال رصد دلالات لغة العبارات والقضايا في ارتباطها بالواقع المرجعي، أو الواقع الحالي، خاصة العبارات الوصفية للذوات داخل الفضاء الكوني.

هذا، ويميز كرناب (Carnap) بين الحقيقة التحليلية (Analytiqye) والحقيقة التصنيفية (Catégorielle)، فالعبارة التالية: “الثلج، في حالته الصافية، أبيض”، فهذه حقيقية تصنيفية في عالمنا الواقعي وواقعنا الحالي، وإذا قلنا: “الثلج، في حالته الصافية، أخضر”، فهذه العبارة حقيقة تحليلية، يمكن أن تكون حقيقية في عالم ممكن وافتراضي آخر، بمعنى أن ما ليس حقيقيًّا في عالمنا هذا، يمكن أن يكون حقيقيًّا في عوالم افتراضية أخرى، ويعني هذا أن للعبارة حقيقتين: حقيقة في عالم واقعي متعارف عليها اجتماعيًّا ومعرفيًّا، وحقيقة افتراضية مغايرة في عالم ممكن إذا وجد، بل يمكن الحديث عن حقيقتين: حقيقة قوية وحقيقة ضعيفة، ويمكن استعمال الحقيقة في العالم الافتراضي بتوظيف الشرط الافتراضي أو ما يسمى بالفرنسية (Le conditionnel).

 

نشأة العوالم الممكنة:

تبلورت نظرية العوالم الممكنة في منتصف القرن العشرين مع مجموعة من الفلاسفة وعلماء المنطق والأدب، خاصة ضمن حقل معرفي يعني بدلالة الجهات المنطقية، بمعنى أن نظرية العوالم الممكنة قد نشأت في أحضان حقل المنطق، سيما منطق الجهات[9] (Logique modale)، ومن هنا فقد تأسس علم دلالة العوالم الممكنة مع المنطقي سول كريبك (Saul Kripke) في مقاله الذي نشره سنة 1963 تحت عنوان: (اعتبارات دلالية حول منطق الجهات)[10]؛ حيث أعطى الباحث بعدًا دلاليًّا ومتكاملاً لمنطق الجهات، من خلال التركيز على ثلاثة عناصر أساسية هي: مجموع العوالم الممكنة، وإمكانية الصلة بين هذه العوالم، ووظيفة التقويم التي تحدد مجموع العوالم الممكنة الحقيقية لفرضية احتمالية ما.

وعليه، تعد هذه النظرية ” ثمرة جهود المناطقة في ميدان التحليل الدلالي لمنطق الموجهات المختص بدراسة القضايا التي تدخل في تركيبها ” الضرورة” (أو الوجوب) و” الإمكان”؛ فقد اشترطوا في ” القضية الضرورية” أن تكون صادقة في كل العوالم الممكنة، وامتاز من بينهم المنطقي والفيلسوف الأمريكي سول كريبك بوضعه نموذجًا دلاليًّا مبنيًّا على العوالم الممكنة، صالحًا لتأويل مختلف الأنساق المنطقية الموجهة”[11].

هذا، ويعد المفكر الألماني ليبنز (Leibniz) أول فيلسوف استعمل مصطلح العوالم الممكنة، حينما أشار إلى أن عالمنا هو واحد من العوالم الممكنة اللامتناهية العدد، وبالتالي فعالمنا الفعلي هذا أفضل بكثير من تلك العوالم الممكنة جميعًا[12]، وفي منتصف القرن الماضي، انتشر هذا المفهوم في الحقل المعرفي الأنجلوسكسوني الذي ارتبط كثيرًا بالفلسفة التحليلية عند مجموعة من الفلاسفة، مثل: كريبك (S. Kripke)، ودافيد لويس (D. Lewis)، وهينتيكا (J. Hintikka)، وبلانتينگا(Plantinga)، وستالناكير[13] (R. Stalnaker1)…

هذا، وقد كتب دافيد لويس مقالاً عنوانه: (الصدق في التخييل/Truth in fiction) سنة 1978م[14]، وقد ربط فيه بين علم دلالة العوالم الممكنة ونظرية التخييل، وقد اعتمد على آراء مجموعة من منظري الأدب، مثل: أمبرطو إيكو (U. Eco)، وريان (M. -L. Ryan)، وباڤيل (Th. Pavel)، وفاينا(L. Vaina)، ودولوزيل[15] (L. Doležel)، وسانت جولي[16] (Saint-Gelais)..  الذين اكتشفوا العوالم الممكنة، وبلوروا مجموعة من الاقتراحات المغايرة.

ولم تتعرف فرنسا على نظرية العوالم الممكنة إلا مع ظهور كتاب (عالم التخييل/Univers de la fiction) لتوماس بافيل (Th. Pavel) سنة 1988م[17].

ومن أهم الدارسين للعوالم الممكنة نذكر: مات (Mates)، وكرناب، (Carnap)، وأمبرطو إيكو (U. Eco)، وفرانسوا راستيي(F. Rastier)، وآخرين.

 

النظرية الأدبية للعوالم الممكنة:

اهتم منظرو الأدب بنظرية العوالم الممكنة منذ سنوات السبعين من القرن العشرين [18]، مع توماس باڤيل (Thomas Pavel) في مقاله حول (نظرية العوالم الممكنة وعلم دلالة الأدب) (1975م)[19]، ودافيد لويس (Lewis) في كتابه (الحقيقة في التخييل) (1978م)، ولوسيا ڤاينا (Lucia Vaina) التي أشرفت على عدد من مجلة (المعاكس/ Versus) تحت عنوان (نظرية العوالم الممكنة والسيميوطيقا النصية) (1977م)…

وبعد ذلك، توالت الدراسات التي تعنى بنظرية العوالم الممكنة وعلاقتها بالتخييل في فرنسا وخارج فرنسا، بل ما تزال نظرية العوالم الممكنة في مجال الأدب مغيبة وغير معروفة كثيرًا في الحقل الثقافي الفرنسي، باستثناء بعض الدراسات النظرية، مثل: (عالم التخييل/ Univers de la fiction) لتوماس باڤيل[20]، و(لماذا التخييل؟ ?Pourquoi la fiction) لجان ماري شايفر[21] (Jean-Marie Schaeffer)، وكتاب (الأسلوب والتخييل) لجيرار جنيت[22] (G. Genette) ، وكتاب (النظرية الأدبية للعوالم الممكنة) لفرانسوا لاڤوكا[23] (F. Lavocat)

ويمكن الحديث أيضًا عن باحثين آخرين في هذا المجال؛ مثل: ماري لور ريان (Marie-Laure Ryan) في دراسته تحت عنوان (العوالم الممكنة: الذكاء الاصطناعي والنظرية السردية) (1991)[24]، ولوبومير دوليزيل (Lubomír Doležel) في كتابه (التخييل والعوالم الممكنة) (1998م)[25]، ورونان (Ronen) في كتابه [26] (العوالم الممكنة في النظرية الأدبية)…

هذا، وفي سنة 1986م، انعقدت في السويد ندوة حول (العوالم الممكنة في الإنسانيات: الفنون والعلوم)[27]، وبعد ثلاث سنوات، جمعت هذه الدراسات في كتاب، تحت إشراف ستوري ألان (Sture Allén) الذي قدم دراسة تركيبية حول نظرية العوالم الممكنة في مجال الأدب والعلوم، كما خصصت مجلة (الشعرية)[28] و(الشعرية اليوم) بعض أعدادها لنظرية العوالم الممكنة في علاقتها بالأدب التخييلي[29].

وقد أثارت نظرية العوالم الممكنة مجموعة من التأويلات الفردية المختلفة بين منظري الأدب[30]؛ بسب تعدد الأهداف، واختلاف منظور علماء المنطق عن منظور علماء الأدب في تفسير العوالم الممكنة دلاليًّا وفلسفيًّا وسيميائيًّا[31]، ولم يقتصر هذا العلم على الأشياء فقط، بل تعدى ذلك إلى عالم الذوات والقيم والأعراف؛ أي: إلى ما هو وجودي (أنطولوجي)، ومعرفي (إبستمولوجي) وقيمي( أكسيولوجي).

ومن هنا، فتطبيق نظرية العوالم الممكنة على التخييل قد يكون موضوعيًّا من جهة، وقد يكون ذاتيًّا من جهة أخرى، ما دام ينطلق من انعكاسات المتلقي وتصوراته، وهناك من يتعامل مع هذه النظرية باعتبارها مقاربة مجازية مثل باڤيل، وهناك من يعدها مقاربة منطقية صارمة [32].

والهدف من هذا كله هو إجراء تناظر بين العوالم التخييلية والعوالم الفيزيائية، ومن ثم لا بد من استحضار تأويلات القارئ للعوالم الممكنة التي تطفح بها النصوص التخييلية بشكل متميز، ويرى أمبرطو إيكو (U. Eco) بأن القارئ النموذجي قد يخلق عوالمه الممكنة، حينما يتفاعل مع النص المفتوح لإعادة بنائه من جديد[33].

هذا، وقد كان هم دافيد لويس (David Lewis) هو البحث عن العلاقة بين التخييل الأدبي والعوالم الممكنة، من خلال التوقف عند شروط الإبداع وشروط التلقي، وبالتالي فقد كان لويس يفتش عن العلاقة الموجودة بين العوالم الممكنة والعوالم الواقعية على صعيد الإحالة والمرجعية، بمعنى أنه كان يبحث عن الإحالات المرجعية للنصوص والملفوظات التخييلية بعوالمها الممكنة في علاقتها بالواقع المادي، ومن ثم فقد تمثل المقاربة المنطقية في دراسة الجهات، ويعني هذا أنه كان ينطلق من مقاربة دلالية منطقية في تحليل العوالم الممكنة.

وعليه، فقد ربط علماء نظرية الأدب التخييل بالعوالم الممكنة من خلال عقد تقابل بين الخيال والعالم الواقعي، أو بين عالم التخييل وعالم الإحالة، بهدف البحث عن الصلة بين هذين العالمين على مستوى الصدق والحقيقة المنطقيين، وبالتالي يطرح التخييل مشاكل عدة أنطولوجية، ومعرفية، وجمالية، ودلالية، بالتركيز على الإشكاليات التالية: كيف يمكن لعالم غير موجود – إلا على مستوى الخيال – أن يكون ويتحقق ويحمل شيئًا من الصدق الواقعي؟ وكيف يضفي القارئ البعد الواقعي على العوالم التي يتلقاها افتراضًا واحتمالاً وتخييلاً؟ فهل هناك من علاقة بين العوالم التخييلية التي تنتجها العوالم الممكنة وعالمنا الواقعي؟ وما طبيعة هذه العلاقة؟

أما الفلسفة، فلم تعن بالتخييل إلا في إطار الفلسفة التحليلية التي كانت تبحث عن علاقة التخييل بالإحالة، من خلال وجهة منطقية وأنطولوجية تجمع اللغة بالعالم، كما يتبين ذلك جليًّا عند راسل (Russell) وفريج (Frege)، وقد ارتبط السؤال الأساس في هذا المجال بإشكالية أساسية هي: كيف يمكن لغير الموجود أن يدل أو يحمل معنى أو دلالة؟!

 

التخييل السردي ونظرية العوالم الممكنة:

تنطلق السيميوطيقا في تعاملها مع التخييل السردي – من نظرية العوالم الممكنة كما أرساها ليبنز، على أساس أن ثمة عوالم لا نهائية إلى جانب واقعنا الفعلي، وهي في حاجة إلى سبر واستكشاف واستجلاء على مستوى الإدراك والاعتقاد، ومن ثم يتضمن الأدب السردي بكل أنواعه العديد من العوالم التخييلية الممكنة والاعتقادية التي تتقابل مع الواقع الحقيقي، بمعنى أن النصوص التخييلية تمتلك نسقها اللغوي التخييلي، وواقعها الخاص بها، وسياقها الواقعي الذي يتنافى مع الواقع المرجعي الحسي والمادي، ومن هنا تسعى السيميوطيقا المفتوحة إلى رصد هذه العوالم الاحتمالية والممكنة في هذه النصوص، من خلال ربط الصلة بين الكلمة وعوالمها الافتراضية من جهة، وسياقها الإحالي المادي من جهة أخرى، مع التوقف عند بنية تلك النصوص ودلالتها ووظائفها، وتعتبر هذه العوالم الإحالية غير نهائية بشكل كامل؛ سواء على مستوى الداخل، أم الخارج، بل هي عوالم مفتوحة وغير نهائية، على عكس عوالم المنطق التي تكون محددة بشكل كامل، وترتبط العوالم الممكنة بالعوالم الذاتية والاعتقادية للشخص التخييلي.

وإذا أخذنا على سبيل التمثيل أسماء العلم في النصوص السردية، فهي أسماء تخييلية مرتبطة بعوالم ممكنة تتحدد داخل سياق النصوص، ويمكن لها أن تحمل دلالات مرتبطة بعالم الواقع الفعلي، إذا مارسنا فعل التأويل الإحالي والمرجعي والمنطقي بشكل نسبي، ومن هنا فلا بد لنظرية الأدب أن تستكشف هذه العوالم الممكنة، وتصنف فضاءاتها التخييلية، وتبحث عن دلالاتها، وتبين وظائفها ومقاصدها المباشرة وغير المباشرة، كأن نتحدث عن العوالم النظيرة أو الشبيهة، أو القريبة أو البعيدة، وبتعبير آخر نتحدث عن العوالم الواقعية الفعلية، والعوالم القريبة، والعوالم البعيدة غير المتناهية، أو نتحدث عن العالم الحقيقي، والعالم الممكن، والعالم المستحيل، والعالم النظير.

وللقارئ دور كبير – حسب إيزر(Izer) – في بناء العوالم الممكنة التي يتضمنها العمل الأدبي التخييلي، ويتحقق ذلك من خلال التفاعل الإيجابي بين القارئ الافتراضي والنص، أو عبر التقاء الإنتاج بالتلقي، ومن ثم يستطيع المتلقي رصد هذه العوالم التخييلية الافتراضية، ومقابلتها بالعالم النظير، أو ما يسمى بالواقع الفيزيائي الأنطولوجي، أو العالم الحقيقي الذي يتضمنه النص الأدبي، خاصة إذا كان النص حداثيًّا أو ينتمي إلى نصوص ما بعد الحداثة[34].

وللتوضيح أكثر، يدخل قارئ الأدب في عوالم خيالية زمانية ومكانية، وهي عبارة عن فضاءات غريبة قائمة على الاحتمال والافتراض، والانزياح عن الواقع ومعطيات العقل والمنطق، وتجاوز عالم الألفة نحو عالم الغرابة، كما يحدث ذلك بجلاء في الخطابات الفانطاستيكية التي يتحرر فيها المتلقي من قيود الواقع، ليستحضر عوالم شاذة وعجيبة وغريبة لاصلة لها بالمرجع الإحالي، لكن السؤال الذي يبدر إلى أذهاننا هو: ألا تملك هذه العوالم الممكنة والمحتملة نوعًا من الصدق والحقيقة والواقعية؟!

إذًا ما علاقة العالم الممكن بالواقع والمنطق؟ وهل هناك تماثل وارتباط وتشابه بين العالم الممكن وعالمنا الواقعي؟ علاوة على هذا، فالنصوص التخييلية تتضمن عوالم تخييلية عدة، فهل لها صلة بعالمنا الواقعي؟ وما طبيعة هذه الصلة؟ وكيف تتحقق سيميائيًّا؟

وعليه، يطفح الأدب بكثير من العوالم الافتراضية الممكنة، كما يتجلى ذلك واضحًا في نصوص أدب الخيال، والفانطاستيك، والسينما الخيالية، وألعاب الفيديو، وبالتالي، فالأدب منذ وقت طويل وهو ينتج عوالم خيالية، ويحولها إلى عوالم حقيقية مفكر فيها، عوالم أكثر اتساعًا من العالم الحقيقي، ومن ثم يمكن الحديث عن عوالم سردية ممكنة، وعوالم شعرية ممكنة، وعوالم درامية ممكنة، والآتي أنه لا بد من التسلح بالسيميوطيقا المنفتحة القائمة على المنطق ودلالة الجهات بغية تفكيك النصوص التخييلية، وتركيب عوالمها الممكنة والافتراضية.

وإذا كانت الرواية الواقعية قد كرست كل آلياتها الفنية والجمالية لمحاكاة الواقع الخارجي، ونقله مرآويًّا من خلال نظرية الإيهام بالواقع، كما هو حال الرواية الواقعية الغربية (بلزاك، وفلوبير، وستاندال، وتولوستوي…)، وحال الرواية العربية (نجيب محفوظ، وعبد الرحمن منيف، وعبد الكرم غلاب، ومبارك ربيع… )، فإن الهم الوحيد للرواية الجديدة هو محاكاة عوالمها الخاصة، دون الاهتمام بمحاكاة العالم المرجعي الخارجي، ويعني هذا أنها كانت تنقل عوالم كتابتها الميتاسردية أو الميتاقص (Métafiction).

وعليه، فقد كان روائيو القرن التاسع عشر أكثر تشبثًا بالواقع؛ لأن غرضهم من الكتابة الروائية هو تحقيق الصدق الواقعي، والاقتراب من الحقيقة الموضوعية، فكان العالم المفضل لديهم هو العالم الواقعي الذي يجب أن يعكسه التخييل السردي عبر لغاته المتنوعة، وصوره السردية المختلفة، وفي هذا الصدد، يقول توماس باڤيل: “ليست الواقعية مجموعة من المواضعات السردية والأسلوبية فحسب، لكنها موقف أصولي إزاء العلاقة بين العالم الحقيقي، ومصداقية النصوص الأدبية، ففي المنظور الواقعي، يعول معيار الصدق والزيف في النص الأدبي، وتفصيلاته على فكرة الإمكانية (وليست الإمكانية المنطقية المقصودة فقط)، بالاستناد إلى العالم الحقيقي، وتتباين أنواع الواقعية، تبعًا لوصفها العالم الحقيقي، وتعريفها للعلاقة التي تربط هذا العالم ببدائله الممكنة”[35].

ويعني أن كُتاب الرواية الواقعية كانوا يرومون الصدق في نقل واقعهم، والابتعاد عن الوهم والزيف وخداع المتلقي، ومن ثم، فقد كان الكاتب الأكثر نجاحًا هو الذي يقترب من الواقع الفعلي كثيرًا، وينقل حقائقه ووقائعه وأحداثه بصورة صادقة، ولو كان ذلك من باب الإيهام بالواقعية، وبهذا تحولت الرواية إلى وثيقة تاريخية واجتماعية وسياسية صادقة، أو أن الرواية الواقعية هي نوع من التأويل الماصدق للواقع المنقول.

بيد أن الرواية الميتاسردية (Métarécit) كانت بعيدة عن الواقعية؛ لأنها كانت ترفض التمثيل الواقعي المرآوي في التقاط تفاصيل الواقع، بل كانت تلتقط مشاكل النوع الروائي نفسه، وتحاكي نفسها بنفسها، من خلال مساءلة قضايا الجنس والقصة والخطاب، بمعنى أن الرواية الميتاسردية كانت تعنى بواقع أكثر تخييلاً وصدقًا لنفسها يتمثل في عالم القص نفسه، علاوة على ذلك لم يعد الواقع في السرد المعاصر واقعًا ماديًّا حقيقيًّا، بل هو عالم تخييلي مثل القص، وأكثر من هذا حتى الواقع الذي تنقله الرواية الواقعية ليس هو الواقع المرجعي، بل هو واقع خاص بالرواية يشبه العالم المرجعي المادي الفعلي، بمعنى أن هناك عوالم ممكنة تتحدث عنها السرود التخييلية والحكائية، وإذا كان الواقع الإحالي الفعلي هو العالم المفضل بالنسبة للرواية الواقعية، فإن واقع القص هو الأفضل بالنسبة للرواية الميتاسردية أو الرواية الجديدة، أضف إلى ذلك أن الحقيقة نسبية، بل غير موجودة عند نيتشه، فهي مجرد تأويلات ليس إلاَّ.

وفي هذا السياق يقول أحمد خريس في كتابه (العوالم الميتاقصية في الرواية العربية): “لقد ساعدت مباحث نقد الحقيقة الفلسفية في إضفاء مشروعية على هذا الانقلاب الجذري في التعامل مع الواقع، فلم يعد الأخير معيارًا للحقيقة، بل لم تعد الحقيقة قابلة للتجسيد بالاستناد إلى الواقع الكلامي، وصار ينظر إلى العالم في المقابل، كما ينظر إلى عمل فني أو نص أدبي؛ أي: إن الواقع تحول إلى قص؛ لأن “الحقائق هي الشيء غير الموجود على وجه الدقة، فهناك فقط تأويلات، مثلما أكد نيتشه، مما خلق التباسًا واضحًا في مفهوم الإحالة، الذي كان ينعم بالراحة زمن سيادة الفهم الواقعي للعالم، فالوعي الجديد قلل من إمكانية بناء عوالم روائية شمولية، أو وصف العالم الحقيقي بالاكتمال؛ لأن من الصعب حتى من وجهة نظر شكلية محضة، إنتاج وصف محيط لنظام علاقات مكتمل، فالاحتمالية الأكبر هي الالتجاء إلى نموذج توليفي، أو إلى وصف جزئي يمثل مخططًا مصغرًا لعالم ممكن الوجود يكون جزءًا من عالمنا الحقيقي”[36].

ويعني هذا أن الروائي لا ينقل الواقع كما هو في الحقيقة المرجعية، بل ينقل لنا وعيه بهذا الواقع؛ أي: لا ينقل سوى وعي الواقع، في حين نجد الواقع أكبر عن التمثيل والمحاكاة الصادقة التامة والكاملة، وهذا ما جعل فيرجينيا وولف تقول: “إن القص هو واقعنا”[37]؛ أي: إن الروائي الواقعي لم يكن في الحقيقة ينقل واقعه بشكل مطابق وصادق، بل كان ينقل افتراضات واحتمالات تخمينية من باب الفن والجمال.

وعليه، يعتبر القص أو التخيييل أكثر الأشكال التعبيرية احتواءً للعوالم الممكنة؛ نظرًا لانزياحه عن قواعد المنطق، ثم اتساعه واكتماله، ومن ثم فالعوالم الممكنة هي عوالم متخيلة ومصدقة ومتأملة، ومن ثم فهناك عالمان: عالم حقيقي واقعي وعالم تخييلي ممكن، وثمة علاقات بين هذين العالمين، قد تكون علاقة مطابقة أو تماثل أو تشابه، أو تضمن أو تضاد أو تناقض.

وإذا كانت الرواية الواقعية قائمة على علاقة الإحالة، فإن الرواية الجديدة تنزاح عن هذه الإحالة، وتعتبر عوالم القص أفضل من عالم الواقع أو عالم الحقيقة النسبي أو الموهوم، “ولا يعني كون الرواية امتدادًا لعالمنا الحقيقي، إنها تتعامل تعامله مع قيمة الصدق، فلا يمكننا مثلاً أن نسم عباراته بمثل ما نسم به عبارات عالمنا، كالصحة والخطأ، ذلك أن العبارات القصصية تملك حقيقتها الخاصة، وتؤدي دلالاتها بنوع من اللامباشرة، وانطلاقًا من ذلك، فإن تشييد العالم القصي، لا يقوم على احترام صدقية العالم الحقيقي”[38].

وهكذا، نستنج بأن السرد يتضمن عدة عوالم ممكنة باختلاف الكاتب والمتلقي، وما يسرده السارد من أحداث واقعية أو خيالية، وبالتالي فهناك تعارض بين شخصيات القص وشخصيات الواقع، فشخصيات السرد مصنوعة من الخيال والورق واللغة، في حين تعد شخصيات الواقع شخصيات حقيقية مصنوعة من دم ولحم، وإذا كانت أسماء الشخصيات في الرواية الواقعية قائمة على الإحالة والتطابق والتماثل، فإن الرواية الجديدة تخلق أسماءً لاعلاقة لها بالواقع الحقيقي، فهي شخصيات بدون أسماء أو حاملة لأرقام أو شخصيات عجائبية، أو شخصيات ساخرة أو عابثة، أو مفارقة أو مغايرة.

ومن هنا، ننتقل من عالم الإحالة القائم على ربط الكلام بالواقع، إلى عالم ميتاسردي خيالي شبه مرجعي يتم فيها ربط الكلام بالكلام، ومن ثم لا يستطيع كاتب الميتاسرد أن يلغي الواقع الحقيقي، بل يعترف به، ولكن لا يستطيع نقله بصورة صادقة وأمينة، بل ينقله بطريقة جزئية على مستوى الإدراك، بل يضيف إليه عبر فعل الكتابة السردية، وأمام عجز الكتاب عن نقل الواقع الحقيقي الصادق، استبدلوا ذلك بعوالم بديلة أو ممكنة أخرى للتعبير عن تجاربهم الذاتية أو الواقعية أو الميتاسردية، معتمدين في ذلك على اللغة، بدل نقل الواقع والحس المشترك، ويتسم البحث عن العوالم المغايرة للواقع الحقيقي بالنظام والتماسك والاتساق والتحفيز، وبصفات أخرى، مقارنة بالواقع الفعلي الفج الذي يفتقر إلى التنظيم والترابط والتماسك، ومن هنا فالعالم الحقيقي هو ذلك العالم الذي يهرب إليه قاطنوه، ويعبروا عنه بضمير المتكلم، وأسماء الإشارة، وأدوات التملك، وظروف الزمان، أو بآليات التلفظ الدالة على حضور الذات، ويقول أمبرطو إيكو: ” لقد حدد بجلاء أن الحقيقي تعبير رمزي، وأن العالم الحقيقي هو كل عالم يحيل قاطنوه إليه كونه عالمهم الذي يعيشون فيه، ولكن عند هذه النقطة بالتحديد، لا يتبقى العالم حقيقيًّا، فالحقيقي يصبح تطويرًا لغويًّا مثل ضمير المتكلم أو اسم الإشارة”[39].

وعلى العموم، إذا كانت الرواية الواقعية قد ارتبطت بعوالم واقعية حقيقية عن طريق الإيهام الواقعي، فإن الرواية الجديدة، بمختلف أشكالها، أو رواية ما بعد الحداثة، قد استبدلت ذلك الواقع المرجعي بواقع أكثر حقيقة يوجد في العوالم الممكنة والافتراضية؛ سواء أكان ذلك الواقع هو واقع عالم القص، أم عالم الخارق، أم عالم اللغة، أم عالم الرموز.

 

التصور المنهجي:

تنبني المقاربة السيميوطيقية المفتوحة على مستوى التطبيق الإجرائي – على مجموعة من الخطوات المنهجية لرصد العوالم الممكنة في النصوص الأدبية التخييلية، ويمكن استجماع تلك الخطوات وفق الشكل التالي:

• تصنيف أنماط التخييل الأدبي والفني وَفق مقولة الأدبية أو حسب مقولات التجنيس الأدبي التي تنتمي إلى نظرية الأدب.

• تحليل النصوص التخييلية في ضوء مفاهيم نظرية العوالم الممكنة ومصطلحاتها الإجرائية، من خلال التوقف عند القضايا والعبارات والملفوظات المنطقية والجهات الدلالية من جهة، ودراسة وقائعها وذواتها وأشيائها وأفضيتها وأوصافها ومنظوراتها من جهة أخرى.

• تفكيك عوالم النصوص التخييلية وتركيبها بنية ودلالة، ووظيفة وسياقًا.

• وصف البناء الداخلي للعوالم الممكنة، وتبيان الإجراءات التي تتحكم في هذا التبيين.

• التمييز بين النصوص التي تتخيل العالم ( تمثيل العالم عبر المحاكاة أو تفسيره)، والنصوص التي تبني العالم (تغيير العالم والإضافة إليه).

• الانطلاق من الملفوظات اللسانية والتعابير اللغوية والصور والقضايا لعقد مقارنة بين العوالم الواقعية والعوالم الممكنة.

• عقد تماثلات بين العوالم التخييلية الممكنة وعالمنا الواقعي الحقيقي (صحة التماثل وزيفها).

• المقارنة بين العوالم التخييلية والعوالم التاريخية.

• تحديد أنواع العوالم الأدبية والتخييلية والممكنة والفلسفية والمنطقية.

• تحديد عوالم الكاتب وعوالم النص وعوالم المتلقي الواقعية والخيالية والممكنة.

• تبيان الطرائق التي يتم بها الانتقال أو التحول من عالم إلى آخر.

• تحديد نوع المعلومات التي نمتلكها حول عالمنا والعوالم الممكنة من حيث النقص والاكتمال.

• رصد الانزياحات المختلفة بين العالمين الحقيقي والافتراضي، وطبيعة ذلك الانزياح ودلالته ووظيفته.

• التركيز على العلاقة بين التخييل والواقع بنية ودلالة ووظيفة وسياقًا.

• دراسة الأخبار في الملفوظات التخييلية في ضوء سياقاتها الداخلية والخارجية، وفي ارتباط بوضعياتها السردية والخطابية [40].

المصطلحات النقدية:

تستند السيميوطيقا المفتوحة في دراسة العوالم الممكنة في النصوص التخييلية، على المفاهيم والمصطلحات الإجرائية التالية:

العوالم الممكنة – كلمات العالم – العالم الواقعي الحقيقي- العالم الحالي- الخيال- التخييل- الصدق- الكذب- الحقيقة- الوهم- نسبية الحقيقة- الإيهام بالواقع- الإحالة- المنطق- التحليل الماصدقي- المعتقدات-العادات- القيم-الأعراف- المماثلة النسبية [41]– أفضل العوالم- الإحالة- الخيال- تجربة التخييل- مبدإ الانزياح الأدنى[42]– العالم النصي- العبارات- القضايا- الذوات- الأشياء- اللغة التخييلية والإحالية- قيمة الصدق- نظرية الاحتمالات- التصورات الافتراضية- الملفوظات التخييلية أو السردية- أسماء الأعلام بين المرجعية والتخييل- الصحة والخطأ- معيار التشابه أو التماثل بين العالمين-العالم التخييلي- الجهة الواقعية[43]– محاكاة الواقع- التأويلات الممكنة- القارئ الافتراضي – القارئ الممكن- القارئ الكائن الفعلي والحقيقي- المعلومات الكاملة والناقصة- المغايرة- التشابه- التماثل- التناظر- التضمن- التضاد- التناقض- الانزياح- مبدأ الواقعية[44]– مبدأ الاعتقاد المتبادل[45]– مبدأ المعتقدات الجماعية[46]– الحقائق التخييلية- الحقائق التخييلية الأولية- الحقائق التخييلية الثانوية- الأحداث أو الوقائع الخيالية- الداخل والخارج على مستوى المنظور التخييلي- الإمكان- التحول من عالم إلى آخر- المسافة بين التخييل والواقعية- الوظيفة المحاكاتية-التجارب الواقعية والتخييلية- عالم الكاتب- عالم النص- عالم المتلقي- المنظور- الوضعية- الأخبار- الأوصاف التخييلية- الأبنية التخييلية أو الخيالية- المرجع التخييلي- المواضيع السيميوطيقية- الأنشطة النصية- بناء النص- تمثيل العالم- تغيير العالم- تفسير العالم- محاكاة العالم-التعارض الأنطولوجي- نظرية منطق الجهات- شروط الصدق أو الحقيقة- الترابطات الملائمة أو المناسبة- ترجمة العالم[47]– التماثل المجازي.

 

الخاتمة:

وخلاصة القول: إن سيميوطيقا العوالم الممكنة هي التي تدرس العوالم التخييلية في ترابطها مع الواقع المرجعي والإحالي، من خلال عقد تماثل بين الكلمات والعالم من جهة، وربط ذلك كله بمنطق الصدق والكذب، ويعني هذا أن نظرية العوالم الممكن نظرية دلالية ومنطقية وسيميوطيقية، ترتكز على الملفوظات اللسانية وقضاياها المحمولية والموضوعية، بغية البحث عن مظاهر الإحالة والتماثل والتطابق بين العوالم الممكنة، والعالم الواقعي الذي يعيش فيه الإنسان.

هذا، وقد ساهم كثير من المناطقة والفلاسفة واللسانيين والسيميائيين والباحثين في نظرية الأدب دراسة نظرية العوالم الممكنة من وجهات مختلفة: دلالية، ومنطقية، ولسانية، وسيميائية، وفلسفية، وشعرية؛ سواء أكانت تلك المقاربات ذاتية، أم موضوعية.

وعلى العموم، يتبين لنا مما سبق ذكره أن نظرية العوالم الممكنة في مجال الأدب بصفة عامة، وفي مجال التخييل السردي بصفة خاصة – ما تزال في الساحة النقدية الغربية في حاجة إلى دراسات تشريحية وتجريبية عدة، بغية التثبت من نجاعة هذه النظرية على مستويي التقعيد والتطبيق الإجرائي، وإذا كان هذا حال هذه النظرية على صعيد الثقافة الغربية، فماذا نقول بشأن هذه النظرية على الصعيد الثقافي العربي؟!

 

 

 

 


[1] يدرس المنطق العبارات اللغوية واللسانية كما يبدو ذلك جليًّا عند أرسطو.

[2] Doležel, Heterocosmica. Fiction and Possible Worlds, Baltimore/Londres, Johns Hopkins University Press, 1998, 339 p.

[3] A. Plantinga, ( Transworld Identity or Worldbound Individuals? ), in Logic and Ontology, M. Munitz (dir. ), New York: New York University Press, 1973. Repris dans Loux, The possible and the actual, 1979. A. Plantinga, The Nature of Necessity, Oxford University Press, 1974.

[4] S. Kripke, (Semantically Considerations on Modal Logic), Acta Philosophica Fennica, n°16, 1963, p. 83-94. S. Kripke, Naming and Necessity (1972), Cambridge (Mass. ): Harvard University Press, 1980, 172 p.

[5] D. Lewis, Counterfactuals, Havard University Press, Cambridge, MA, 1973, 150 p.

D. Lewis, (Truth in Fiction), American Philosophical Quaterly, 15, 1978, p. 37-46.

D. Lewis, Philosophical Papers, vol. I, Oxford, Oxford University Press, 1983, p. 261-280.

D. Lewis, De la pluralité des mondes (1986), tr. de l’anglais (USA) par M. Caveribère et J. -P. Cometti, Paris/Tel Aviv, Éditions de l’éclat, coll. « tiré à part », 2007, 416 p.

[6] د. طه عبدالرحمن: في أصول الحوار وتجديد علم الكلام، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الثانية 2000م، ص: 136.

[7] الحسين أخدوش: (مشكلة المعنى في المنطق بين نظرية التصور ونظرية الحكم)، موقع الأوان، موقع رقمي، الجمعة 30سبتمبر2011م،

http: //www. alawan. org/article10458. html

[8] J. Hintikka, Knowledge and Belief: An Introduction to the Logic of the Two Notions, Cornell: Cornell University Press, 1962, 179 p.

[9] يرى الدكتور طه عبدالرحمن بأن المسلمين قد عرفوا نظرية العوالم الممكنة عندما تكلموا في ” الصلاح والأصلح”، وفي “دليل الجواز”، هذان المبحثان يجوزان وجود أحوال للعالم غير الحال الذي هو عليها؛ لذا يتوقف الباحث عند نظرية المماثلة عند علماء الكلام بالتحليل والمناقشة؛ انظر: في أصول الحوار وتجديد علم الكلام، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الثانية 2000م، ص: 136.

[10] Kripke, ( Semantical Considerations on Modal Logic ), Acta Philosophica Fennica, n°16, 1963, p. 83-94.

[11] د. طه عبدالرحمن: (تجديد النظر في إشكال السببية عند الغزالي ونظرية العوالم الممكنة)، مجلة المناظرة، المغرب، العدد الأول ، السنة الأولى يونيو 1989م، ص: 25.

[12] – استعمل فولتير (Voltaire) مصطلح العوالم الممكنة في روايته (كانديد/ Candide) على لسان الحكيم باكلوس (Pangloss)، وقد ظهرت الرواية سنة 1759م، وأن العالم الذي يعيش فيه كانديد هو أفضل من العوالم الممكنة، كما نجد هذه الفكرة نفسها عند الغزالي في كتابه: إحياء علوم الدين، المجلس الخامس، الجزء الثالث عشر، كتاب التوحيد والتوكل، دار الفكر، طبعة 1975م، ص: 181.

[13] R. C. Stalnaker, (A Theory of Conditionals), Studies in Logical Theory, N. Rescher (dir. ), Oxford, 1968, p. 98-112.

R. C. Stalnaker, (Possible Worlds), Noûs, 10 (1), 1976, p. 65-75.

[14] Lewis, ( Truth in fiction ). Dans cette étude, les références à cet article correspondent à l’édition de 1983 in Philosophical Papers, Oxford, Oxford University Press, 1978, p. 261-280.

[15] U. Eco (1979), Th. Pavel (1975), L. Vaina (1977), L. Doležel (1979), M. -L. Ryan (1980).

[16] R. Saint-Gelais, (Ambitions et limites de la sémantique de la fiction), in Acta Fabula, février 2004, URL : http: //www. fabula. org/revue/cr/122. php [consulté le 15/05/2012]

[17] Voir, sur ce constat, le début de l’article de Richard Saint-Gelais (2004). Signalons également l’ouvrage récemment paru en France, La Théorie littéraire des mondes possibles (2010), dirigé par F. Lavocat, qui tente de faire le point sur la théorie des mondes possibles appliquée à la fiction dans une perspective diachronique large. Les travaux de Thomas Pavel ont été relayés en France par ceux de Gérard Genette, Fiction et diction (1991) et de Jean-Marie Schaeffer Pourquoi la fiction (1999).

[18] Lewis, ( Truth in fiction ) (1978). Dans cette étude, les références à cet article correspondent à l’édition de 1983 in Philosophical Papers, Oxford, Oxford University Press, p. 261-280. Toutes les citations issues de cet article sont ma propre traduction n’ayant pas eu accès à la traduction parue dans ce volume, lors de la rédaction de mon article.

[19] Dès 1975, T. Pavel intitule un article (Possibles Worldsin Literary Semantics). En 1977, Lucia Vaina pour la revue Versus, dirige le numéro «Théorie des mondes possibles et sémiotique textuelle».

[20] T. Pavel, Univers de la fiction, Paris, Seuil, coll « Poétique », 1988, 210 p.

[21] J-M. Schaeffer, Pourquoi la fiction ?, Paris, Seuil, coll. “Poétique”, 1999, 350 p.

[22] G. Genette, Fiction et diction, Paris, Seuil, coll. « Poétique », 1991, 150 p.

[23] F. Lavocat (dir. ), La théorie littéraire des mondes possibles, Paris, CNRS éditions, 2010, 326 p.

[24] M-L. Ryan, Possible Worlds, artificial Intelligence, and Narrative Theory, Indianapolis, Indiana University Press, 1991, 291 p.

[25] L. Doležel, Heterocosmica. Fiction and Possible Worlds, Baltimore/Londres, Johns Hopkins University Press, 1998, 339 p.

[26] R. Ronen, Possible Worlds in Literary Theory, Cambridge, Cambridge University Press, 1994, 244 p.

[27] A part celui de L Doležel (qui y expose les thèses reprises et développées dans Heterocosmica) aucun texte de ce volume ne traite de l’articulation entre la théorie des mondes possibles et les études littéraires. Thomas Pavel, qui exprime l’idée de paysages culturels modelés par différentes configurations de mondes possibles (« Fictional Worlds and the Economy of the Imaginary» pp. 251-258) adopte ici une perspective plus large.

[28] L. Doležel, (Extensional and Intensional Narrative Worlds ), Poetics, n° 8, 1979, p. 193-211.

[29] Poetics, avril 1979, numéro dirigé par J. Woods et T. Pavel, traite des rapports entre la sémantique formelle et la théorie littéraire. Poetics Today, 1983, est consacré aux théories de la fiction.

[30] Voir Ronen (1994) et Doležel (1998). Comme le remarque M. -L. Ryan (2010, p. 53) : « La notion de “monde possible” recouvre une variété d’interprétations individuelles qui sont subordonnées à des fins différentes. On ne peut s’attendre à ce qu’un logicien qui tente de définir les conditions de vérité des opérateurs modaux ait exactement la même interprétation de la notion de monde possible qu’un théoricien de la littérature qui s’intéresse à l’expérience imaginative inspirée par la fiction ».

[31] Nancy Murzilli : ( De l’usage des mondes possibles en théorie de la fiction), Klesis – Revue philosophique – 2012 : 24 – La philosophie de David Lewis : 337.

[32] La théorie littéraire des mondes possibles, par Françoise Lavocat. Avant-propos à La Théorie littéraire des mondes possibles, sous la direction de Françoise Lavocat, Paris, Éditions du CNRS, 2010.

[33] U. Eco, Lector in Fabula. Le rôle du lecteur ou la Coopération interprétative dans les textes narratifs (1979), tr. de l’italien par M. Bouzaher, Paris, Librairie générale française/Le Livre de poche, coll. « Biblio Essais », 1985, 314 p.

[34] Wolfgang Iser : L’Acte de lecture : théorie de l’effet esthétique Editions Mardaga, 1985. 405p.

[35] Thomas G. Pave: Fictional worlds, Harvard University Press, Massachusetts, 1986, pp: 46-47.

[36] أحمد خريس: العوالم الميتاقصية في الرواية العربية، دار الفارابي ، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2001م، ص: 62-63.

[37] أحمد خريس: العوالم الميتاقصية في الرواية العربية، ص: 63.

[38] أحمد خريس: نفسه، ص: 68-69.

[39] Umberto Eco : The role of the reader,pp : 223-224.

[40] Lamarque et S. H. Olsen, Truth, Fiction and Literature, Oxford, Clarendon Press, coll. « Clarendon library of logic and philosophy », 1994, 481 p.

[41] مصطلح وضعه دافيد لويس.

[42] مصطلح وضعه ريان (Ryan)، ويعني به تعيين العالم الممكن الأقرب تشابهًا من العالم الحقيقي.

M-L. Ryan, (Fiction, Non-Factuals, and the Principle of Minimal Departure), Poetics, 8, 1980, p. 403-422.

[43] مصطلح وضعه دافيد لويس.

[44] مصطلح وضعه كندال والتون (Kendall Walton)

[45] – مصطلح وضعه كندال والتون (Kendall Walton)

K. L. Walton, Mimesis as Make-Believe. On the Foundations of the Representational Arts, Cambridge (Mass. ), Harvard University Press, 1990, 450 p.

[46] مصطلح وضعه دافيد لويس.

[47] مصطلح وضعه نيلسون كودمان (Nelson Goodman)

N. Goodman, Manières de faire des mondes (1978), tr. de l’anglais (États-Unis) par M. -D. Popelard, Nîmes, Éd. Jacqueline Chambon, coll. « Rayon art », 1992, 193 p.

error: المحتوى محمي