ريكور صديق العرب وحليفهم – صالح مصباح

ريكور صديق العرب وحليفهم – صالح مصباح


image1 (2)

 

صالح مصباح – أستاذ الفلسفة في جامعة تونس

انضاف يوم الجمعة الماضي، إلى قائمة كبار مفكري القرن البائد الذين فارقونا أخيرا، اسم الفيلسوف الفرنسي بول ريكور ـ استحضر آخرهم الفرنسي جاك دريدا وقبله المعمر الألماني هانز غادمير وقبله الأميركي جون راولز، وليس صدفة ان يكون هؤلاء جميعا من أصدقائه، ومن الأكثر عالمية.

والحق ان الكلام في هذا المقام عن ريكور ليس بمثل يسر الكلام عن غادمير او راولز مثلا بل وحتى عن دريدا ذاته، لان هذا الفيلسوف قد كان ذا وضع ملتبس في المجال الفكري الفرنسي، رغم كونه بامتياز منفتح التفكير،فقد سعى إلى الانفتاح على خارج الفلسفة من لاهوت وسياسة وأدب وعلوم إنسانية، بل انه جعل الفلسفة في حوارية دائمة مع ذلك الخارج، من دون ان يهمل حوارها مع تاريخها الخاص، أو مع ذاتها.

لم تكن «سيرة بول ريكور الفلسفية» (1995) منفصلة البتة عن مسيرة حياته ذاتها بل انه، كان شاهدا بصفته فيلسوفا، وفاعلا بصفته مواطنا فرنسيا اولا عالميا أخيراً، (يشي بذلك ما جمعه من مقالات بعضها اسماها «قراءات» (1991-1992-1994) واخرى «العادل» (1995-2000) في هذا «القرن القصير جدا» قرننا العشرين (1918 -1989) حسب تحقيب المؤرخ الانجليزي هوبزباوم . بل انه خلافا لما قد يظن البعض، التحم بول ريكور أكثر من مفكرين كثيرين غيره ـ يعتبرون عادة من الفاعلين السياسيين والنظريين ـ في مجريات ذلك القرن : فلقد وسمت كبريات أحداثه بميسمها حياته ذاتها، ولعل في ذلك بعض ما يفسر انشغاله بالتاريخ وبالزمان، وباختراق رؤية تراجيدية للعالم تفكيره، هي في تقديرنا رديف أزمة الحداثة ذاتها.

وقد كانت بداية تلك التراجيديا عندما أفقدته الحرب الكبرى الأولى التي كانت نفير أزمة قيم الحداثة والعقل، والده وهو لم يبلغ بعد سنه الثالثة.أما الحرب الثانية التي كانت «أوج أزمة الحداثة» فقد جعلته يعيش تجربة المعتقل النازي الذي مثل أول تجل للبربرية الحديثة بل» براديغم الشر المطلق» ذاته.

ولكن تجارب أخرى اقل حدة قد فعلت فعلها أيضا فيه، نعني تجربة العزل الفكري، بل والعنف المادي والاضطهاد الجامعي الذي عاناه في الساحة الفكرية الفرنسية، سنوات سيطرة اليسار الإيديولوجي في فرنسا (1968- 1984)، هذا رغم انه كان قد سعى إلى المشاركة في اصلاح المؤسسة الجامعية الفرنسية على خلفية ثورة الطلاب سنة 1968 ذاتها، ولكنه اهين، الأمر الذي قد يكون دفعه إلى نوع من التغريبة الأميركية الاختيارية بداية من 1972، وهي تجربة جعلته يكتشف «العالم الجديد» ويطعم تفكيره بل وقناعاته السياسية ذاته، بمصل جديد هو «روح الفكر التحليلي» الأنجليسكسوني، بعد أن كان سعى إلى فهم التراجيديا الأولى والثانية بمقدرات التفكير الوجودي والشخصاني الفرنسي رافد تفكيره الأول، وبمقدرات الفينومينولوجيا الألمانية التي بدأ في الاشتغال عليها منذ المعتقل الألماني في بولندا عندما ترجم بقلم الرصاص في طرة النسخة الأصلية الألمانية لكتاب هوسرل «افكار توجيهية من اجل الفينومينولوجيا».

لقد دفعته تربيته الدينية البروتستانتية عند محاولة فهم ما حصل بين 1939 و1945 إلى اختيار نوع من الوجودية المؤمنة التي استلهمها من كارل ياسبرس الذي ظل يعتبره طوال حياته ملهمه الأول، بل والتي «ساعدته أثناء فترة الاعتقال النازي» وذلك لأنها تحمل جزءا ايتيقياً مهما هو «إمكان بناء علاقة حوارية مع الآخر تقوم على الاعتراف والتفاهم» (2004). ولكن ذلك لم يتجل عنده بوضوح الا عند مواجهة قضية عقدية وانطولوجية حقيقية هي قضية الإرادة في أطروحته التي لم تكن مجرد عمل أكاديمي همه النجاح العلمي، بل كانت في ذات الوقت بحثا فلسفيا يحترم قواعد العمل الأكاديمي الرصين و«تجربة روحية» حقيقية موضوعها مسألة صميمة في المسيحية عموما وفي البروتستانتية بالأخص هي مسألة الشر. والواقع أن مسوغات ذلك لم تكن منحصرة في استعادة مسألة لاهوتية وفلسفية كلاسيكية، بل كانت نوعا من التأمل في الشر الذي شهده العالم في النصف الاول من القرن العشرين على نحو يختلف عن ما أنجزته حنا ارندت حول الكليانية، او ما انجزه موريس ميرلوبونتي حول الحرب والعنف من تحاليل سياسية، فلقد سلك ريكور مسلكا آخر في ثلاثيته حول «الإرادي واللاإرادي» (1950-1960) هو ما يمكن أن نسميه «مسلكا ايتيقيا» وقد اقتفى في ذلك سبيل مواطنه الفيلسوف ايميل نابار.

غير أن تحدي العلوم الإنسانية المزدهرة في أوائل خمسينيات القرن دفعه إلى الاضطلاع بذات المسائل الفلسفية انطلاقا من امتحان صلابة ما تقترحه تلك العلوم وبالأخص التحليل النفسي من نماذج تفسيرية أهمها على الإطلاق، التأويل التحليلي غريم التأويلية الفلسفية والهرمونطيقا الدينية في ذات الوقت وهذا ما أنجزه في كتابه حول فرويد 1965 الذي كان موضوع هجوم شديد من قبل جاك لاكان وأتباعه، وفي كشكوله حول نزاع التأويلات 1969 .

أما التغريبة الأميركية فقد أنتجت في فكر ريكور منعرجا لغويا حقيقيا، جعلته يصبح معاصرا حقيقيا لما حصل في تاريخ الفكر الحديث من تحول من تفكير محوره الوعي (واللاوعي كذلك ) إلى تفكير مستحدث محور اللغة، كان منطلقه التفكير في فعل الاستعارة وحياتها (1975)، ودفعه إلى استعادة التفكير في مسائل الزمان ( 1983-1984-1985) والهوية ذاته(1990)، على نحو جديد هو النحو التحليلي، وهو ما يظهر في كتابات الفترة الأخيرة.

وفي النهاية، فإن كتابه الأخير الهام والضخم حول الذاكرة والتاريخ والزمن (2000)الذي يعتبر بحق «وصيته الفلسفية» ييبن ان ذات الخيط الايتيقي الناظم، هو الذي ينسق كل ما كتب ريكور، منذ كتابه الأول بالاشتراك مع صديقه الاستيتيقي ميكيل دوفرين حول ياسبرس (1947)، انتهاء إلى الكتاب الاخير الذي تحضر فيه قضايا «واجب الاستذكار» و «الصفح» و«الافادة»، مرورا بكتاباته المتأخرة حول الشر باعتباره تحديا للفلسفة واللاهوت على حد السواء (1986) وجل القضايا الحقوقية والاخلاقية المستجدة (1995 -2001). وكتابات ريكور كلها مرتبطة بما كتب حول الارادي واللاارادي، وتسعى إلى الاضطلاع الفلسفي والاخلاقي بما حصل خلال الحرب الثانية وخلال التجربة الشيوعية، ولكنها لا تتنازل عن مقتضى العقل امام سطوة الهوى (2001 )،ولذلك فهي تؤكد على عدم اهلية الذاكرة وحدها لبناء معرفة تاريخية، لأن الذاكرة لا يمكن الا ان تبني تاريخا يهدف إلى التأكيد على نوع من الهوية السردية لتلك الجماعة، تستوي في ذلك «ذاكرة الناجين من المحرقة النازية» وذاكرة «الناجين من غولاغ المحتشدات الستالينية».

كلمة أخيرة عن صلة ريكور بنا نحن العرب، فمن البين أن فكره يحضر بقوة في إنتاج عديد المفكرين العرب الذين يشتغلون على قضايا الزمن والتاريخ والتراث والهوية من الفلاسفة، ومن نقاد الأدب ومن علماء النفس بل ومن دارسي الأديان كذلك المسيحيين العرب والمسلمين. ولقد كان من المعارضين الصارمين لحرب الجزائر، وكان من الذين نادوا على خلفية نوع من الإنصاف منذ 1958 بوجود دولتين في فلسطين واحدة للفلسطينيين وأخرى لليهود.أما أخيرا فقد كان من المعارضين لمنع الحجاب في المدارس العمومية الفرنسية، ومن المناصرين على الدوام لقضايا المهاجرين. وقد كان ريكور من الذين أحاطوا علميا بعديد الطلبة العرب وخاصة من لبنان و تونس والمغرب ومصر، الذين درسوا في فرنسا، ولم يتوان عن التحول إلى هذه البلدان للتدريس والمحاضرة. وداعا بول ريكور انك لفقيدنا نحن أيضا.

error: المحتوى محمي