سهم في قلب الزمن الحاضر – يورغن هابرماس / ترجمة: بلعباس أحمد

سهم في قلب الزمن الحاضر – يورغن هابرماس / ترجمة: بلعباس أحمد

downloadمجلة الجابري – العدد الثالث


 

 

لقد حدث موت فوكو بكيفية مباغثة وغير متوقعة إلى درجة كبيرة بحيث يمكننا بالكاد أن نمسك عن التفكير بأن “حياة وآثار” فيلسوف قد وجدت هنا مادتها حتى في حدثية اختفائه المفاجئ وعرضيته العنيفة. وأبعد من ذلك، فقد اعتبر موت هذا الرجل في السابعة والخمسين من عمره بمثابة حدث لا زماني انعكس فيه عنف الزمن وقسوته-وكقدر يهين بكيفية عبثية معنى الحياة البشرية المنسوج بمشقة.
وبالنسبة لفوكو، فإن تجربة التناهي قد تحولت إلى محرك للفكر الفلسفي. فراقب بعين الرواقي سلطة العرضي (التي انتهى من تمييزها عن السلطة بحصر المعنى بدل تأويلها في أفق التجربة المسيحية). غير أن ما فيه من رباطة جأش، وما جعل منه مراقبا مسعورا بالتجرد ومتحفظا فوق الحد، كان مرتبطا بطريقة حميمية وفريدة بانتماء متحمس ومضن إلى راهنية اللحظة التاريخية.
ولم أتعرف على فوكو إلا في مارس 83، وربما لم أفهمه جيدا. وحتى لا أتحدث إلا عن ما أثار شعوري، سأستدعي بالضبط ذلك التوتر الذي يفلت من التصنيفات الشائعة، والقائم بين احتراس مبتهج علميا للعالم الرزين والمهووس بالموضوعية من جهة، ومن جهة أخرى الحيوية السياسية للمثقف الثلوم الذي بذاتيته السطحية يشعر أنه مهتم بالمشاكل الأخلاقية. أتخيل فوكو وهو ينقب في الأرشيفات بالعزيمة الثابتة للمخبر الذي يلتقط البصمات.
وقد أوحى إلي في مارس 83 على أنه بمناسبة الذكرى المائوية الثانية لظهور مقال “جواب عن السؤال: ما هي الأنوار؟”، أي في نونبر 84، يتوجب علينا تنظيم حلقة دراسية مغلقة مع بعض الزملاء الأمريكيين. وعندما اقترح علي ذلك، كنت أجهل بأنه قد قام بإلقاء درس حول هذا الموضوع بالضبط. واعتقدت آنذاك أنه دعاني لنتناقش سويا حول تأويلات مختلفة للحداثة انطلاقا من نص يدشن في حدود معينة الخطاب الفلسفي للحداثة. إلا أن هذا بحصر المعنى لم يكن المقصد الذي على أساسه وضع فوكو اقتراحه هذا، والحق يقال إنني لم أفهم ذلك إلا في ماي 84 عندما نشر مقتطف من درس فوكو.
وكنط الذي نلتقي به هنا ليس بالذي نصادفه في “الكلمات والأشياء” حيث أن نقد المعرفة يفتح الباب لقرن الفكر الأنتربولوجي والعلوم الإنسانية وذلك بواسطة تحليليته للتناهي. إنه كنط آخر، ذلك الذي نلتقي به في ذلك الدرس فهو رائد الهيغليين الشباب. كنط الذي هو أول من أحدث قطيعة مع الإرث الميتافيزيقي وغض الطرف عن فلسفة الحقيقي والدائم، ليسلط اهتمامه على ما اعتبره الفلاسفة في ذلك الحين على أنه ما لا يمكن إعطاؤه مفهوما وما ليس بكائن، وعلى ما هو بتصميم حادث وزائل. وقد اكتشف فوكو في كنط المعاصر الذي يحول الفلسفة الباطنية إلى نقد للزمن الحاضر الذي يستجيب لإثارة اللحظة التاريخية. ورأى فوكو في جواب كنط عن السؤال: ما هو الأنوار؟ انبثاق “أنطولوجيا الراهنة” التي ستقود نيتشه وماكس فيبر إلى هوركهايمر وأدورنو عن طريق هيجل. والحال أن فوكو يموقع نفسه بكيفية مدهشة في السطور الأخيرة من درسه ضمن هذا التراث.
ويلخص فوكو في سطر مكثف ومتوتر النص الذي هر سنة 1784 وكذلك نص “صراع الكليات” الذي ظهر أربعة عشر عاما فيما بعد حيث يتضمن نظرة استعادية لأحداث الثورة الفرنسية. وكما نعرف، فإن الصراع القائم بين كلية الفلسفة وكلية الحقوق ينصب على السؤال: “هل الجنس البشري في تقدم مستمر نحو الأحسن؟”. وقد أبرز كنط في فلسفة الحق الهدف الذي على أساسه يقاس هذا التقدم. فدستور جمهوري سيضمن الوضع القانوني في الداخل مثلما في الخارج. وسيضمن في نفس الوقت استقلالية المواطنين بواسطة قوانين وضعوها بأنفسهم وكذلك استبعاد الحرب في العلاقات الدولية. وبحث كنط أساسا عن نقطة ارتكاز ملموسة تسمح بأن يتم في الواقع تصادم مسلمات العقل العملي الخالص تلك و”نزوع أخلاقي” للجنس البشري يمكن إدراكه في التاريخ، وتقصى “واقعة من زمننا” تضفي القيمة على تعيؤ للطبيعة البشرية كي تتحسن أخلاقيا. وكما نعرف، فإنه لم يجد في الثورة الفرنسية “علامات التاريخ” تلك بل في الحماس الذي يبديه جمهور كبير يبتهج بذلك الحدث ويستقبله دون خوف باعتباره ما سيعطي فعالية لمبادئ الحق الطبيعي. ولا يمكننا نسيان ظاهرة من هذا النوع. يقول كنط، “لأن حدثا من هذا القبيل مهم جدا وجد مرتبط حميميا بمصالح البشر، بحيث إنه أثناء ظروف مواتية، لن يعود مرة ثانية إلى ذاكرة الشعوب ويبعث عند أدنى محاولة من هذا النوع”.
ويورد فوكو من جهته العبارات المشهورة من دون نوع من “التأثر اتجاه تلك المشاركة في الخير”. بالإضافة إلى ذلك، فإن كنط قد ألح في النص الأول حول الأنوار على أن ثورة ما لن تأتي أبدا “بالإصلاح الحقيقي لطريقة التفكير” الذي تصدى له فيما بعد في “صراع الكليات” وذلك بخصوص الحماس الذي أبدي بالنسبة للثورة التي تحدث من حين لآخر. وقد أقام فوكو نوعا من الربط بين هذين النصين بحيث يتمخض عنهما موجزا. ومن هاته الزاوية، فإن السؤال “ما هي الأنوار” يتدخل مع السؤال: “ماذا تعني بالنسبة لنا هاته الثورة؟”. وهكذا سيتحقق في آن واحد معا اندماج الفلسفة مع فكر يجد قوته في راهنية التاريخ المعاصر. وستنغمس النظرة المهذبة بالحقائق الأزلية في تفاصيل اللحظة الحاسمة التي تنفجر بفعل ضغط الممكنات المستقبلية التي نتوقعها في مجيء اللحظة.
وهكذا يرى فوكو في كنط أول فيلسوف يصوب سهمه كقواس نحو قلب زمن حاضر مكثف ومحول إلى راهنية ليفتح بذلك خطاب الحداثة. ويترك كنط وراءه الصراع الكلاسيكي حول الطابع النموذج للقدماء وتساوي القيمة عند المحدثين، لتوريط الفكر، وقد تحول في التشخيص، ضمن السيرورة المتواصلة لضبط يقينه الخاص، سيرورة حركت لحد الآن الحداثة في أفق وعي تاريخي جديد. ورهان فلسفة كرست نفسها لواقع الحال هو “العلاقة الرسمية” براهنيتها الخاصة”. فهو لدرلين وهيجل الشاب وماركس والهيجليون الشباب وبودلير ونيتشه وباتاي والسورياليون ولوكاش وميرلو بونتي ثم رواد ماركسية أوربا من دون نسيان فوكو ذاته بطبيعة الحال كل هؤلاء عملوا على صقل وعي حديث للزمن يسجل السؤال: ما هي الأنوار؟ دخوله إلى الفلسفة. وعندئد يصبح الفيلسوف رجل زمانه الذي يكشف عن مشروع موضوعي ليعرف كشخص بقضه وقضيضه بأنه معنى بالدراسة العيادية للمقارنات التي تحدث الحاضر بكل ما له من خصوصيات” وإذن فمرحلة الأنوار لا تتجلى بالفعل إلا من خلال القسمات التي منحتها لنفسها. هي بذلك تحيل إلى الدخول في حداثة تجد نفسها محكوما عليها بأن تستمد من ذاتها معيارها ووعيها بذاتها.
وإذا كان الأمر أنني قد أسهبت كثيرا في الكلام عن فوكو، فإنني والحالة هاته أطرح السؤال التالي: كيف أمكن لهذا النمط من الفهم المؤكد لتفلسف حديث موجه باستمرار نحو راهنيتنا منقوش في الزمن الحاضر أن يتناسب مع النقد الصارم الذي أقامه فوكو حول الحداثة؟ كيف يمكننا أن نعايش كون فوكو يعتبر كمفكر لتراث الأنوار معغ النقد الأكيد الذي يقوم به إزاء هذا النوع من المعرفة الخاص بالحداثة؟.
لكن، أليست الفلسفة الكنطية للتاريخ والتأملات حول طبيعة الحرية والكوسمو-بوليتية والسلم العالمي، ثم تأويل الحماس الثوري كعلامة على تقدم التاريخ، هي كذلك علامات يجب أن تحدث هنا تهكم فوكو المنظر للسلطة؟ ألم يتحول التاريخ إذا من خلال النظرة الشديدة العزم لفوكو الأركيولوجي إلى جبل جليدي عائم تكسوه تلقائيا الأشكال البلورية والتشكلات بالاستدلالية؟ (وفي كل الأحوال، فإنه هكذا يرى صديقه بول فاين الأشياء).
ألم يتم إذن تحريك ذلك الجبل الجليدي بطريقة أخرى من خلال النظرة المتهكنة لفوكو الجينيالوجي حتى لا يستوفي الفكر التحييني للحداثة إلا على شكل مجموعة من السيرورات الساحقة والمجهولة تماما ثم الخالية من المعنى، سيرورات لا يلج إليها إلا السلطة، وفقط السلطة بأقنعة دوما متجددة؟. ألم يكتشف فوكو بكيفية نموذجية “في الكلمات والأشياء” عند كنط الدينامية الفريدة لإرادة الحقيقة هاته التي بالنسبة لها كل كبت ليس إلا حافزا لإنتاج المعرفة التي تتوسع بذلك، هذا مع بقائها محكوما عليها بالإخفاق؟
إن نوع المعرفة الجدير بالحداثة موسوم بالمقارنة التالية: فالذات العارفة قد أصبحت مستندة إلى ذاتها تستأصل نفسها من دمار الميتافيزيقا لتكرس نفسها لمشروع يتطلب قوة لا متناهية مع الوعي بحدود قواها. وكما يبين فوكو، فإن كنط يحول مباشرة تلك المفارقة ليجعل منها مبدءا لبناء نظريته المتعالية للمعرفة. وهكذا فهو يؤول حدود ملكة المعرفة ليجعل منها شروطا متعالية لمعرفة تتسم بتقدم مستمر. إنها الذات التي نطلب منها الكثير والتي على الصعيد البنيوي تجد ذاتها متجاوزة، ذات ترتبك في صيغة المعرفة المتمركزة حول الإنسان، وحينئذ، فإن العلوم الإنسانية هي التي تسيطر على الميدان، هاته التي يرى فيها فوكو عمل سلطة تأديبية ذات وجهين: فمن المؤكد أنها تقيم بمقتضياتها المصطنعة والغير الموفى بها الواجهة الخطيرة لمعرفة صحيحة صحة شاملة والتي وراءها يختبئ واقع إرادة خالصة للتحكم الذاتي بالمعرفة. ولا تتشكل الذاتية والوعي بالذات اللذان يعمل عليهما كنط إلا في أثر إرادة المعرفة هاته التي يتعذر سبرها.
وإذا عدنا الآن إلى نص الدرس الذي يهمنا، مستحضرين العناصر التي أتيت على ذكرها، فإننا نلاحظ بالفعل أن فوكو قد أجهد نفسه ليتدارك كل تناقض صارخ. وبالتأكيد، فإن الأنوار (التي دشنت الحداثة) لا تردنا ببساطة إلى مرحلة من بين مراحل أخرى. غير أن فوكو يحذرنا من الموقف الورع للذين يسعون إلى حفظ رفاق الأنوار، ولأجل ذلك، فإنه يحيلنا إلى تحليلات سابقة (حتى وإن كان ذلك بين قوسين).
إن مهمتنا الآن لا يمكنها أن تكون إدامة الثورة والأنوار باعتبارهما نموذجين بل ستكون بالأحرى التساؤل حول الحوافظ التاريخية الشاذة التي تسود وتختفي في الفكر الشمولي منذ نهاية القرن التاسع عشر. ويهاجم فوكو مفكري النظام الذين يتشبتون بالإشكالية الإبستمولوجية الكنطية، المفكرين الذين يبقون مرتبطين بـ”تحليلية الحقيقة” في الحدود التي يكونون فيها دوما في بحث عن الشروط الشمولية التي على أساسها يمكن أن يقال عن المنطوقات بأنها “صحيحة” أو “خاطئة”. غير أنه فوق هاته الاحتياطات، فإن عنصرا مفاجئا يبقى قائما. ومن جهة أخرى فإن مفكري الهدم الذين يحاولون إدراك راهنية زمنهم الخاص يقدمون بالفعل أنفسهم من الآن فصاعدا كالورثة الشرعيين للنقد الكنطي ويستعيدون السؤال(التشخيصي) الأساسي لحداثة تجد في ذاتها ضماناتها. سؤال كان كنط أول من طرحه، غير أنهم يستعيدونه طريا من جديد، ووفق شروط قد تغيرت. أما فوكو فيسترد هذا التراث لصالحه. وبالنسبة إليه، فإن تحدي النصوص الكنطية التي يستند إليها يكمن في أنه بات من الضروري الكشف عن الإرادة التي أبانت عن نفسها في التحمس للثورة الفرنسية. إلا أن هاته الإرادة، والحالة هاته، هي إرادة المعرفة التي ترفضها “تحليلية الحقيقة”.
لكن بينما لم يقم فوكو لحد الآن إلا باقتفاء أثر إرادة المعرفة هاته ضمن التشكيلات الحديثة للسلطة، وذلك من أجل فضحها، فإن يظهرها حاليا من وجهة نظر أخرى ما دام أنه يرى فيها إغراء نقديا يستحق صونه ومن الضروري إعادة تجديده. إغراء يعيد ربط فكره الخاص ببدايات الحداثة.
ومن بين المخبرين الفلسفيين (المتعلقين بزمنهم) من جيلي، فإن فوكو هو الذي أثر على روح الزمن بالكيفية الأكثر دواما، اللهم إلا بفضل الجدية التي بواسطتها لم يتوقف عن تأجيج التناقضات المنتجة. والحال أن فكرا معقدا وحده هو الذي يحدث تناقضات مقيدة. والتناقض الذي ارتبك فيه كنط عندما جعل من الحماس الثوري علامة من التاريخ تظهر ملكة عقلية للجنس البشري في عالم الظواهر تناقض مفيد. وكذلك عندما قابل فوكو نقده للسلطة المتصل بالراهنية مع تحليلية الحقيقي (ما دام أن الأولى تفقد الضوابط المعيارية التي يتوجب عليها مبدئيا أن تستعيرها من الثانية)، فإنه يمكننا القول بأنه ارتبك في تناقض مفيد، وربما ستكون قوة هذا التناقض هي التي أعادت فوكو مع هذا النص الأخير إلى المياه الإقليمية للخطاب الفلسفي للحداثة الذي اراد الانفلات منه بالرغم من ذلك

error: المحتوى محمي