“سَيَأْتِي كَلِصٍّ فِي اللَّيْلِ”: سلافوي جيجك ووهم الأمل / ترجمة: حسن الحجيلي

“سَيَأْتِي كَلِصٍّ فِي اللَّيْلِ”: سلافوي جيجك ووهم الأمل / ترجمة: حسن الحجيلي

مقال قصير من سلافوي جيجك، نُشر في مجلة نيوفو الفرنسية بتاريخ 1 يناير 2018، ونقله للإنجليزية جوليوس جافروش بتاريخ 4 يناير 2018 بعنوان:” سلافوي جيجك و أوهام الأمل “.


تُعتبر جدلية التفكير من أهم إسهامات الثقافة الأمريكية عبر سلسلة نكت الأطباء المبتذلة، من فئة: ” هناك خبر سعيد والآخر سيء.” فعلى سبيل المثال : الخبر السيء هو أنّ السرطان متفشي في جسدك وستموت خلال شهرٍ واحد، ولكن الخبر السعيد هو إنَّ اكتشفنا إصابتك بمرض ألزهايمر فبالتالي ستنسى الخبر السيء ساعة وصلك لمنزلك. ومن المفترض ان نتتعامل فيما يتعلق بالراديكالية السياسية بنفس النهج تماماً. فبعد الكثير من الأخبار “السيئة”– وبعد رؤية الكثير من الأمل الذي يُسحق بكل وحشية في محيط الممارسات الراديكالية، و يتمزق بين نموذجين على سبيل المثال في حالتهم القصوى مثل أليكسيس تسيبراس و نيكولس مادورو-، و رغم أنَّ فكرة نجاح أشباههم مُغرية إلا أن هذا النوع لن يحظى بفرصة نجاح كونهم مُدانين منذُ البداية، وكل أمل لأي تغيير حقيقي وفعال ليس إلا مجرد “وهم.”

 لذا بدلاً من البحث عن النقيض عند الإشارة إلى “الأخبار السيئة” وتبني رؤية سعيدة ، ينبغي أنّ نتعلم تمييز الجيد الكامن في داخل أي سيء عبر إدراك السيء من عدة جوانب. لنتأمل إحتمالية التشغيل الألي الأتوماتيكي والتي تُرعب الكثير من الناس لأنها تقلل من فرص عمل الأفراد فينتج عنها كتلة بشرية من البطالة، ولكن لماذ نخشى هذه الإحتمالية؟ ألا تفتح هذه الإحتمالية فرصة خلق مجتمع جديد فيه نعمل بشكل أقل؟ على أي صعيد سينهض المجتمع إذا تحول الجيد تلقائياً إلى سيء؟

لقد أخطأ كارل ماركس عندما قدم إحصائية بديلة عن النهاية الوشيكة للرأسمالية أو على الأقل كما يصفها النهاية الحتمية، و لكن في الواقع الرأسمالية تنجو دائماً، فلم يقدم ماركس تحليل للطريقة التي تُخلد فيها الرأسمالية نفسها، فبعد كل أزمة تنبثق الرأسمالية من جديد.

 وكما وصفَ عالم الإجتماع الألماني فولفجانج شتريك أن الماركسية شاهدت “الأزمة الآخيرة” للرأسمالية بشكل صحيح، وهي المرحلة التي ندخلها اليوم، ولكن غاب عنها أنّ هذه الأزمة من التدهور و التفكك عملية طويلة الأجل،  وبدون وكيل يعطي التدهور تحول فعلي إلى منظومة اجتماعية عظيمة، وبدون الطريقة الهيغيلية ، لا تستطيع الرأسمالية النهوض وتجاوز مشهد الإنهيار.

يمكن وصف المفارقة التي نعيشها بالآتي: في حين فشل مقاومة الرأسمالية العالمية مراراً  وكبحها عن الانتشار، فإن المظاهر المتعددة لا تزال تعطي الإشارة على واقعية تَدَمُّر الرأسمالية التدريجي بطريقة غير واضحة وغريبة. وكما لو أنّ القطبين ( المقاومة و التدمير الذاتي ) يتقدمان على مستويين مختلفين دون نقطة إلتقاء وتوافق، فينتج عن ذلك فشل إحتجاجات المقاومة عن تدمير الكينونة الذاتية المتهالكة، وعدم إيجاد توجيه دقيق كهدف للتحرر من الرأسمالية . كيف وصلنا إلى هنا؟ في حين يحاول الجزء الأعظم من التيار اليساري يائساً حماية حقوق العمال القديمة ضد اعتداءات الرأسمالية العالمية، وبشكل حصري نجد أن حِدة تصاعد نداءات الرأسماليين أنفسهم ( من إيوان مسك إلى مارك زوكربيرغ) تتحدث عن مرحلة الما بعد رأسمالية ، وكأن الغاية من تجاوز الرأسمالية كما نعرفها هو نظام الما بعد الجديد المستولى عليه من الرأسمالية .

بعد كل ذلك، كيف بالإمكان إحداث تحول إجتماعي جذري؟ بالتأكيد ليس بأسلوب تحقيق الإنتصارات بهتافات الفوز و عرض واحدة من الكوارث من فئة ثرثرة الإعلام عن إقامة ندوة جدلية للنقاش… ولكن بطريقة ” كَلِصٍّ فِي اللَّيْلِ ” ؛ ” لأَنَّكُمْ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ بِالتَّحْقِيقِ، أَنَّ يَوْمَ الرَّبِّ، كَلِصٍّ فِي اللَّيْلِ هكَذَا يَجِيءُ “. و لأَنَّهُ حِينَمَا يَقُولُونَ: «سَلاَمٌ وَأَمَانٌ»، حِينَئِذٍ يُفَاجِئُهُمْ هَلاَكٌ بَغْتَةً، كَالْمَخَاضِ لِلْحُبْلَى، فَلاَ يَنْجُونَ” ( من رسالة بولس الأولى إلى أهل تسالونيكي 5:3). أليس هذا هو حال مجتمعاتنا؟ ألسنا مهووسين بالتحديد بـ “السلام والأمان”؟ ونفس الشيء ينطبق على العلاج النفسي حينما تظهر النتيجة دائماً  تأتي كردة فعل غير متوقعة: “ كَلِصٍّ فِي اللَّيْلِ”، و تكون مفاجأة، ولا تكون حصيلة إدراك مشروع يتم صياغته. لأن النظام الرأسمالي العالمي صلب جداً وقادر على مجابهة كل محاولات التخريب، ولتصبح معاداة الرأسمالية فعالة، وتخطي الصراع، يجب الأخذ في الحسبان كل التدابير المضادة، وتحويلها إلى أدوات دفاع و أسلحة متفجرة .

إذا انتظر الفرد اللحظة الصائبة والتي يكون فيها التحول سلس ومستطاع، فلن يصل أبداً، لأن التاريخ لا يقدم لنا الفرص المصيرية على طبق من ذهب، فيتعين على الفرد المجازفة، و أن يتحمل المخاطر ، وأن يحاول أن يتدخل ويتفاعل حتى إذا بدى له أن هدفه الذي يود تحقيقه ( مُوقِن به) لا يمكن الوصول إليه. فمحاولات التدخل وحدها تجعل من المستحيل ممكناً، و سيصل بالطريقة التي لا يمكن التنبؤ بها.

ربما يستطيع فلاديمير لينين تنويرنا هنا، وتقديم نموذج على شجاعة اليأس، فبعد أن شاهدَ بوضوح أخباره السيئة وأن ثورته لن تتوسع وتشمل أوروبا بأكملها، وقبل موته بسنتين، كتب :” ماذا لو كان هناك يأس شامل، نيأس القدرة على تغيير الوضع برمته، ولكننا عبر تحفيز جهود العمال والفلاحين توفرت لنا الفرصة لخلق متطلبات أساسية للنهضة بطريقة مختلفة عن تلك التي تحدث في دول أوروبا الغربية”.

قال جورجيو أغامبين في مقابلة: ” أنَّ التَفَكَّر هو الشجاعة في اليأسِ” ؛ عبر إدراك الصلة الوثيقة بين اللحظة التاريخية وعلاقته بالزمن الذي نعيشة، فبالتالي حتى أن أكثر القراءات التشخيصية تدعوا للتشاؤم، ولكنها عادة تُختتمُ بتصورِ الوهمْ في أنَّ  النورَ ينتظرنا آخر النفق. فالشجاعة الحقيقية لا تكمن في أنّ نتصورَ بديلاً، ولكن في قبول عواقب عدم وجود بديلاً عن السيطرة العالمية التي خَلَفتها الرأسمالية ، فلا يوجد بديل تقليدي يمكن التعرف عليه وتحديده بسهولة. وحلمُ البدائل هو علامة على الجُبْن التنظيريِ، فهي بمثابة صناعة صنم يعقينا عن التفكير من داخل مأزق طريقنا المسدود، وسيحدث ما يحدث لا محاله. وبإختصار، الشجاعة الحقيقية هي بالاعتراف أنَّ النور في آخر النفق هو نور قطارٍ آخر متجه نحونا من الجهة الآخرى.

شيء آخير، حتمي، بعد كل ما ذُكرَ: أنَّ اليوتوبيا المطلقة، اليوم، تتكون من نفس آليات التفكير في التصور أننا إن لم نقم بأي شيء، وببساطة إن حافظنا بحكمة على النظام العالمي القائم، ستستمر الحياة كما هي.

 

 

المصدر

 

error: المحتوى محمي