سياسة الزومبي ، والديموقراطية، ووعيد الدكتاتورية – هنري جيرو / ترجمة: مي فؤاد، وليد العيباني

سياسة الزومبي ، والديموقراطية، ووعيد الدكتاتورية – هنري جيرو / ترجمة: مي فؤاد، وليد العيباني


صعود سياسة الزومبي

في الثقافة الشعبية، يبدو الزومبي في كل مكان. كما هو واضح في الكم الهائل من الكتب والأفلام وألعاب الإلكترونية والرسوم الهزلية. من المطاردة الليلة كما في الرسم الهزلي (Living Dead) إلى فِلم (Zombieland). هذه الاِستعارة لفكرة الزومبي صوَّرت ولامست شيئاً فريداً في الخيال المعاصر. ولكن الصورة المريعة والمُظلمة للزومبي الذي فقد أحد أطراف جسده، والسوائل التي تتقاطر منه، وشهيتهُ المستمرة. إنما هي غيبوبة أخلاقية للعقل البشري الذي يسوِّق لمشهدٍ عنيفٍ وبشع كهذا. وهناك المزيد من هذا الاِفتتان بشكلِ مشوه بهذا الميت لدى هوليوود أكثر من الأشياء المظلمة والغير مقيدة من العقل البشري.

ظاهرة الزومبي والتي تُعرض هذه الأيام على شاشة التلفاز ليلاً بجانب أمثلة لا تعد ولا تحصى من الدمار تعرض بشكلٍ مباشر. هذا الانِبهار الثقافي بهذه الصور الكثيرة للموتى والكوارث البشرية القاسية تمتد من الاِنهيار الاقتصادي العالمي حتى زلزال هاييتي إلى الكارثة البيئية والذي تسببها تسرب النفط في خليج المكسيك. إشارات التحول هذه تبتعد كل البعد عن الأمل مصحوبةً بعيشٍ لأجل سياسةٍ ساخرة ويائسة. هذه الحركة المزدوجة المروعة التي تكون بين “أموات يسيرون” وأولئك الأحياء الذين يحتضرون ويعانون، لا يمكن أن تُفهم خارج إطار رأسمالية الكازينو والتي تُشكل الآن كل جانب من جوانب المجتمع إلى صورتها الذهنية الخاصة بها. سياسة الزومبي في رأسمالية الكازينو ترى أن المنافسة أنما هي شكل من أشكال الصراع الاجتماعي، والانتصار في الحرب امتداد للسياسة، حيث تجيز الدارونية الاجتماعية الوحشية أن تختار أياً من الجماعات والأفراد من هم زائدون عن الحاجة حيث يمكن التخلص منهم، وفريسةً سهلة لأولئك الزومبي الذين لديهم شهيةً نهِمة للفوضى في تلك الروى الرهيبة المليئة بالدمار والتلاشي والمنازل المهجورة والسيارات المحترقة والمناظر العامة المُدمّرة ومحطات الغاز المحطمة.

زومبي القرن الواحد والعشرين لم يعد يخرجوا من القبور. أنهم الآن يعيشون في محيط وول ستريت ويتجولون في قاعات من المعالم المذهبة بالجشع كـ قولدمان ساكس. كما أشار مقال افتتاحي في صحيفة النيويورك تايمز: “الزومبي الجدد إلى الأسواق الحرة حولوا النظام المالي إلى كازينو. مثل القِمار، وتحويل الأموال حول العالم وغير ذلك، وقدرتهم الهائلة على تدمير المجتمع والاقتصاد – من البنوك المتعثرة نتيجة رهاناتها الخاسرة، وتجميد النشاط الاِقتصادي. والمجتمع هو الذي يدفع التكاليف! “.

بهذا الصدد، يُقدَم الزومبي كاستعارةٍ ملائمةٍ لنوع جديد من الاستبداد الذي يحُكِم قبضتهُ على الولايات المتحدة. استبدادٌ لا طائل منه يؤدي فيه اشباع الذات لانهيار القضايا العامة في عالمٍ من الخصخصة. وحُكم السوق يوفر قوةً مفرطةً مميتة لم يسبق لها مثيل في المجتمع الأمريكي، وإعادة بناء الثقافة السياسية والمدنية كلياً كوقود في خدمة السياسة التي تغذي الاِنقسام بين العدو والصديق. وحتى مع الديموقراطية تصبح فضيحة رأسمالية الكازينو مجرد إهانة فقط.

لكن الزومبي الجدد لا يتجولون حول البنوك وبيوت الاِستثمار وغرف المالية فقط، بل يزداد حضورهم في مناصب الحكومة العليا وفي مقدمة وسائل الإعلام. هذا الاِزدياد المطّرِد يُدعم مالياً من المتنفذين الذين يمثلون الوجه الجديد لثقافة القسوة والكراهية في الفترة الذهبية الثاني. ”الفترة الأولى في الولايات المتحدة الأمريكية 1870-98، اتسمت بتوسع الاقتصاد بشكل كبير وظهور الأوليغارشية في الحكومة والمجتمع“. إيُ إشارة عن هذه الحالة الاِجتماعية أو وضع قيود على هذا النوع من الرأسمالية أو تنظيم الشركات المرتبطة بها يجعل أناس كأمثال; سارة بلين، قلِن بِك ورآش ليمبو يشتاطون غضباً. أن أولئك يقوّضون إي خطابٍ ينادي بالعدالة الاِجتماعية وحقوق الإنسان. لذا نناشد كل القيم الأمريكية الحقيقة كالأسرة، والرب والسلاح، أنهم في طليعة سياسة الزومبي والتي تعارض أي تشريع سياسي يهدف للتخفيف من المعاناة الإنسانية ويعزز من التقدم الاِقتصادي والاِجتماعي. وكما أشار آرون قوبتا: إنهم يصّرون على مواقفهم ضد ” الحقوق المدنية، التخلي عن الدراسة، حقوق المرأة، تنظيم العمل، والحد الأدنى للأجور، والضمان الاِجتماعي، وحقوق المثليين، وحقوق المهاجرين، والتعليم العام، وحقوق الاِنجاب والرعاية الطبية “. هذا الزومبي –  يقصد السياسي الفاسد – يعارض حتى توفير الإعانة للملايين من الأمريكيين الذين فقدوا أعمالهم وغذائهم وأملهم. أنهم يثيرون الكراهية ويروجون الأكاذيب، ويوجهون نداءاتهم الشعبية إلى الشعب بينما يُضْفون الشرعية على سلطة الأغنياء. أنهم يقدمون حُسْنُ الرأي كوسيلة للتقليل من الاستجواب وتبادل النقد بينهم. صرامتهم هذه في الأدوار التي يقومون بها كمثل الميت الذي لا يشعر بشيء، أنهم أعداء للإنسان، يتاجرون بالخوف والكراهيةِ والقومية المُفرطة. أن المعاناة الإنسانية التي خلّفها هؤلاء الموتى يمكن أن ترى نتائجها الصادمة مثل القانون العنصري الذي مُرِر في ولاية أريزونا ضد المهاجرين والأجانب، وكمحاولة حظر الدراسات الاثنية في المدارس العامة، وصعود دولة البطش والعنف، وإغراق السجون بالملايين من الملونين، ومحاولة سياسيي حزب الشاي العجيبة في ” استرجاع أميركا ” من الرئيس باَراك أوباما. كل هذا يصف القاموس الجديد الجاهل لليمينيين السياسيين كاشتراكيين مزعومين أو كأشباهٍ لهتلر. نُيوت جينجريتش هو كذلك انضم لـ لقِن بِك وآخرين من نخبة الزومبي في الجدال ضد أوباما على انه مجرد نسخة أخرى من جوزيف ستالين. أما بالنسبة لـ جينجريتش وباقي الزومبيين المتطرفين فإن أي خطابٍ يدعوا للحمايةِ الاِجتماعية أو تخفيف مُعاناةِ البشرية أو حتى تخيل مُستقبل أفضل فإنه سيرمى بتهمِ الرفض والمقارنة مع هولوكوست النازيين. أن نوعاً من خطاب المجتمع الآخر الغير مرغوب فيه، وخطاب الوقت يداهمنا، يحكم وعي هذهِ الزُمرة.

أن “فِرق الموت” التي تتصورها سارة بلين لم تنبثق من خطة اصلاح الرعاية الصحية في عهد أوباما ولكن انبثقت من مجموعة من أدوات سياسيي الزومبي والرؤساء المتحدثين الذين تسمح لهم الفرصة بالتحدث كل مرة. أن تهديدات الموت والتخريب والحشود التي تصرخ ضد المثليين وضد عضو مجلس النواب المثلي بارني فرانك الذي قد قال عن ترسُخ صور الموت والعنف والحرب الذي يسيطر على البلاد هذه الأيام. إن دعوة سارة بلين سيئة السمعة لمؤيديها بالاِحتشاد ضد سياسات الرئيس باراك أوباما – سرعان ما تبعها مؤتمر صحفي تلفزيوني يطالب الشعب الأمريكي بتأييد قوانين ولاية أريزونا الجديدة السابق ذكرها للكراهية ضد الأجانب – يجعلها واحدة من أبرز سياسيي الزومبي .

إنها فقط لا تؤيد العنف في العديد من خطاباتها العامة، بل احتضنت بسعادة كل وجهٍ يُظهر تفوق البيض بشكلٍ عنصري، بل ومُشيرةً في خطابها على نطاقٍ واسع بقولها ” نحن كلنا أريزونا الآن “. أن التردي الحالي إلى العنصرية، والجهل، والفساد، والغوغاء يُظهر بشكلٍ واضح مدى تحول السياسية إلى لعبة لهؤلاء الزومبي بدل أن يكونوا مواطنين مراعين لحقوق الاخرين وملتزمين. هؤلاء الكارهون عبر برامج الراديو أمثال رَش ليمبو المتعصب والذي يمرر عنصريته عبر وسائل الإعلام، إنما هو صدى لأولئك المتعصبين الذين كذبوا الكراهية العنصرية في جمهورية فايمار. هؤلاء الزومبي الأيديولوجيين حَلّوا ذلك الخط بين العقل والدعاية المشوّهة. كيف يمكننا تفسير زعمه هنا: “بأن الإرهابيين البيئيين قد يكونوا سبب الأزمة البيئية في الخليج؟”.

عديمي الأخلاق هؤلاء المهيمنين على ثقافة الإعلام يعتقدون بأنه باستطاعتهم استمالةُ الناس، وهو نظيرٌ مناسب لهم بدل ثقافه القسوة التي تهدد فضائل المجتمع الأخلاقية والعادلة. يبتسمون في وجوهِ الجمهور بينما يسقطون في مجرد التفريق بين ما هو رأي أو حجةٌ منطقية. يحشدون المسيرات المؤيدة لحزب الشاي ويهيّجون الفوران الأيدولوجي الغير مناسب والذي يحفز مثل هذه المسيرات، لكنهم في المقابل يصمتون عن مجرد التعليق على أي مسيراتٍ أخرى تجوب البلاد لا تتاجر بالعنف.  يهاجمون الإسلام بلا دراية أمثال; اليميني المتطرف مقدم الإذاعة مايكل سافاج كما لو أن آراءهُ المتطرفةُ هذه مشروعة وتعبر عن رأي غالبية الأمريكيين. في عصر سياسة الزومبي هذه، هناك قدرُ ضئيل من الغضب العام ضد خروج ملايين الناس من منازلهم ووظائفهم، وتدهور المدراس، والموجةِ المتزايدة من الاُسر المشردة والمجتمعات المُعدمة.

لذا وبدل تنظيم احتجاجاتٍ واسعة ضد هذه الرأسمالية، يغرق المجتمع الأمريكي بسيلٍ لا نهائي من الثروة والجشع والسُلطة. جيوش الزومبي هؤلاء تصدح بنشر الإشاعات، والترفيه، وبرامج تلفزيون الواقع والتي تُنفَّذ بواسطة مشاهير فارغين. جحافل مشاهيرهم تتجولُ وتعملُ بجدٍ لإذكاء شعور الخوف والسخط ضد الترويج لسياسية الديموقراطية، والدولة الاِجتماعية، والمهاجرين – وكل هذه الكلماتِ المرّة، قريبة للتحريض والعنف. وكعادةِ الزومبي فإنهم يحبون التعامل مع المؤسسات الدموية، وهذا ما يفسر قلة انتقادهم للميزانية العسكرية المتضخمة، أو ارتفاع سطوة الدولة، أو التوسع في السجون. يبتسمون مع سعادة وطنية حريصة على زيادة نهم الإمبراطورية للقتل، حيث تقتل الطائرات بدون طيار المدنيين الأبرياء – بل حتى رفضوا أن يعتبروا ذلك كأضرار جانبية. ودولة التعذيب التي انشأوها في أفغانستان والعراق وفي أماكن أخرى غير معروفة. أن هذا التقتيل الذي يقود إلى كارثة ليس شيئاً جديدا، لكن سياسة الموت الحالية بلغت إلى آفاقٍ تهدد بتحويل هذه الديموقراطية الضعيفة إلى دولة استبدادية كاملة.

 

التحول إلى الجانب المُظلم من السياسة

 تعتقد وسائل الإعلام الأمريكية، وشرائح كبيرةٍ من المجتمع، والعديد من المُربّين وعلى نطاقٍ واسع بأن الاستبدادية غريبة عن المشهد السياسي في المجتمع الأمريكي. حيث أن الاستبدادية ترتبطُ عموماً باستبدادِ الحكومات التي تُمارس سُلطةً فيها انتهاك لسيادة القانون. وهناك احساسٌ شائع لدى المجتمع الأمريكي مفادهُ أن السلطوية تقع في مكانِ ما خارج بلادهم. حيث يمكن ايجادها في بلدان أخرى يُزعم بأنها “أقل البلدان نمواً وتحضرا” كالصين، وإيران. أو غالباً ما ترتبطُ بارتفاع الاستبداد في القرن العشرين كـ ألمانيا، وإيطاليا، والاتحاد السوفييتي تحت حكم ستالين. وحتى في الولايات المتحدة والتي أصبحت أكثر قدرةً على استخدام أساليب الاستبداد كما في إدارة بوش الأبن، من خلال وجود سجون سرية تابعة لوكالة المخابرات المركزية، وكذلك التجسس على الأمريكيين. فإن الاتجاه السائد من الليبراليين، والمثقفين، والصحفيين، والأوساط الإعلامية أن مجرد الجدال بأن الولايات المتحدة أصبحت مجتمعاً استبدادياً هو شيء غير معقول. على سبيل المثال; فقد كرر الصَّحَفِيُّ جيمس تراوب الرأي السائد بأن “أي مشاكل تواجهها الولايات المتحدة في ظِل إدارة بوش لا علاقة لها بالاستبدادية المتزايدة أو شكلها الأكثر تطرفاً، حكم الحزب الواحد”. وعلى العكس تماماً، فإن أمريكا كان مستولىٌ عليها بشكل مؤقت من قِبل بعض المتطرفين والذين يمثلون شكلاً من أشكال السياسية الاستثنائية وجزءً نمى بشكلٍ مزعج على الجسد السياسي. وبشكلٍ آخر، وكما هو الحال في العديد من سياسات بوش الداخلية والخارجية، فإنها لم تهدد أو تعرض بأي طريقة ما ادعاء أمريكا بأنها مجتمع ديموقراطي.

وبمقابل فكرة أن إدارة بوش دفعت الولايات المتحدة إلى حافة الاستبداد، دعا ذلك بعض النّقاد بأن يقولوا إن هذه اللحظة هي من اللحظات المظلمة في تاريخ الولايات المتحدة، حيث الديمقراطية الغير حقيقية، والذي يجب أن يُفهم انه انحراف مؤقت للقانون الأمريكي وللمُثل الديمقراطية والتي لم تنتهي حتى غادر بوش البيت الأبيض. ومن هذا المنظور، فإن نظام جورج بوش وازدرائه الواضح للديمقراطية، فُسِر على انه خروج عن العمل السياسي المثالي. بسبب فساد الانتخابات والحظ السيء الذي لعبته المحكمة العليا سنة 2000 أو الحملة الضعيفة التي مثلها مرشح الديموقراطيين سنة 2004. ووفقاً لهذا، أظهر نظام بوش – تشيني مثل هذه الأساليب المتطرفة للحكم وانتهاكهم للقوانين المحلية والدولية، واحتقارهم لحقوق الإنسان وللقيم الديمقراطية والتي كان من الصعب النظر إليها على انها جزء من تحول واسع النطاق نحو السياسة الاستبدادية والتي كانت هامشية تاريخياً عند المجتمع الأمريكي.

أنه لمن الصعوبة تصنيف مثل هذه الحكومة، إلا أنها مجموعة متطرفة اضافت لهذا الإرث السياسي حكومة الأمن والتعذيب، والتي اقامت أشكالاً قانونية غير مشروعة تداس فيها الحريات المدنية، وإطلاق حرب غير شرعية وغير عادلة في العراق من خلال نشر الأكاذيب الرسمية، وتمرير سياسات تشريعية استنزفت الفائض الفيدرالي حيث خلَّصت أكثر من تريليون دولار من الضرائب من على ظهور الأغنياء، وسن سياسةٍ مخزيةٍ للحرب الاستباقية، وإقرار ميزانية عسكرية ضخمة على حساب البرامج الاجتماعية التي تشتد الحاجة إليها، وبيع العديد من الوظائف الحكومية بقدر الإمكان للشركات، وتحول الرئاسة إلى امبراطورية رئاسية، والهجوم المتواصل على النقابات، ودعم وسائل الإعلام الضخمة والتي تسيطر عليها الشركات بشكل متزايد، وإنتاج الحكومة للتقارير الإخبارية الوهمية لكسب الموافقة على سياساتٍ انكفائية، واستخدام مفردات “أورويلية” لإخفاء الأعمال الوحشية مثل التعذيب. “الأورويلية صفة تصف وضع أو فكرة أو حالة اجتماعية كالتي حددها جورج أورويل على أنها مدمرة لرفاهية أي مجتمع حر ومنفتح”، وتعزيز حملة عنصرية من المضايقات القانونية وسجن العرب والمسلمين والمهاجرين، والنهوض بالسجن من خلال سياسة التجريم القمعية، وإنشاء شكل غير منظم ومدمر في نهاية هذا كله بما يعرف برأسمالية الكازينو، والاحتفال المتغطرس لدعم المصالح والقيم للأعمال التجارية الكبرى على حساب المواطن والصالح العام، وتفكيك الخدمات الاجتماعية وشبكات الأمان الاجتماعي كجزء من حملة كبيرة للتحول إلى حالة الشركات وحكم رأس المال!.

 

استبداد بقناع الصداقة

في غالب الرأي العام الأمريكي، ووسائل الإعلام المهيمنة، والمثقفين والنّقاد، فإنه ليس هناك إي معنى لكي تُظهر السلطوية نفسها بشكل ناعم غير المعهود عنها من الصور الرهيبة لمعسكرات الاعتقال، والرقابة الأمنية الصارمة وقمع الحكومة المتطرف العنيف. ولهذا، فإن هناك ضعف في الفهم لكيفية ظهور أساليب جديدة من الإيديولوجية، والسياسة والقيم والعلاقات الاجتماعية بالتدرج من أجل تهيئةِ الظروف الملائمة لنظامٍ اجتماعي وحشي، وقمعي وغير ديموقراطي. كالذي اقترحته الراحلة سوزان سَنتاج في سياقٍ أخر، حيث أن هناك جهل متعمد لكيفية ظهور الحكم والسُّلطة بقولها: “حل السياسية يكمن في علم الأمراض“. إنه إيمانٌ عام بإن في الديموقراطية الدستورية، وسُلّطة الشعب، والإرث الطويل للمُثل الديموقراطية في أمريكا، ومهما كانت ناقصة فإنها كافية لمنع تهدُّم الديموقراطية أو فقدها. ومع ذلك فإن دروس التاريخ تقدم لنا أمثلةً واضحة على كيفية ظهور السياسات الرجعية، والسُلّطة المتزايدة في يد الجيش، وقوة الأعمال التجارية الكبرى، وأنها كانت سبباً في تخريب الديموقراطية في كلاً من الأرجنتين، وشيلي، وألمانيا، وإيطاليا. وعلى الرغم من هذه التواريخ، فإنه ليس هناك مجال للخيال العام الذي لا يمكن تصوره بأن مثل هذا النظام بشكله المعاصر قد يكون أكثر دقةً ودهاءً وأقل تصنّعاً وقلقاً بأساليبه القمعية المسيطرة من ذاك الذي يتسم بالتلاعب والخداع، مما يجعل المرء يدعوه بأسلوب الاِستبداد ذا الطابع الأمريكي المميز.

أن هذه الملابسات التاريخية تُنتِج أشكالاً مختلفة من الاِستبداد إلا أنّها جميعاً تشتركُ في كراهية الديموقراطية، والمعارضة، والحرية المدنية. لذا فإنه من السهل أن نصدق منطق ما يسمى بالثنائي البسيط والذي يصف بلداً إما مستبِداً أو ديموقراطياً حيث لا يترك مجالاً لأن يكون كلا النظامين في آنٍ واحد. أن السياسات الأمريكية اليوم هي أكثر قابليةً للتجديد إن لم تختلف عن الاِستبداد.

وفي هذا السياق، من المهم أن نتذكر رد هوي لونغ على سؤال إن كانت أمريكا ستصبح فاشية؟ قائلاً: “نعم، لكن سنقول وقتها أنها ضد الفاشية”. إن رد هوي هذا يشير إلى أن الفاشية ليست مجرد أداة إيديولوجية جامدة في فترة زمنية معينة، بل هي سجلٌ نظري معقد جداً ومتغير في كثير من الأحيان لفهم كيفية تخريب الديموقراطية، إن لم تُدمَّر من الداخل. وقد تم التعبير عن فكرة الفاشية الناعمة أو الودودة في عام 1985 في كتاب بِرترام غروس بعنوان “الفاشية الصديقة” حيث قال: “أن الفاشية إذا جاءت إلى الولايات المتحدة، فإنها لن تجسد نفس الخصائص المعروفة والمرتبطة بالفاشية التاريخية القديمة.”  لن يكون هناك مسيرات كنورمبيرغ “مسيرة نورمبيرغ هي مسيرة سنوية يقوم بها الحزب النازي في ألمانيا”، أو مذاهب عنصرية، ولا حرق للكتب التي تقرّها الحكومة، ولا معسكرات للقتل، ولا إبادات جماعية، ولا الغاء للدستور الأمريكي. باختصار، الفاشية لن تطبق كمفهوم إيديولوجي من الماضي على دولة أخرى في ظروف تاريخية مختلفة. يؤمن غروس بأن الفاشية كانت خطراً مستمراً لها قدرة على التكيّف في أي ظرف جديد، حيث تتبلور إلى أشكال مألوفة من الفكر المطابق للتقاليد الأصيلة والخبرة والعلاقات السياسية. وبالمثل في تشريح الفاشية، يناقش روبرت باكستون نسيج الفاشية الأمريكية والتي لا تحاكي الفاشية التقليدية في أوروبا، ولكن متجذرة في اللغة، والرموز والثقافة في الحياة اليومية.

حيث كتب: “لا صليب معقوف في الفاشية الأمريكية، لكن هناك رمز النجوم والقضبان والصلبان المسيحية. لا يوجد تحية فاشية، ولكن هناك تلاوات جماعية بالولاء. تلك الرموز لا تحتوي بذاتها على نفحةٍ فاشية بالطبع، ولكن الفاشية الأمريكية ستوظفها كاختباراتٍ إجبارية لترصد العدو الداخلي فيها”. والجدير بالذكر فإن امبيرتو ايكو في مناقشتهِ “للفاشية الأبدية” ناقش أن أي تحديث يطرأ على الفاشية ليس بالضرورة أن يكون كالفاشية التاريخية. وفي الواقع، أي شكلٍ من أشكال الاستبداد سيستخدم بعض عناصره، مما يجعل من غير الممكن التعرف عليه من خلال شكلهِ التقليدي.

وكما يرى غروس وباكستون فإن ايكو يزعم أن قدوم الفاشية للولايات المتحدة، سيكون له مظهراً مختلفاً، على الرغم من تأثيره غير الهدام على الديمقرادية حيث قال:

الفاشية الداخلية، لا تزال حولنا في كل مكان، و أحياناً توجد في الملابس المدنية، سيكون من الأسهل بالنسبةِ لنا، إذا ظهر شخصُ ما يصرخ قائلاً “أريد رجوع أوشفيتز، أرغب في عودة القمصان السوداء مرة أخرى في ميادين إيطاليا”. ولكن الحياة ليست بهذه البساطة. الفاشية الداخلية قد تأتي متنكرة تحت أكثرالأشياء براءة. ومن واجبنا أن نكشف الغطاء عنها ونشير بأصابعنا إلى أي حالة من حالتها الجديدة كل يوم وفي أي جزء في العالم (15).

ويجدد المُنظر السياسي المعروف شيلدون والين هذه الاَراء في كتابه الديمقراطية المشمولة، مجادلاً بإصرار على انتاج الولايات المتحدة لشكل فريد من الاستبداد والذي يطلق عليه “الديكتاتورية المنعكسة“، (16) ويرى والين أن خلف الأشكال التقليدية للديكتاتورية، توجد نصوص تأسيسية مثل كتاب كفاحي، الحكم بالديماغوجية الشخصية لأدولف هتلر، والتغيير السياسي الذي شرعته الحركة الثورية البلشفية وإعادة كتابة الدستور أو تجاهله، بالإضافة إلى سيطرة شركات الدولة على مصالح الشركات الأخرى وأخيراً النظرية المثالية والمشمولة المستخدمة في وضع مفهوم موحد عن المجتمع. وفي نفس الوقت تستعين الحكومة بقوة أجهزة الدولة بجميع أشكالها الثقافية والقمعية لتهيئة مُتتابعيها ليوافقوا صورتها الأيدلوجية الشخصية وهويتها الجمعية.

وفي الولايات المتحدة، يبدو أن السلطوية الصاعدة تأخذ شكلاً مختلفاً، كما يزعم والين (17)، فبدلاً من القائد صاحب الشخصية الكارزمية، فالحكومة الاَن تفرض سلطتها من خلال الغرباء والشركات التي تحكم عن بعد ورأس المال المُمول، كما تستبدل السيادة السياسية بالسيادة الاقتصادية حيث تتحكم نفوذ الشركات في مقاليد الحكم، إلى أن النتيجة الكارثية كما يشير إليها دايفيد هارفيري هي أن “قوة المال الخام التي يسيطر عليها عدد قليل من الأشخاص، تقلل من شأن مظاهر الحكم الديمقراطي. فعلى سبيل المثال، صرفت شركات الصيدلة والتأمين الطبي والمستشفيات أكثر من 133 مليون دولار في الربع الأول من العام المالي 2009، وذلك لضمان عمل اصلاحات في الرعاية الصحية في الولايات المتحدة (18). وكلما زاد تأثير الأموال على السياسات، كلما زاد الفساد. وفي ظل هذه الظروف، يعتمد المكتب اعتماداً كبيراً على الحصول على كميات ضخمة من رأس المال ليضعها تحت تصرفه، بينما في الأغلب تقع قوانين وسياسات الحكومة تحت ادارة اللوبي متمثلة في شركات الأعمال الضخمة والمؤسسات المالية المُسيطرة. بل وأكثر من ذلك، كما تشير الاصلاحات في قطاع الرعاية الصحية، أن هذا اللوبي على قدر ما يكون فاسد وغير أخلاقي، فإنه يطبق في الخفاء وتقدمه شركات التأمين والأدوية بإعتباره وسام شرف كنوع من التصديق المفتوح على عدم احترام الحكم الديمقراطي واحتفالاً بمدى نفوذه. إن التخريب الناتج عن الحكم الديمقراطي في الولايات المتحدة بسبب مصالح الشركات، يتمسك به كريس هيدجيز في ملاحظاته:

ان لدى الشركات 35000 من أعضاء اللوبي في واشنطون وعدد أكثر في عواصم المدن التي تقسم أموال هذه الشركات لتعيد شكل وكتابة التشريعات، ويستخدمون لجان العمل السياسي في مناشدة الموظفين والمساهمين للتبرع من أجل تمويل المرشحين. مثالاً على ذلك، يصرف القطاع المالي أكثر من 5 مليار دولار على الحملات السياسية مؤثراً على أعمال الترويج وممارسات الضغط في العقد الماضي الذي تسبب في إزالة القيود والتلاعب بالمستهلكين والإنهيار المالي العالمي والنهب المتكرر لخزانة الولايات المتحدة. كما صرفت البحوث الصيدلانية وشركات التصنيع في امريكا 26 مليون دولار العام الماضي كما ساهمت شركات الأدوية مثل فايزر وامجين وايلي ليلي بعشرات الملايين لشراء الحزبين. وعملت تلك الشركات على أن تضمن أن ما نطلق عليه فاتورة الاصلاحات الصحية ستجبرنا على شراء منتجاتها المفترسة والمعيوبة. ولقد أحبطت صناعة البترول والغاز والفحم والمتعاقدون وشركات الاتصالات الدافع إلى تحقيق الطاقة المستدامة وتحقيق التاَكل المستمر للحريات المدنية. ويقوم السياسيون بمزايدة الشركات وإفراغ المسرح السياسي لإبقاء خيال الدولة الديمقراطية على قيد الحياة.(19)

وبدلاً من إجبارنا على الإنصياع لنظرية بعينها للدولة، يقوم الجمهور في الولايات المتحدة بنزع الطابع السياسي من خلال تأثير الشركات على المدارس والتعليم العالي والأجهزة الثقافية الأخرى. و قمع القيم العامة والوعي المدني والمواطنة الحرجة هي أيضاً نتيجة لعمل المثقفين المعاديين للجمهور ممثلين المصالح الايديولوجية والمالية اليمينية (20)، بالإضافة إلى الوسائل الإعلامية المسيطرة الداعمة ليمين الوسط إلى حد كبير والبيداجوبيا العامة التي يحركها السوق التي تقلل من إلتزامات المواطنة إلى الاستهلاك النهائي ونبذ البضائع. وهذا كله إلى جانب تعليم فقدان الذاكرة الاجتماعية والسياسية من خلال ثقافة المشاهير ونظائرها في الأخبار التي تحركها الشركات والتلفاز والراديو ووسائل الترفيه لإنتاج ثقافة الغباء والرقابة ووجهات النظر المُضللة.

 

عدم تسييس الحرية والوكالة

تُعرف الوكالة الاَن بالمفهوم النيوليبرالي عن الحرية، وهو مفهوم مُنظم إلى حد كبير وفقاً للمفاهيم الأخرى الضيقة عن المصلحة الشخصية الفردية ويقتصر على التحرر من القيود. ويصبح من الأهمية بالنسبة لهذا المفهوم هو حرية السعي نحو المصلحة الشخصية للفرد مُستقلاً عن الاهتمامات الاجتماعية الكبرى. ويقصد بذلك بالنسبة إلى الأفراد في المجتمع الاستهلاكي حرية التبضع لشراء الأسلحة الشخصية وتعريف الحقوق بغض النظر عن نتاجئها على الاَخرين أو الطلب الاجتماعي الكبير. أما عند تطبيق هذا المفهوم على المؤسسات الاقتصادية، يترجم إلى الدعوة إلى إلغاء التنظيم الحكومي على السوق والمؤسسات الاقتصادية. و ينفصل هذا المفهوم الخاص بإزالة القيود عن الحرية وخصخصتها عن المصلحة العامة وتفهم المسؤولية الفردية والاجتماعية. وهو مفهوم مطلق عن الحرية يرفض إدراك أهمية التكلفة الاجتماعية و نتاجئها، ولا يمتلك لغة أخلاقية تدعونا لنرى ماوراء أنفسنا، وتجعلنا نشارك مسؤوليتنا تجاه الاَخرين. وضمن هذا الخطاب عن الحرية المفرطة بالفردية، لا يتم تحرير الفرد من القيود المفروضة عليه من شبكات الروابط الاجتماعية فقط، بل أيضاً يتم تجريده من الحماية التي كانت أمراً واقعياً في الماضي تقدمه هذه الروابط. (21)

أصبحت الحرية المقيدة بالحقوق الشخصية والسياسية دون تمكين الوصول إلى المصادر الاقتصادية خالية من الأخلاق ومختلة وظيفياً من الناحية السياسية. ونظرية الإختيار التي سبق التحدث عنها كثيراً، والمرتبطة بالحرية الشخصية أو السياسية، تكاد أن تكون مضمونة عندما يفتقر الأفراد للمصادر الاقتصادية والمعرفة والدعم الاجتماعي لجعل هذه الخيارات والحريات فعالة وذو مغزى. وكما يقول زيجمونت بومان ” حق التصويت (وهكذا، بزاوية معينة وعلى الأقل نظرياً، حق التأثير على الحاكم وشكل القواعد المُلزمة على المحكومين) قد يمارسه بأهمية فقط من يمتلك المصادر الاقتصادية والثقافية بشكل كافي، لتكون اَمنة من العبودية التطوعية أو غير التطوعية التي تستأصل أي استقلالية ممكنة في حق الإختيار (أو التفويض) من الجذور (الاختيار). التجرد من المصادر الاقتصادية والقوة السياسية يضمن بصعوبة تحقيق الحرية الشخصية للمحرومين، الذين ليس لديهم مطالب بالحصول على المصادر سواء في عدم اكتساب الحرية الشخصية أو التمتع بممارستها”(22). ويجادل بول بيغوني أن هذا المفهوم المُعيب عن الحرية يلعب دوراً رئيسياً في نشئة الديكتاتورية الفاشية في بداية القرن العشرين، حيث كتب:

كان الليبراليون في هذا العصر يصرخوا من أجل المطالبة بالحرية الشخصية والاقتصادية غير المقيدة، مهما كانت ستكون تكلفتها على المجتمع. تلك الحرية غي المحدودة لا تناسب الانسان المتحضر، إنها حرية تُمارس في الغابة، بمعنى اَخر، القوي هو من سيأخذ مكان الضعيف. إنها مفهوم الحرية المتأصلة في العنف، لأنها ستُمارس على حساب الاَخرين. ستعطي الشرعية لكل زيادة في الثروة والقوة لهؤلاء اصحاب النفوذ بالفعل دون الأخذ في الاعتبار للتعاسة التي سوف يعاني منها الاَخرين بسببهم. ولقد اعترض الليبراليون المؤيدون لسياسة عدم التدخل عند قيام الدولة بالحد من تلك “الحرية” في اوائل القرن العشرين. الدولة كانت تطبق سياسة الفاشية لتحمي هذه الحرية، وكما أفسد الاحتكار السوق الحر، فإن الفاشية هي التراجع المطلق للرأسمالية الليبرالية.(23)

إن مفهوم السوق القائم على الحرية المجردة من أي كماليات أخرى والذي يسيطر الاَن على المجتمع الأمريكي يلغي أي مفهوم للإدارة الفردية والاجتماعية يكون صالح للتطبيق، ويؤكد مفهوم الحرية المدفوعة بالسوق على الاختيار بإعتباره مٌهمة اقتصادية تُعرف بأنها حق شراء الأشياء بينما في نفس الوقت عدم الإلتزام بحق الحرية والاختيار، على سبيل المثال حق اتخاذ قرارات عقلانية بشأن هيكل السلطة والحوكمة في المجتمع. واشتمالاً الموقف السلبي تجاه الحرية التي ينظر من خلالها إلى القوة بإعتبارها شر لابد منه، فإن مفهوم الحرية المُتحفظ يضعف من سياسة التصويت الفارغة وغير قادر أيضاً على استيعاب الحرية كقوة جماعية ومنتجة ذات قدرة على تمكين ” مفهوم الإدارة السياسية والحرية الذي يؤكد على تكافؤ الفرص للجميع لممارسة السلطة السياسية وللمشاركة في تشكيل أكثر القرارات أهمية وتأثيراً على حياتهم (24). إن إدماج الأسواق القائمة على ادراك الحرية بإعتبارها حرية الاستهلاك ومفهوم الحرية القائم على التحفظ والنظر إليها بأنها تقيد جميع المعوقات الرافضة الإعتراف بأن شروط تحقيق الحرية الموضوعية لا تقع فقط في الحقوق الشخصية والسياسية، بل على العكس من ذلك تتضمن حرية الإختيار الحقيقية على قدرة الأفراد والجماعات التدخل بفاعلية وتشكيل كلا من طبيعة السياسات والقوى الوفيرة التي تثقل كاهل الحياة- وهو مفهوم الحرية الذي يمكن تطبيقه على أرض الواقع، عندما تكون الحقوق الاجتماعية والمصادر الاقتصادية متاحة أمام جميع الأفراد. لا شك أن مفهوم الحرية والاختيار كثيراً ما يتم نبذه سواء بإعتباره علامة على الاشتراكية أو ببساطة بسبب إغراقه في ثقافة تُسبب انهيار جميع الاعتبارات الاجتماعية وتصل بمفاهيم التضامن إلى أن تصبح مجرد خطاب للإشباع الفوري والمكاسب الفردية مُتضمناً مفردات من القسوة والإحتيال. وفي ظل تلك الظروف، تُدار الديمقراطية من خلال الانتخابات العقيمة حيث يقوم المواطنون بالمراقبة السلبية نتيجة على التأثير المُفرط لنفوذ الشركات في تشكيل كافة العناصر الضرورية اللازمة للحكم السياسي واتخاذ القرارت، كما تسمح المناشدات المُختلقة لبث الخوف والسلامة الشخصية بتعليق الحريات المدنية والصلاحيات الضخمة للرئاسة الإمبريالية والوظائف الشرطية في الدولة العسكرية.

اعتقد أن الثقافة التأسيسية الضرورية لتشكيل أنماط التعليم والفكر والحوار والنقد وقدرة العامة على النقد–الأوضاع الحاسمة لأي ديمقراطية طموحة– تم تدميرها إلى حد كبير من خلال إسترضاء المفكرين والحد من الدوائر العامة التي لديها القدرة على خلق هذه الثقافة. أصبحت ثقافة عدم التسييس والتسليع واضحة للغاية في الدعاية الوقحة التي انتجتها ما يطلق عليه “الصحافة المدمجة”، بينما تُدار الثقافة الشعبية التي تسيطر عليها الشركات بوسائل التكنولوجيا المتعددة وثقافة الشاشة وألعاب الفيديو حيث تستمر المُتاجرة بالصور العنيفة والمشاهد الإستهلاكية وأشكال التسفيه من الجهل. وبتمويل من الأفكار الأيديولوجية اليمينية ومصالح الشركات والمصالح العسكرية، قام جيش من المثقفين المُعاديين للعامة بتحضير مراكز البحوث والمؤسسات اليمينية مثل  معهد المشروع الأمريكي ومعهد مانهاتن لفرض السيطرة على وسائل الإعلام التقليدية ومراقبة الجامعات لعدم حدوث أية أفكار نقدية أو معارضة ونشر رسائل الخصخصة وإزالة القيود والتسويق، مما له تأثير قوي على تفكيك المجال العام الذي لا يقع تحت سيطرة الشركات الخاصة والمصالح التجارية. هؤلاء “الخبراء في الشرعية” من يستخدم عبارة أنطونيو غرامشي، الترويج إلى الجهل المدني مثلما يخلوا أية مسؤولية عامة تقع على الشركات الكبرى والتكتلات الإعلامية والشركات المالية العملاقة. وإلا كيف يمكن أن نفسر لما يقرب من 20% من الأمريكين ما يعتقدونه خطأ بأن أوباما مُسلم!

تحت حكم السلطوية الجديدة، تندمج الدولة النقابية والدولة المُعاقبة بإعتبارهما اقتصاديات تحركها السياسات، ويزداد استخدم القمع في احتواء جميع هؤلاء الأفراد والمجموعات الذين تم الإيقاع بهم لزعزعة عدم المساواة والعجز المتوجدان في كل شيء من الحاجة إلى رعاية صحية ومأكل ومأوى إلى الوعود بتقديم تعليم جيد. وكما تم تفريغ الدولة الإجتماعية تحت الضغوط التي يمارسها الدعاة إلى السوق الحر والساسة اليمينيين وأصحاب الأيديولوجية المحافظة، تخلت الولايات المتحدة عن أية مظهر للعدالة الإجتماعية والمسؤولية المدنية والديمقراطية نفسها. وقد يفسر ذلك التأييد الفاحش للصحفي ذو الشخصية المؤثرة توماس فريدمان للمغامرة العسكرية في مقال كتبه في نيويورك تايمز، التي قال فيها ” اليد الخفية للسوق، لن تعمل قط دون قبضة خفية، لا يمكن أن ينتعش ماكدونالدز دون ماكدونيل دوغلاس، مُصمم سلاح الجو الأمريكي F-15. القبضة الخفية التي تجعل العالم في أمان، لتنتعش التكنولوجيا في وادي السيلكون هي الجيش الأمريكي والقوات الجوية وسلاح البحرية” (25)، فالحرية في هذا الخطاب مُتشبثة على نحو غير قابل للإنفصال بالعنف العسكري وعلى نحو يبعد تماماً عن أي إدعاء للديمقراطية.

 

سياسة الزومبي وثقافة التوحش 

ظهرت صفة جديدة للسلطوية الناشئة في الولايات المتحدة هي الترابط بين التذرية المتزايدة للأفراد وتصاعد ثقافة التوحش، وهي نوع من سياسات الزومبي التي يقوم فيها الموتى الأحياء بسلوكيات جشعة تؤدي إلى تدمير تقريباً كل جانب من جوانب نظام الحكم الديمقراطي الموضوعي. وهناك نمط من الرعب مُتجذر في المجتمع النيوليبرالي المدفوع بالسوق الذي يخدر عدد كبير من العامة بالمثل كما يقضي على القوى الإبداعية للخيال والذاكرة والفكر النقدي. وتحت حكم خصخصة اليوتوبيا والفردية المفرطة والقيم التي تتمحور حول الأنا، ينزلق الإنسان إلى نوع من الغفلة الأخلاقية لا مبال بمحنة الأخرين و معاناتهم. وعلى الرغم من كتاباته في سياق مختلف، قال الراحل ليو لوفنتال الباحث النظري في مدرسة فرانكفورت على هذا النوع من الرعب تعليقاً على بقية العناصر السلطوية المترسخة بعمق في الحضارة المعاصرة حيث كتب:

في نظام يقلل من قيمة الحياة لتصبح مجرد سلسلة من ردود الأفعال الصادمة غير المتصلة، تميل المحادثات الشخصية إلى افتقاد معناها. والفرد المُعرض للإرهاب، لا يكون وحيداً مع إنه دائماً وحيد. يصبح مُخدر تماماً وقاسي المشاعر، ليس فقط في علاقاته مع الاَخرين، ولكن مع نفسه أيضاً. يفقده الإحساس بالخوف عفويته في التعبير عن عواطفه أو مشاعره النفسية. يصبح التفكير جريمة حمقاء معرضاً حياته للخطر؛ والنتيجة الحتمية انتشار البلاهة كمرض مُعدي بين السكان الذين تم ترهيبهم. يعيش الفرد في حالة من الذهول كأنه في غيوبة. (26).

ويُفهم ضمنياً من تعليق لوينثال الإفتراض بأنه عندما تصبح الديمقراطية خيال، تنهار الاَليات الأخلاقية للغة والمعنى والاَداب ويتولى مكان طرق التواصل المتنوعة لامبالاة شديدة وأحياناً تكون وسيلة تدوين للتضاؤل الحالي للقيم الديمقراطية والهوية والعلاقات الإجتماعية. وبالتأكيد يتضح ذلك اليوم حيث نرى جميع اَثار الصراع الإجتماعي والمسؤولية الإجتماعية وأشكال التضامن تنهار أمام الدروينية الإجتماعية وتأكيدها على انعدام الرحمة والقسوة والحرب والعنف والذكورة المفرطة وإحتقار الضعيف والشخص المُعال والأجنبي أو غير المنتج. يتوافق افتقار المُثل المدنية ليس فقط مع نقص القدرة النقدية ولكن أيضاً مع اختفاء المسؤلية الأخلاقية والاجتماعية بين العامة. بينما تُعامل الحياة العامة كسلعة استهلاكية، يضعف مرض الإستحقاق الفردي والنرجسية من تلك المساحات العامة التي يتأصل فيها الوعي والرقي واحترام الذات والكرامة. إن وهم النمو اللانهائي متصلاً بهوس جمع الثروة وعبادة الخصخصة والإعجاب بالأسواق غير المقيدة والاستخفاف بالقطاع العام أدى إلى انتاج ثقافة استهلاكية ،كالجراد الذي يأكل الأخضر واليابس، في عصر أقزام البيجمي. (27).

تتضح ثقافة القسوة هذه على وجه الخصوص في الصعوبات والحرمان الذي يعاني منه عدد كبير من الشباب في الولايات المتحدة، يوجد لدينا 13.3 مليون طفل مشرد، طفل واحد من بين 5 أطفال يعيش في الفقر، والاَخرين تحت إشراف نظام العدالة الجنائية، وغيرهم من يعاني من البطالة ولا يحمل أي أمل في المستقبل. (28). بل وأكثر من ذلك، نحن نجعل مزيد من الأطفال تتناول الأدوية النفسية كوسيلة للسيطرة على سلوكياتهم الجامحة بينما في نفس الوقت تحقيق مكاسب ربحية ضخمة لشركات الأدوية. كما أشارت إيفلين برينجل في 2006 تزايد الأموال المدفوعة في علاج الإضطرابات النفسية للأطفال من عمر الرضع إلى 17 عام أكثر من صرفها على حالات طبية أخرى حتى وصل إلى إجمالي 8.9 مليار دولار. (29) وغني عن القول أن تخدير الأطفال في أمريكا قليلاً ما يهدف إلى إيجاد علاج للإضطرابات النفسية الحقيقية، غير أنه يهدف إلى عقاب هؤلاء الأطفال المتمردين، ومعظمهم من الأطفال الفقراء، بينما خلق طابور من المرضى على مدى حياتهم واستمرار العملاء في التردد على الأدوية. (30) تكثر القصص حول الأطفال الفقراء المُغتصبين والمُعتدي عليهم والذين فقدوا حياتهم في مراكز احتجاز الأطفال الأحداث، والمتاجرة بهم تحت اسم نظام العدالة الجنائية كخطة هادفة للربح يخطط لها الحكام الفاسدين ومدراء مرافق الإصلاح الخاصة، بالإضافة إلى تناولهم لأدوية المضادات النفسية في المدارس ومرافق الدولة الأخرى. (31) ومن المؤسف، أن هذا التراجع في المفهوم المنحرف للداروينية الاقتصادية، لا يتضح فقط في تزايد العنف ضد صغار السن و غلق أفواه برامج تليفزيون الواقع وكراهية الراديو والإنترنت، بل تظهر واضحة أيضاً في خطاب المسؤولين في الحكومة والساسة وتستخدم للتدوين على بروز كلاً من الطفولية السياسية وثقافة القسوة. وعلى سبيل المثال، تصريح وزيرة التعليم، أرني دنكان مؤخراً في لقاء لها في فبراير 2010 قالت فيه “أفضل شيء حدث في نظام التعليم في نيو أورليانز كان إعصار كاترين” (32). يشير قولها هذا غير اللإنسانية الفظيعة من تصريحها إلى أن هذه الكارثة التي اقتلعت حياة الاَلاف من الأفراد والعائلات وأدت إلى معاناة أعداد مهولة منهم، مكنت إدارة أوباما من تنفيذ نظام تعليمي ضخم يدفع بالمدارس المستقلة القائمة على المبادىء المدفوعة بالسوق التي تحتقر القيم العامة، إذ لم يكن التعليم نفسه. هذه هي لغة القسوة وسياسة الزومبي ، لغة غير مبالية للطريقة التي يطرد منها الأشخاص الذين يمروا بماَسي كبيرة من تواريخهم وروايتهم، بل وحقهم أن يكونوا بشر. هذه الماَسي الفظيعة التي كان بعض السبب فيها عدم اكتراث الحكومة يتم إخفائها في الخطابات والمثاليات المستوحاة من منطقية السوق. هذا الخط الوقح عديم الرحمة كان أيضاً يقدم مؤخراً، عندما كان ملازم أول الحاكم اندريه باور، المسؤول عن إدارة ترشيح الحزب الجمهوري لمنصب حاكم ولاية كارولينا الجنوبية قارن في تصريح له تقديم المساعدة الحكومية للعامة كتغذية الحيوانات الضالة. وتأكد مدى طبيعة وعنصريته الضمنية وتصريحاته المهينة في تصريح عقب ذلك: ” أنت تعلم لماذا؟ لأنهم يتناسلون. أنت تسهل لهم الحلول، عندما تمد حيوان ما أو شخص ما بالطعام الوفير. سيتكاثرون على الأخص هؤلاء الذين لا يفكرون لأبعد من ذلك. لذلك كل ما عليك هو الحد من هذا السلوك. لأنهم لا يعلمون ما هو الأفضل بالنسبة لهم. (33)

يجادل لوينثال بأن في المجتمع الاستبدادي “ينتشر الغباء كمرض معدي” ويتضح ذلك في تصريح ميشيل باخمان، عضو الكونجرس الجمهوري ” على الأمريكيين شراء التأمين الصحي من الأموال المعفاة من الضرائب”. (34)  يوجد عدد 43 مليون مواطن أمريكي دون تأمين صحي بسبب عدم قدرتهم على تحمل تكلفته، يبدو أن هذا الأمر لا تعلمه باخمان الذي يقترح تصريحها بأن هؤلاء الأفراد والعائلات والعاطلين عن العمل والأطفال غير المؤمن عليهم، ليسوا ببساطة مجرد فائض يمكن التخلص منه، بل هم  أشخاص غير مرئيين ولذلك لا يستحقوا الحصول على المعرفة.

السياسة الرجعية والغباء الأخلاقي هما أيضاً دليل على تصاعد المتطرفون اليمينيون المسيطرين على الحزب الجمهوري. ينادي هذا التشكيل السياسي الجديد والعدواني بصل المؤسسات المالية المدفوعة بالسوق من أي تقييد سياسي أو حكومي، مُحتفلين بالمشاعر على حساب العقل، مٌعاملين الذكاء النقدي بإعتباره سُمّ يمتلكه الصفوة، يُخفي التضليل غير الناضج في جو من الأستجوابات “نحن مجرد أشخاص مُتقوقعين على أنفسنا”، نطالب بإستعادة الذكر الأبيض الأمريكي المسيحي ذو الشخصية  التقليدية المُهيمنة (35). تشتمل هذه المطالب على عناصر الذعر العنصري التي تظهر بوضوح في جميع الحركات الإستبدادية والتي تزايدت لتصبح سمة مُحددة للحزب الجمهوري المُتحيز لسفاحي اليمين المُتطرف والإستعانة بالعُصبة المأجورين بنية تعطيل العملية الديمقراطية. تتجسد هذه السلطوية الصاعدة في الثقافة السياسية الأمريكية في الحضور الإعلامي لكل من راش ليمبو وجلين بيك أصحاب الشعبية الكبيرة ، وهم المتطرفون اليمينيون المشاركين في احتقار التعقل ويعتقدون في تنظيم السياسات على نموذج الحرب والإستسلام غير المشروط والإساءات الشخصية والنظارات مفرطة الذكورة والتدمير الكامل لكل خصم.

كانت ثقافة القسوة والعنف والوشاية بارزة حيث نجحت إدارة أوباما في تمرير نسخة أسبوعية من إصلاحات الرعاية الصحية في 2010. إشعال الموقف من الحزب الجمهوري الذي إما وجه نظره بعيداً أو قام في بعض الحالات بدعم اللغة المشفرة للعنصرية والعنف، لم يكن مفاجئاً صمت قيادات الحزب الجمهوري عندما قام متظاهرون حزب الشاي بتوجيه إفتراءات عنصرية وكراهية للمثليين في حق أسطورة الحقوق المدنية جون لويس ومثلي الجنس بارني فرانك، وكلاهما مؤيدان قويان لسياسات الصحة لأوباما. والأسوء من ذلك هو إرسال الإشارات إلى دعاة العنف من حزب اليمين المستعدين دائماً للتعامل بعنف والذي اقترحه المحافظون أمثال سارة بالين رداً على الفقرة الخاصة بفاتورة الرعاية الصحية. فعلى سبيل المثال يقول فرانك ريتش:

ان مشروع القانون الذي ألهم أعضاء كونغرس الحزب الجمهوري على استفزاز المتظاهرين التخريبين  في قاعة المجلس حتى بعد أن طردتهم شرطة الكابيتول يوم الاحد الماضي. هي أيضاً تلك الفاتورة التي دفعت عضو الكونغرس بارت ستوباك على الصراخ “قاتل الأطفال” ، النائب الديمقراطي الصامد أمام مناهضة الإجهاض. الفاتورة التي قام بسببها معارض بالبصق على ايمانويل كليفر، ممثل أسود من ولاية ميسوري. وهي فاتورة “منتصف الطريق” كما يطلق عليها أوباما التي أشعلت عواصف من الخطابات التحريضية من “اقضوا على الفاتورة”  إلى بكاء سارة بالين لمتابعيها  لإعادة التحميل. على الأقل قام أربعة فقط من أعضاء المجلس بالتهديد بالقتل أو أعمال التخريب لعشرين هدف سياسي حددتهم بالين مع صورة لمرمى البندقية على خريطة على صفحتها لموقع التواصل الإجتماعي فيس بوك. (36)

هناك ما هو أكثر من مجرد الترويج التقليدي لحزب اليمين للتعصب الأعمى والجهل، هناك استغلال للخطاب المُحفز على العنف والصور التي تحاكي خطاب الإرهاب الذي يذكرنا مفجر أوكلاهوما تيموثي ماكفي والمجموعات المسلحة الخطرة لحزب اليمين وغيرهم من الفاشيين على الطراز الأمريكي. وكما يصر كريس هيدجز على مقولة “لغة العنف دائماً تبشر بالعنف” (37)، وتعتبر وقود للسلطوية التي تتغذى على هذه الإفراطات والغيبوبة الأخلاقية المرافقة لعدم قدرة المجتمع على طرح الأسئلة لتصور أمر ديمقراطي بديل. كيف يمكن للمرء أيضاً النظر إلى “الخطاب المُحفز على القتل المتزايد في أمريكا كشيء اَخر غير نعي للحوار والقيم الديمقراطية وشجاعة مدنية؟ ماذا يعني للديمقراطية عندما يقوم الجمهور العام إما بتدعيم أو إلتزام الصمت أماما الأحداث المنتشرة على نطاق واسع مثل تعرض أعضاء الكونغرس أصحاب البشرة السمراء من المثليين للتعصب والتهكم وتعرض عضو الكونجرس أسمر البشرة للبصق عليه وإلقاء الحجارة على نوافذ مكاتب بعض المشرعين الداعمين لفاتورة الرعاية الصحية؟ ماذا يعني للديمقراطية عندما يكون هناك قليل من الشجاعة الجماعية عندما تقوم سارة بالين، الصوت القيادي في الحزب الجمهوري بمحاكاة تكتيكات الحراس من خلال نشر خريطة بأماكن أحياء الديمقراطيين وحث أنصارها بإستخدام الشعار المخجل “لا تنهزم، قم بإعدة التحميل” . تحت هذه الظروف، نجد أن التلويح بالأسلحة الهجومية تجاه التحالفات السياسية اليمينية، والملصقات واللافتات التي تقارن أوباما بهتلر والهتافات المستمرة “نريد رجوع دولتنا” تستعيد ما يطلق عليه فرانك ريتش “محاكاة لما حدث في ليلة البلور على نطاق صغير” (38). الاَن العنف والعدائية يتم تحملهم وفي بعض الحالات الترويج لهم. كما تنذر جميع الهتافات والإهانات والعنف والهيستريا  العامة بمرور فترة سوداء في تاريخ أمريكا- ظرف تاريخي يدق ناقوس الموت للديمقراطية تحوله وسائل الإعلام إلى منظارات بدلاً من التعامل معها بإعتبارها أفعال بغيضة أخلاقياً وسياسياً أقرب إلى تراث الفاشية من المثل العليا للديمقراطية الطموحة. بينما المتململين من العامة أو الأكثر إثارة للقلق يشاركوا في أوهام إعادة التحميل.

للأسف، تواجه الأمم المتحدة في وقتنا الحالي عدد ضخم من المشكلات بالإضافة إلى تاَكل الثقافة المدنية والديمقراطية. ومن هذه الموضوعات البارزة تضخم نسبة البطالة والبنية التحتية المُتعفنة وانهيار الخدمات العامة الحيوية وتفكيك شبكة الأمان الإجتماعي وزيادة معدلات الفقر على الأخص في الأطفال وسجن نسبة كبيرة من الأقلية الملونة. وذلك بالإضافة إلى إعادة بناء التعليم العام إما كمصدر للربح للشركات أو كنسخة محدثة لفرض السيطرة بعد الإنفلاق الثقافي إلى جانب تزايد ثقافة الكذب والقسوة والفساد، وكلها مجرد كذبة للنسخة الديمقراطية لأمريكا التي تبدو الاَن مجرد نسخة تخيلية تقدم الحنين إلى الماضي للمثل العليا المؤسسة للديمقراطية.

 

 

المصدر

 

 


ملاحظات

1. Hannah Arendt, Between Past and Future (1968; New York: Penguin Books, 1993), p. 196.

2. I have taken this term from Stephen Jones,ed.,The Dead That Walk (Berkeley,CA: Ulysses Press, 2010).

3. Editorial, “Wall Street Casino,” The New York Times (April 28, 2010), p. A24.

4. Some of the ideas come from Richard Greene and K. Silem Mohammad, eds., Zombies, Vampires, and Philosophy: New Life for the Undead (Chicago: Open Court, 2010).

5. Arun Gupta, “Party of No: How Republicans and the Right Have Tried to Thwart All Social Progress,” Truthout.org (May 21, 2010).

6. Jonathan J. Cooper, “We’re All Arizonians Now,” Huffington Post (May 15, 2010).

7. See the excellent commentary on this issue by Frank Rich, “The Rage Is Not About Health Care,” The New York Times (March 28, 2010), p. WK10. See also Justine Sharrock, “The Oath Keepers: The Militant and Armed Side of the Tea Party Movement,” AlterNet (March 6, 2010); and Mark Potok, “Rage on the Right: The Year in Hate and Extremism,” Southern Poverty Law Center Intelligence Report 137 (Spring 2010).

8. Paul Krugman, “Going to Extreme,” The New York Times (May 16, 2010), p. A23.

9. James Traub, “The Way We Live Now: Weimar Whiners,” The New York Times Magazine ( June 1, 2003). For a commentary on such intellectuals, see Tony Judt, “Bush’s Useful Idiots,” The London Review of Books 28:18 (September 21, 2006).

10. Cited in Carol Becker, “The Art of Testimony,” Sculpture (March 1997), p. 28.

11. This case for an American version of authoritarianism was updated and made more visible in a number of interesting books and articles. See, for instance, Chris Hedges, American Fascists: The Christian Right and the War on America (New York: Free Press, 2006); Henry A. Giroux, Against the Terror of Neoliberalism: Politics Beyond the Age of Greed (Boulder, CO: Paradigm Publishers, 2008); and Sheldon S. Wolin, Democracy Incorporated: Managed Democracy and the Specter of Inverted Totalitarianism (Princeton: Princeton University Press, 2008).

12. Cited in Paul Bigioni, “Fascism Then, Fascism Now,” Toronto Star (November 27, 2005).

13. See Bertram Gross, Friendly Fascism: The New Face of Power in America (Montreal: Black Rose Books, 1985).

14. Robert O. Paxton, The Anatomy of Fascism (New York: Alfred A. Knopf, 2004), p. 202.

15. Umberto Eco, “Eternal Fascism: Fourteen Ways of Looking at a Blackshirt,” New York Review of Books (November–December 1995), p. 15.

16. Wolin, Democracy Incorporated.

17. Along similar theoretical lines, see Stephen Lendman, “A Look Back and Ahead: Police State in America,” CounterPunch (December 17, 2007). For an excellent analysis that points to the creeping power of the nation- al security state on American universities, see David Price, “Silent Coup: How the CIA Is Welcoming Itself Back onto American University Campuses,” CounterPunch 17:3 (January 13–31, 2010), pp. 1–5.

18. David Harvey,“Organizing for the Anti-Capitalist Transition,” Monthly Review (December15, 2009).

19. Chris Hedges, “Democracy in America Is a Useful Fiction,” TruthDig (January 24, 2010).

20. See Janine R. Wedel, Shadow Elite: How the World’s New Power Brokers Undermine Democracy, Government, and the Free Market (New York: Basic Books, 2010).

21. Zygmunt Bauman, Liquid Times: Living in an Age of Uncertainty (London: Polity Press, 2007), pp. 57–58.

22. Ibid., p. 64.

23. Bigioni, “Fascism Then, Fascism Now.”

24. Cornelius Castoriadis, “The Nature and Value of Equity,” Philosophy, Politics, Autonomy: Essays in Political Philosophy (New York: Oxford University Press, 1991), pp. 124–142.

25. ThomasL.Friedman,“A Manifesto for the Fast World,”The New York Times Magazine (March 28, 1999).

26. Leo Lowenthal, “Atomization of Man,” False Prophets: Studies in Authoritarianism (New Brunswick, NJ: Transaction Books, 1987), pp. 182–183.

27. Tony Judt, Ill Fares the Land (New York: Penguin Press, 2010), pp. 2–3.

28. I have taken up this issue in my Youth in a Suspect Society: Democracy or Disposability? (New York: Palgrave, 2009). For a series of brilliant commentaries on youth in America, see the work of Tolu Olorunda in The Black Commentator, Truthout, and other online journals.

29. Evelyn Pringle, “Why Are We Drugging Our Kids?,” Truthout (December 14, 2009), http://www.alternet.org/story/144538.

30. Ibid.

31. See Nicholas Confessore, “New York Finds Extreme Crisis in Youth Prisons,” The New York Times (December 14, 2009), p. A1; Duff Wilson, “Poor Children Likelier to Get Antipsychotics,” The New York Times (December 12, 2009), p. A1; and Amy Goodman, “Jailing Kids for Cash,” Truthout (February 17, 2009).

32. Jake Tapper, “Political Punch: Power, Pop, and Probings from ABC News Senior White House Correspondent—Duncan: Katrina Was the ‘Best Thing’ for New Orleans School System,” ABC News.com ( January 29, 2010).

33. Nathaniel Cary, “GOP Hopeful: People on Public Assistance ‘Like Stray Animals,’” Truthout ( January 23, 2010).

34.Cited in Frank Rich, “The State of Union Is Comatose, ”The New York Times (January 31 ,2010).

35. See, for example, Patrick J. Buchanan, “Traditional Americans Are Losing Their Nation,” WorldNetDaily (January 24, 2010).

36. Frank Rich, “The Rage Is Not About Health Care,” The New York Times (March 28, 2010), p. WK10.

37. Chris Hedges, “Is America ‘Yearning for Fascism’?,” TruthDig (March 29, 2010).

38. Rich, “The State of the Union Is Comatose,” p. WK10.

error: