سجال حول تغيير العالم – جوليان أسانج وبيتر سينجر / ترجمة: سعيد بوخليط

سجال حول تغيير العالم – جوليان أسانج وبيتر سينجر / ترجمة: سعيد بوخليط


 الإثنان : أستراليان، جريئان، مصلحان وجذريان… . لم يكشفا، أبدا عن أفكارهما قبل، هذا الحوار. هكذا، وللمرة الأولى يتجادل جوليان أسانج مؤسس موقع ويكيليكس مع “بيتر سينجر” المختص في الإيتيقا، وتنشره استثناء مجلة « Philosophie magazine ».

 

1 ـ السفر إلى “إلينغهام هول” « Ellingham Hall » :

نادرا، ما تقوم سيارات الطاكسي، بدور المرشد السياحي. مع ذلك، فقد جاء الاستثناء من لدن هذا السائق، صاحب وجه مصاب الجدري، وسواعد ممتلئة بوشم زاخر بورود حمراء. بمغادرتنا لمدينة « Diss » الصغيرة الإنجليزية، تطالعنا محطة للخدمة، حديثة، بطلاء أصفر مقزز جدا : “أترون ! هنا كانت تنتصب سابقا، مشنقة. سنة 1742، نفذ حكم إعدام مشهور جدا. لقد أسرع  حشد من كل أطراف البلد كي يعاينوا الحدث بأعينهم.

ـ من كان المتهم ؟

ـ خياط، يسمى “روبيركارلتون”، بعد أن وجهت إليه تهمة اللواط، وأيضا إقدامه على تسميم خطيبة عاشقه الشاب. إنه حقا تاريخ قاتم”. بعد إدلائه بهذه الكلمات، استسلم الرجل، لصمت عميق. بالطبع يعرف وجهتنا: إننا نريد إلينغام هال”، قصر ريفي صغير، مرفّه، يتواجد في الريف على بعد ثلاثين كيلومتر من مدينة “ديس” حيث يقيم “جوليان أسانج”، الذي تسري عليه حاليا مقتضيات تسليمه إلى السويد. على طريقته، ربما عبر لي سائق التاكسي، عن رفضه للأمر.

نتوغل في الريف الإنجليزي، كان الجو مكفهرا، والحقل يغطيه لون رائع، أسمر ذهبي. الطريق طويلة، قطعان كبيرة من الخنزير، تسكن حقولا مسيجة. تتحرك تلك الحيوانات السمينة ببطء، وبرها، ملطخ ببقع باهتة. غريب حقا، أن ننغمس بهذا العمق وسط ديكور قروي، كي نزور رجلا، ارتبط بالأنترنيت والقرصنة المعلوماتية وصحافة المعطيات ثم الشخص الأكثر ثورية في الاستثمار السياسي لتقنيات التواصل. هذا يجعلني، أتذكر مقطعا من المدونة الإليكترونية : [Intersting Questions]، التي أنشأنها جوليان أسانج سنة 2007، وهو يشاغب على امتداد العالم بحقيبة على الظهر، كي يبني الأسس المفهومية لموقعه “ويكيليكس”. ((خلال تلك الفترة، حيث اختزال العالم المدرك، إلى واد وكذا بعض الهضاب المحيطة، وما تبقى مجرد أساطير، بدا إنقاذ العالم نشاطا ممكنا، في متناول كل شخص صاحب مزاج مستقل)). بقدر ما تبتعد الإنسانية عن العهود الحجرية وظهور الزراعة، يصعب تحقيق “تبادل تأثير فعلي مع العالم”. كل شيء تعقد جدا، فصارت نادرة هي الأفكار والابتكارات التي يمكن أن تكون لها مفعولات حاسمة.

أسانج، عثر على ما يشبه رافعة أرخميدس ، قاطعا مع التيارات الكلاسيكية، التي قاربت السلطة بمصطلحات الغنى أو القوة. فانتقل إلى التعليل، بمفاهيم تداول المعلومة. وفق هذا المنظور، يمكن أن تقارن التنظيمات القوية ـ الدول، الجنود، الشركات المتعددة الجنسيات والأبناك ـ بعلب، تدخل إليها معلومات وأخرى تغادرها، بعضها يبقى سريا. ولكي يمارس المواطنون، مراقبة حقيقية على نخبهم السياسية والاقتصادية، لا يكفي فقط وجود نظام انتخابي، بل الجوهري توفرهم على مصادر إخبارية، استدلال، بسيط جدا في منحاه، دفع أسانج إلى تأسيس موقع ويكيليكس، بمعنى الرهان على أن تضم أجهزة السلطة في طياتها، شخصيات أخلاقية، تريد الكشف عن تجاوزات وجرائم كانوا شهودا عليها، إذا كان الأمر كذلك.

يقينا، لقد استلهم “بيترسينجر” من تربية الخنزير، أفكارا أخرى أكثر مرارة. بيترسينجر هو الضيف الثاني، الذي كنت على موعد معه،  تلك الأمسية، على الساعة الخامسة. حتى، وإن سيتخاطب معنا بواسطة تحميل برنامج سكايب ، فقد قبل بمبدأ إجراء نقاش عابر للمحيط الأطلسي مع أسانج، حول مغامرة ويكيليكس.فسينجر، الأستاذ بجامعة « Princeton »، هو الفيلسوف “المعاصر، الأقوى مكانة” حسب مجلة نيويوركر. نباتي، ومدافع عن قضية الحيوان، لذلك بادر بإعطاء إشارة الانطلاقة لمختلف الحركات المدافعة عن الحيوان، التي تناضل ضد استغلالها والإساءة لمختلف الكائنات الحيوانية، من طرف الإنسان، ويحظى بمقام رفيع جدا في العالم  الأنجلوساكسوني. حضوره معنا، يعني أن سينجر، لم يستسلم لإغراءات هذه البقعة الغنية والخصبة. لن تستهويه أطباق أفخاذ الخنازير، التي توفرها هذه الحيوانات  السمينة. يشذ انتباهنا، لونها الوردي من عمق مأواها المظلم، بحيث تبدو شيئا ما شبيهة بأطياف إنسانية عارية. على العكس، سيرى سينجر في حالة هذه القطعان نموذجا لمعسكرات احتجاز بسماء مفتوحة، تحوي معتقلين أصحاب أجسام غليظة يكتسيها الفتور، بل وأكثر من هذا، جميعها محكوم بالموت.

بيد أن سينجر، لا يهتم فقط بمعاناة الحيوان، فهو كاتب مسهب، اقتحم تقريبا كل ميادين الإيتيقا  التطبيقية. شهر غشت الأخير، كتب في المجلة الأمريكية « Le Harper’s » مقالة رائعة، بعنوان “الإنسان المرئي” تطرق مضمونها إلى الأثر الحاسم للأنترنيت على العالم، ثم صيرورة الأخير نحو أن يكون شفافا. هكذا، يعيش كل فرد في الوقت الحالي تحت نظرة الجميع. وضع، أدى إلى ضياع الحالة الخاصة ـ أذواقنا المتعلقة بالترفيه أو الجنس، حينما لا تشهر على صفحات الفيسبوك، فإنها مسجلة بواسطة محركات البحث ـ مع ذلك لا يعتبر ربما أمرا خطيرا جدا، فالأنترنيت يشكل فرصة تاريخية كي تصبح الإنسانية أخيرا، أكثر أخلاقية. إذا انتهى كل شيء على منوال هذه المعرفة، سنتجنب في أغلب الأحيان، الإقدام على ارتكاب الشر.

ساعة بعد ذلك، كنت داخل قاعة الاستقبال، للقصر الريفي إلينغهام هول. فضاء يملكه “فوغان سميت”، المنحدر من أسرة عسكرية ظلت تخدم الملكية الإنجليزية طيلة قرون، تزين صور أفرادها مختلف أركان الجدران. أثاث، يعود بنا إلى حياة الأسياد. يغطي بساط سميك الأرض، نوافذ ضخمة تكسوها ستائر مضاعفة هائلة. وفوق أرض الحديقة الخضراء ينقر طائر دجاجي كبير.

ظهر، جوليان أسانج. طبعا وجهه مشهور. فقد تداولته بشكل واسع مختلف وسائل الإعلام. لكن، سرعان ما يبرز شيئان مثيران، حينما نتفاجأ بحضوره الفيزيائي. أولا، يكشف عن هدوء كبير جدا، أو ما يشبه صفاء الماء لحظة السكينة. بالتأكيد، لا يبدو قلقا، خاصة مع ورود إمكانية تسليمه بين الفينة والثانية، بناء على قرار قضائي، وأن لجنة خاصة تجتمع في جلسات مغلقة بالولايات المتحدة الأمريكية، قصد طرح إمكانية اتهامه بالتجسس، دون التشطيب على أول تعديل  في الدستور الأمريكي، يحمي حرية التعبير. قد تخطر إلى رأسه فكرة ـ بالتأكيد ضعيفة، لكنها واردة ـ أن يدا حمقاء قد تسكب  سمّا في كأس الشاي المقدم إليه، مع ذلك، هدوءه يدهش. الشيء الثاني المميز،  حين شروعه في الكلام، نحس أن الرجل يفكر. عجيب، لكن يصعب التعبير عن الأمر بطريقة أخرى. معطى، قد يؤل عبر قسمات وجهه، فهو ليس صاحب تطور ذهني عادي، بل يتأمل حقا بأقصى سرعة، والحوار معه يدل على ذلك.

وهو يستعد لتشغيل الاتصال بالسكايب، شرعنا في النقاش. سألته، هل يعتبر جنسيته الاسترالية مثل “بيتر سينجر”، أكثر من مجرد مصادفة ؟  ألا تسكننا حين الولادة في أستراليا، رغبة تحدي الثقافة الأمريكية المهيمنة على كل العالم الأنجلوساكسوني ؟ جوليان أسانج، يشرح ذلك بطريقة أخرى : ((لكن، روبير موردوخ، أسترالي أيضا ! أستراليا، قطنها منذ مائتي سنة السكان البيض، الذين كانوا باحثين عن الذهب أو مجرمين. وفي كل الأحوال، مغامرين، بمعنى ما، أعتقد أن المهاجرين كائنات أكثر حرية)).

ثم اشتغل السكايب، إنها المرة الأولى التي سيتقابل فيها مؤسس موقع “ويكيليكس” الشهير، مع  مؤلف “تحرير الحيوان”. داخل مكتبه، يظهر بيتر سينجر مرتخيا، يضحك ويرتشف فنجانا كبيرا: ((آه! بيتر، قبل أن نشرع في الحوار، ينبغي أن أقدم لك شيئا ما )) يصيح أسانج. ثم تناول حاسوبه المحمول، وذهب إلى غاية لوحة، صوّب نحوها الكاميرا : ((حدث أنه داخل هذه الغرفة، هيأنا عمليات إشهار الوثائق السرية. أترون، هذه اللوحة ؟ إنها تمثل أحد أجداد مضيفي فوغان سميث، الذي مارس مهنة مبعوث للملك. وتلاحظون كيف يمسك في يده اليمنى حزمة أوراق، إنها برقيات ديبلوماسية)). حتما، كان سائق الطاكسي، على حق : إلى مدينة أديس، التاريخ يتكرر. لكن في المرة الأولى، كان تهريجا.

 

II ـ العقل في التاريخ :

بيتر سينجر : باعتباري فيلسوفا، أهتم بالظواهر التي تخلخل الواقع، من أجل خلق عالم أفضل. لذلك، بدا لي، أن مشروع جوليان أسانج الذي يشتغل بشفافية كبيرة جدا، وبث واسع للمعلومة، يندرج في هذا الإطار. طبعا، مشروع قابل للجدال، لذلك فإن سعي ويكيليكس، جسد نوعا من التحدي يطرح على الفلسفة السياسية والأخلاقية. من جهة، يمكننا التأكيد، أن الانشغال بالشفافية وصحة المعلومة. قابل لأن يحدث أفضل أشكال الحكم. ومن جهة ثانية، هو مسار انتقد بشدة : لقد أشاروا إلى مجازفته، بحيث يؤدي ثمن عمل كهذا مجموعة أشخاص، مثلا أصحاب المعلومة أيضا، يشكل عقبة أمام الديبلوماسية، كما مورست حتى الوقت الحالي، عموما، يخشى الرافضون أن يقود ويكيليكس إلى فقدان ثقة المواطنين بالدول، والتسبب في نفقات متزايدة على الأمن. إنها إشكالية تهم الإيتيقا التطبيقية.

جوليان أسانج : قبل استحضار مغامرة ويكيليكس، أعتقد بضرورة العودة إلى الأوليات، تلك المبادئ الموجهة التي نختار الانخراط فيها، وتعطي معنى  لوجودنا. في أي عالم، نحب أن تعيش ؟ لأي شيء يشبه بحسبكم، عالم أفضل من عالمنا ؟ بغية الإجابة عن أسئلة كهذه، ينبغي الاستناد على مسلمات صلبة. الأفراد، الذين يغذون إحساسا بعدم الرضا، اتجاه حالة العالم المعاصر، ثم  يبحثون عن سبل نحو بعض التجارب من أجل تحسينه، لا يهم إن ارتبطت محفزاتهم النفسية في المنطلق، بدينامية للحياة تبدو لي صحيحة. فيما يخصني، يتجه مزاجي إلى الرغبة في فهم وظيفة العالم أو ما يدخل في طياته، ومحاولة تجميع أقصى المعلومات حول اشتغاله. حينما كنت مراهقا، دفعني التعطش للمعلومة، كي أختص في مهارات الحاسوب وأمن المعلومة (هاكر)، ثم أصير أول داع لخطاب حر بأستراليا. سنة 1993، وبجانب أشخاص آخرين، عملت على إدخال الأنترنيت إلى أستراليا. هذه التجارب الأولى قادتني  صوب خلاصتين. أولا، إذا سعيت إلى خلق شيء مهم، يكون له حقا وقعا حاسما، دون أن تتوفر بداية على رأسمال مهم، فإنك مجبر على التأثير في تدفق الأخبار. ثانيا، أعتقد أنه انطلاقا من المعلومات التي نملكها، نتخذ قرارانا بالانتقال إلى الفعل. نمارس ذلك كله، بالتأكيد على المستوى الشخصي : نوازن بين مشاعرنا، ونتوخى النفاذ إلى نوع من السعادة، نرسي دعائمها على ما نعتقده ممكن أم لا. لكن نفس الشيء، مشروع بالنسبة للجماعة،  كيف تصنع المعلومة العالم ؟ من أجل الإحاطة به، سأقترح عليكم تشكيلا بسيطا للسلوكات : كيان ما، ـ شخص أو منظمة ـ يلاحظ محيطه، يمفهم هذه الملاحظات، ثم يعمل على ضوء المفاهيم. نعم ؟ الآن، إذا تفاعلت مجموعة كيانات، سيتغير المستوى، مما يعني أن السيرورة ليست خطية، ويمكنها أن تتفرع بطريقة غير متوقعة. تأثيرات بعض الكيانات، تغير الوسط، وبالتالي، ملاحظة الآخرين. تدركون إذن، أن ملاحظة يمكنها خلق مفهوم، قد يؤدي بدوره نحو فعل، سيرتد إلى تسلسل. بمعنى  آخر، التمكن من المعلومة، تأثير أيضا في العالم. على أسس كهذه، تساءلت كيف يمكن تطوير حجم المعلومات الجاهزة بداية، كي يتمكن الفاعلون العقلانيون من التصرف بالطريقة الأكثر ملاءمة. في المنطلق، لم يكن ويكيليكس غير هذا : سعي من أجل تزويد الفاعلين، بأقصى ما يمكن من المعلومات الصحيحة حول محيطهم.

بيتر سينجر : أنتم تشيرون، أننا نشتغل انطلاقا من أوليات نعتبرها مثل معطيات. قيمة الشفافية، بالنسبة لكم، نوع من المسلمة، إذا فهمت جيدا، وليست خلاصة، توصلتم إليها، استنادا على بعض التجارب أو البراهين ؟

جوليان أسانج : لا، في الواقع أرتكز على بعض الأوليات، مثل : كلما، لاحظت بشكل أقل المعاناة في محيطي، بقدر ما أختبر بشكل أقل المعاناة. تجربتي الشخصية تبرر هذا الترابط، لكن لا أدعي بأنها تطبق على الجميع. بل، بوسع بعض الأشخاص، اعتبار العكس. أما الشفافية، فلا أوظفها كقيمة أكسيوماتيكية. قد أفاجئكم، بخلاف ما يمكن ادعاؤه، فأنا لست متحمسا كبيرا للشفافية. أعتقد بالأحرى، أن التاريخ بين، أنه حينما يتداول أفراد معلومات صحيحة حول محيطهم، فإنهم يمنحون أنفسهم وسائل اتخاذ القرارات الجيدة، من أجل التأثير فيه. هي فلسفة مختصرة جدا، لكني مقتنع بصوابها. الدليل الوحيد المقبول ضد مسلمة كهاته، قد أحدسه لدى أعداء الحضارة : يمكنكم بالتالي الاعتراض، أنه كلما توفرنا على مخزون من المعلومات المهمة، كلما تبلورت بنيات وتفاعلات معقدة، ثم يزداد ابتعادنا عن حالتنا الطبيعية. هذا الدليل الرافض للحضارة، ربما مقبول. مع ذلك، إذا لم نستسغه أبدا، سنصل إلى خلاصة، مفادها أن السلوك المتحضر المنتج لأقل معاناة، هو من سيكون أفضل مطلع. أيضا، عندما أقول، إن تأملا كهذا يمثل لدي، قيمة أكسيوماتيكية فهذا يعني فقط، أني أجعل هذه الدلائل خاصة بي، ولن أفكر بها دوما. لقد صارت، مبدءا مرشدا.

بيتر سينجر : هذا يذكرني بالكيفية، التي غيرت بها ثورة الطباعة تاريخ الإنسانية خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر. فقد بدأت الكتب المطبوعة، تقتحم الحدود، وبفضلها تواصل فلاسفة من ألمانيا وفرنسا والسويد، فجعلوا أوروبا هيئة دولية. طبعا، هذه الجماعة الفكرية، كانت نسبيا صغيرة ولم تضم إلا الأشخاص الذين يعرفون القراءة ويمتلكون الوسائل لشراء الكتب أو أدوات الولوج إلى المكتبات. كان وضحا، أنها ظاهرة نخبوية.  مع ذلك، بوسعنا التشبث بقناعة، أن المطبعة أحدثت ثورة خلال القرن الثامن عشر، وإسقاط يوحنا غوتينبرغ Gutenberg، لاستبداد الملكية. هذا ما تطرق إليه، العالم النفسي “ستيفن بينكر”Steven Pinker، في مؤلفه: [The better Angels of our Nature] الذي كتبت عنه مؤخرا في مجلة نيويورك تايمز. مع الأنترنيت حاليا، أتساءل  إذا لم نكن نعيش ظاهرة مماثلة، لكن هذه  المرة على المستوى العالمي. أيضا، هل ينبغي الاحتراس، حينما نتكلم عن الظاهرة العالمية : ما هي النسبة المئوية التي قاربها آنيا عدد الأفراد الذين بلغهم الأنترنيت، الربع، الخمس، الثلث؟ التقدير، يرتبط في الواقع  بما نقصده ب “الولوج”. في جميع الأحوال، ليست النسبة كبيرة. إذن، إذا لم نجد وسيلة لنشر الأنترنيت داخل  البلدان السائرة في طريق النمو، وكذا المناطق الريفية في البلدان الفقيرة، فلا يمكننا القول حاليا، أن الأمر يتعلق بظاهرة كونية. وحينما يتأتى لنا، تقليص تكلفة الحصول على المعلومة، فسيكون لنا حظا حقيقيا، كي نؤسس مجموعة مشتركة هي الأولى في تاريخ الإنسانية، ولم نتمثل بعد كل النتائج، لاسيما على المستوى السياسي.

جوليان أسانج : طبعا، إمكانات النشر التي يقدمها الأنترنيت، رائعة، وقد أتيحت لي فرصة تثمينها كليا. إن شروط الدخول، إلى الأنترنيت بمعنى الرأسمال المطلوب كي تصبح ناشرا، ضئيلة جدا. لكنه، ليس فقط فضاء للتعبير، بل أيضا، نظام المراقبة الأكثر تطورا، الذي يبرز لأول مرة، ولم يسبق أبدا للكتاب أن عاش نفس الوضعية. المعلومة التي يبعث بها الأسفل، أي الذين ليس لهم سلطة، يغربلها نظام المراقبة هذا. يتقاسم الأنترنيت، هذان الاتجاهان المتعارضان. ولست متأكد أن حرية التعبير ستظفر بالسباق، كما أمكننا افتراض ذلك لفترة طويلة. مسؤولو المراقبة والعمليات يجمعون معطيات، تتكاثر مثل داء سرطان لم يخضع للتشخيص. أعتبر، أن كمية المعلومات العمومية، تنمو حاليا بسرعة أقل من نظيرتها الخصوصية الموجودة بين أيادي مجموعات قوية. حجم المعلومات الشخصية أو السرية، جد هائلة، بحيث لو نشرتم مجرد مقتطفات صغيرة جدا ـ كما حدث معنا بالنسبة ل 251000 برقية ديبلوماسية أمريكية ـ فذاك، يتجاوز الأبعاد المعتادة لخيالنا.

 

II ـ مسرح العمليات :

جوليان أسانج : يعتبر الربيع العربي، ثمرة مسار طويل من النضج، وحصيلة عوامل متعددة، ولم يكن ويكيليكس العنصر الوحيد الذي أشعلها : بحيث ينبغي، أن نأخذ بعين الاهتمام أيضا تزايد الاستفادة من التعليم، والانتقال الحر بين البلدان العربية، وولادة مرجعيات وثقافة  مشتركة لدى المناضلين الديمقراطيين في البلدان العربية. من جهة أخرى، دشن جورج بوش ودونالد رامسفيلد، السياق المناسب، لأنه بسبب الحرب العراقية، تسربت خميرة الديمقراطية والحرية إلى الأرض العربية، فوقع تماما عكس ما طمح إليه المحافظون الجدد. هذه الحرب، أعقبتها ورطة كبيرة، وبرهنت عن عجز الولايات المتحدة الأمريكية، قمع حركات المعارضات العراقية، التي قادت هجومات قاتلة، ضد الجنود الأمريكيين تسببت في موت الكثير منهم. مآل الفشل، أعطى شعورا بأن الولايات المتحدة الأمريكية، صارت أكثر ضعفا ووهنا، وقدرتها على حماية رجالها الأقوياء، تتناقص شيئا فشيئا. هكذا، فهمت المجموعة العربية، أن زمنها ربما أتى. أيضا، لعبت القنوات الفضائية العربية دورا معتبرا، لاسيما الجزيرة. لقد اعترف لي ذات يوم مدير أخبارها، أن قطر، كانت قد اتخذت قرارا جيواستراتيجيا، كي تجعل من الجزيرة “سلاحها النووي”. نعم، وظف عين المصطلح : “سلاح نووي”. هذا السلاح، له تأثير رادع أساسي، لكن منذ لحظة استخدامه، أضاع فعاليته. وظف جانب منه في ليبيا، وحاليا أضحى أقل فتكا. إن الاختيار الاستراتيجي، الذي أقدمت عليه الجزيرة، شهر فبراير 2011 حينما كشفت عن صور تظاهرات في ليبيا، وفضحت درجة القمع الذي واجه به بوليس نظام معمر القذافي الشعب الليبي في الشارع. كان لذلك وقع تأثير مهم جدا، استفز الرأي العام العربي، وأدى إلى موجة عارمة من الدعم الدولي. الآن، يمكننا التساؤل، لماذا اندلعت الثورات العربية شهر دجنبر 2010؟ وتلك اللحظة بالضبط ؟. لقد وقع حدثان دالان، بداية دجنبر. أحدهما، الفعل اليائس للشاب التونسي محمد البوعزيزي، لما ضحى بنفسه، محترقا بالنار يوم 17 دجنبر. أما، الحدث الثاني، فيشير إلى ظهور برقيات ديبلوماسية أمريكية، انطلاقا من 28 نوفمبر. أغلب المناضلين التونسيين، ومعهم منظمة العفو الدولية، يظنون أن البرقيات ساهمت في تقويض ديكتاتوريات المنطقة. طبعا، هذا التقويض، أو ـ إعادة البناء ـ كما نعتته وقتها، شكل صراحة إحدى غاياتنا. ماهي آلية تقويض كهذا ؟ ظهور البرقيات، وضع الولايات المتحدة الأمريكية، في موقف حرج للغاية. لقد أعلن “جوبايدن” يوم 27 يناير 2011، أن حسني مبارك ليس ديكتاتورا. بعد ثلاثة أيام، ستبادر على الفور هيلاري كينتون كي تستدرك تصريحه، معلنة استحالة دعم الولايات المتحدة الأمريكية، لديكتاتورية مبارك. فلماذا، هذا التغير المباغث ؟ ببساطة، الخبث، أضحى مستحيلا. لقد انطوت البرقيات على شهادات، مفادها إدراك الديبلوماسية الأمريكية، منذ عهد طويل للتعذيب الذي يمارسه نظام مبارك وكذا فساد نظيره بن علي. إذن، بعد تسرب محتويات البرقيات، بدا واضحا بما يكفي، تقديم الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، دعمهما لأنظمة ديكتاتورية من خلال تبني منطق اللامبالاة، والتظاهر بتجاهل ممارساتها. لكن، لما حرمت من الدعم الديبلوماسي الغربي، وأصبحت متهمة في عقر دارها، وجدت ديكتاتورية المنطقة نفسها منكسرة جدا، ولا ننسى أبدا عاملا، أخيرا : الشجاعة، سريعة العدوى. فمثال النشطاء التونسيين، الذي جعل رأس ويكيليكس مطلوبا لدى البانتاغون ـ الأخير أصدر لنا أمرا، بضرورة إتلاف البرقيات الديبلوماسية، لكننا رفضنا ـ أيقظ الخيالات : إذا أمكنهم القيام بالخطوة، فبوسعنا نحن أيضا ! حينما هيأنا عملية إشهار الوثائق السرية، فكرنا في الطريقة التي يمكننا أن نحيا بواسطتها ـ أقول جيدا : فقط نحيا ـ بإصدار كهذا. بدأنا بتأمل مختلف استراتيجيات البقاء، ثم راهنّا أخيرا على مسلمة بسيطة جدا. تصورنا، وجود عتبة وكمية من الأزمات الخطيرة، بحيث أن وزارة الخارجية الأمريكية والبوليس الفيدرالي، لم يكونا في مستوى معالجتها، الشيء الوحيد الذي كان علينا القيام به، استهدف اقتحام هذه العقبة بغاية شل النظام. هكذا، أرغمت الأجهزة الأمريكية وحلفائها في الرعب، على الارتداد إلى ذواتهم، والانكباب على قضاياهم، والاهتمام بعلاقاتهم. عدد التعقيدات التي دشناها، تجاوزت مستوى قدرتهم على الإحاطة بها. أعتقد، أن الاستراتيجية اشتغلت، وربما أنقذتنا وساعدت الربيع العربي.

بيتر سينجر : حينما نتساءل، إذا كان فعل ويكيليكس حقا، قابلا للعمل على تطوير الديمقراطية في العالم العربي، فلا شك، أن الربيع العربي أعطى جانبا من الجواب. هي في كل الأحوال، سلسلة الأحداث الأكثر تعبيرا عن هذه الفرضية. في نطاق ما، المعلومات التي تضمنتها البرقيات، كانت معروفة سابقا، لكن تأكيدها اكسبها سلطة تبدو لي حاسمة. أحس، المواطنون التونسيون، إلى أي  حد صارت وضعيتهم شاذة. تحدثت البرقيات صراحة، على أن الفساد الهائل للمحيط الرئاسي، شكل سدا منيعا أمام قدوم المستثمرين الأجانب، مما انعكس مباشرة على البطالة، نتيجة أضرت مباشرة بالشعب. نفهم حقا، هنا كيف يمكن أن تقود شفافية المعلومة إلى تبلور للوعي، ومن تم خلخلة للمنظومة. ثم، سارت متواليات لعبة الدومينو : سقوط نظام بن علي، أشعل الثورة المصرية، وبعدها الليبية.

جوليان أسانج : قد أباغثكم، وأنا أتوخى هنا طرح مسألة دقيقة. فالفكرة السائدة، أنه بإفشاء معلومات حول نخبة فاسدة، ندفع الشعب كي يثور. جزئيا، الترابط صحيح. لكننا، نقف على أنماط أخرى من تأثير المعلومة، بعضها مهم جدا. في كينيا مثلا، عندما كشف ويكيليكس عن اختلاس أموال تقدر ب 3,5 مليار دولار، من طرف الرئيس السابق “دانييل أراب موي” وزبانيته. ستمتنع الحكومة الجديدة، عن المطالبة بإرجاع هذه الأموال، رغم أنها وعدت بذلك. حينما علم الكينيون بحقيقة الأمر، غضبوا وعاقبوا حكومتهم، التي سبق لها أن عقدت تحالفا انتخابيا مع الرئيس “موي”. هذا، تأويل ساذج. لكن، الآخر الأكثر أهمية بالنسبة هذه الواقعة، يدخل عنصرين إضافيين، حينما أصدر ويكيليكس تقريره السري، حول اختلاسات الرئيس “موي”، والمبالغ المحصل عليها، ومصدرها، والبنك الذي أودعت فيه، تبيّن فجأة كيف وزع شركاء الرئيس، الغنيمة كما اتضح لهم بأنهم كذبوا على بعضهم. ولأن المعلومات البنكية، انكشفت، وكذا أسماء الشركات الوهمية، فقد سارعوا لإخفاء الأموال المسروقة، و بدا واضحا حنق بعضهم ضد البعض الآخر. هكذا، ستحدث في كينيا خلال الأسابيع التي سبقت الانتخابات، ظاهرة مالية مثيرة للاهتمام. فبالنسبة لجل الديمقراطيات، تنخفض قيمة العملة، ما دام المستثمرون يجهلون قطعا من سيصل إلى السلطة. بالتالي، يؤجلون عملياتهم، ويتجهون صوب بلدان  أخرى قابلة أكثر للتخمين. في كينيا، حدث العكس. مباشرة بعد الانتخابات، ارتفعت قيمة العملة الكينية “الشيلينغ” بمعدل %4، لأن مختلسي الاقتصاد الكيني استعادوا أموال أرصدتهم من البنوك الأوروبية، كي يمولوا  تحالفات حملاتهم الانتخابية. وبما، أن ويكيليكس أفشى سر الحسابات البنكية، وفضح كل تلاعبهم، فعوض أن يرجعوا الأموال إلى كينيا، حاولوا استبدال أمكنتها وإخفائها، كي لا نتمكن أبدا من معرفة وجهتها. هذا المثال، يقود إلى خلاصة أساسية تتعارض نسبيا، مع حدس قضيتنا : البعيدون عن السلطة لا يمكنهم تحديدا، القيام بشيء يذكر، اللهم تجميع شتات قواهم. لكن بعض المعلومات، باستطاعتها أن تزرع بذور الشقاق وسط نخبة صغيرة، صاحبة ممارسات مشبوهة، وبالتالي تمهيد السبيل أمام حركة جماهيرية. أحيانا، تكفي إشاعة أخبار إزاء النخب، كي ينطلق الإصلاح.

بيتر سينجر : ما وصفتموه هنا، يكمن في غياب الشرف بين اللصوص.

 

III ـ حــدود الشفافيــة :

بيتر سينجر : إلى أي حد يمكننا الذهاب على مستوى الشفافية ؟ كيف نعّين الحدود ؟ يظهر لي، من الصعوبة بمكان، الإجابة عن سؤال هكذا بالمطلق. في الواقع، أعتقد بضرورة فحص الوضعيات، الواحدة تلو الأخرى. لقد أوردت هيلاري كلينتون، نموذجا جوهريا : بعض مخزونات الأسلحة النووية للمعسكر السوفياتي السابق، هي في طور التفكك. إذا، من الممكن في حالة فضحكم لمواقعها، أن أشخاصا يضمرون نيات سيئة، قد يسعون للاستحواذ عليها. احتمال، يفرض الإبقاء على أمكنتها سرية، لأن كثيرا من البشر سيتعرضون للخطر. يتحتم علينا الاحتفاظ بهذا المعيار : ربما يشكل تسريب معلومة ما، تهديدا واضحا وحقيقيا، لذا يستحسن أن تبقى سرية. تذكرون، تصريح القاضي الأمريكي “Olivier w. Holmes” بخصوص حرية التعبير : “لا يحق لنا، طلب الغوث من النار، داخل مسرح مكتظ”.

جوليان أسانج : على الأقل، إن وجدت النار فعلا ؟

بيتر سينجر : لقد سجلتم نقطة. رغم ذلك، أتمسك بصلاحية هذا المعيار الأول : حينما تنساب معلومة، يمكن أن تخلق كارثة، فينبغي منعها ولو أرادت التمهيد لديمقراطية أكثر شفافية، وتساعدنا على أن تكون لنا حكومة جيدة، أو تحذرنا من بعض الاختلاسات. أيضا، أعتقد أنه ينبغي منع جميع انتهاكات الحياة الشخصية، التي لن تخدم في شيء المصلحة العامة. لنأخذ، حالة سرية  الملفات الطبية : إن إفشاء سر، هذا النمط من المعلومات ليس جائزا، إلا إذا الشخص المقصود يمارس مسؤولية مهمة على مستوى الوظيفة العمومية، وأن حالته الصحية، قد تكون لها انعكاسات على قدرته لإنجاز  مهمته. في رأيي، هناك معياران، بغية رسم حدود معقولة للشفافية : أولا، الوجود المحتمل لتهديد واضح وحقيقي. ثانيا، كون المصلحة العامة، تتصدر المصلحة الخاصة، في حالة بعض الوظائف العمومية الحساسة جدا. حين، نستحضر هذان المبدآن الشاملان، يستمر هامش من التقويم الملهم، الذي بخصوصه أنا متردد كي أعلن موقفي، أو أعمم. لقد عدنا، إلى الحالات الفردية.

جوليان أسانج : ينبغي الانتباه، حينما نغامر على أرض فلسفة الحق، فالأخيرة، ليست هي الإيتيقا. بالفعل تهتم فلسفة الحق، دائما بالأنظمة القانونية الخاصة، إنها إذا صح القول، فلسفة مؤسساتية. بينما، تتوجه الإيتيقا إلى طموحاتنا الشخصية.  حتما، من النادر جعل الملفات الطبية متاحة للجميع : كقاعدة عامة، تنتمي بالأحرى إلى الميدان الخاص. من هنا القول، أنه ينبغي الالتجاء إلى الإكراه، قصد منع نشر المعلومة الطبية… . أفضل مقاربة هذه القضية بمنظور المسؤولية. من واجب، الناشر إخبار الجمهور، وحماية مصادره. أيضا الطبيب أو الشرطي، ملزمان بواجب مراعاة الحذر، بخصوص المريض أو المتظلم. كيف ينبغي، ممارسة تدخل السلطات التشريعية والقضائية في هذا النوع من المواقف ؟ من المؤهل قانونيا لتوظيف وسائل قسرية من أجل الحيلولة، دون ذيوع المعلومات ؟ ومتى ؟ للإجابة على هذه الأسئلة، ينبغي إقامة فصل مفهومي قاطع بين الضرر المثبت قانونيا، ثم ما اسميه ضررا نظريا. أعتقد، أن الإكراه، لا ينبغي ممارسته إلا جوابا عن ضرر فعلي وحقيقي. إذا كان علينا تبني نظام للرقابة،  فكيف يحق أن تتم وظيفته؟ من هم المشرفون عليه ؟  وإجراءات تعيينهم ؟ كيف سنضمن تأدية المراقبين، للمهمة التي أوكلت إليهم، ولن يحولوها إلى استعمال تقديري ؟ في العمق،  نظام الرقابة عدالة غامضة، حتى موضوع الرقابة نفسه، لم يغدو عموميا. يتعلق الأمر إذن،  بتطور قضائي سري. والحال، أن التاريخ غني بالتجارب المؤلمة، توضح أن العدالة، يجدر أن تصير جلية. وأثناء المحاكمات، فالقضاة أنفسهم يخضعون لمراقبة هيئة شعبية. يجب، رؤية العدالة تشتغل، كي نلغي ممكنات الشطط. النظام القضائي قوي، لأنه في مستوى تفعيل آلية الإكراه، أما حين فساده، فيصبح خطيرا للغاية. سيتوطد، الفساد لأن هذا القضاء سري ومتسلط. إذن، أقول أن معاقبة الإشهار تتم فقط، بناء على ضرر واقع وليس متخيل. ولا يمكننا، الخضوع لتحديد قبلي.

بيتر سينجر : لتناول، حالة المعلومات المتعلقة بسلامة المراكز النووية، أو بالأحرى، تصدعاتها، مما يجعلها عرضة كي ترتمي إليها أيادي الإرهابيين : هل تعتقدون حقا، أنه يجوز نشر المعلومات، وننتظر حتى تصبح الخسارة قائمة، ثم نباشر إجراء قانونيا ؟ في حالة كهذه، تأخذ الخسارة أبعادا ضخمة. أما بخصوص التطور السري للرقابة، والتي أصبتم في دحضها، ألا يمكننا تأطيرها، بأن نصف بوضوح نمط المعلومات التي ستخضع للرقابة، دون الكشف عنها ؟

جوليان أسانج : لكن، من سيلتزم بتوصيف كهذا ؟

بيتر سينجر : يبدو لي  صائبا، الدفاع عن سلطة قضائية، تقوم بترتيب المعلومات التي يلزم، الإبقاء على سريتها. بعد ذلك، إذا برزت مخالفة لقواعد السلامة، بوسع الوكيل العام، القول : لقد انتهكتم مضموم معلومات، تصنف باعتبارها سرية، وتبرز خطورة استيلاء الإرهابيين عليها.

جوليان أسانج : إن قال ذلك، فلأن المعلومة انتشرت. إذن، السيء وقع، والرقابة القبْلية لا تمارس أبدا.

بيتر سينجر : حينما تصرحون، أن الشر وقع، تقصدون بهذا استيلاء الإرهابيين، منذ فترة على المعلومات، ووظفوها بكيفية خاطئة ؟.

جوليان أسانج : نعم هذا ما أردت حقا قوله. أعتقد، بوجود ثلاث لحظات متتالية، لكنها متميزة، بالنسبة لهذا التطور : مرحلة أولى، قبل الإصدار. مرحلة ثانية، بعد الإصدار، لكن قبل الضرر. وأخيرا، مرحلة ثالثة، حين أضحى الضرر قائما. في المرحلتين الأوليتين، لا يأخذ الضرر صيغة واقعية، إنه مجرد فرضية وتنظير. المرحلة الثالثة، حيث الضرر مثبت، فهي جد نادرة. تذكرون، الانتقادات التي انصبت على ويكيليكس : لقد وجهت إلينا تهمة، أننا جعلنا حياة مجموعة من الناس عرضة للخطر، فتكهن معارضونا، أننا سنشعل موجات للانتقام والاقتصاص، يستهدف مالكي المعلومات الأمريكيين، لاسيما المتواجدين في العراق وأفغانستان. بل، ذهب البنتاغون حد الادعاء، أن أيادينا ملطخة بالدماء. اليوم على موقع غوغل تكمن الكلمات/ المفاتح في : “ويكيليكس، دم على الأيادي”، التي تلقت أكثر من عشرات المرات، على أجوبة مثل “البنتاغون، أيادي ملطخة بالدم”، إنه أمر سخيف، ما دام البنتاغون بالرغم من كل صنيعه لم يستطع البرهنة على وقوع حالة موت واحدة، أدت إليها تسريباتنا التي همت 120 دولة. لماذا عرفت هذه الدعاية المجنونة، قدرا من النجاح ؟ طبعا، لأن وسائل الإعلام، تبقى مجرد دمى خطابية متحركة، قريبة جدا من السلطات، التي يفترض أنهم يراقبونها. في هذه الحالة بالضبط، يستند مكرهم من أجل حشو جماجم الأفراد، على مفهوم الضرر النظري. نفس الحيلة المنمقة، استغلها دونالد رامسفيلد وديك تشيني، كي يبررا قانونيا التعذيب داخل الولايات المتحدة الأمريكية. ينبغي، ممارسة التنكيل، أليس كذلك، مادام يخلق لدينا إمكانية أن نستخلص منه منفعة نظرية كبرى : إذا افتضح أمر قنبلة موقوتة، مختبئة في جهة ما، برمجت كي تنفجر خلال 24 ساعة، ونعتقل إرهابيا، ربما يكشف لنا عن موضعها، فإننا سنحتفظ بأبرياء مع تعذيبهم، وعلينا الإقرار بجدواه كي نصل إلى الفاعل. هذا الدليل، محض نظري، لأن وضعية كهذه لم يتم أبدا عرضها حسيا، لذلك، بحسبي، يصعب تبرير أي بسط للقوة الجبرية، بناء على اعتبارات مجردة. التأمل، يفتح المجال أمام كل التجاوزات. أيضا يستحسن، التخلي عن الدلائل النظرية، عندما يكون مصدرها أشخاص قريبون من السلطة.

بيتر سينجر : منذ فترة، كتب باحثون استراليون مقالة علمية، حول تغير طارئ لفيروس، يجعله أكثر فتكا. وقد وجهت إليهم إشارة تنبيهية، مفادها أن تلك المعلومات، ربما يستغلها إرهابيون لصنع أسلحة جرثومية خطيرة. بالتالي، سيعبر هؤلاء العلماء عن حسرتهم، لكونهم روجوا معلومات قد تستغل من طرف بيولوجيين إرهابيين، وينتشر معهم الوباء القاتل. هنا يصبح  مبررا، لدي منع الولوج. لكن تلزم حالة من هذا النوع، تنطوي على احتمال معقول، ينتج ضررا جسيما جدا.

جوليان أسانج : أضمر، انتقادا شديدا لما يعرف ب “الغائية” (تيار فلسفي أخلاقي مهم، ينتمي للعالم الأنجلو ساكسوني، يؤكد على ضرورة أن نختار دائما من بين جميع الأفعال التي نقدم عليها، تلك التي ستكون لها أفضل النتائج على الأشخاص المتأثرين بها). غالبا، تبقى هذه الرؤية، مجرد مبرر لتقليص مجال الرؤية. بالتأكيد، أنا متفق معكم بخصوص ما استشهدتم به. لكن يزعجني الاعتماد، على أمثلة نادرة، واضحة، لا لبس فيها، كي يصير بوسعنا شرعنة مبدأ الرقابة. الحديث ينطبق على القنبلة الموقوتة والتعذيب : نتبنى حالة معزولة، وتقريبا بعيدة الاحتمال، كي نضفي هالة من الشرعية على ممارسة جائرة. إنها الصعوبة، التي تطرحها القوانين والمعايير : كيف نؤسس بنية قرارية صلبة بما يكفي تحسم في حالة معزولة، دون أن نرسي  شيئا قبليا، يفتح الباب أمام كل أنواع الظلم ؟ تطرح الرقابة إشكالية حقيقية، أكرر ذلك، عندما يكون الموضوع الخاضع للرقابة سريا، حينئذ لا نملك أية وسيلة بغية اختبار اشتغال النظام كما ينبغي. أيضا، وبناء على جهة نظر إبستمولوجية، فلا يمكننا قط التكلم عن حالة مفترضة ومعزولة : الحالة لا تقوم لها قائمة، وتستمد معناها حقيقة، سوى من نسق يحكمها.

بيتر سينجر : ما تعترضون عليه، ليس المذهب الغائي بقدر ما هو المسار المرتكز على إقامة استدلا من خلال حالة مفترضة، ثم تعميمه لبناء خلاصات عامة. حديثكم عن التعذيب صحيح، وأنا متفق مع تحليلكم : حقا، حينما نركز الانتباه على حالة استثنائية، فإننا لا نتساءل عن ماهية عواقب إضفاء الشرعية على التعذيب. حاليا، يتمثل السؤال في معرفة إذا أمكننا تجاوز تقييد البث في أخبار من كل الأنواع. سيكون حتما الوضع أفضل، على الأقل، إذا لم نجد أنفسنا حيال سيناريو كارثي. من وجهة نظر الغائية، يتعلق الأمر بتقييم الاحتمال : هل الاحتمال واقعي بما يكفي، كي تقلب من كل الأوجه، اليقين الأخلاقي، الذي تقود وفقه الرقابة إلى تجاوزات ؟

جوليان أسانج : شكرا على التوضيح.  أدرك، أني لم  أستوعب هذا الأمر في ظل الغائية، لكن على ضوء من البلاغة الضيقة، التي يوظفها بعض أنصارها. لاحِظوا، استحالة تبين كل عواقب فعل من الأفعال. بالتالي، فالأمثلة النظرية التي تضايقني كثيرا، تعتبر ربما نتيجة للمذهب الغائي.

 

IV ـ هل باستطاعتنا جعل الإنسانية، أكثر أخلاقية :

بيتر سينجر : نعلم، حين يشعر الأفراد، أنهم تحت عين ملاحظة، سيحاولون التصرف بطريقة مختلفة. علماء نفس بريطانيين، اهتدوا إلى تجربة مهمة: على واجهة، آلة قهوة، ألصقوا إعلانا في شكل عينين. بعد فترة، لاحظوا ارتفاعا كبيرا للمبلغ المالي، الذي ألقى به الزبناء في صندوق مساهمة اختياري. مع أن الشرط، تعلق فقط بإعلان ؟ لكن، حين استبدلوا الأخير بصورة للأزهار، انخفضت قيمة المساهمات. واضح إذن، أننا نتصرف بشكل أفضل، عندما نستشعر المراقبة. على مستوى صيرورة الحياة اليومية، ننزع أيضا للإمساك عن ارتكاب الأفعال السيئة، عندما نكون تحت أنظار الآخر، سواء تعلق الأمر بأترابنا وأقربائنا أو الأشخاص الذين يمكنهم معاقبتنا. الأنترنيت، له مزية أن يخلق مجموعة واسعة من أقراننا. قدمت موسوعة “ويكيبيديا”، مثالا : مجموعات تتكفل، بمراقبة دقيقة للمعلومات. تتماسك الهيئة، ثم تتحسن الموسوعة. طبعا، سيتواجد باستمرار أفراد يتصرفون بطريقة سيئة، لكني أعتقد أن أغلب الناس لهم هاجس، القيام بما هو أفضل. يمنحنا الأنترنيت، إمكانية خلق محيط أخلاقي مختلف، بحيث يجد كل واحد نفسه متموضعا تحت أنظار الجميع. بالتالي، سيجبر الأشخاص أكثر فأكثر على اعتماد سلوكات أخلاقية.

جوليان أسانج : أعتقد أن غرائزنا الأخلاقية، تشكلت قبل الحداثة، بين فضاءات قرى صغيرة، مع مجموعات محدودة، بحيث عاش كل فرد دوما مراقبا. إننا على مقاس هذا النوع من الوضعيات، لذا، يظهر لنا المسار معتادا جدا، وليس متعذرا التقولب معه. بمعنى الإنسان، مؤهل ضمنيا لهذا المنحى الأخلاقي، الذي أرساه ثانية الأنترنيت. أنا متفق معكم : حينما نحس، أننا خاضعين لمراقبة محيطنا، ستصير تصرفاتنا أكثر انضباطا، وأقل انتهازية في كل الأحوال. لكن، لا ينبغي التغاضي عن نقطة مهمة : لا يعتبر فقط الأنترنيت شفافية، بل أيضا فضاء رقابة. وليس آباؤنا وأقرباؤنا وأقراننا وكائنات هي بالأحرى متسامحة من يمارس هذه الرقابة، لكنها وكالات دولية للأخبار ورفقائها في مجتمعات خاصة، مما يطرح قضية شائكة بالنسبة للحضارة العالمية. قطعا، حتمية. لقد كنا في حاجة إلى فضاء خاص، ليس بهدف التخلص من نظرة أمثالنا، لكن تلك المجموعات القوية الدارسة لسلوكاتنا والباحثة عن التلاعب بها. أيضا، وجراء العيش سنوات عديدة داخل مدن صغيرة للبلد، حيث الجميع يعرف بعضه البعض، أشعر أن المناخ يكون أحيانا ضاغطا. بقدر، ما تقتربون من المعيار، يسير كل شيء على ما  يرام، لكن لما تذعنون لمعايير ثقافية غريبة، وتتمردون على التوافق، فقد تجدون أنفسكم في وضعية متعبة جدا. أفكر الآن، في صعوبة أن تكون لك، على سبيل الذكر، نزوعات جنسية مثلية، وسط مجموعة قروية. على الأقل، في حالة كهاته، يمكنك الرحيل والذهاب، للعيش في مكان آخر. سأبقى إذن مرتابا أمام الوصف الساحر، الذي اقترحتموه. أعتقد أن منظور أخلاقية مقتسمة كونيا، خطير جدا. لقد أصدر الأنتربول، بيانا أحمر ضد القذافي، وضدي أيضا.

بيتر سينجر : أنا متفق معكم، في القول أننا اعتدنا التحرك  داخل مجموعات صغيرة، وغرائزنا مستأنسة بهذه الوضعية، في السراء الضراء. أضيف، بوسع الأشخاص على الأنترنيت إيجاد مجموعاتهم الخاصة،  ويستمدوا منها الدعم. أما، بخصوص الجنسية المثلية، فلا تمثل حقا قضية في أغلب البلدان النامية. مع ذلك، توجد مجموعات أخرى، تدرك أو ينظر إليها باعتبارها “منحرفة”، لكن أعضاءها، لهم حاليا إمكانية التواصل بفضل الأنترنيت، وبالتالي تأسيس هيأة دعم. إنها، ظاهرة حاسمة تجيز، التخلص من كل حكم أخلاقي جائر. أما القيم الأخلاقية الكونية التي استحضرتها، فتقتصر حسب رأيي على قواعد بسيطة جدا وقليلة : احترام الآخر مثلا …، وحده يجسد الحد الأدنى للإيتيقا، مع عدد معين من المبادئ، يمكنها أن تستشرف الكونية. منذ قليل، أشرتم إلى مقتكم للمعاناة، ورغبتكم تجنب آلام غير مجدية. لقد تحدثتم عن ما يشبه قاعدة ذهبية بهذا الخصوص، لكنكم على الفور، أوضحتم أن قناعتكم الشخصية، وليس بالضرورة مشتركة. أحب العودة إلى هذه النقطة : طبعا، هناك من يفكر بطريقة مختلفة عنكم. إذن، … هم على خطأ ! ربما، لا يمكنني البرهنة عليها، مثلما أستطيع مع واقعة علمية، لكني أظن أن عدم الاكتراث بمعاناة الآخر، يمثل موقفا موضوعيا يستوجب الإدانة.

جوليان أسانج : الأخلاقية، ليست بالموضوع الذي اعتدت الخوض فيه. فحينما، أستحضر المبررات التي من أجلها أبادر، أكتفي بتوضيحها. إذا فكر شخص بطريقة أخرى، فلا أعتقد من حقي، أن أطلب منه تغيير قيمه. يبدو لي، عدم جدوى القول : “عليك أن تكون أكثر رحمة، عليك أن تتصدى للمعاناة”. لاشك، ينبغي على كل واحد منا الذهاب أبعد من قناعاته، ويأخذها على محمل الجد، ثم يتصرف على ضوئها. لا يمكن أن نطاوع الآخر، توخيا لإرضاء رؤيته الخاصة للعالم.

بيتر سينجر : هذا يحيلنا على قضية كلاسيكية للغاية : هل الأخلاقي فقط  قناعة شخصية، أم تحكمه دلائل عقلانية، تدفع بعض الأشخاص كي يغيروا آرائهم وسلوكاتهم.

جوليان أسانج : هل حقا يعتبر عقلانيا، أن تتصرف ضد هذه القناعات ؟ حينما ننهض بمعركة سياسية، تكون لنا في الغالب قضية ضد خصوم محددين، يبحثون على إسقاطك بكل الوسائل. هكذا حاول ضباط البوليس الفيدرالي الأمريكي، إدانتي بتهمة التجسس : الأمر عقلاني، من جانبهم ويندرج في إطار أهداف عملهم. عندما يمارس شخص ما سلوكا، لا يستهدف مصلحته أو مصلحتكم، ثم لا يدرك الأمر، فذلك محبط للغاية ! فقط في أحوال كهذه تلعب الفلسفة الأخلاقية دورا. ألا تظنون ؟  تستفسركم بما يلي : “في ماذا تفكرون ؟ ماذا تريدون حقا، كيف تعرّفون مصالحكم العقلانية ؟” لنفترض، أنها عثرت على مُحاور، وقد تحدث لها بصراحة : “طيب والآن، ما هو مخططكم ؟ ” بعد عرض محاورها لمخططه، قد تجيبه : “جيد جدا، لكن هل تصورتم أيضا مخططا آخر أكثر عقلانية، ما دام في مصلحتكم، وكذا الآخرين ؟ ” هذا، بحسبي أقصى ما يمكن أن تصنعه الفلسفة الأخلاقية.

بيتر سينجر : ليس مؤكدا ؟  يمتلك الأفراد في الغالب  مفهوما ضيقا جدا عن مصلحتهم، يحتاج للتوسع أو التغير. ضابط البوليس الفيدرالي الأمريكي، يبتغي الارتقاء بمهمته، مع أنه ربما لا ترضيه كليا. الضابط، قد يعتبر جهازه بمثابة صاحب فضل على الإنسانية. لكن من الممكن أيضا ؟ أن جرائم الحرب والتعذيب، تصدمه. أستشهد بمثال آخر : أثناء حملاتي للدفاع عن حقوق الحيوانات، التقيت الناطق الرسمي لشركة مواد للتجميل تسمى «Revlon » تجرب منتوجاتها على الحيوانات. كان يفترض،  أن تحصر الانتقادات قصد مواصلة تنفيذ عملها. مع ذلك، ستدرك أخيرا، صيغة للبطولة بطريقة أخرى، بوضح حد لممارسات تسيئ إلى سمعة علامتها. هكذا أعلنت الشركة ذات يوم أنها لن تعمي الأرانب، حين إخضاعها للروائز ؟ إذن تحول القرار الجيد، إلى رهان رابح. قد نستدعي أحيانا المصلحة الشخصية بالمعنى الواسع، مما يخفي تقديرا للذات، والرغبة في أن تكون فردا جيدا.هكذا يمكننا استدراج الأفراد،  كي يعيدوا تقويم مصالحهم وإدراكهم لذواتهم، وكذا الأفعال التي هم مستعدون للالتزام بها.

جويان أسانج : فيما مضى، داخل منزل أبي، بمدينة “سيدني”، تعرضت لسرقة حقيبتي. ثبت، أن السارق شخص صاحب سوابق. حاول أبي، مجادلته كي يفهم قناعاته، التي شكلت الأساس. كانت التالية : إذا لمح هذا الرجل حقيبة في متناول اليد، ولم يسرقها، سيؤرقه إحساس إخفاقه أمام ضميره، وأنه غبي وجبان. سيعتقد أيضا أن والديه سيحتقرانه …إلخ.

بيتر سينجر : هي حالة متطرفة ؟

جوليان أسانج : أظن، يعيش أشخاص كثيرون نفس الحالة، وبناء على تطور العالم المعاصر، يبدو الجميع مرتابا اتجاه مفاهيم الأخلاق، لكني أراهن على رسوخ دائم للانتهازية. كذلك، ستصلنا دائما رسائل إليكترونية غير مرغوب فيها : وبقدر، ما نتمثل نظاما معلوماتيا متطورا جدا من  أجل التصدي لها، كلما ارتفعت تكلفة، تناقص ورودها. غير أن استراحة مؤقتة كهاته وللأسف، لا تستمر طويلا ما دام باعثوها، ينجحون أخيرا في تفكيك ميكانيزمات التصفية، ونعود إلى توازن البداية. ألا ينطبق نفس الشيء على الخير والشر ؟

V ـ الخطوط الكبرى لفكر بيتر سينجر :

يعتبر اليوم، هذا الرجل الممثل الأكبر مكانة لتيار فلسفي أخلاقي، أنجلو  ـ أمريكي يسمى : المنفعية. أسسها جيرمي بينتام (1748-1832) وجون ستيوارت ميل (1806-1873). مذهب يؤكد على إمكانية حساب القيمة الأخلاقية لأفعالنا. فالفعل جيد، إذا خلق السعادة لأكبر حشد ممكن، وحقق أقصى منفعة لعدد من الأفراد. حول هذه النقطة، يلتقي جميع دعاة المذهب النفعي، غير أن بيتر سينجر، سيقدم جديدا لماهية المنفعة : فلا ينبغي أن نأخذ بعين الاعتبار، فقط مصالح الكائنات الإنسانية، بل كل الكائنات التي تحس بالألم والابتهاج. بالنسبة إليه، المعاناة الحيوانية، ليست حيادية، أخلاقيا. ينبغي، إذن إعادة التفكير في الكيفية التي يندرج بها السلوك البشري ضمن جماعة الكائنات الحية. عمله المشهور : (La libération Animale) أعطى إشارة الانطلاقة لإحدى أكبر السجالات الفكرية، على مستوى الفلسفة الأنجلو أمريكية المعاصرة. يختلف، سينجر اليوم، مع المتطرفين أو “أنصار تحرير الرق”، الذين يؤمنون بحق جميع الحيوانات، في حياة يمنع انتهاكها (بما في ذلك البعوضة التي لا تمتلك أي شكل من الوعي). يتميز أيضا، سينجر عن دعاة تحسين النسل، الذين يقرون، أنه يجوز لنا استبعاد الأشخاص المعتوهين ذهنيا، والشيوخ، لأن كلفتهم باهضة على المجتمع. يؤمن كذلك بالالتجاء إلى الموت الرحيم، فقط حينما تصير الحياة مجرد بؤس وإحباط، كما يقبل التجريب على خلايا أصلية جنينية، إذا أمكنها إنقاذ  حياة البشر، وإمكانية استعمال الجلد لإنتاج الملابس…. نزعته النباتية، هي بالأحرى مرنة. طبعا، فكره لا يمنح أية خاصية مقدسة إلى الحياة الإنسانية، لكنه منتبه جدا لتوازن الأفراح والأحزان، وهذا بالضبط جوهر مذهب المنفعة.

 

ترجمة : سعيـد بوخليـط

http://saidboukhlet.com


1  – Philosophie Magazine, n° 55, Janvier 2012,  PP : 15-26.

error: المحتوى محمي