سقوط الاستبداد وانتقال السلطة: نظرة جديدة – ترجمة: غادة بن عميرة

سقوط الاستبداد وانتقال السلطة: نظرة جديدة – ترجمة: غادة بن عميرة

تأليف: باربرا قديس وجوزيف رايت وإريكا فرانتز


 المقدمة

عندما يفقد زعيم نظام مستبد سلطته فإن ما يحدث هو أحد هذه السيناريوهات الثلاث: يتم استبدال هذا  الزعيم بأحد الشخصيات من القيادة الحالية، وبهذا يستمر النظام ذاته. أو أن يتم استبدال القيادة الحالية برؤساء يتم انتخابهم ديموقراطيا، أو أن تفقد القيادة الحالية السلطة لصالح مجموعة أخرى تستبدل نظامها الاستبدادي بنظام استبدادي آخر. توجد العديد من الدراسات البحثية التي تطرقت للنوعين الأولين لانتقال السلطة، ولكننا نكاد لا نجد أي دراسة تتطرق للنوع الثالث وهو انتقال السلطة من نظام استبدادي لنظام استبدادي آخر، على الرغم من تشكيل هذه النوع من انتقال السلطة لأكثر من نصف حالات الانتقال؛ وذلك لافتقادنا للبيانات التي تحلل وتتعرف على حالات انتقال السلطة من هذا النوع. سنقوم في هذه الورقة بتقديم مجموعة جديدة من البيانات التي توفر معلومات عن انتقال السلطة في أكثر من ٢٨٠ نظام استبدادي (في ١١٠ دولة ذات تعداد سكاني يتجاوز المليون نسمة)  والتي تواجدت في السلطة في الفترة بين عام ١٩٤٦ وحتى عام ٢٠١٠. كما توضح مجموعة البيانات هذه كيفية ترك الأنظمة للسلطة، ومقدار العنف الذي ينتج عند انتقال السلطة، وهل كانت الأنظمة السابقة واللاحقة أنظمة استبدادية أم لا. وتقوم هذه الورقة أيضا بتفسير مجموعة البيانات هذه وتوضيح اختلافها عن مجموعات البيانات المتوفرة حالياً، مبينة الكيفية التي يساهم فيها استخدام البيانات التي تعبر عن المعنى المتعارف عليه لمفهوم النظام في تغيير الأجوبة الأساسية عن انتقال السلطات، وكيف توفر عددا من الأمثلة التي توضح الفائدة العملية لمجموعة البيانات هذه.

 

سقوط الاستبداد وانتقال السلطة: نظرة جديدة

بعدما قام الإسلاميون باغتيال الرئيس المصري أنور السادات أملينَ في إنهاء النظام العلماني في مصر، سرعان ما خلفه حسني مبارك، الضابط العسكري والشخصية البارزة ضمن دائرة أنور السادات الخاصة. وبهذا استمر النظام بنفس السيطرة التابعة للحزب الحاكم ذاته وبنفس القوانين. ولكن هذا النموذج لا يتكرر بالضرورة لدى انتقال السلطة في جميع الأنظمة الاستبدادية، فبعد هروب زين العابدين بن علي، الدكتاتور الذي حكم تونس حتى يناير ٢٠١١، بعد عدة أسابيع من المظاهرات، قامت النخبة المدنية والعسكرية التونسية التي كانت حتى أسابيع قليلة ماضية تنتفع من نظام بن علي وتدعمه بالتعاون لتسهيل انتقال البلد للديموقراطية. ومن جهة أخرى، نجد أن الاطاحة بشاه إيران في عام ١٩٧٩ بعد مظاهرات شبيهه نتج عنها استيلاء نظام مستبد أخر للسلطة واحتكارهم لها، وهو نظام يقوده رجال دين ويختلف اختلافا جذريا عن النظام السابق. توضح هذه الأمثلة النتائج الثلاثة المحتملة عند الإطاحة بدكتاتور: وهي إما أن يستمر النظام ذاته بقيادة جديدة، أو بدمقرطة النظام(إضفاء الديموقراطية)، أو باستبدال النظام المستبد بنظام مستبد آخر. وتوجد بحوث عديدة درست موضوع دمقرطة النظام. بينما تندر الأبحاث التحقيقية في النموذجين الأخرين على الرغم من وجود دراسات إفرادية قامت بمعاينتهما. ومع ذلك، نجد أنه على مدى ال٦٥ عاما التابعة للحرب العالمية الثانية٤٥٪ فقط من تغير القيادة في الأنظمة الاستبدادية أدت لتغير في النظام، وأن أكثر من نصف التغيرات في الأنظمة نتج عنها انتقال السلطة من نظام استبدادي لنظام استبدادي آخر؛ أي أن أقل من ربع الإطاحات السياسية بدكتاتوريين نتج عنها أنظمة ديموقراطية.

تقدم هذه الورقة بيانات جديدة تساهم في تأسيس قاعدة تجريبية أفضل لتنظير وتحليل انتقال السلطة من نظام استبدادي لأخر، مما سيعزز فهمنا للعملية الديموقراطية. وتستخدم مجموعة البيانات الخاصة بالأنظمة المستبدة معلومات لم تجمع حتى اليوم وذلك لرصد سقوط الأنظمة المستبدة من عام ١٩٤٦ وحتى عام ٢٠١٠ في البلدان ذات تعداد سكاني يفوق المليون نسمة. تمت صياغة البيانات على شكل ملاحظات مرتبطة بالدولة والعام بلغ عددها ٤٥٨٧ ملاحظة. وتساعد هذه الملاحظات على التعرف على انتقال السلطة من نظام استبدادي لآخر، بالإضافة لانتقال السلطة من وإلى النظام الديموقراطي.

وبهذا نجد أن هذه البيانات الجديدة ستجعل الدراسات الكمية لمجموعة الأسئلة الصعبة السابقة أسهل.  وأحد هذه الأسئلة هو السؤال المتعلق بالربيع العربي: ماهي الظروف التي سيؤدي فيها إسقاط دكتاتور ما إلى الديموقراطية عوضا عن تجدد النظام الاستبدادي أو اندلاع الفوضى؟ مع تطور أحداث الربيع العربي انتشى الناشطون والصحفيون بأمل انتشار الديموقارطية في بلدانهم التي عانت من قمع الأنظمة الاستبدادية.

ومع ذلك، فإن المراقبين الذين يملكون ذاكرة أفضل كانوا قلقين من نتائج هذه الثورات، وإذا ما كانت سوف تؤدي للديموقراطية أم لزعزعة الاستقرار أم ستعيد خلق الدكتاتورية كما حدث بعد الإطاحة بشاه إيران. يطرح لوكان واي (Lucan Way) هذه التساؤلات تحديداً، ويقترح استخدام نموذج انتقال السلطات في فترة ما بعد الشيوعية بين عام ١٩٨٩ و١٩٩١ للتنبؤ بمستقبل الربيع العربي. وهذا اقتراح معقول في ضوء شح البيانات الخاصة بمثل هذه الحالات. تتيح البيانات الجديدة للباحثين أن يبنوا توقعاتهم بالاعتماد على جميع تجارب انتقال السلطة بعد الحرب العالمية الثانية تقريبا -كما هو موضح في الأسفل- عوضا عن الاعتماد على بضع حالات شاذة. وعلى الرغم من استحالة تقديم تنبؤات جادة بخصوص مستقبل بلد بعينه، وضع ليبيا في العام القادم على سبيل المثال، إلا أن بياناتنا يمكنها أن تساهم في تأسيس قاعدة لقياس إمكانية التحول الديموقارطي في بلد كليبيا، بحيث تعتمد هذه القاعدة على بيانات مدخول ليبيا وثروتها النفطية ونوع الدكتاتورية ومقدار العنف المصاحب لإنهيار الدكتاتورية.

سنقوم فيما يلي بوصف البيانات الجديدة وتوفير أمثلة على كيفية استخدامها للإجابة على بعض الأسئلة المثيرة للاهتمام والمتعلقة بالسياسات العامة. عادة ما يتم استخدام أحد هذين الاحتمالين، الديموقراطية أوالإطاحة بالرئيس، المتوقعين لسقوط الأنظمة الاستبدادية في البحوث الكمية؛ وعند مقارنة هذين الاحتمالين بمقاييسنا فإننا نوضح أن البيانات المستخدمة لاختبار هذه النظريات يمكنها أن تحدد نوع الأجوبة التي سنحصل عليها. حيث أن الاكتفاء بإطاحة الرئيس عوضا عن المطالبة بتغيير النظام قد ينتج عنه زعزعة لاستقرار النظام الاستبدادي بنسبة ٥٠٪. بينما ينتج عن محاولات دمقرطة النظام كوسيلة للإطاحة به زيادة في فرص استمرار الأنظمة الاستبدادية بنسبة ١٠٠٪. هذه الاختلافات الكبيرة من شأنها أن تؤدي لسوء تقدير النتائج المترتبة على أي من الأمور التي كنا نظن أنها تؤثر على سقوط الأنظمة الاستباداية.

نحن نقترح طرقا لاستخدام لاستخدام البيانات لمعالجة مسألتين مهمتين، وهما: الحرب والديموقراطية في الأمثلة التي توضح بعض الطرق الممكنة. توضح عدة دراسات أن الحكام المستبدين الذين يخشون التعرض للعقاب بعد اسقاطهم يكونون أكثر ميلا لإشعال الحروب. ونحن نضيف لهذه الدراسات دليلا أوليا يثبت أن الحكام المستبدين الذين يتم اسقاطهم مع أنظمتهم، وأولئك الذين يتم استبدال أنظمتهم بأنظمة استبدادية أخرى يواجهون احتمالية أكبر للتعرض للعقاب من غيرهم ممن لا تؤدي الإطاحة بهم كأشخاص لتغير النظام أو الديموقارطية. هذه الاكتشافات، إذا ما تم إثباتها، سوف تساهم في إيجاد فهم دقيق للإسباب التي تدفع الطغاة لإشعال الحروب.

أما أمثلتنا الأخرى فإنها تدرس تغير النظام. فكما هو معروف وملاحظ، لم ينجح في الوصول للديموقراطية من الأنظمة الاستبدادية التي أُسقطت بعد الحرب العالمية الثانية إلا أقل من النصف فقط(تمكن أقل من النصف فقط من الأنظمة الاستبدادية التي أُسقطت بعد الحرب العالمية الثانية من إرساء الديموقراطية. وعلى الرغم من أن فرص إرساء الديموقراطية قد ازدادت بعد نهاية الحرب الباردة، إلا أن  البيانات المتوفرة لدينا تشير لتوقعات أكثر تشاؤما فيما يخص الشرق الأوسط المعاصر. فلدينا أدلة أولية توضح أن فرص انتقال الأنظمة التي يحكمها طغاة يستأثرون بجميع مقاليد الحكم لأنفسهم (مثل القذافي في ليبيا وصالح في اليمن) بعد الإطاحة بالنظام للديموقراطية قليلة، وذلك لأن محاولات إسقاط هذه الأنظمة الاستبدادية أدت للعنف. وتساهم هذه الاكتشافات في إثراء تعميق فهمنا النظري لعملية دمقرطة النظام. كما تشير أيضا إلى أن التدخل العسكري الأجنبي لإنهاء النظام لن يساهم بالضرورة في التحول الديموقراطي.

 

مفاهيم أساسية

 نحن نعرف مصطلح النظام، وهو تعريف يتوافق مع غالبية الأدب النوعي، بأنه يتكون من مجموعة من القواعد الرسمية وغير الرسمية الأساسية التي تحكم اختيار القادة والسياسات. ويتوجب إضافة القواعد غير الرسمية في التعريف لأن الأنظمة الاستبدادية عادة ما تخفي القواعد التي تُشكل وتقيد الخيارات السياسية. وعادة ما تتواجد الأنظمة الاستبدادية جنبا إلى جنب مع المؤسسات الرسمية الديموقراطية. نحن نعتقد أن القاعدة غير الرسمية الأهم في التمييز بين الأنظمة الاستبدادية التي تتخذ قرارات بطريقة معينة عن غيرها من الأنظمة التي تتخذ قرارات بطريقة أخرى مختلفة هي القاعدة التي تساعدنا على التعرف على الجماعة التي يمكن اختيار القادة منها، وهي القاعدة التي تحدد من يؤثر في اختيارات القيادة وسياستها. ويعكس التعريف الذي اعتمدناه أحد أكثر الاستخدامات اللغوية الطبيعية شيوعا للمصطلح، والتي تنظر لكامل فترة حكم أسرة سوموزا لنيكاراجوا، على سبيل المثال، على أنها تمثل نظام واحد على الرغم من التغيرات التي حدثت للقادة ولقواعد الانتخاب الرسمية. في حين تدلل الاستخدامات التقليدية للمصطلح على أن الدكتاتورية الساندينية تمثل نظاما أخر على الرغم من حقيقة أن الحكم السانديني جاء بعد سقوط حكم عائلة سيموزا دون وجود فترة انتقالية ديموقراطية. وباختصار، إن أحد أهم السمات في تعريفنا هي وجود قاعدة غير رسمية تتعرف على جماعة القيادة، وهي سمة توجد أيضا في الاستخدام التقليدي للمصطلح.

إن ما نعنيه بوصف “جماعة القيادة” يشابه المفهوم ذاته لمصطلح نظرية الإصطفاء (Selectorate)، وهو المصطلح الذي يستخدمه كلًا من شريك و ريودير (Shirk and Roeder). فلكي يتمكن القادة من الاحتفاظ بالسلطة عليهم أن يحتفظوا بدعم أعضاء هذه الجماعة. ومع ذلك، فإن القادة يملكون قدرة لا يستهان بها على التأثير في منح عضوية الجماعة، خاصة بعد الاختيار الأولي للقيادة. حيث لا تؤثر القوانين الرسمية في منح العضوية في الجماعة.

يستخدم بوينو دي ميسكيتا مصطلح الإصطفاء أيضا لوصف المواطنين الذين يؤثرون على اختيار القادة، ولكن مصطلح جماعة القيادة الخاص بنا يعد أكثر شبها بما يسمونه الإئتلاف المنتصر، وهي الجماعة الفرعية من المصطفين التي يتم اختيار القادة منها. وعلى الرغم من اتفاقنا معهم في أن هذه الجماعة لديها أهمية مركزية في الأنظمةالدكتاتورية، إلا أننا في المقابل، نختلف معهم على سمات هذه الجماعة.

نحن نعتقد أن السمات الأساسية لجماعة القيادة، مثل العلاقات الهرمية التي تحكم الجنود بقياداتهم، تؤثر في عملية اتخاذ القرارات لدى الأنظمة الاستبدادية. ولهذا فإن تصنيفنا لأنواع الأنظمة الاستبدادية يعتمد على هذه السمات. ويعود سبب تمييزنا بين هذه الأنواع الأساسية إلى أن نتائج البحث السابق تشير إلى أن المعايير التي تتحكم في عملية صنع القرارات وتوزيع السلطات ضمن هذه الجماعات تؤثر على ما سيحدث مستقبلا إذا ما تمكن أعضاء أحد هذه الجماعات من الاستيلاء على السلطة. وهذا هو سبب التمييز بين الأنظمة العسكرية والأنظمة الحزبية، التي قد تملك كلاها المؤسسات الرسمية ذاتها، على سبيل المثال. وفي المقابل، نجد أن بوينو دي ميسكيتا يعتمد في تعريفه للأنظمة على عدد الأفراد في مجموعة المصطفين ومجموعة الإئتلاف المنتصر والنسبة بين هاتين المجموعتين بغض النظر عن الفروقات الجوهرية بين هؤلاء الأفراد والمؤسسات السياسية الملموسة الراسخة فيهم.

يوضح تاريخ إيران استخدامنا لمفهوم النظام وكيفية اختلاف بياناتنا عن البيانات الأخرى التي تستخدم لتحليل انتقال السلطة. فمنذ عام ١٩٢٥ تعاقب نظامين استبداديتين على حكم إيران دون وجود فترة انتقالية ديموقراطية بينهما. أولهما كانت الملكية الإيرانية التي استمرت حتى عام ١٩٧٩، والأخرى لازالت تحكم إيران حتى يومنا الحالي. وعلى الرغم من استمرار الحكم الاستبدادي إلا أن النظامين يختلفان عن بعضهما وييطالبان باستجابات مختلفة لسياستهما. كان الشاه رضا بهلوي هو رئيس النظام الأول، خلفه بعدها ابنه الشاه محمد رضا بهلوي. وفي هذا النظام اتخذ الشاه قرارات أساسية فيما يخص السياسات الداخلية والخارجية والصناعة النفطية بعد التشاور مع مجموعة صغيرة من المستشارين الخاصين به.

ولكن بعد الثورة الإيرانية في عام ١٩٧٩، استولت مجموعة جديدة على السلطة منهية بذلك حكم الملكية في إيران ومؤسسة لحكومة دينية بقيادة المرشد الأعلى. وقامت هذه الحكومة الجديدة بالقبض على غالبية الأشخاص المتواجدين في إيران من الذين كانوا يتقلدون مناصب بارزة أبان حكم الشاه، واستولت طبقة جديدة من رجال الدين وقادة الحرس الجمهوري على مقاليد الحكم ومناصب صنع القرار. ومنذ عام ١٩٧٩ سيطرت هذه المجموعة الخاصة على السياسة الداخلية والخارجية الخاصة بإيران. وبالرغم من تولي حاكمين لهذا النظام منذ بدايته، أولهما كان المرشد الأعلى روح الله الخميني والذي حكم منذ عام ١٩٧٩ وحتى وفاته عام ١٩٨٩، وخلفه المرشد الأعلى علي خامنئي الذي لايزال في السلطة، إلا أن القوانين الأساسية التي تحكم فرص وصول شخص ما لمناصب في القيادة العليا والتي تحدد مقدار التأثير الذي يملكه الساسة الأخرون لم تتغير.

يوضح هذا السرد المختصر لتجربة إيران الحديثة بعض النقاط المهمة؛ أولها هو أمكانية وجود عدة قادة دكتاتوريين ضمن نظام استبدادي واحد. فقد خلف الشاه رضا خان ابنه إبان الدكتاتورية الملكية في إيران. ونجد الأمر ذاته في النظام الديني الاستبدادي الذي يحكم إيران اليوم. تتجاوز الأنظمة الاستبدادية في كثير من الأحيان مدة ولاية أي حاكم بعينه.

أما الثانية فهي إمكانية وجود عدة أنظمة استبدادية متتابعة خلال فترة زمنية استبدادية واحدة متواصلة.  فعلى الرغم من حقيقة أن النظامين الذين تعاقبا على إيران منذ استقلالها عام ١٩٢٥ كانا مختلفان إلا أن الاستبداد كان نفسه. فكلا النظامين لديه قواعد تحدد مجموعة فريدة من النخب والطرق المحددة لاختيار القادة والسياسيين، وكنتيجة لذلك تختلف اختيارات تلك النخب الخاصة بكل نظام للسياسات الداخلية والخارجية اختلافا

كبيرا. وبهذا نجد أمكانية تتابع عدة أنظمة استبدادية خلال فترة استبدادية واحدة. أما سبب حدوث ذلك، فهو لأن الديموقراطية ليست نتيجة حتمية لانهيار الدكتاتوريات. لو أن تكرار هذا السيناريو لتتابع الأنظمة الاستبدادية كان نادر الحدوث لكانت المشكلة بسيطة، ولكن الحقيقة هي أن احتمالات وجود نظام استبدادي جديد بعد اسقاط النظام الاستبدادي السابق أكثر تحققا من احتمالية إرساء الديموقارطية. الشكل ١ يوضح تكرار انتقال السلطة من و إلى أنظمة استبدادية منذ الحرب العالمية الثانية، وتوجد معلومات إضافية عن انتقال السلطة لأنظمة ديموقراطية لاستخدامها كمرجع. توضح الأعمدة على الجانب الأيمن من الشكل أن تحول الأنظمة الاستبدادية إلى الديموقراطية اليوم أصبح أكثر شيوعا منه في العقود السابقة، إلا أن تحولها للاستبدادية لازال واردا أيضا.

1

الشكل١: انتقال السلطات الاستبدادي وانتقال السلطات الديموقراطي.

يؤثر تكرار انتقال السلطة من نظام استبدادي لنظام استبدادي أخر على طريقة تحليلنا للعديد من التساؤلات المتعلقة بالسياسة المقارنة والعلاقات الدولية. تربط بعض النظريات على سبيل المثال بين الأداء الاقتصادي واستمرار الأنظمة الاستبدادية، ولكن المحللون يستخدمون دمقرطة النظام في بعض الأحيان كاحتمال لسقوط النظام الاستبدادي، مما يقلل من أهمية هشاشة الاستبداد أمام الأزامات الاقتصادية. توجد محاولات لتوضيح تأثير أدوات السياسة الخارجية، مثل فرض العقوبات الاقتصادية والتدخل العسكري على بقاء النظام الاستبدادي، كما توجد أيضا محاولات لتقييم أثر هذه الأدوات على احتمالية إرساء الديموقراطية. يود كلا من الباحثين الأكادميين وصناع السياسيات معرفة إذا ما كانت هذه الأدوات تساهم في إرساء الديموقراطية، وإذا ما كان الدعم الخارجي لأسقاط الحكومات الدكتاتورية يؤدي لإنهيار الدولة أو إلى وجود دكتاتورية جديدة. وتتيح بياناتنا الجديدة تقييم هذه الأحتمالات.

توجد ثلاثة طرق على الأقل لبقاء الأنظمة الاستبدادية سياسيا،كما يوضح هذا النقاش، فإما أن تستمر ولاية القائد، أو أن يستمر النظام أو أن يستمر الاستبداد نفسه بتغير الشخصيات. وعند النقاش حول انتقال السلطات من الحكم الاستبدادي فالنتيجة ستكون إحدى هاتين إما إرساء الديموقراطية أو حكم استبدادي جديد.

تساعد البيانات المتوفرة الباحثين على اختبار النظريات الخاصة بمدة بقاء الطغاة في الحكم، أو احتماليات انتقال النظام من الحكم الاستبدادي للديموقراطية مما يضع نهاية لفترة الاستبداد. ومع ذلك، يضطر الباحثون المهتمون بتقييم النظريات الخاصة ببقاء الأنظمة الاستبدادية لتجميع بياناتهم الخاصة أو اللجوء للاحتمالات لتصور المفاهيم الأساسية، وذلك لعدم توفر بيانات تساعد على قياس فرص بقاء النظام ذاته أو انتقاله لنظام استبدادي أخر. ولكن الإشكال في هذه الاحتمالات هو  أنها قد تؤدي لحدوث ما يعرف بخطأ الملاحظة في القياس المنهجي في التحليل، حيث أن استخدام مقياس مدة بقاء الطغاة قد يعطي قياسا منهجيا خاطئا وقيمة أقل لاحتمالية أو فرص بقاء الأنظمة الاستبدادية، وذلك لأن هذه الأنظمة غالبا  تستمر حتى بعد الإطاحة بالقادة أنفسهم؛ بينما يؤدي استخدام مقياس الفترة الزمنية للنظام الاستبدادي (الفترة الاستبدادية) للمبالغة في تقدير عمر النظام، وذلك لأن هذا المقياس يتعامل مع انتقال النظام من نظام استبدادي إلى نظام استبدادي أخر على أنه استمرار للنظام الاستبدادي ذاته.

إن الاختلاف بين كل من المقاييس التالية: مدة بقاء الطغاة وعمر النظام واستمرار سنوات الحكم الاستبدادي (الفترة الاستبدادية) يحدد نوع البيانات المناسبة لاختبار نظرية معينة.

عادة ما تتضمن هذه النظريات توقعات مستقبلية يمكن اختبارها باستخدام أحد طرق قياس بقاء الاستبداد هذه. فالنظريات المتعلقة بالأثار السياسية للأداء الاقتصادي على سبيل المثال تدفعنا للاعتقاد بأن النمو الاقتصادي العالي سيؤدي بالضرورة لزيادة مدة حكم الطغاة وعمر النظام المستبد. ولكننا نجد أنه من غير المتوقع أن يساهم النمو الاقتصادي العالي في زيادة مدة الفترة الاستبدادية وذلك لأن الحقب الاستبدادية طويلة الأمد عادة ما تكون بسبب تتابع الأنظمة الاستبدادية غير المستقرة أو بسبب امتداد فترة استقرار الاستبداد في البلد، ونحن نستبعد ارتباط النمو الاقتصادي بالسبب الاخير.

وبالرغم من ذلك، فقد سبق استخدام أحد طرق القياس هذه كبديل عن الأخرى. فعلى سبيل المثال، قام برجيفورسكي والمألفون المشاركون معه، في كتابهم الذي يحظى بتقدير بالغ، باستخدام البيانات الخاصة بالفترة الاستبدادية لتحديد إذا ما كان حجم الضرر الذي تحدثه الأزمات الاقتصادية سيكون أكثر على الديموقراطية أو الدكتاتورية. وخلص الباحثون الى أن الأزمات الاقتصادية أقل زعزعة لاستقرار الديكتاتوريات. ولكن استخدامهم لمقياس بيانات الفترة الاستبدادية يعني أن النتيجة التي يتوصلون إليها في الحقيقة هي أن الأزمات الاقتصادية تفشل في زيادة فرص إرساء الديموقراطية. حيث لا يمكنهم تحديد أثر الأزمات الاقتصادية على الإطاحة بالاستبداد باستخدام هذه البيانات. وعلى الرغم من ملائمة بيانات الفترة الاستبدادية لأبحاث برجيفورسكي ومعاونيه، إلا أنها غير ملائمة للتعرف على أسباب سقوط الاستبداد، أو للمقارنة بين مسببات فشل الديموقارطية أو الإطاحة بالأنظمة المستبدة.

 وإذا ما أردنا أن نعرف أثر المشاكل الاقتصادية على سقوط الدكتاتوريات فإنه يجب علينا أن ندرج جميع حوادث الإطاحة بالاستبداد في هذا التحليل، وألا نكتفي بالحوادث التي نجحت في إرساء الديموقراطية فقط، وهي أقل من نصف مجمل الحالات.

باختصار، يمكننا القول بأن مجموعة بيانات الأنظمة الاستبدادية تحسن من قدرة المحللين على اختبار  حججهم باستخدام مقاييس ملائمة نظريا.

فيما يلي، سنقوم باستعراض المقاييس الأساسية المدرجة في هذه البيانات الجديدة ومن ثم سنقوم بشرح الاختلافات بين هذه المقاييس: عمر النظام ومدة بقاء الطغاة وطول الفترة الاستبدادية، والمقارنة بينهم، ملحقين بكل مقارنة جزئية تطبيقات نوضح فيها كيفية استخدام هذه البيانات للتوسع في الأفكار النظرية والأجابة على الأسئلة الجديدة. حيث نهدف لتحسين استيعابنا لهذه المفاهيم، كالأنظمة الاستبدادية ومدة حكم الطغاة وانتقال السلطات، مما سيعزز فهمنا للبقاء السياسي للأنظمة الاستبدادية وانتقال السلطات، وسوف يعزز أيضا من الدقة التجريبية لقياس هاذين الأخيرين، مما سيرفع من جودة النصائح السياسية التي نعطيها.

قياس الأنظمة الاستبدادية

بدءا من عام ٢٠٠٩، تشمل مجموعة البيانات على ٢٨٠ نظام  استبدادي قام بحكم بلاد مستقلة ذات تعداد سكاني أكثر مليون نسمة خلال الفترة من عام ١٩٤٦ وحتى عام ٢٠١٠. يتم استخدام التصنيفات التالية لوصف النظام السياسي لكل بلد/سنة؛ استبدادي، ديموقراطي، تحكمها حكومة مؤقتة مكلفة بالإشراف على الانتقال إلى الديمقراطية، غير مستقلة، واقعة تحت احتلال قوات أجنبية(سواء كان المحتل يحكم أو يؤثر على الحكم تأثيرا كبيرا)، تحكمها حكومات متعددة لا تتحكم أي منها في جميع مصادر الدولة، وأخيرا عدم وجود حكومة على الأطلاق. وبهذا نجد إن الاستبداد حسب مجموعة البيانات الخاصة بنا، وعلى خلاف مجموعة البيانات الخاصة بخوسيه أنتونيو شيبوب وجينفير غاندي وجيمس ريموند (CGV)، لا ينظر إليه كتصنيف إضافي أو هامشي. كما تمكن البيانات الباحث من استثناء فترات الملكية والحكومة المؤقتة من التحليل إذا ما أراد ذلك.

هذه البيانات تحدث وتضيف متغيرات جديدة للتصنيفات الخاصة بالأنظمة الاستبدادية التي وضعتها قديس (Geddes). وضعت قديس  المخطط الأولي لتصنيف نوع النظام لاختبار الحجج النظرية لمختلف صنوف الحكم الدكتاتوري؛ كحكم الحزب المهيمن، وحكم الجيش كمؤسسة، وحكم الطغاة المستفردين بالسلطة لعدم وجود حزب قوي أو جيش موحد، حيث تسمي هذا الصنف الأخير بالحكم الشخصاني (personalist). ولأنها كانت تحاول اختبار الحجج الخاصة بالاختلافات بين هذه التصنيفات السابقة للدكتاتوريات، فقد قامت قديس بتصنيف الحالات الاستباداية فقط في هذه الفئات، مستثنية الحكم الملكي والديموقراطي والأنواع الأخرى الأقل شيوعا من الأنظمة الاستبدادية وفترات انعدام السلطة (الحكم الأناركي) من تصنيفاتها هذه. واستثنت أيضا جميع الأنظمة الاستبدادية التي لم تستمر لأكثر من ٣ سنوات والأنظمة في البلدان التي ظهرت بعد انتهاء الحرب الباردة. في السنوات التالية، قامت كل من قديس ورايت بتوزيع تصنيفات الأنظمة في صيغة بلد-سنة، كما قاما بتحديث هذه البيانات وأضافا إليها بعض بيانات بلد- سنوات التي لم تكن مدرجة في التصنيف الأول.

تشمل مجموعة البيانات الحالية على جميع المدخلات المقسمة تبعا لتصنيف بلد-سنة من العام ١٩٤٦ وحتى ٢٠١٠ مما يسهل تمحيص العديد من المسائل المختلفة. قمنا باستحداث آلية تصنيف لبداية ونهاية الأنظمة تتبع معايير صارمة ذكرت بالاسفل.

 وتتضمن حزمة البيانات الجديدة بيانات أكثر دقة لعملية صعود وسقوط الأنظمة الاستبدادية. كما قمنا أيضا بإضافة عدة مقاييس لحزمة البيانات. وأضفنا إليها عدة مقاييس جديدة. وبالنسبة للأنظمة التي سقطت بين العامين ١٩٤٦ و٢٠١٠، فقد قمنا بتصنيف حجم  استنادا إلى عدد الوفيات المبلغ عنها خلال العملية الانتقالية.

كما قمنا أيضا بتصنيف نوع التحول؛ سواء خسر النظام الاستبدادي الحالي سلطته بخسارة الانتخابات أو بانقلاب عسكري أو بانتفاضة شعبية أو تمرد أو بتغير دور النخبة كبدء اللجوء للاقتراع العام كبديل عن حكم الأقلية. تحدد مجموعة البيانات تواريخ البداية والنهاية لكل نظام استبدادي موضحة الأحداث السياسية المهمة التي تعد منعطفا في الطرق الأساسية لاختيار القادة والسياسات. وتمكن هذه التواريخ المحددة الباحثين من تقييم التسلسل الزمني للأحداث السياسية الرئيسية الأخرى كالانقلابات العسكرية والهجمات الإرهابية والمظاهرات التي تحدث خلال السنة ذاتها التي يحدث فيها التحول السياسي. يتم استخدام آلية التصنيف التالية لتحديد تواريخ البداية؛ تصنف فترة محددة من السنوات بأنها فترة استبداد إذا ما حدث أي من الأمور التالية بشرط استمرار ذات القوانين الأساسية وجماعة القيادة في السنوات اللاحقة:

حصول سلطة تنفيذية ما على السلطة بطرق غير ديموقراطية، وما نقصده بعبارة “طرق غير ديموقراطية” هو أي طريقة غير طريقة التنافس الانتخابي المباشر والعادل، بحيث لا تقل نسبة المشاركة في هذه الانتخابات عن ١٠٪ من إجمالي عدد السكان المؤهلين للتصويت (أي ٤٠٪ من الرجال البالغين)، أو عن طريق انتخاب غير مباشر من كتلة سياسية، بحيث يتم انتخاب مالا يقل عن ٦٠٪ منهم عبر تنافس انتخابي مباشر وعادل، أو عن طريق انتقال السلطة من نظام دستوري لسلطة تنفيذية منتخبة ديموقراطيا. ويبدأ تاريخ هذه السلطة منذ اليوم الأول لحصول السلطة التنفيذية على السلطة. وعلى الرغم من وصول الحكومة للسلطة عن طريق الانتخابات الديموقارطية (كما شرحنا سابقا) إلا أنها تقوم بتغيير القوانين الرسمية وغير الرسمية بعد ذلك بحيث يصبح التنافس في الانتخابات التالية محدودا بشكل أكبر.  وبهذا يتغير تاريخ البداية إلى اليوم الذي تغيرت فيه القوانين أو التصرفات (إلقاء القبض على المعارضين السياسيين مثلا) مما يعد نقطة تحول للسلطة من ديموقراطية إلى استبدادية. بالرغم من إقامة انتخابات تنافسية لانتخاب الحكومة إلا أن الجيش يقوم بمنع عدة أحزاب ذات شعبية لا يستهان بها بين المواطنين الذين يتوقع أن يقوموا بالتوصيت لها من المشاركة في الانتخابات، كما يقوم أيضا بفرض سياسات معينة تحد من الخيار في بعض المناطق المهمة. وتاريخ بداية هذه المرحلة هو تاريخ دخول هذه القوانين الجديدة لحيز التفيذ، وعادة ما يكون أول يوم في الانتخابات التي يتم منع الأحزاب ذات الشعبية من المشاركة.

ينتهي النظام الاستبدادي عند حدوث أي من الحالات التالية: إجراء عملية انتخابية تنافسية على منصب السلطة التنفيذية، أو لانتخاب الجهة التي تختار السلطة التنفيذية، يفوز بها شخص أخر غير صاحب المنصب الحالي أو أي من حلفائه، ويسمح للشخص أو الحزب الفائز باستلام السلطة. ويعد يوم الانتخابات هو اليوم الأخير للنظام الاستبادي بشرط السماح للشخص أو الحزب الفائز باستلام السلطة. الحالة الثانية هي الإطاحة بالحكومة من خلال انقلاب عسكري أو انتفاضة شعبية أو عصيان أو حرب أهلية أو غيرها من الطرق القسرية، وتغييرها بنظام مختلف (وهو كما عرفناه سابقا: حكومة تتبع قوانين مختلفة لاختيار القادة والسياسيات). ويكون اليوم الأخير للنظام الاستبدادي هنا هو يوم الإطاحة بالحكومة أو موت رئيس النظام أو استقالته أو هروبه أو اعتقاله، أو عند سيطرة المتمردين على العاصمة. الحالة الأخيرة هي عندما تقوم الجماعة المسيطرة بتغيير ملحوظ للقوانين الأساسية لاختيار القادة والسياسات بحيث تتغير هوية الجماعة التي يتم اختيار القادة منها أو الجماعة التي تختار السياسات المهمة. ويكون اليوم الأخير للنظام الاستبدادي في هذه الحالة هو يوم تغير القوانين. تم رفع مجموعة البيانات والسياقات التي تصف الأحداث التي تحدد تواريخ بداية ونهاية الأنظمة وأسباب التركيز على جوهرية بعض الأحداث أكثر من غيرها على الموقع.

كما يتضح من هذه القوانين، فإن معاييرنا الخاصة بتصنيف البلد-السنوات المحدد للديموقراطية تتضمن الحد الأدنى من شروط حق الاقتراع العام والتنافس السياسي التي لا توجد في نظام التصنيف الخاص بشيبوب وغاندي وفيرلاند، كما أننا لا نستخدم قانون

التداول الخاص بهم، على الرغم من تشابه تصنيفنا الخاص بالبلد- السنوات المحدد للديموقراطية بتصنيفهم.

يعد تحديد تواريخ البداية والنهاية لغالبية الأنظمة أمرا سهلا ولا خلاف فيه. فمثلا عندما يقوم ضباط الجيش بقيادة انقلاب عسكري لإسقاط حكم ملكي فإنه من الواضح أن المعيار الذي يحدد أعضاء جماعة القيادة سيتغير من أعضاء في عائلة حاكمة إلى ضباط برتب عالية. يحدد الانقلاب العسكري على النظام الملكي تاريخ نهاية النظام الملكي بالإضافة لتاريخ بداية نظام الانقلاب. ،مع ذلك، توجد بعض البدايات والنهايات التي يصعب رصدها بدقة وتتطلب تحليلا دقيقا للسياق. فالانقلابات العسكرية التي تغير قائدا عسكريا بأخر على سبيل المثال يمكن أن تصنف كتغير قائد في نظام استبدادي مستمر أو كتغير في النظام ككل وهذا ما يصعب تصنيفه بدقة. إذا كان خليفة القائد ينتمي لنفس الدائرة الخاصة بالقائد المطاح به فإننا نصنف هذه الحالة كتغير في القيادة، بينما إذا تم تغيير جماعة القيادة (كتغيير ممثلي مختلف الجماعات العرقية على سبيل المثال) فإننا نصنف ذلك كتغير في النظام. وهذا لإن المعيار الذي يحدد جماعة القيادة يتغير بتغير القائد في الحالة الثانية فقط دونا عن الحالة الأولى.

توفر مجموعة البيانات بالإضافة لتواريخ بداية ونهاية الأنظمة معلومات عن نوع جماعة القيادة. وتشمل مجموعة الأنظمة الاستبدادية في مجموعة البيانات الحالية على هذه التصنيفات: الحزب المهيمن، والحكم العسكر، والحكم الشخصاني، والملكية وحكم القلة والحكم العسكري غير المباشر أو مزيج من الحالات الثلاث الأولى. وتعني هذه التصنيفات أن السلطة المتحكمة بكل من السياسة واختيار القيادة والأجهزة الأمنية تقع في يد حزب واحد (دكتاتورية الحزب المهيمن) أو بيد عائلة ملكية (دكتاتورية الحكم الملكي) أو بيد الجيش (دكتاورية عسكرية) أو أن تكون بيد مجموعة محدودة تتمحور حول دكتاتور معين (دكتاتورية الحكم الشخصاني). كان يتوجب إضافة تصنيفات جديدة لتشمل جميع حالات الاستبداد في تصنيف البلد- السنوات في مجموعة البيانات. يشير مصطلح حكم القلة (أوليغارشيّة Oligarchy) إلى الأنظمة التي يتم اختيار قادتها عن طريق انتخابات تنافسية ولكن غاليبة الشعب تعاني من حرمان حقوقها مثلما حدث في جنوب أفريقيا قبل عام ١٩٩٤. ويشير مصطلح الحكم العسكري غير المباشر للأنظمة التي يتم انتخاب قيادتها السياسية الرسمية عبر انتخابات تنافسية ولكن الجيش يمنع بعض الأحزاب ذات الشعبية والمتوقع حصولها على أصوات عالية من الترشح، أو أن يقوم بالتحكم باختيار المناصب الوزارية المهمة. وعلى الرغم من وجود هذه التصنيفات سابقا إلا أن مجموعة البيانات الجديدة تعد أول مجموعة بيانات تشمل جميع تصنيفات البلد-السنوات وتتيح البيانات للعامة بصيغة يسهل استخدامها.

إن معايير التصنيف التي نتبعها والتي تم وصفها بالتفصيل على موقع البيانات، تعد أقل موضوعية وأقل من الحد الأدنى عند مقارنتها بالمعايير المستخدمة في مجموعة البيانات الخاصة بشيبوب وغاندي وفيرلاند، كما أنها أقل اعتمادا على إطلاق الأحكام أو التقييم كما في طريقة التصنيف النوعي المستخدمة من قبل ستيفن لفيتسكي (Steven Levitsky) ولوكان وي أو ستيفان هاغرد (Stephan Haggard) وروبورت كوفمان (Robert Kaufman). وعلى الرغم من ميلنا لرأي شيبوب وغاندي  وفيرلاند فيما يخص الحاجة للتكرار والتفسير إلا أننا نرى ضرورة تعريف المفاهيم الغامضة (كالمنهج الإجرائي operationalizations) التي تشمل العناصر الأساسية للنظريات المختبرة كما ذكر لفتيسكي ووي. لا يمكن استخدام مؤشرات موضوعية بسيطة لاختبار نظريات قديس الخاصة بصراع الفصائل الذي يحدث في مختلف أنواع الأنظمة الاستبدادية وتأثير ذلك على الخيارات السياسية واحتمالية سقوط النظام، هذه النظريات كانت هي الدافع لبدء العمل على مجموعة البيانات هذه.

لا يمكن اللجوء للمنهج الإجرائي واستخدام المؤشرات الموضوعية مع جميع المفاهيم المقعدة، كما يذكر شيدلر. تعتمد بعض تصنيفاتنا على تقيمينا لأي الأحداث يمكن أن تعد مهمة وماهي الأمور التي يمكن ملاحظتها والتي تحدد وجود غيرها من الأمور المجردة التي لا يسهل ملاحظتها. فعلى سبيل المثال، قمنا في المثال المذكور أعلاه بتصنيف الانقلاب الذي يسقط حكومة عسكرية يهمن عليها ضباط من جماعة عرقية معينة واستبدالهم بضباط من جماعة عرقية أخرى كتغير في النظام، وذلك لأننا نعتقد أن

الهوية العرقية للضباط (في البلاد التي تتأثر الصراعات السياسية فيها بالعرقية) وباتباعنا لنفس المنهج التحليلي، تعد أحد المعايير الأساسية التي تحدد العضوية في جماعة القيادة. باختصار، نحن نقوم  بتحديد أي السمات والأحداث التي نأخذها بعين الاعتبار عند التصنيف.

لم يطلب من المشاركين في التصنيف تقديم المزيد من التقييمات، أو تقييم أمور مثل حرية الصحافة مثلا. إنما طلب منهنم تقديم معلومات مثبتة عن كيفية سقوط النظام مثلا، أو عدد الضحايا الذين سقطوا نتيجة تغيير النظام. وباتباعنا لهذه الطريقة حاولنا تحقيق أقصى قدر من التكرار والتفسير. حيث أصبحت تقييماتنا تحدد المعلومات المثبتة التي يطلب منهم إيجادها بالإضافة لتفسيرينا لمعنى هذه المعلومات المثبتة.

يتطلب تصنيفنا لتواريخ الفترات الانتقالية وطرق انتقال السلطات لتقييم أية الأحداث أدت لبداية أو نهاية نظام ما. يعد تحديد نهاية نظام ما سهلا لحد ما وذلك لأن أغلب الأنظمة الاستبدادية تنتهي بخسارة الانتخابات أو من خلال انقلابات أو بتصاعد العنف وهي جميعا أمور يسهل ملاحظتها ورصدها. كما يسهل أيضا تحديد بداية الأنظمة التي تأتي بعد إنقلابات أوحالات تمرد. ولكن عندما تقوم حكومة ما وصلت للسلطة عبر انتخابات تنافسية بتغيير القوانين بحيث تحد من المنافسة المستقبلية، فإن تحديد حدث معين لتأريخ بداية التغيير يعد أمرا صعبا، وذلك الأنظمة السلطوية لم تستحوذ جميعها على السلطة عبر الانقلاب الذاتي أو عبر حظر الأحزاب المعارضة. قمنا بتحديد تاريخ البداية في الحالات التي لم تُجرم فيها الاحزاب المعارضة ولكن مشاركتها الفعالة أصبحت محدودة من خلال رصد أول حالات اعتقال قادة الأحزاب المعارضة أو عند استثناء ممثلي المعارضة من المشاركة في السلطة التشريعية.

وتعتمد تصنيفات أنواع الأنظمة الاستبدادية على مجموعة من المؤشرات الموضوعية والتقيمية التي تم وصفها في مكان آخر. وتم إدراج هذه التصنيفات لمساعدة المحللين الراغبين في استخدامها. ولا تعتمد البيانات الخاصة بانتقال السلطات على تصنيفات الأنظمة ويمكن استخدامها على حدة.

لم يعد الخط الفاصل بين البحوث النوعية والكمية واضحاً، ولهذا فنحن نأمل أن تساهم مجموعة البيانات الخاصة بنا في تعزيز هذه النزعة، فبعض البحوث النوعية الحديثة على سبيل المثال تتبنى مبادئ التكرار وشفافية القياس الخاصة بالحبث الكمي، بينما تستخدم الدليل النوعيّ لتربط بين الحالات والفئات الخاصة بها بنفس الطريقة التي نستخدم فيها الدليل المستنبط من دراسة الحالات لربط كل حالة بنوع النظام الشمولي. فمثلا، يعتمد كلا من هاقرد وكوفمان على التصنيف النوعي لتضمن حالات الدمقرطة الصراع الطبقي بين الأغنياء والفقراء تبعا للقراءة المتأنية للتوصيفات التفصيلية. ويشبه تصنيفهم النوعي تصنيف ليفيتسكي وواي المستخدم لتقييم الروابط الدولية والقوة التنظيمية للأحزاب الحاكمة. كما أنهما استخدما مقياس البيانات الكبيرة لتحديد حالات الدمقرطة التي قاموا دراستها. ولقد ساعدتهم طريقة استخدام البيانات هذه- عوضا عن إعادة تحديد حالات الدمقرطة من جديد باستخدام التصنيف النوعي- على توفير الوقت.  كما أن استخدام المصادر القياسية يقلل من احتمالية اعتماد نتائجهم على معايير ذاتية للتعرف على سمات التحول الديموقراطي. وهذه أحد طرق استخدام البيانات التي تم جمعها أساسا من أجل استخدامها في دراسات كمية- مثل بياناتنا- في دراسات نوعية. يشتمل تصنفينا لأنواع الأنظمة (وغيره من المفاهيم التي نعتمد عليها) على النظريات الناتجة عن الدراسات النوعية لمختلف الأنظمة الدكتاتورية، كما أنه يساعد على تحييد بعض الحدود بين البحوث النوعية والكمية.

يوضح الشكل ٢ توزيع مختلف أنواع الأنظمة الشمولية عبر خط الزمن. فنجد أن دكتاتوريات الحزب المهيمن كانت أكثر الأنواع شيوعيا في الفترة بعد عام ١٩٤٦، ولكن نسبة شيوعها قلت حتى النصف بنهاية الحرب الباردة. بينما نجد أن الدكتاتوريات العسكرية، وهي أقل أنواع الدكتاتوريات شيوعا، قد انشترت بشكل واسع إبان ذروة الحرب الباردة ومن ثم تراجعت مع نهاية الحرب.

 توضح هذه التطورات الدعم الاستراتيجي الذي قدمته كل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي للدكتاتوريات لتعزيز أجنداتهما الجيوسياسية خلال الحرب الباردة. في المقابل، نجد زيادة مطردة في نسبة الدكتاتوريات الشخصانية في الفترة ذاتها، هذه الزيادة قد تضع الدكتاتوريات الشخصانية في الدفة نفسها مع دكتاتوريات الحزب المهيمن كأكثر أنواع الدكتاتوريات شيوعا. وبقيت الأنظمة الملكية على حالها خلال الخمسين سنة الماضية مما يوضح قدرة الأنظمة الملكية على البقاء والاستمرار خلال اعقدين اللاحقين للحرب العالمية الثانية.

2

الشكل ٢: أنواع الأنظمة الشمولية عبر خط الزمن.

تقدم تصنيفات الأنظمة هذه ملاحظات جديدة ومختلفة عن مستوى الديموقراطية أو القمع؛ يوضح الشكل ٣ كيفية استخدامهم لأحد أكثر قياسات مستوى الديموقراطية استخداما ألا وهو مقياس النقاط المشتركة للنظام السياسي. حيث يوضح الشكل حصول بعض الأنظمة التي نصنفها كأنظمة دكتاتورية على نقاط عالية على مقياس نقاط النظام السياسي (كما هو واضح من الخط البياني في الرسم). وتتباين نقاط النظام السياسي بشكل كبير ضمن نوع النظام ذاته وعبر الأنواع المختلفة للأنظمة. وتحصل الأنظمة الملكية عادة على أدنى النقاط، وتليها دكتاتوريات الحزب المهيمن. وتتشابه نقاط كلا من الدكتاتوريات العسكرية ودكتاتوريات الحكم الشخصاني، والتي تكون عادة أعلى من نقاط بقية الأنظمة الاستبدادية.

3

الشكل ٣: أنواع الأنظمة ونقاط النظام السياسي.

أي هذه المقاييس أصح؟ القادة المستبدين مقابل الأنظمة الاستبدادية

تحدد النظرية المراد تحليلها المقياس المستخدم لقياس بقاء النظام الاستبدادي، بالإضافة لطريقة تطبيق المفاهيم. سوف نقوم بتوضيح الفروقات بين مدة حكم الزعماء المستبدين وبقاء النظام الاستبدادي أولا، ومن ثم سنوضح الفروقات بين بقاء النظام الاستبدادي وبين امتداد فترة الحكم الاستبادي في الجزئين القادمين. وسوف نقوم بذلك عن طريق مقارنة بياناتنا بالبيانات الأخرى التي عادة ما تُستخدم لتحليل الفترات الانتقالية التي توضح أن مدة حكم الزعماء المستبدين ومدة بقاء الحكم الاستبدادي والفترات تقيس مفاهيم مختلفة، وأنه يصح توظيف كل واحدة من هذه البيانات لتحليل بعض الدراسات دون غيرها.

 لتوضيح مدى اختلاف فترة حكم الزعماء المستبدين عن مدة بقاء النظام الاستبدادي قمنا باستخدام بيانات ميلان سفوليك وبيانات ارتيجوس الخاصة بالزعماء والتي تتضمن كلاها تواريخ بداية ونهاية الزعماء السياسيين. ويوضح الشكل ٤ هذه المقارنة ومخططات القيادة ومعدلات فشل النظام لكل سنة تبعا لنوع النظام الدكتاتوري. ولوجود زعماء مستبدين محكومين بفترات رئاسية محددة، قمنا بإضافة معدلات فشل الزعماء من بيانات سفوليك والتي تستثني الزعماء المحكومين بفترة رئاسية محددة، وهي ميزة مفيدة لمجموعة البايانات هذه. ويظهر الشكل أن معدلات فشل الزعماء (باستثناء تلك الناتجة عن وفاة طبيعية أو احتلال أجنبي) تكون أعلى من معدلات فشل الأنظمة. وتشير الأعمدة المعنونة بـ: ارتيجوس وسفوليك وسفوليك (غير المحددة بفترة) للمعايير المستخدمة لقياس مدة حكم الزعماء. ويشير العامود الأيمن لكل مجموعة لمعدل فشل النظام. بينما يشير الرقم داخل كل عامود إلى احتمالية خلع الزعيم أو توقع سقوط النظام في سنة معينة.

وكما هو متوقع، تتقارب معدلات خلع الزعماء ومعدلات فشل الأنظمة في نظام الدكتاتوريات الشخصانية حيث يسود حكم الفرد الواحد. تقل نسبة حدوث حالات التعاقب القيادي في نظام الحكم الشخصاني مقارنة بغيرها من أنواع الأنظمة الاستبدادية، على الرغم من إمكانية حدوثها كما حدث في نظام الدكتاتور الهاييتي دوفالييه. بينما نجد أن معدلات خلع الزعيم (الملك) في الملكيات تبلغ ضعف معدلات فشل الأنظمة، على الرغم من انخفاض كلاهما (٥٪ في السنة للملكيات و٢٪ للأنظمة). ونجد الأمر ذاته لدى دكتاتوريات الحزب المهيمن، بالرغم من أن تعاقب الرؤساء يكون أعلى في هذا النوع منه في الملكيات، الأمر الذي يؤدي لمزيد من التفاوت بين معدلات فشل الرؤساء ومعدلات فشل الأنظمة. وتعد حالات خلع الرؤساء أكثر شيوعا في الدكاتوريات العسكرية التي تتفاوت معدلاتها من ١٦٪ وحتى ٢٠٪ في السنة تبعا للبيانات المستخدمة.  أما معدلات فشل الأنظمة فهي أقل (نحو ١٣٪) إلا أنها لازالت تعد مرتفعة إذا ما قارنها بغيرها من الأنظمة الاستبدادية.

نجد أن معدلات فشل الإنظمة أقل من معدلات خلع الرؤساء في جميع الأنواع، بالرغم من اتساع الهوة بين معدلات فشل الرؤساء وفشل الأنظمة عبر مختلف أنواع الأنظمة الدكتاتورية. أن متوسط وقت سقوط نظام زعيم ما هو سبع سنوات تبعا لبيانات ارتيجوس وهو ما يعادل نصف معدل مدة بقاء النظام. تقاوم الأنظمة الدكتاتورية للبقاء بعد سقوط الدكتاتور بمعدل ٥٠٪ من الحالات، مما يدل على أن حالات تعاقب الرؤساء يمكن أن تحدث بل عادة ما تحدث في الأنظمة الاستبدادية مثلما تحدث في الأنظمة الديموقراطية. وهذا يعني أن استخدام معيار بقاء الرئيس لاختبار حجج بقاء الأنظمة يقلل من صمود الأنظمة الاستبدادية بنسبة ٥٠٪، والأهم هو أن تأثير هذا الاستخدام يكون أكبر على بعض أنواع الأنظمة الاستبدادية وبعض الفترات من تأثيره على غيرها.

4

الشكل ٤: معايير سقوط المستبد وسقوط الأنظمة.

التطبيق النظري: نوع النظام والانتقال ومصير الرئيس

تعتمد بعض النظريات الحديثة على توقعات الرؤساء الدكتاتوريين بخصوص مصيرهم بعد الخلع لفهم القرارات التي يتخذونها بدءا من إجراء الانتخابات وقمع المواطنين وحتى بدء الحروب. ونقترح في هذا البحث أن وجود احتمالية لمعاقبة الرئيس بعد خلعه تجبر الدكتاتورين على التصرف بطريقة مختلفة عما لو لم تكن هناك احتمالية للعقاب.  ونحن هنا نحاول الاستفادة من هذه البيانات الجديدة لتحسين فهمنا لمصائر المستبدين بعد سقوطهم مما سيحسن بالتالي فهمنا لتصرفاتهم قبل الإطاحة بهم.  كما قمنا باستخدام بيانات ارتيجوس لتحديد إذا ما كان الرؤساء يواجهون النفي أو السجن أو الاغتيال ما أن يتركوا الرئاسة. ويوضح الجزء الأيسر من الشكل ٥ مصائر الرؤساء حسب نوع النظام الاستبدادي.

تجدر ملاحظة أن تصنيفنا الخاص بالأنظمة يتوافق مع الاختلافات الكبيرة بخصوص ما يحدث للرؤساء بعد إنتهاء سلطتهم. يواجه ٦٩٪ من الرؤساء في نظام الحكم الشخصاني النفي أوالسجن أو الاغتيال بعد خلعهم. بينما تقل هذه النسبة لحد كبير عند الرؤساء في دكتاتوريات الحزب المهيمن حيث تصل ل٣٧٪.  ونجد الدكتاتوريات الملكية والعسكرية في المنتصف. وباختصار يعتمد مصير الرئيس بعد الإطاحة به على نوع الدكتاتورية. هذه النتيجة توضح وجود سبب إضافي لميل الرؤساء الدكتاتوريين في أنظمة الحكم الشخصاني لبدء الحروب.

بينما يوضح الجزء الأيمن من الشكل ٥ المعلومات ذاتها ولكنها محصورة بحالات تزامن خسارة الرئيس للسلطة مع سقوط أنظمتهم. ونجد أن نسبة الرؤساء الذين يواجهون العقوبة بعد خسارة سلطتهم تكون أعلى عندما يسقط نظامهم منها عندما ينجح النظام في البقاء بعد سقوط الرئيس في كل أنواع الأنظمة عدا النظام العسكري. أن نسبة معاقبة الرئيس ترتفع عندما يتزامن سقوطه مع سقوط نظامه أكثر من الحالات التي ينجح فيها النظام في البقاء بعد سقوط الرئيس. يؤثر السقوط المتزامن للنظام تأثيرا بالغا على مصائر الملوك الذين يواجهون احتمالات كبيرة للتعرض للنفي أو السجن أو الاغتيال إذا ما تم إلغاء الملكية؛ وتنخفض

نسبة هذه الاحتمالات للنصف إذا ما نحجت الملكية في البقاء بعد التخلص من الملك. تندر حالات التخلص من الملوك الأحياء بالطبع، ولهذا فإن النتائج عادة ما تكون مؤقتة. وعندما يقوم أفراد العائلة المالكة باستبدال الملك فهم نادرا ما يقومون بقتله أو سجنه. أما بالنسبة لبقية أنواع الأنظمة الاستبدادية، فإن الرئيس يكون معرضا لمصير سيء إذا ما سقط نظامه معه.  وهذه نتيجة بديهية، فإن بقاء النظام يعني أن الأشخاص الذين سوف يقررون مصير الرئيس المخلوع هم من حاشيته أو حلفائه السابقين، بينما يكون مصيره في يد أعداءه إذا ما سقط نظامه معه.

5

الشكل ٥: مصائر الزعماء المستبدين المخلوعين حسب نوع النظام.

تتيح لنا هذه البيانات الجديدة تحليل كيفية تباين مصائر الرؤساء بعد خلعهم بالاعتماد على نوع النظام اللاحق هل هو ديموقراطي أو شكل جديد من الاستبداد. يوضح الجدول رقم١ مصائر الرؤساء المخلوعين بعد استبدال نظامهم بنظام استبدادي جديد مقارنة بمصائرهم إذا ما تم استبدال أنظمتهم بأنظمة ديموقراطية. ونجد أن احتمالية حصول الرئيس على مصير جيد – أى أنه لا يواجه النفي أو السجن أو الاغتيال- في حالة الديموقراطية تبلغ ضعفي احتماليتها في حالة نشوء نظام استبدادي جديد.

6

الجدول رقم ١

يوضح الشكل ٦ أن الأنظمة الديموقراطية توفر حماية للرؤساء المستبدين بعد خلعهم في جميع أنواع الأنظمة الأستبدادية، فنجد أن نسبة احتمالية نهاية الرئيس المخلوع نهاية جيدة في دكتاتورية الحزب المهيمن تتراوح من ٣٦٪ حتى ٨٠٪.  بينما نجد أن النسبة تتراوح بين ٣٧٪ وحتى ٦٣٪ بالنسبة للأنظمة العسكرية. وبهذا نجد أن فرص نجاة الرؤساء المخلوعين في الفترات الانتقالية في هذه السياقات تزداد بشكل واضح في حالات دمقرطة النظام منها في حالة دخول النظام لمرحلة استبداد جديدة. وعلى الرغم من حماية الديموقراطية للرؤساء في أنظمة الحكم الشخصاني، حيث تتراوح نسبة حصولهم على مصير جيد من ١٦٪ حتى ٣٦، إلا أن التحول الديموقراطي لازال ينطوي على مخاطر كبيرة لا يستهان بها بالنسبة للزعماء الشخصانيين المخلوعين.

وقد يواجه الزعماء الشخصانيين مصائر سيئة حتى بعد دمقرطة النظام وذلك لأن أنظمتهم تفتقر للمؤسسات، حيث تفتقر مثلا لوجود مؤسسة عسكرية على مستوى من المهنية أو وجود أحزاب متقدمة والتي يمكنها أن تستمر بعد سقوط النظام ويمكنها أن تقدم الحماية أو تفرض احترام شروط الحصانة المتفق عليها قبل الإطاحة بالزعيم. وتساعد الاحتمالية الكبيرة للسجن أو القتل التي يمكن أن يواجهها الزعيم المخلوع على تفسير ندرة حالات موافقة الزعماء في الأنظمة ذات الحكم الشخصاني على التفاوض بخصوص التخلي عن السلطة.  وهذه النتيجة لها أثارها الواضحة على السياسة المتبعة؛ فقد تنجح أحد الأطراف الخارجية الساعية لوضع حد لفترة الصراع العنيف في دكتاتورية ما في دفع الجيش أو الحزب المهيمن نحو الديموقراطية عن طريق قطع المعونات مثلا، ولكنها في الوقت ذاته قد تحتاج لتوفير حصانة أو مخرج أمن للدكتاتور الشخصاني المخلوع.

وباختصار، ترتفع نسبة النهاية السيئة للزعماء المخلوعين خلال الانتقال لأنظمة استبدادية لاحقة أكثر منها في حالة انتقال السلطة لنظام ديموقراطي، ورمبا يعود السبب في ذلك لكون الزعيم المستبد المخلوع قد يشكل خطرا على المستبد الجديد، لهذا فأن من الأرجح أن تتعامل الدكتاتورية الجديدة مع الخطر الذي يشكله الزعيم المخلوع في حالة نجاته من مرحلة انتقال السلطة بعنف أكثر مما لو انتقلت السلطة لنظام ديموقراطي. وتقترح الاحتمالية الكبيرة لمواجهة الزعيم للعقوبة بعد الإطاحة به أن المستبدين الذين يواجهون حركات التمرد والاحتجاجات الشعبية (التي تزيد من فرص انتقال السلطة لنظام مستبد جديد، كما هو موضح في الأسفل) يميلون لحشد التأييد عبر مهاجمة بلد مجاور، وذلك على خلاف الزعماء المستبدين الذين تتمحور مخاوفهم حول خسارة الانتخابات. ويوضح هذا المثال التحليل الدقيق لجميع جوانب اتخاذ القرارات في الإنظمة الاستبدادية والتي نعتقد أنها تتأثر بتوقعات المستبدين بخصوص مستقبلهم. وقد ساهمت بياناتنا بشكل كبير في هذا التحليل.

7

الشكل ٦: مصائر الزعماء المستبدين المخلوعين بعد تحول النظام.

 

الإنظمة الاستبدادية وفترات الحكم الاستبدادية

يمكننا تعريف فترة الحكم الاستبدادية بأنها عدد السنوات المتتابعة التي يخضع فيها بلد ما لحكم سلطة استبدادية. وبعبارة أخرى الفترة الاستبدادية هي مدة معينة من الزمن لا يكون فيها البلد ديموقراطيا بغض النظر عن غيرها من السمات المصاحبة للسلطة. ولا تنتهي الفترات الاستبدادية إلا عند تحول النظام للديموقراطية.

لا يهتم الباحثين عادة بالفترات الاستبدادية تحديدا، ولكن ما يقومون به هو استخدام البيانات التي تصنف فترة حكم ما على أنها ديموقراطية أو لا تبعا لتصنيف بلد-سنة، وبهذا ينتهي الأمر بهم بالمساواة بين الأنظمة الاستبدادية والفترات الاستبدادية في التحليل التجريبي. لا توجد مشكلة باتباع هذه الطريقة إذا ما كان هدف البحث ينحصر بتحليل الأسباب التي تؤدي للديموقراطية، ولكنها سوف تؤدي إلى إنحيازات في الرأي إذا ما كان الهدف من البحث شرح أسباب سقوط النظام الاستبدادي أو تبعات هذا السقوط. ولكي نتمكن من إيجاد أجوبة لأسئلة مثل: مالذي سوف يحدث بعد الربيع العربي؟ أو ماهي الأمور التي ستزيد من فرص الدمقرطة؟ فإننا نحتاج لبيانات تحلل سقوط الأنظمة الاستبادية بمعزل عن تحقق الديموقراطية أو عدمه. كما أننا نحتاج لهذا النوع من البيانات لاختبار نظرية ليفتسكي وواي (٢٠١٠) التي تزعم أن الروابط الدولية كان لها أثرا كبيرا على نتائج الدمقرطة بعد عام ١٩٩٠. حيث أننا نجد أن النتائج التي توصلت إليها دراسة ليفتسكي وواي كانت متطابقة لكل من الأنظمة الاستبدادية المتنافسة والأنظمة الديموقراطية والدكتاتورية. إن اعتماد الباحث على البيانات الخاصة بالفترات لا يمكنه من التفريق بين استمرار النظام الاستبدادي التنافسي الأولي وبين فرض نظام استبدادي جديد أو أكثر وحشية.

لأن البيانات الخاصة بالفترات عادة ما تستخدم كاحتماليات لبقاء النظام، سوف نقوم بمناقشة تعقيدات كل من مجموعة البيانات الخاصة بالنظام السياسي والخاصة بشبيب وغندي وفيرلاند لتوضيح مدى الانحياز الذي يمكن أن ينتج. تقيس البيانات الخاصة بنقاط النظام السياسي جودة السلطة الديموقراطية والاستبدادية في المؤسسات الحكومية حيث تعتمد على سمات مثل مستوى التنافسية في الانتخابات والقيود التنفيذية. ويتم عادة التفريق بين الاستبداد والديموقراطية باستخدام نقاط الديموقراطية والاستبدادية المشتركة للنظام السياسي حيث تستخدم مقياسا يتكون من ٢١ نقطة تتراوح من -١٠ حتى ١٠.  وعادة ما يتوافق طول الفترة مع طول الوقت الذي تنخفض فيه النقاط المشتركة للنظام السياسي لبلد ما تحت ٦ أو ٧ نقاط.

بينما تقوم بعض الدراسات الأخرى باستخدام مقياس متغيرات استمرارية النظام السياسي التي تقيس السنوات التي تتغير فيها النقاط المشتركة للنظام السياسي بحيث تزيد أو تنقص ٣ دراجات أو أكثر. وباستخدام مقياس استمرارية النظام نجد أن طول فترة النظام يتوافق مع طول الوقت اللازم لزيادة النقاط المشتركة لبلد ما بمقدار ثلاثة نقاط خلال سنة.  ونجد أن الفترات المحسوبة باستخدام مقياس متغيرات استمرارية النظام السياسي تكون أقصر من الفترات المحسوبة باستخدام النقاط المشتركة للنظام السياسي وذلك بسبب تكرر متغير الثلاث نقاط.

ويقوم مقياس نقاط النظام السياسي بقياس صفات النظام التي تعكس مستواه الديموقراطي، ولكنها لا تحدد المجموعة التي تقوم باختيار الزعماء وتطبيق التغييرات السياسية، وبهذا فإنها لا تحدد غيرها من السمات التي تصاحب تغير السلطة طبقا لمعظم المحللين. فعلى سبيل المثال، يصف العديد من المحللين إطاحة الجنرال عيدي أمين برئيس أوغندا المدني ميلتون أوبوتي كتغير في السلطة، فعلى الرغم من أن كلا النظامين كانا استبداديين إلا أن المجموعات القائمة بالسلطة والمتحكمة بالسياسة تغيرت بشكل بالغ من ناحية التشكيل العرقي والحزبي في مقابل المؤسسة العسكرية. ويرجع السبب في ذلك إلى أن السلطة التنفيذية في كلا النظامين لم تكن مقيدة بالرئيس. ومع هذا نجد أن النقاط المشتركة للنظام السياسي الخاصة بفترة حكمهما متشابهة. بالتالي يتضح لنا أن استخدام مقياس النقاط المشتركة للنظام السياسي كمؤشر للنظام كان ستجاهل تغير النظام الحاصل في عام ١٩٧١ في أوغندا ويجمع النظامين الدكتاتوريين الخاصين بأمين وأوتوبي في نظام واحد مستمر.

ولا تكمن المشكلة هنا في عدم تصنيف بضعة مدخلات بلد-سنة، بل تكمن في استخدام المتغيرات صعودا ونزولا على مقياس نقاط النظام السياسي في تحديد تغيرات النظام مما يؤدي لفقدان انتقال السلطة من نظام استبدادي لآخر، ويرجع السبب في ذلك إلى أن هذا المقياس لا يحدد نهاية النظام إلا عند تحوله للديموقراطية. يؤدي استخدام مقياس متغيرات استمرارية النظام السياسي إلى مشكلة عكسية؛ فاستخدام هذا المقياس قد يؤدي لوصف ثورة إيران عام ١٩٧٩ كتغير نحو الديموقراطية، بسبب زيادة طفيفة في مقياس النقاط المشتركة للنظام السياسي لإيران. إلا أن الحقيقة هي أن القليل منا يعتبر حكومة الثورة الإيرانية سلطة ديموقراطية.

بينما تحاول مجموعة البيانات الثانية الخاصة بشبيب وغاندي وفيرلاند تصنيف الفترات الاستبدادية، حيث تصنف كون بلد ما ديموقراطي أم لا، وتنصف أيضا أنواع الدكتاتوريات تبعا للزعيم: مدني أو عسكري (تقاس بإذا ما أرتدى بدلة عسكرية يوما ما) أوملكية. ويمكن استخدام تصنيفات الزعماء هذه للاستدلال على الانتقال من سلطة استبدادية لأخرى تبعا لهذه الصفة الوحيدة.

وتقوم مجموعة البيانات هذه بتصنيف جميع الأنظمة الاتسبدادية التي تزعمها رجال سبق أن كانوا ضباط بأنها دكتاتوريات عسكرية. وبالمقابل، يتم تصنيف الأنظمة العسكرية في البيانات الخاصة بنا تبعا لنظريات الحكم العسكري المؤسساتي التي طورها كل من غويليرمو أودونيل وألفرد ستبان. ويتضمن الحكم العسكري المؤسساتي تشاور الضباط فيما بينهم، بالإضافة لسلطة الضباط على الدكتاتور. بالتالي يتم تصنيف الأنظمة كأنظمة عسكرية في حالة واحدة فقط وهي عندما يحكم الدكتاتور بالتعاون مع غيره من الضباط.

فعلى سبيل المثال، نجد أن نظام الدكتاتور الأوغندي عيدي أمين تم تصنيفه كدكتاتورية عسكرية في مجموعة البيانات الخاصة بشبيب وغاندي وفيرلاند، بينما تم تصنيفها كدكتاتورية شخصانية في بياناتنا وذلك لأن أمين استفرد باتخاذ القرارات دونا عن بقية الجيش. يعد الاختلاف بين قوانين التصنيف هذه كبيرا وهاما للغاية؛ حيث يبلغ عدد الأنظمة العسكرية التي تصنفها مجموعة البيانات الخاصة بشبيب وغاندي وفيرلاند تبعا لمقياس بلد-سنة ضعف ما نصنفه نحن في بياناتنا كأنظمة عسكرية. يعتمد اختيار أية مجموعة البيانات على توقعات المحلل بخصوص اختلاف تصرفات القادة العسكريين عن الأنظمة التي تحكمها المجالس العكسرية الجماعية في هذا السياق.

وعلى الرغم من اعتماد مجموعة البيانات الخاصة بشبيب وغاندي وفيرلاند على نوع الزعيم في تصنيف بلد-سنة، إلا أن هذا التصنيف لا يوفر تواريخ بداية ونهاية الأنظمة. ولهذا فإنه لا يمكن الاستدلال على تغير النظام إلا من خلال تغير زعيم هذا النظام من زعيم مدني إلى عسكري أو ملكي، الخ. وطريقة الاستدلال هذه يمكنها أن تساعد على تحديد بعض التغيرات التي تحصل في الأنظمة فقط ولا تحددها كلها؛ كما أنها تصنف بطريقة خاطئة بعض التغيرات في الزعماء ضمن نظام مستقر كسقوط للنظام. كما يتم تصنيف فترات الحكم المتتابعة لضباط عسكريين في بيانات شبيب وغاندي وفيرلاند كفترة طويلة لنظام واحد بغض النظر عن تغير أساسيات الحكم. والشيء ذاته ينطبق على تتابع الدكتاتوريين المدنيين.

يمكننا النظر للسلطة في بوليفيا من عام ١٩٦٤ وحتى عام ١٩٧٩ كأحد الأمثلة على ذلك، حكم الضباط بوليفيا في تلك الفترة، ومع ذلك لا يميل الفهم السائد لتصنيف هذه الفترة كفترة نظام واحد وذلك بسبب تغير القواعد غير الرسمية التي تحدد مجموعة القيادة مرتين؛ مرة في عام ١٩٦٩ ومرة في عام ١٩٧١. في أواخر عام ١٩٦٤ قام الجنرال رينيه بارينتوس بمساعدة فصيل شعبوي من الجيش بانقلاب عسكري استولوا فيه على السلطة، بعد الانقلاب سارع رينيه بخلق حزب داعم له وتحالف مع جماعات مدنية، كما عين مدنيين في مناصب رئيسية في الدولة، وتم انتخابه رئيسا لبوليفيا عام ١٩٦٦. كان زعيم هذا النظام رجل عسكري ولكن مجموعة القيادة تكونت من فصيل شعبوي من الجيش بالإضافة لممثلين مدنين من مختلف الجماعات المدنية المهتمة. ولكن بعد وفاة بارينتوس عام ١٩٦٩، استولى القائد العام للجيش الجنرال الفريدو أوفاندو على السلطة بانتزاعها من خلفاء بارينتوس الدستوريين المدنيين، كما قام بفرض حكومة تتكون من مجلس عسكري يتألف من كبار الضباط مستهلا بذلك فترة قصيرة من الحكم العسكري الجماعي تفتقر إلى صلات واضحة مع الجماعات المدنية.

 وانتهت فترة الحكم العسكري هذه عام ١٩٧١ بعدما قام الكولونيل هيوغو بانزر، وهو ضابط سابق منفي، بالاستيلاء على السلطة بمساعدة فصيل يميني من الجيش واثنين من أبرز الأحزاب السياسية في بوليفيا وفرض نظاما خاضعا لسلطته الشخصية. قمنا في مجموعة البيانات الخاصة بنا بتصنيف فترة التحالف المدني-العسكري الشعبوي تحت زعامة الجنرال بارينتوس الممتدة من عام ١٩٦٤ وحتى عام ١٩٦٩ كنظام أول، وصنفنا فترة الحكم العسكري الجماعي تحت زعامة الضباط القادة البوليفيين الممتدة من عام ١٩٦٩ وحتى ١٩٧١ كنظام ثانٍ، بينما تم تصنيف حكومة الضابط السابق الكولونيل بانزر كنظام ثالث. وبهذا نجد أن استخدام التصنيف الذي يعتمد على خلفية الزعيم فقط لتحديد بدايات ونهايات الأنظمة يفشل في تحديد تغيرات الأنظمة هذه والتي يشيع حدوثها في البلدان الفقيرة.

كما توجد أنواع أنظمة يكون الزعماء فيها ضباط في وقت ما ويكونون مدنيين في وقت آخر. في المكسيك على سبيل المثال، اختار الجنرال مانويل أفيلا كماتشو بنفسه زميله العضو البارز في الحزب المهيمن الرئيس ميغول أليمان الذي كان محاميا مدنيا ليتولى الرئاسة بعده. سيؤدي استخدام

مجموعة بيانات شبيب وغاندي وفيرلاند الخاصة بتصنيف أنواع الزعماء كمؤشر لتغير النظام إلى الوقوع في خطأ تصنيف نظام الحزب المهيمن في المكسيك كنظامين أحدهما عسكري والآخر مدني. توجد أمثلة عديدة على الأنظمة الحزيبة التي يتزعمها ضباط سابقين لبعض الوقت، أحدها فترة ما بعد عام ١٩٨١ في بولندا الشيوعية التي تزعمها الجنرال فويتشخ ياروزلسكي. بناء على ذلك ستنتج لدينا أخطاء من النوع الأول والثاني إذا ما استخدمنا بيانات شبيب وغاندي وفيرلاند لتحديد بداية ونهاية النظام الاستبدادي.

نحن نحاول اكتشاف مدى اختلاف الأنظمة والفترات عن بعضها عبر مقارنة بياناتنا مع بيانات النظام السياسي وبيانات شبيب وغاندي والتي يشيع استخدامها في البحث. حيث نقوم بحساب الفترات الاستبدادية للأنظمة السياسية بتحديد الوقت الذي يحقق فيه بلد ذا سلطة استبدادية زيادة تصل إلى ٧ نقاط، خاصة البلدان التي لم تحقق إلا ٦ نقاط أو أقل على مقياس النقاط المشتركة للنظام السياسي. وجدنا أن متوسط مدة استمرار فترة حكم استبدادي تصل إلى ٢٨ سنة، والتي تعد ضعف متوسط مدة استمرار الأنظمة الاستبدادية في بياناتنا وهي ١٤ سنة. بينما يصل متوسط مدة استمرار فترة الحكم الاستبدادي تبعا لتصنيف بيانات شبيب وغاندي للأنظمة الديموقراطية أو الدكتاتورية إلى ٢٣ سنة.

نجد أن الصورة تتضح أكثر ما أن نقوم بتفصيل أنواع الأنظمة. يقارن الجزء الأيسر من الشكل ٧ بين بيانات شبيب وغاندي الخاصة بالفترات وبين بياناتنا الخاصة بأنظمة الحزب المهيمن والأنظمة الملكية، بينما يقارن الجزء الأيمن بين بيانات شبيب وغاندي وبين مقاييسنا لدوام الأنظمة العسكرية والأنظمة الشخصانية. تتشابه آماد الفترة المعينة مع آماد أنظمة الحزب المهيمن والملكيات، بالرغم من طول الخط الأيمن الخاص بتوزيع الفترة الاستبدادية بشكل ملحوظ. وبهذا نلاحظ أن استخدام الفترة الاستبدادية كمؤشر لدوام النظام لن يؤثر كثيرا على تقديرات البحوث التطبيقية الخاصة بدكتاتوريات الملكيات وأنظمة الحزب المهيمن. أما بالنسبة للأنظمة العسكرية والشخصانية فإن متوسط استمرار النظام لا يتجاوز الثماني سنوات في بياناتنا، مقارنة ب٢٣ سنة تبعا لبيانات الفترات الخاصة بشبيب وغاندي. حيث تتعدد الأنظمة الاستبدادية في الفترة الاستبدادية الواحدة في هذه الأنواع من الدكتاتوريات.

وباختصار يمكننا القول بأن دوام الفترات الاستبدادية يكون عادة أطول من دوام الأنظمة الاستبدادية. ولا تنحصر أهمية هذا الأمر باهتمامنا بمدى استمرار هذه الأنظمة الاستبادية فقط بل تمتد أهميتها لرغبتنا بفهم أسباب تداعيها، ولماذا يكون هذا التداعي عنيف أحيانا أو ينتج عنه أنظمة استبدادية جديدة في أحيان أخرى. ولهذا فنحن نحتاج لتحديد تواريخ نهاية هذه الأنظمة تحديدا دقيقا لكي نتمكن من التحقق من هذه الأمور.  عند استخدام بيانات الأنظمة السياسيةأو بيانات شبيب وغاندي للأنظمة الديموقراطية أو الدكتاتورية لتحديد تغيرات النظام، فإننا نلاحظ أن عددا لا يستهان به من تواريخ نهاية الأنظمة يتم تجاهله من

التحليل. هذه المعلومات المغفل عنها ليست معلومات هامشية موزعة اعتباطيا عبر بيانات الأنظمة الاستبدادية بل إنها تشمتل على معلومات مهمة عن الدكتاتوريات العسكرية والشخصانية في البلدان الفقيرة.

 

8

الشكل ٧: استمرارية فترات الأنظمة الاستبدادية والفترات غير الديموقراطية.

 

التطبيقات النظرية والسياسية: مالذي يعزز التحول الديموقراطي؟

سوف نستهل هذه الجزئية بتوضيح كيف تختلف الاحتماليات الأساسية للتحول الديموقراطي عبر أنواع الأنظمة الاسبتدادية تبعا لسقوط النظام.  يوضح الجانب الأيسر من الشكل ٨ أن احتمالية التحول الديموقراطي تكون أعلى من التحول لنظام استبدادي جديد في الدكتاتوريات العسكرية فقط.  بينما نجد أن فرص التحول الديموقراطي بالنسبة للدكتاتوريات الشخصانية تكون الأقل من بينها جميعا.  وعلى الرغم من أن فرص التحول الديموقراطي في ديكتاتوريات الحزب المهيمن تكون أعلى منها في الدكتاتوريات الشخصانية إلا أن فرص تشكل أنظمة استبدادية جديدة كانت أعلى من فرص التحول الديموقراطي بعد خسارة الأحزاب الحاكمة للسلطة في فترة ما بعد الحرب.

ويظهر الجانب الأيمن من الشكل ٨ نفس احتماليات التحول الديموقراطي بعد سقوط الاستبداد بالاعتماد فقط على بيانات ما بعد الحرب الباردة من عام ١٩٩٠ وحتى عام ٢٠١٠.  ولم يتغير النمط السائد على اختلاف الأنظمة الاستبدادية بالرغم من ازدياد فرص التحول الديموقراطي خلال العقدين الماضيين؛ فلازالت فرص التحول الديموقراطي بالنسبة للدكتاتوريات العسكرية أعلى منها في الدكتاتوريات الشخصانية التي تعد الأقل في المجموعة. وبالطبع لا يمكن للبيانات الوصفية كالتي لدينا هنا أن تقدم تفسيرا لوجود مثل هذه الأنماط.

فنحن لا نعلم إذا ما كان سبب قلة فرص التحول الديموقراطي في الدكتاتوريات الشخصانية يعود لعوامل بنيوية تسهل احتكار شخص واحد للسلطة، أو أذا ما كان بسبب تقويض الحكم الشخصاني للمجتمع المدني والمؤسسات المحلية مما يؤدي بدوره إلى تدني فرص التحول الديموقراطي، أو إذا ما كان السبب يعود لأن الأنظمة الشخصانية لا تنتهي عادة بطريقة تحفز التحول الديموقراطي بسبب تعنت الزعماء ورفضهم للحوار. لا يمكننا دراسة هذه الأنماط بطبيعة الحال إلا بعد أن نعرف عنها، ومجموعة البيانات الجديدة هذه تسهل هذه المعرفة.

9

الشكل٨: التحول الديموقراطي وأنواع الأنظمة الاستبدادية.

كما تساعد مجموعة البيانات الجديدة على تسليط الضوء على التبعات المحتملة لأنواع محددة من التدخلات السياسية، حيث تقترح أن مساعدة جماعات المعارضة السلمية عوضا عن جماعات المعارضة المسلحة أو التدخل العسكري سيكون أجدى في تحقيق الديموقراطية. وتحتوي مجموعة البيانات الخاصة بنا على متغيرين مهمين يمكن أن يستفيد منهما صناع القرارات الذين يحاول التنبوء بتبعات القرارات المختلفة، فكلاهما يصنف سمات سقوط الأنظمة مما يسهل تقييم التبعات المحتملة للتدخلات التي يمكن أن تؤثر على إمكانية سقوط النظام وكيفية سقوطه. ويعتمد مقياسنا للعنف خلال الأحداث المؤدية لسقوط النظام على ٤ مستويات: صفر إذا لم يسقط أية قتلى، ١ إذا قتل ١-٢٥ شخص، ٢ إذا قتل ٢٥-١٠٠٠ شخص، ٣ إذا قتل أكثر من ١٠٠٠ شخص. وباستخدام هذه المعلومة يمكننا أن نحلل الاحتماليات الأساسية لعملية التحول الديموقراطي تبعا للأحداث المؤدية لسقوط النظام لكل من السقوط العنيف وغير العنيف للأنظمة كما هو موضح في الجانب الأيسر من الشكل ٩.  نلاحظ ارتفاع نسبة السقوط غير العنيف للأنظمة وأنه يؤدي إلى الديموقراطية بنسبة أعلى.

كما تتضمن البيانات أيضا متغير يصف أدوات سقوط الاستبداد. ففي الجانب الأيمن من الشكل ٩ قمنا بدمج جميع هذه الفئات في فئتين فقط: أولا انتقال السلطات الإجباري الذي يتضمن الاحتلال الخارجي والانقلابات العسكرية والمظاهرات وانقلابات المتمردين؛ ثانيا الانتقال غير الإجباري والذي يتضمن الانتخابات وتغير السلطة من الداخل. ونجد أن نمط فشل الأنظمة الإجباري أكثر من نمط سقوط الأنظمة العنيف، حيث لا ينجح في التحول الديموقراطي إلا نظام واحد فقط من كل ٥ حالات سقوط أنظمة إجباري، بينما تبلغ نسبة تحقق التحول الديموقراطي في حالات سقوط الأنظمة غير الإجباري إلى ٧٥٪.

10

الشكل ٩: سمات سقوط الأنظمة الاستبدادية وسمات الأنظمة اللاحقة.

 

ولا يظهر هذا الدليل، على الرغم من توافقه مع التحليل الحديث للنجاح النسبي للحملات المناهضة للعنف في تحقيق أهداف سياسية، أن التحولات غير العنيفة وغير الإجبارية للسلطة ستؤدي بالضرورة للتحول الديموقراطي، وذلك لأننا لا نتحكم بعوامل مثل السمات البنيوية للمجتمع أو خصائص النظام الحالي التي قد تساعد في شرح فرص التحول الديموقراطي ومستوى العنف المتوقع خلال سقوط النظام.

تختلف كيفية حدوث انتقال السلطات حسب سياق النظام الاستبدادي. فكما يظهر في الشكل ١٠ يساهم الإجبار في معظم حالات سقوط السلطة في أنظمة الحزب المهيمن والدكتاتوريات الشخصانية والملكيات.، حيث يؤثر الإجبار على ٨٠٪ من حالات سقوط السلطة في الدكاتوريات الشخصانية و٦٠٪ من حالات سقوط السلطة في أنظمة الحزب المهيمن. بينما تظهر الدكتاتوريات العسكرية نمطا مختلفا حيث ترجح التحولات غير الأجبارية أكثر من التحولات الإجبارية.

11

الشكل ١٠: سقوط النظام الاستبدادي بالإجبار حسب نوع النظام.

ويؤكد هذا الدليل ما نعرفه من البحث السابق حول انتقال السلطات. ومن الأرجح أن تقوم الدكتاتوريات العسكرية بمناقشة انتقال سلطتها عوضا عن التمسك بالسلطة بأي ثمن مما يقلل من مستوى العنف أثناء سقوط النظام ويزيد من فرص التحول الديموقراطي. وكما ذكرنا سابقا، من المرجح أن يواجه الزعماء الشخصانيين والملوك النفي أو السجن أو حتى الاغتيال بعد سقوط أنظمتهم، ولهذا فإنهم يمكلون اسبابا منطقية تدفعهم لرفض الحوار طالما يعتقدون أنهم قادرين على التمسك بالسلطة. كما أننا نعلم أنه لا يوجد مستقبل سياسي ناجح للأفراد والأحزاب المرتبطة بالدكتاتوريات الشخصانية ما أن يسقط النظام. ويزيد تعنت النظام ورفضه للتفاوض أو نقضه لاتفاقيات سابقة متفق عليها من احتماليات لجوء المعارضة للقوة كما حدث مؤخرا في ليبيا واليمن.  وتقلل هذه الحالات لانتقال السلطة الإجباري من فرص التحول الديموقراطي خاصة في ضوء وجود الفراغ المؤسساتي الذي يرتبط عادة بالدكتاتوريات الشخصانية. يلجأ أكثر من ثلث حركات المعارضة للقوة في محاولاتهم لخلع الأنظمة الاستبدادية. وتزيد هذه النسبة في حالة الدكتاوريات الشخصانية التي تشيع فيها التحولات العنيفة.  جميع حالات انتقال السلطة من دكتاتوريات شخصانية إلى أنظمة استبدادية أخرى تقريبا تكون إجبارية، كما أن ثلثي حالات انتقال السلطة من دكتاتورية إلى ديموقراطية تكون إجبارية أيضا. لهذا نرى أهمية تحسين فهمنا للحالات التي يؤدي فيها الانتقال الإجباري للديموقراطية كموضوع بحث مستقبلي مثمر.

 

تداعيات الربيع العربي

لم تؤدي جميع حالات سقوط الأنظمة الاستبدادية الشيوعية خلال “الربيع” السابق في أوروبا الشرقية وأسيا للديموقراطية.  فقد تشكلت أنظمة استبدادية جديدة في كل من بيلاروسيا وأذربيجان وأوزباكستان وغيرها من البلدان التي تشكلت بعد انهيار الشيوعية. لا أحد يعلم حقيقة كيف ستكون نهاية الربيع العربي، ولكن مجموعة البيانات الجديدة الخاصة بنا تسمح لنا ببعض التوقعات المبدئية. كما يمكننا استخدامها أيضا للمقارنة بين عاقبة الدكتاتوريات في بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ودكتاتوريات البلدان الشيوعية. اختفت ٥ بلدان من أصل ١٦ بلد شيوعي في عام ١٩٨٨ وهي التشيك وألمانيا الشرقية وجنوب اليمن والاتحاد السوفيتي ويوغوسلافيا، بينما سقطت افغانستان في براثن أمراء الحرب. ٥ دول من أصل العشر دول المتبقية نجحت في التحول للديموقراطية، أما الدول المتبقية التي تحكمها أنظمة شيوعية فقد تمكنت من البقاء على نظامها القديم وتجاوز الأزمة محتفظة بسلطتها حتى اليوم. ونجحت ١٢ دولة من الدول التي تشكلت حديثا بعد انهيار الشيوعية من التحول مباشرة للديموقراطية، ولم تنجح دولتين من هاته الدول في التمسك بالديموقراطية لوقت طويل. وتحول النظام في تسع دول إلى نظام استبدادي، ومع ذلك تمكنت ٣ دول من ضمن هذه الدول التسع من العودة للديموقطراية في آخر المطاف. واستمر خضوع أحد هذه البلدان لهيمنة أطراف دوليين حتى عام ٢٠١٠. وعانت العديد من هذه البلدان من ويلات الحروب الأهلية. إذا قمنا بالجمع بين الدول الجديدة مع الدول القديمة التي لم تتغير بعد انهيار الشيوعية، فإن معدل الدمقرطة يصل إلى ٦١٪، وهو معدل أقل من معدل مجموع الدول المتشكلة بعد انتقال السلطة في أنظمة الحزب المهيمن في عام ١٩٩٠.

تشكل الربيع العربي بعد موجة من الاحتجاجات الشعبية غير المسبوقة التي اجتاحت العالم العربي والتي تذكرنا بالاحتجاجات التي سبقت انهيار الشيوعية وسقوط ألمانيا الشرقية، ولكن وبالرغم من هذا التشابه إلا أن تداعيات هذه المظاهرات في بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ستكون مختلفة حسب رأي واي. فحتى الأن نجد أن ثلثي الأنظمة الاستبدادية في بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لم تسقط بعد بسبب هذه الاحتجاجات، مقابل أقل من ثلث الأنظمة الشيوعية التي بقيت في السلطة في عام ١٩٨٨.  ويبقى مصير الدكتاتورية السورية غير واضح حتى الأن. ولم ينجح في التحول إلى الديموقراطية من بين الأنظمة الأربعة التي انتهت إلا تونس، بينما يبقى المستقبل بالنسبة لكل من مصر وليبيا واليمن غير واضح المعالم حتى الأن.

ويطرح الربيع العربي سؤالين مهمين بالنسبة للمتنبئين بالأحداث وصناع السياسة: ما الذي سيحدث في البلدان التي أسقطت أنظمتها القديمة؟ وهل سيؤدي سقوط المزيد من الأنظمة إلى زيادة فرص التحول الديموقراطي؟ يوضح تحليلنا المبدئي أن فرص التحول الديموقراطي عند سقوط أنظمة الحزب المهيمن أكثر منها عند سقوط الأنظمة الشخصانية (انظر الشكل ٨). تم تصنيف تونس، من ضمن الأنظمة التي سقطت، كنظام حزب مهيمن، بينما صنف النظام المصري كنظام حزب مهيمن هجين. أما النظامين اليمني واللييبي فتم تصنيفهما كأنظمة شخصانية. نظام الحزب المهمين الهجين الوحيد المتبقي في بلدان الشرق الأوسط وبلدان شمال أفريقيا هو النظام السوري الذي تزداد أوضاعه سوءا حتى كتابة هذا البحث. أما بالنسبة للأنظمة الشخصانية، فالنظام الشخصاني الوحيد المتبقي هو النظام العراقي والذي يحافظ على سلطته ظاهريا بفضل الدعم الخارجي. وتدفعنا البيانات الموجودة في الجزء الأيمن من الشكل ٨ إلى توقع نجاح التحول الديموقراطي بعد سقوط النظام في اثنتين من الثلاث دول ذات نظام الحزب المهيمن المهيمن ونصف الأنظمة الشخصانية. إلا أن هذه التوقعات لا تنظر للأثار المترتبة على العنف والإجبار التي قد تصاحب عمليات التحول مما قد يقوض نجاح التحول الديموقراطي.

وتحكم الملكيات غالبية بقية دول الشرق الأوسط ودول شمال أفريقيا، وسقوط هذه الملكيات غير مرجح، وإذا حدث وسقطت فإنه من غير المرجح أن يؤدي سقوطها للديموقراطية. بعد الحرب العالمية الثانية، لم تنجح الديموقراطية في استبدال الملكية إلا في بلد واحد من أصل ٨ بلدان تخلصت من استبداد الملكيات؛ ألا وهو النيبال حيث وافق الملك على التحول إلى الملكية الدستورية عام ١٩٩١، وتكرر الأمر ذاته عام ٢٠٠٦ بعد عودة بسيطة للملكية غير الدستورية. يحب علينا الحذر في التعامل مع التوقعات

والتجارب الخاصة بالملكيات بسبب قلة عدد الأنظمة الملكية من الأساس، ولكن يمكننا أن نقول بناءا على المعلومات التي نملكها حتى الأن أن الإطحاة بالأنظمة الملكية نادرا ما يؤدي للديموقراطية، بل أن أوضاع الناس بعد انهيار الملكيات يكون أكثر سوءا منها خلال فترة حكم الملكية. فقد أدت الإطاحة بأنظمة ملكية لحروب أهلية عنيفة ودموية في ثلاثة بلدان: اليمن وأثيوبيا وأفغانستان. تم استبدال الملكية في ليبيا بنظام القذافي، وبنظام الخميني في إيران، وبنظام مبارك الذي لم يسقط إلا مؤخرا في مصر، أما في العراق فقد تتالت الانقلابات العسكرية حتى استقرت أخيرا بعد زعامة صدام حسين. الأوضاع في نيبال كانت أقل سوءا بالمقارنة بعد موافقة الملك على التحول للملكية الدستورية، على الرغم من أنها –الأوضاع- لم ترقَ لطموحات المشاركين؛ حيث مر هذا التحول بسنوات طويلة من التمرد الماوي العنيف، وعودة الملكية غير الدستورية القمعية و تراجع الديموقراطية، وحاليا توجد سلطة شبه ديموقطراية فوضوية وغير قادرة على إرساء الديموقراطية. هذا السجل الدموي من الأحداث يجب أن يكون رادعا لأي شخص يدعو للتدخل الخارجي بدعم قوات المعارضة للإطاحة بالأنظمة الملكية.

باختصار، يمكننا التنبوء بمعدلات عالية نسبيا لاستمرار الأنظمة الاستبدادية السابقة مقابل انخفاض معدلات التحول للديموقراطية بناءا على المعلومات التي لدينا عن بلدان الشرق الأوسط وشمال أُفريقيا والتي تنحصر بمعرفة نوع النظام المستبد السابق مقارنة مع غيرها من دول العالم. ويقترح كورت وايلاند أن الانتشار الواسع والسريع للاحتجاجات الشعبية العفوية خلال الربيع العربي قوضت من نجاح معظم حركات المعارضة في تحقيق أهدافهم.

حيث يعقد وايلاند مقارنة مع الاحتجاجات الشعبية التي فشلت في أوروبا عام ١٨٤٨، ويوضح الفرق بين هذه الاحتجاجات الشعبية وبين التحركات الفعلية المنظمة لأحزاب المعارضة الناحجة مثل حزب المعارضة الذي نجح في الإطاحة بالحزب المهيمن خلال انتخابات عام ٢٠٠٠ في المكسيك. وتدعم بياناتنا ما توصل إليه كورت، حيث تكون فرص التحول الديموقراطي بعد المظاهرات الشعبية أقل منها بعد انتصار الأحزاب المعارضة في الانتخابات. ومع ذلك قد تكون الاحتجاجات الشعبية هي الوسيلة الوحيدة المتاحة للمعارضة خاصة في الأنظمة الاستبدادية التي تمنع أو تحد من تطور أحزاب معارضة متمكنة. فكما هو واضح في الشكل ١٠، نجحت الاحتجاجات الشعبية أو أي نوع أخر من طرق الإجبار على الإطاحة بمعظم الملكيات والدكتاتوريات الشخصانية وأنظمة الحزب المهيمن، وهذه هي أنواع الأنظمة السائدة في الشرق الأوسط.، والتي لجأت جميع حالات انتقال السلطة فيها للإجبار. إلا أن النتائج التي توصلنا إليها بخصوص تداعيات العنف خلال الفترات الانتقالية تقلل من توقعاتنا بمستقبل جيد فيما يخص الربيع العربي، فالعنف خلال الفترات الانتقالية يقوض من فرص الدمقرطة، مما يعني أن التحول الدميوقراطي كان أرجح في تونس بعد الإطاحة بالنظام المستبد أكثر منه في كل من مصر وليبيا واليمن وسوريا، وتم تصنيف هذه البلدان الأخيرة في بياناتنا ضمن أعلى معدلات العنف. وقد كان دور العنف في الإطاحة بالأنظمة الاستبدادية في بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أكبر منه خلال انهيار الشيوعية. بالرغم من أن هذه البيانات الجديدة تسهل على الأخرين تجاوز استنتاجاتنا التي توصلنا إليها بخصوص تحديد الأنظمة الاستبدادية التي سيؤدي سقوطها لتحول دميوقراطي إلا أنه يجب علينا أن نكون حذرين في التعاطي مع النتائج التي يتم التوصل إليها هنا. فهذه الدراسات تساهم في تحسين فهمنا النظري، بالإضافة إلى مساعدة صناع السياسات على اتخاذ قرارات بخصوص الاستجابة لحالات عدم الاستقرار وانهيار السلطة المتوقع في البلدان ذات الأنظمة الاستبدادية.

 

الخاتمة

قدمنا مجموعة بيانات جديدة تتيح التحليل الكمي للمسائل النظرية الخاصة ببقاء الأنظمة الاستبدادية في وجه الأزمات الاقتصادية والاحتجاجات الشعبية وغيرها من التحديات، بالأضافة للمسائل المعنية بصناعة السياسات الخاصة بالتأثير على الأحداث اللاحقة لسقوط الأنظمة الاستبدادية. كما أن هذه البيانات تعد إضافة مهمة للبيانات المجودة مسبقا من عدة نواحٍ. من أهم هذه النواحي هو أنها تحدد تواريخ البداية والنهاية للأنظمة الاستبدادية والتي يستخدم في تحديدها مجموعة قواعد رسمية وغير رسمية أساسية تحدد السمات المؤثرة على اختيار الزعماء والسياسات، بما في ذلك القواعد المحددة للمجموعة التي يتم اختيار الزعماء منها.كما أنها توفر بيانات جديدة لكيفية انهيار الأنظمة الاستبدادية وكمية العنف المصاحب لمرحلة الانتقال. وتتيح هذه البيانات للمحللين التفريق بين فترات الحكومات الاستبدادية وبين فترات الحكومة المؤقتة وفترات أمراء الحرب والتي لا تتوفر في غيرها من البيانات الشائعة الخاصة بقياس الديموقراطية. وتم تحديد جميع البيانات المصنفة بلد-سنة من عام ١٩٤٦ وحتى عام ٢٠١٠ كالتالي: ديموقراطية، استبدادية، مؤقتة، محتلة، تفتقر لوجود حكومة مركزية. ختاما تتضمن هذه البيانات تحديثات وأضافات في تصنيف أنواع الأنظمة وضعت في تصميم سهل على القارئ. كما توضح الأمثلة التي استخدمناها ارتباط هذه التصنيفات بمختلف النتائج السياسية مثل احتمالية نشوب العنف عند انهيار النظام واحتماليات التحول الديموقراطي.

ونحن عندما نقوم بمقارنة مجموعة البيانات الخاصة بنا بغيرها من مجموعات البيانات فأننا نوضح أن معدل بقاء الأنظمة الاستبدادية يزداد للضعف في الدكتاتوريات ذات الحكم الفردي، مما يعني أن استخدام بيانات فترة بقاء الزعماء كمؤشر لبقاء النظام من الممكن أن يؤدي للتقليل من قدرة الأنظمة على مواجهة هذه التحديات. كما من الممكن أن يؤدي استخدام الفترات المتتابعة للحكم الاستبدادي كمؤشر على بقاء النظام إلى نتيجة معاكسة وذلك لأن مدة الفترات الاستبدادية تبلغ في المتوسط ضعف مدة بقاء الأنظمة الاستبدادية.

تحدد النظرية المراد دراستها مجموعة البيانات التي سوف نستخدمها، لذا فنحن بحاجة للتفكير في مدلولات النظرية حول السلوك البشري الذي يمكننا ملاحظته ومن ثم نقرر أية مجموعة بيانات ستكون أكثر ملائمة لاختبار هذه المدلولات. فعلى سبيل المثال يعتقد كل من بروس بينو دي ميسكيتا وأليستر سميث أن التهديدات الثورية تزيد من احتمالية الاطاحة بالزعيم المستبد. يجب اختبار هذه النظرية باستخدام بيانات توضح تواريخ البداية والنهاية التي تحدد فترات حكم الزعماء (مثل بيانات ارتيجوس) بينما نجد أن غيرها من النظريات قد تحمل مدلولات لأنظمة الحكم وليس للزعماء أو الأُفراد الحاكمين، مثل نظرية جاي ألفيلدر الذي يقترح وجود أنظمة أكثرعرضة للسقوط في مواجهة الضغط المشترك المتواصل من غيرها. يجب استخدام بيانات تحدد تواريخ بداية ونهاية الأنظمة عند اختبار النظريات الخاصة بانتقال السلطات. في الماضي كان المحللون المهتمون بانهيار الأنظمة الاستبداية يلجأون لاستخدام فترة بقاء الزعيم أو عدد السنوات المتتابعة لنظام استبدادي كمؤشر لبقاء النظام. و توفر البيانات الجديدة حلا بديلا لهذه المؤشرات.

كما أننا أضفنا مجموعة من الأمثلة لكيفية استخدام هذه البيانات الجديدة في الإجابة عن أسئلة الباحثين صانعي السياسات المهتمين.  ووضحنا أهمية إضافة نتائج كل من الديموقراطية والاستبداد المأخوذة من الدراسات التي تهدف لفهم تغير الأنظمة، بالإضافة لتحليل الأحداث مثل الربيع العربي وتقدير خيارات السياسة الخارجية الأنسب في مثل هذه الظروف.

الأمثلة الأولى تتوسع لتشمل العلاقات الدولية لتوضح أن الخوف من العقوبة بعد سقوط النظام قد يدفع الدكتاتور لدفع بلاده في صراع دولي لحشد الدعم الشعبي. توضح الأدلة الأولية أن احتمالية تعرض الزعيم المخلوع للعقوبة تكون أكبر في بعض أنواع الأنظمة الدكتاتورية من غيرها، كما زنها تزداد عندما يصاحب سقوط الزعيم سقوط نظامه. وهذا قد يعني أن هذه الأحداث تزيد من احتمالية التدخل الخارجي.  فهذه الاكتشافات تشير إلى أن الحكومة الخارجية التي ترغب في الاستفادة من تغير النظام ستركز على توفير مخرج أمن للدكتاتور، لأن الدكتاتور الذي يخشى السجن أو الإعدام بعد الإطاحة بنظامه من غير المرجح أن يدخل في

مفاوضات سلمية لانتقال السلطة بل من الأرجح أنه سيهاجم الدول المجاورة له.

توصلنا بعد تحليلنا الأولي للأوضاع التي تزيد من احتمالية الدمقرطة بعد سقوط الأنظمة الاستبدادية إلى وجود مدلولات لما يمكننا توقع حدوثه بعد الربيع العربي. وأوضحنا أن الدكتاتوريات الشخصانية أقل احتمالية للدمقرطة من أنظمة الحزب المهيمن مما يفرض حدا للتوقعات الممكن حدوثها في البلدان التي سقطت انظمتها بالفعل: حيث تبلغ نسبة توقع الدمقرطة في البلدان ذات أنظمة الحزب المهيمن كتونس ومصر ٦٧٪، بينما تنخفض النسبة ل ٥٠٪ في البلدان ذات الدكتاتوريات الشخصانية كليبيا واليمن. أما دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا المتبقية فغالبيتها تحكمها أنظمة ملكية تقل فرص الإطاحة بها أو أن تنتج الديموقراطية عند الإطاحة بها. ومن المتوقع أيضا أن تساهم طريقة الإطاحة بالأنظمة الاستبدادية القديمة في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى تقليل فرص التحول الديموقراطي. فمن غير المتوقع أن تنجح الديموقراطية في البلدان التي أطاحت بأنظمتها الاستبدادية بعنف، الشيء ذاته ينطبق على الأنظمة التي أُجبرت على ترك السلطة مقارنة بالأنظمة التي تفاوضت حول انتقال السلطة.

وعلى الرغم من تفاؤلنا بزوال الاستبداد كنوع من أنواع الحكومات بعد نهاية الحرب الباردة إلا أن ثلث دول العالم والعديد من شعوبها لازالوا يعيشون تحت أنظمة استبدادية. ولكي نستطيع تقويض الأنظمة الاستبدادية المعاصرة ولكي نفهم إذا ما كانت الإطاحة بها ستؤدي للديموقراطية أو فرض أنظمة استبدادية جديدة أو خلق مرحلة مليئة بالاضطرابات والعنف فنحن نحتاج إلى مجموعة بيانات يمكنها أن تقيس بدقة سمات الأنظمة الاستبدادية والفترات الانتقالية وهذا ما تقدمه مجموعة البيانات الجديدة الخاصة بنا.


Autocratic Breakdown and Regime Transitions: New Data – By Barbara Geddes, Joseph Wright and Erica Frantz*

 

error: المحتوى محمي