الفلسفة السياسية لجون ديوي – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: سيرين الحاج حسين

الفلسفة السياسية لجون ديوي – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: سيرين الحاج حسين

حول جون ديوي وحياته، وتأثير فلسفته السياسية، في الليبرالية، والحرية، والفعل الاجتماعي، والفردانية، والديموقراطية؛ نص مترجم ومنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة. نسخة PDF


جون ديوي (1859-1052) فيلسوف أمريكي ارتبطَ اسمهُ بالبراغماتية. وكان له تأثير واسع كمُفكّر تربوي وسياسي، وناشط اجتماعي، بجانِبِ إسهاماته الأساسية في المجال الفلسفي.

  1. نبذة عن حياته

  2. مكانة فلسفة ديوي السياسية

  3. الليبرالية:

-الفردانية والتجريدية

-الحرية

-الفعل الاجتماعي

  1. الديمقراطية

    • المراجع

    • خدمات أكاديمية

  • مصادر أخرى

  • مقالات ذات صلة


 

  1. نبذة عن حياته

وُلدَ جون ديوي (John Dewey) في مدينة برلنغتن بولاية فيرمونت الأمريكية، في العشرين من أكتوبر 1859م. وقد أتمَّ دراستَهُ للفلسفة في جامِعةِ جونز هوبكنز (Johns Hopkins)، تحت إشراف جورج س. موريس (George S. Morris)، وذلك بعد فترة من عمله كمُعلّم في مدرسة. ثم غادر ديوي جامعة جونز هوبكنز مع موريس، لشغلِ منصبٍ في جامعةِ ميشيغان.

تَميَّزت أعمالُ ديوي الفلسفية المبكرة بمحاولةِ التوفيقِ بينَ مَبَادِئِ المثالية التي تشرَّبها من مُوريس، والمنهج الناشئ حديثًا لعلم النفس التجريبي لفهمِ العقل، وهُوَ ما يتَّضِح من عمل آخر من أحد زملاء ديوي؛ وهو ستانلي هول (Stanley Hall). بدأَ ديوي بتغييرِ مساره في تسعيناتِ القرنِ التاسع عشر، وخاصةً بعدَ الانتقالِ لجامعةِ شيكاغو الحديثة عام 1894، والانجراف بعيدًا عن المِيتَافيزيقيا المِثَالِية، ضمن عملية انتقالية يصفها في سيرته الذاتية كرحلة “من العبثية إلى التجريبية”. تأثَّرَ ديوي بشكل خاص بِكِتاب مبادئ علم النفس لويليام جيمس (1890)، حيثُ رفضَ ادّعاء الرؤية المثالية القائل بأنَّ دراسةَ الظواهر التجريبية تُؤدي إلى استنتاجِ فكرة أن العالَم هُوَ العقل، كما رفَضَ الاعتقاد بأنَّ البَدِيلَ الوحيدَ لهذا هُو منهج التجريبية الذرّية Atomistic Empiricism.

غادر ديوي جامعة شيكاغو في عام 1904م، وذلك على إثرِ خلافٍ مع رئيسِ الجَامِعة، ثُمَّ انتقلَ إلى جَامِعَةِ كُولومبيا التي بَقِيَ فيها حتى تَقَاعَد. انتشرت كتابات ديوي الثرية في الفلسفة، وغيرها من الأعمال (التي جمعها جوان بويدستون (Jo Ann Boydston‏‏) وزملاؤه في سبعة وثلاثين مُجَلَّدًا، لمَطبَعة جامعة جنوب إلينوي (Southern Illinois University Press) على مدى حياة طويلة من العمل الشاق، وحوَت مُعظَمَ مجالاتِ الفَلسفة، كما تناولت بعضَ المجالاتِ التعليمية والاجتماعية والسياسية الأُخرى. في خُلاصةِ ما يُمكِن أن يُطلَقَ عليهِ “نضج” رؤية ديوي؛ أظهر ديوي في مقاله “الحاجة إلى استعادةِ الفلسفة” (1917) اهتمامهُ بإبعادِ الفلسفة عن المشاكل الزَّائفة في المعرفة والميتافيزيقا، لتتناول “مشاكل الناس” عوضًا عن ذلك، وقد كان هذا اقتراحًا منه لاستعادة الفلسفة، لا للتخلي عنها. ويقتربُ ديوي من هذه المشاكل كفيلسوف بالدرجة الأولى، لا كمُخطّط للإصلاحات التأسيسية المُفصَّلة.

ظهرت ثمراتُ اهتمام ديوي بالنظرية التربوية والإصلَاح خلالَ وجوده في جامعةِ شيكاغو، فقد أسَّسَ ديوي مدرسةً للمُلاحَظَة والتجارب Laboratory School تابعة لجامعة شيكاغو، وألّف عدة مؤلفات؛ مثل: في المدرسة والمجتمع (1899)، الطفل والمناهج (1902)، ثم عمله الشهير الديمقراطية والتعليم (1916). وكان اهتمام ديوي بالتعليم جزءًا من اهتمامٍ أوسع نطاقًا بالتغيير الاجتماعي التدريجي. وكان مؤيدًا لقضايا الحركة النسائية وحركة المحلّات الاجتماعية التي يتبناها صديقه جين أدامز (Jane Addams). كما كان من بين مُشَارَكَاتِه الواسعة في الأنشطة العامة والسياسية رئاسة اتّحَاد المُدَرّسِين، ورعاية الاتحادّ الأمريكي للحُرّيات المدنية ACLU، ودعم حركة “تحريم الحرب” في سنواتِ الحرب، ورئاسة اللوبي الشعبي. شارك ديوي أيضًا في “مُحاكمة” ليون تروتسكي في المكسيك في عام 1938م بعد أن أقنَعَهُ بذلك صديقه وطالبه سيدني هوك (Sidney Hook). كان جزءًا كبيرًا من أعمالِ ديوي المنشورة بعد انتقاله إلى نيويورك، وخاصةً بعد بدايةِ الحربِ العالمية الأولى، تعليقات على شُؤون السياسة المحلية والدولية حينئذ، أو بيانات كتَبَها حَولَ القضايا التي يتبَنَّاها (وربما كان الفيلسوفُ الوحيد المذكور في موسوعة ستانفورد للفلسفة الذي كتب حول معاهدة فرساي، وحول قيمة الأعمال الفنية المعروضة في مكاتب البريد).

كما شَهِدَت فترة ما بين الحربَين أيضًا سلسلة من الكُتُبِ القيّمة التي تُبَيّن مُعتقدات ديوي الفلسفية. منها على سبيل المثال إعادة البناء في الفلسفة (1920)، الخبرة والطبيعة (1925)، البحث عن اليقين (1929)، الفن كخبرة (1934)، إيمان شائع (1934)، المنطق: نظرية البحث (1938)، ونظرية التقييم (1939). وقد احتوى كتابه الجمهور ومشكلاته (1927) على دفاع عن المثل الديمقراطية التشاركيةparticipatory democracy ضد المُشَكّكين أمثال والتر ليبمان (Walter Lippmann)، الذين يَعتَقِدون بأن الساحة تتّسع فقط لديمقراطيةِ الحدِّ من سُلطةِ الأحزاب minimalist democracy في المُجتمعاتِ الحديثة المعقدة. كان ديوي ناقدًا للاقتصاد الحر “دعه يعمل” وما يرافقه من رؤى فردانية على المجتمع منذ كتاباته الأولى. وقد تَضاعَفَ هذا النقد خلال فترة الكساد، حيثُ أخَذَ في كتابَاتِهِ شكلًا من أشكالِ الاشتراكية الليبرالية والديمقراطية، مثل: الفردانية، القديمة والجديدة (1930)، الليبرالية والفعل الاجتماعي (1935)، والحرية والثقافة (1939). وكان ناقدًا رئيسيًا من يسار “صفقة روزفلت الجديدة”، كما كان في نفس الوقت يُعارض الشيوعية السوفياتية، والغربيين المدافعين عنها.

بعدَ وفاةِ ديوي في الأولِ من يونيو عام 1952م، خفت بريقه بشكلٍ مُتسارع. وأصبحَ يُنظَر إلى رؤيتهِ الفلسفية على أنَّها نظرة صُوفية من الأرثوذكسية الناشئة للفلسفة التحليلية، وشيء عفا عليه الزمن. وأصبحت كتاباتُه التعليمية في ذلك الوقت فريسةً سهلة للانتقادِ من قِبَلِ أولئك الذين يميلون إلى لومِهِ على كُل الصُّعُوبات التي واجهها “التعليم التقَدُّمي” في مرحلةِ ما بعد الحَرب. بصورة أعمّ؛ تعرضت أعمال ديوي الاجتماعية والسياسية للهجومِ من جميع الاتجاهات. كما كان يُنظر إليها من قبل “الواقعيين” أمثال رينولد نيبور(Reinhold Niebuhr) كطوباوية عمياء في ترسيخها الأمل للمُشاركة الديمقراطية، كما نُظر لها من قبل نقاد اليمين واليسار على حدٍ سواء بأنَّها لا تَعدُو كونها فارغة، أو كتبني مشؤوم للمنهج “العلمي”. ومن المثير للاهتمام أنَّ هذا الانحدار لسُمعة ديوي قد تبعه تحسُّن هائل في ثروات ديوي وأسهمه. كان لحالة التشكيكِ الواسعة للعديد من الفرضيات المُسبَقَة للفلسفة التحليلية دورًا في العودة إلى أعمال ديوي، وإعَادَةِ النظَرِ فيها جديًا لمرة أخرى. كما قامَ عدة فلاسفة مثل هيلاري بوتنام (Hilary Putnam)، وريتشارد بيرنشتاين (Richard Bernstein) ، وريتشارد رورتي (Richard Rorty) خاصةً بإعادةِ توجيه الفلاسفة المُعاصِرين إلى ديوي (بِطُرُق مُختَلفة وبدرجات مختلفة) ، حيث وجدوا في عمله استجوابًا ودّيًا “للثوابت” الإبستيمولوجية. تجدر الإشارة إلى أن الذين يشيرون إلى ديوي وأعماله بِتَعاطُف يميلون عادةً إلى التراجع عن فصل فلسفته عن براغماتية رورتي المميزة والمثيرة للجدل، بما في ذلك فلسفته السياسية.

لم تكن فلسفة ديوي السياسية مُجرَّد جانب ثانوي للإرث الفلسفي القيّم (ويجب أن يقال: التاريخي) من عمل ديوي مجملًا. فقد وجَده البعض بمثابة مُقدّمة للاهتمامات الأخيرة المتعلقة بالعلاقة بين الفردانية الليبرالية والمناخ الاجتماعي الذي ينتمي إليه الفرد. في الواقع، قد لا يكون ديوي رائدًا لرورتي فحسب، بل لغيره أيضًا، لكاتب مثل الفيلسوف الكندي تشارلز تايلور (Charles Taylor)، الذي يحرص على الربط بين خطاب الذات الاجتماعية، وتشكُّل الوعي الذاتي التاريخي والثقافي للليبرالية. وقد اعتُبِر ديوي أيضا مصدرَ إلهامٍ لأُسس الديمقراطية التشاركية أو التداولية، وأحيانًا يُعَد سلفًا للفيلسوف الألماني والمُنظّر الاجتماعي يورغن هابيرماس (Jürgen Habermas)، الذي ينظر إلى الحكم الذاتي ومفهوم الديمقراطية المتمركزة حول الحوار، كسمات للمجتمعات الحديثة.

  1. مكانة فلسفة ديوي السياسية

هناك خلفيتان فكريتان أساسيتان لفلسفة ديوي السياسية. الأولى عنصر جوهري من الفكر الأخلاقي والسياسي لديوي، وهي تتمثّل في الهجوم المثالي والنيوليبرالي على الفردانية المُضَلِّلة للتقاليد الليبرالية الكلاسيكية. فقد آمن ديوي مُنذُ مرحلة مبكرة جدًا من مشواره الفكري، بأن الليبرالية الكلاسيكية قد بُنِيت على تصوّر خاطئ للفرد، مما نتج عنه تأثير سلبي على الفكرِ الليبرالي، وقد اتَّفق في هذا مع المثالي البريطاني قرين (T. H. Green) الذي كتب ديوي عنهُ مقالات عدّة، والنيوليبرالي هوبهاوس (T. Hobhouse). وبالتالي، فإن العديد من الموضوعات التي ميزت نتاجَ ديوي الفكري في النظرية الاجتماعية والسياسية بعدَ انتقاله إلى “التجريبية” كانت موجودة في فلسفته السياسية المثالية السابقة. يطرحُ ديوي في بعضِ النصوص مثل “أخلاق الديمقراطية” و”المسيحية والديمقراطية”، جانبًا من الانتقادات المثالية للفردانية الليبرالية الكلاسيكية. وفي هذا الجانب، تتَصَوَّرُ الليبرالية الكلاسيكية الفردَ ككيان مُستقِل مُتنَافِس مع أفراد آخرين، ويأخذ الحياة الاجتماعية والسياسية كمجال يتم فيه هذا التنافس لأجل النفع الذاتي. وفي المقابل، رفَضَ المثاليون وأتباع النيوليبرالية هذهِ النظرة للحياةِ الاجتماعية والسياسية كَمَجموعة مصالح خاصة مُتعارِضة بطبيعتها. وسعوا بدلًا من ذلك إلى النَّظر للأفراد علائقيا: فالفردانية لا يُمكن أن تستمرَّ إلا عندما يُنظر للحياة الاجتماعية ككائن حيوي تَرتَبِطُ سلامة كل جزء فيه بسلامةِ الكُل. فالحُرّية بالمعنى “الإيجابي” لا تقتصر على عدم وجود قيودٍ خارجية فحسب، بل تضمن الحقيقة الإيجابية الكامنة في المُشاركة بِنظَام اجتماعي مَقبُول أخلاقيًا. كما يصف ديوي: “ليس الناسُ ذرات معزولة غير اجتماعية، بل هم أناسٌ فقط عندما يكونون في علاقات جوهرية” مع بعضهم البعض، والدولة بدورها تمثلهم فقط “بالشكل الذي تضامنوا فيه عضويًا، أو امتلكوا به غرضًا أو نفعًا موحّدًا” (أخلاقيات الديمقراطية، EW1، 2-231).

كما تظهرُ مواضيع مهمة أخرى في كتابات ديوي الأولى. رفضَ ديوي النخبوية، واعتبر بأن قُدرة النخبة الحاكمة على تمييزِ المصلحة العامة قابلة للتشوّه بحسب مكانتها. ولا تعتبر المشاركة الديمقراطية حصنًا ضد الحكومة من قبل النخب فحسب، بل أيضا كجانب من جوانب الحرية الفردية -الإنسانية التي لا يمكن أن تكون شيء جيد من دونها. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الديمقراطية ليست “ببساطة مُجرَّد شكل من أشكالِ الحُكم”، بل هي مفهوم اجتماعي وشخصي؛ وبعبارةٍ أخرى، هي ليست ميزة للمؤسسات السياسية فحسب، بل مجموعة واسعة من العلاقاتِ الاجتماعية. هذه الأهداف شائعة في عدد من المجالات الاجتماعية، وينبغي أن تَتَّخذ “أشكالًا صناعية، بالإضافة لأشكالِها المدنيّة والسياسية” (أخلاقيات الديمقراطية، EW1، 246). ويتطلب هذا الهدف مواطَنة مبنية على تنشِئة ديمقراطية لكَي يكون فعالًا. يُميّز هذه الأعمال المبكرة تأكيدها على أنّه من خلالِ الديمقراطية ضمن هذا المعنى الواسع والمثالي الذي يؤمن به ديوي، يتحقق تجسيد معنى الخالق في الإنسان … يصبح حيًّا، شيئًا حاضرًا … الحقيقة تُحضَر للحياة، ويُرفع حجبها؛ يتم اعتماد ثقة مشتركة تُسَن في جميع مجالات الممارسة، وليس في مجال واحد معزول يسمى المجال الديني (المسيحية والديمقراطية، EW4، 9). وبينما يتراجع عرض التصوُّر المسيحي للديمقراطية في أعمال ديوي في وقت لاحق (ولكن لا يختفي تمامًا)؛ تبقى فكرة أن الديمقراطية ينبغي النظر لها كشكل من أشكالِ العلاقة التي تتداخل مع مُختلف مَجالات الحياة الاجتماعية وتُوحّدها فكرة مهمة. نجت هذه السمات الأساسية من فلسفته السياسية المبكرة، كما بقيت نزعة التخلي عن المثالية: النظرة الكُلّية للفرد؛ مكافحة النخبوية، والمشاركة الديمقراطية كجانب للحرية الفردانية، والصورة غير التقليدية للديمقراطية كشكل من أشكال العلاقة المتأصلة ليس فقط في المؤسسات السياسية، وإنما في نطاقٍ واسع من المجالاتِ الاجتماعية.

وبينَما يُعَدًّ التهجُّم المثالي والنيوليبرالي على الفردانية عنصرًا هامًّا للخلفية الفكرية لفلسفة ديوي السياسية، فيجب أن يكون هذا كذلك أيضًا ضد خلفية مفهوم ديوي الناضج للبحث العلمي. كان رفضُ “نظرية المُتفرّج” في المعرفة موضوعًا أساسيًا ومُميزًا في أبستمولوجيا ديوي، وقد اعتقد ديوي بأنها تُهيمِن على الفلسفة الغربِيَّة. وقد تم في هذا النوع من النظريات رؤية المعرفة على أنها نموذج ملاحظة لشيء ثابت ومُستقِل كجُزء من موضوع ما. كان الرصيدُ المعرفيّ للمُتفرّج مصحُوبًا بـ “البحث عن اليقين” في المعرفة، والذي هو البحث عن أساس ثابِت ومُحَدّد لفرضياتِ المعرفة في الحقائقِ البديهية، أو في المعلوماتِ التي لا يُمكِن تقويمها بحواسِنا. يهدفُ ديوي إلى إزاحةِ هذا التصوُّر المعرفي بتصوّر بحثي آخر يُفهم على أنه نضالُ العقلِ البشري لحلّ المشاكل. لم يكُنِ الهدفُ من هذا البحث الوصول إلى صورة مُعيَّنة لطبيعةِ الأشياء، بل الوصول إلى حل مؤقت مُحتَمل للمشكلة العملية والفكرية التي أثارت البحث.

هناك ثلاث سمات لهذا المفهوم يُمكن التأكيد عليها هنا: البحث كحل للمُشكِلات؛ تاريخيًا، وتقدّميًا، واجتماعيًا. فكّر ديوي في انخراطِنا بالبحثِ كجُزء من صراع مع بيئة غير مُستقِرَّة لكنها لكن قابلة للتحسين. يتم البحث فيما يسميه ديوي بالموقف “غير المكتمل” أو “الإشكالي” الذي يجب فيه القيام بشيء ما. ليس الهدف من البحث ببساطة تغيير مُعتقداتِ الباحثين، بل حل الموقف الإشكالي بما يراه ديوي برنامج “إتمام” أو إشباع فعل ما أو حالة ما. وهو يدّعي بأن العلوم الطبيعية الحديثة تقدُّمِية وتراكُمِيّة، مما يمنحنا سيطرة أكبر وأكبر على العالمِ الطبيعي. كان هذا في البدء نتيجة للخاصية التجريبية لهذه العلوم، بحيث لا يتعدى أي عنصر فكري الفحص العقلاني. يتمُّ ابتكار النظريات والفرضيات، ويتم استخدامها واختبارها ومراجعتها، وما إلى ذلك. ويتم في نَفسِ الوقت تطوير وتعديل مناهِج جديدة لابتكار واستعمال واختبار ومراجعة النظريات والفرضيات، وكذلكَ الأمرُ أيضًا بالنسبةِ للمعاييرِ الجديدة لتقييم النَّظريات والفرضيات. وتُعَدُّ محاولات تطبيق هذه المعايير نجاحًا في البحث، ولكن قد يتمُّ الحُكم على هذه المعايير على ضوءِ انسجامها مع التجاربِ البحثية الحالية. وعلى هذا، فإن الطرق المستخدمة من قِبَل العلم ليست ثابتة، ولكن لها تاريخها، وهي تتطورُ بشكلٍ تدريجيّ، ويحصُل ذلك أحيانًا بطرقٍ غير متوقَّعة. ما يُعرف بالمعرفة هو “نتاج البُحُوث المُختَصَّة”، وبالإضافةِ إلى ذلك، فإنَّ معنى المُصطَلح “فارِغ جدًا بحيث يُمكن صب أي محتوى أو تعبئته فيه بشكلٍ تَعَسُّفيّ” LogicLW12, 16). ثالثًا، إن البحث اجتماعي أو جماعي، بمعنى أن النتائج التي يتوصل إليها البحث يجب أن تخضع للتدقيق والاختبار من قبل باحثين آخرين: “يطلب باحثٌ في حقل خاص تجاربَ جماعةِ الزُّملاءِ لتأكيدِ وتصحيحِ النتائج” ‎(Logic, LW12, 484)‎.

يُنظَر لمفهوم ديوي للبحث كنموذَج عام للتفكيرِ النقدي، أو ما أسماهُ ديوي بالذكاء التأمُّلي، وهو يبيّن كونَه ضِد وضع فصل مُسبَق بين البحث في الأخلاق والسياسة، والبحث في العلوم الطبيعية مثلًا. في الواقع، هُوَ يُناقش كونَ القيم قد بُنِيت لحل المواقف الإشكالية، ويَنظُر إلى التقييمِ على أنه ذكاء نقدي يستجيب لمثل هذه الحالات، بهدفِ توفيرِ وسائل لما يسميه ديوي “الحل المُوجَّه” لها. من المُدهِش مثلاَ كيفَ يقومُ ديوي في الفن كتجربة، بتحليل عمل الرسامين الفرنسيين بول سيزان (Paul Cézanne) وهنري ماتيس (Henri Matisse) من حيثُ حل المُشكِلات في سبيل تجربة تامة.

من الطبيعي أن نرى فلسفة ديوي السياسية كمُزاوجة بين نظرة المثالية والنيوليبرالية تجاه الليبرالية بمفهومها العملي أو التجريبي للبحث، مع وُجود عوامل أُخرى ذات تأثِير كَبير على التَّجربة العملية الطويلة لديوي، بما في ذلك المفهوم الوظيفي لعلم النفس، والذي شكّل فكرته حول البحث بوضوح. لكن النَّظر إلى الأمور بهذهِ الطريقة يُغَطّي الكثير مما هُوَ مُمَيّز في الفكرِ السياسي لديوي.

  1. الليبرالية

اقترح ديوي بأنه يُمكِن النظر إلى القيم كمُرَكّبات لحل المشاكل العملية، والشيء الذي كان قيّمًا في السابق حيث تم بناؤه لمعالجة مشكلة ما في ظروف محددة، يُمكن أن يعيش‏ لاحقًا كتقنية عفا عليها الزمن، ويُصبِح عائقًا أمامَ الذين يتعاملون مع احتياجاتهم العملية (اليومية) وقلقهم الحاضر، وهذا هو الحالُ مع قيمِ الليبراليةِ الكلاسيكية كما يعتقد ديوي. حيث أصبحت هذه القيم عائقًا للقُدرة على حلّ المشاكلِ الاجتماعية بطريقة تتوافق مع ما يعتبرهُ ديوي الالتزام الرئيسي الليبرالي تجاه الحُرّية الفردية. وبهذهِ الطَّريقة يُمكِن أن “تُصبح شعارات الليبرالية في فترة محددة حصنًا من ردود الأفعال” في المرحلة التالية (“‎(‘Logical Method and Law’, MW15, 76‎). ويُطوّر هذه الفكرة في مناقشةِ علاقةِ الفَرد والمُجتمع، وخصائص وقيم الحُرية، ونطاق الفِعل الاجتماعي والسياسي المشروع.

  • الفردانية والتجريد

ينتقد ديوي الليبرالية الكلاسيكية لنظرتِها للفرد على أنَّهُ “شيء معين، شيء موجود بالفعل”، من قَبل المُجتَمع ولرؤيتِها للمؤسسات الاجتماعية كتنسيق لمصالِح أفراد ما قبل المُجتَمع. وهو يرى أن المؤسسات الاجتماعية ليست “وسيلة لكسبِ شيء ما للأفراد. بل وسيلة لخلق الأفراد” (Reconstruction in Philosophy, MW12, 190-192‎). وهكذا، تُمثّل الليبرالية الكلاسيكية “المُغالطة الأكثر انتشارًا في الفكرِ الفلسفيّ” (‘Context and Thought’, LW5, 5). ويظهر هنا تفضيل تقسيم الظواهر المُجرَّبة، وأخذ العناصر التي تم تحليلها بشكل مميز ليُصبح وجودها منفصلًا، مستقلة عن التحليلِ وعن بعضها. وتُعَدُّ أهمية هذا التجريد للبحث في ظروفٍ مُحَدَّدة موضوعًا مُهِمًا في فلسفةِ ديوي. لكنَّ هذا التجريد يَحدُث بشكل خاطئ “عندما يتمُّ التعامل مع الاختلافات أو العناصر المميزة كما لو كانت نهائية ومُكتفية ذاتياً” ( ‘Context and Thought’, LW5, 7)، كما هو الحال في مُعاملة الليبرالية الكلاسيكية للفرد كـ ” شيء مُعَيَّن”. ويعارض ديوي ذلك بقوله: “تُدرك الليبرالية بأنَّ الفرد ليسَ ثابتًا، جاهزًا. إنه شيء تم تحقيقه، ولم يتحقق بمعزل، ولكن بِمُشاركة الظروف الثقافية والفيزيقية، بما في ذلك المؤسسات “الثقافية” والاقتصادية والقانونية والسياسية، وكذلك العلم والفن” ( ‘The Future of Liberalism’, LW11: 291).

  • الحرية

يُبيّن تجريد الفرد من السياق الاجتماعي في الليبرالية الكلاسيكية أخلاقياتها؛ وإذا كان وجودُ الفردِ يُرى كشيء سابق لوجود المؤسسات الاجتماعية، فمن الأسهل تَصوُّر ضمان الحرية للفرد من حيثُ إِزالةِ العقباتِ الخارجيّة على الفعلِ الفردي تحديدًا، كالقُيودِ القانونية على حُريةِ التعبير مثلًا. وفي المُقابِل، يناقش ديوي بأن مُجرَّد غياب القيود الخارجية ليس شرطًا كافياً للحرية، حيث أن الحرية قيّمة في ذاتها.

يُنظَر إلى الفرد في الليبرالية الكلاسيكية أو “الفردانية القديمة” على أنَّهُ مُحاطٌ بحصنٍ وقائيّ للحقوق يحدد حريته. حيثُ تتكوَّن حريته في غيابِ بعض القيود المُتَعمَّدة والتي قد تقع على قُدرتِه على مُتابَعةِ أهدافِهِ المُختارة. بالنسبة إلى ديوي، فإن هذهِ النَّظرة السلبية للحُرية هي أصلُ الخللِ الاجتماعي والأخلاقي والسياسي الواسع لهذا النوع من الفردانية ( ‘Religion and Morality in a Free Society’, LW15, 181181). والقيِّمُ في الحُريةِ ليس مُجرّد الغيابِ السلبي للتدَخُّلِ وإِنَّما “القُدرة الإيجابية لتكوينِ ذاتٍ مُتفرّدة” (The Public and Its Problems, LW2, 329‎).

إن رؤية ديوي للفردانية معقدة، لكن هناك ثلاثة عناصر تبدو الأكثر بروزًا فيها: الفردانية عبارة عن أفكار، وهي اجتماعية، ويجب أن تُعاش حتى يُتَمتّع بها. النقطة الأولى هي أن الحرية تُحتَسب من قدرة واستعداد الشخص للتفكير في أهدافه، وأحلامه، ومشروعاته، ومراجعتها كنتيجة لهذا التأمل. إن الفردانية التي يمكن وصفها بشكل بسيط هي تُمتَلك وتتألف عالميًا من الأنماط المميزة لاستجابات كل شخص على المؤثّرات البيئية، “طريقة مُمَيزة للشعور بتأثيراتِ العالَم وإِظهار تَحَيُّز تفضيلي في الاستجابة لهذه الآثار “( Individualism Old and New, LW5, 121‎). أما بالمعنى القوي القيّم ليبراليًا، فتتمثّل الفردانية في القدرة الشخصية على الاختيار، الذي هو “النشاط الأكثر تميزًا للذات” (Ethics, 2nd edition, LW7, 285‎). وليس هذا لدى ديوي في التضخيم المتعسّف أو الغريب لخيارٍ واحد دون غيره. بل يتضمن الاختيار المعبّر عن الفردانية بمعناه القوي انتقادًا ذكيًا للخيارات. وَبِذلكَ يُمكننا أن نفهم لماذا يدَّعي ديوي بأن “التنبؤ بالبدائل المستقبلية الموضوعية، والتمكُّن من اختيارِ أحد البدائل من خلال التفاوض، ومن ثم تقدير فرصه في النضال من أجل الوجود المستقبلي” يمكن أن يُعَد مقياسًا للحُرّية (Human Nature and Conduct, MW14, 210‎).

ثانياً، الحرية اجتماعية كالفردانية: يُعتقد أنها تتضمن المُشاركة في تشكيلِ الظُّروف الاجتماعية التي تؤثر على الفردانية. الحرية كما يصيغها ديوي؛ هي “ذلك الإطلاق والإشباع الآمن للإمكانات الشخصية، والذي يحدُث فقط عنَ وجودِ علاقة غنية ومتعددة مع الآخرين: القدرة على أن تصبح الذات مُتَفَرّدة، مما يخلق مشاركة متميزة، وتهيئة للذات لتستمتع بثمارِ المشاركة بطريقتها الخاصة” (The Public and Its Problems, LW2, 329‎). وبالتالي فإن الحُرّية بمعناها الكامل مُمكِنة فقط في شكل مُقَنَّن من النظامِ الاجتماعي، حيث يُسهم الجميع في تشكيل شروط الحياة المشتركة.

ثالثًا، يرتبط مفهوم الحرية لدى ديوي بِمُمارَستِها لا بِفُرَصِها. فيُعَدُّ من شروطِ حُريةِ الشخص بالنسبةِ لبعض النظريات الإيجابية للحرية، بما في ذلك نظرية ديوي، أن يُتابِعَ تلكَ الغاياتِ التي حددتها النظرية على أنها بنّاءة – أي أنه يجب أن يَستَغِلَّ الفُرصة. أنا حُر بحسب مفهوم قيمة الحرية لديوي إذا كنتُ أتصرف وفقًا لهذا فقط. تتطلبُ قيمةُ الحرية الفردية إعادةَ بناءِ النظامِ الاجتماعيّ على طولِ الخُطوطِ التشارُكِية والديمقراطية التي يرى ديوي أنها ضرورية لقيمة الحرية.

  • الفعل الاجتماعي

كان هذا البيان عن خصائص وقيمة الحُرّية لديوي، وللمثاليين والنيوليبراليين الذين اعتمدهم، جزءًا من النقاش حول النطاقِ الصَّحيحِ للعملِ السياسيّ. يُعزّزُ الدمجُ الكلاسيكي للحرية مع الحرية السلبية (تمّ تعريف الحرية السلبية في موسوعة ستانفورد للفلسفة على أنها “غياب العقبات، والحواجز، والقيود”) من دمج الحرية بمجالات الحياة العامة خارجِ نطاقِ العمل السياسيّ. وعَلى النَّقيضِ من ذلك، فبالنسبةِ لديوي، يَجِبُ تحديد نطاقات العملِ الاجتماعي والسياسي المشروع بشكل تجريبي. إن استبدال سياسات “عدم التدخل” الليبرالية بما أسماه ديوي بالتحكُّم الاجتماعي الذكي أو العمل الاجتماعي يتم تقديمه كشرط للحُرّية الإيجابية أو الفردانية في الظروف الصناعية الحَدِيثة. يسمحُ دمجُ الحريةِ بالفردَانِية في رؤية ديوي للوسائل اللازمة لتحقيق الفردانية بأن تُعامَل كشُروط ضرورية للحرية. لذلك مثلًا ناقش مطوّلا خلال حياته بأنَّ التعليمَ لإنتاج مواطنين غير راغبين بالتعليم وغير مطيعين يعدُّ أمرًا ضروريًا، باسم الفردانية. بِشَكل أكثر وُضوحًا، ناقش ديوي، لا سيما في ثلاثِيناتِ القرن العشرين، بأن الاقتصاد الاجتماعي ضروري للفردانية. اعتمد ديوي مَجمُوعة واسعة من المَصَادِر لتعزيزِ مَفهُومِه للعملِ الاجتماعي أو التحكُّم الاجتماعي (بما في ذلك المثالي الطوباوي بيلامي ((Edward Bellamy و الاشتراكي البريطاني كول ( GDH Cole)) ، ولكن الكثير من كتاباته كان غير مُنَظمًا، وموسِميًّا، -وتفرّق عبر عدة سياقات على مدى فترة طويلة – بدلا من أن يكون مُمَنهَجًا أو مُوجَّهًا بِطريقة محددة.

ومع ذلك، يجدُرُ التأكيدُ على الطابعِ الليبرالي والديمقراطي لمَفهُومِ ديوي للعملٍ الاجتماعي. كان ديوي مُناهضًا للسُّلطوية، بمعنى أنه لا يعتقد بأنَّهُ ينبغي الاستغناء عنِ الحُقوقِ الليبرالية المحمِيّةِ باسمِ الحُرّية الفردية (مِثلَ حُريةِ التعبيرِ، والفكرِ، والتنقُّلِ، وما إِلى ذَلك). تتطلبُ الفردانية كمثل أخلاقي أن يجد الأفراد طريقتَهُم الخاصة، وألّا يكونَ لديهم عَقائد أو أدوار اجتماعية مفروضة عليهم. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ عرض الحُرية من خلال مَنظُور الفردانية يفتح مجالًا للعملِ السياسيّ باسم الحُرّية، لكنه لا يشترط حدوث ذلك بالضرورة. وأخيراً، يرى ديوي بأن وجود قَدر كَبير من الديمُقراطِية ضروريّ للعمل الاجتماعي، وذلك على عَكسِ ما يَعتَقِده النُّقّاد التكنوقراطيين، مثل ليبمان (Walter Lippmann‎) في مبادئِ عدمِ التَدَخُّل.

  1. الديمقراطية

هناك ثلاثة خطوط أساسية لِمَوضُوع الدِيمُقرَاطِية في فَلسفة ديوي السياسية: الديمقراطية كَحِماية للرَّغبات العامة، الديمقراطية كمطلب اجتماعي، الديمقراطية كَتعبِير عن الفردانِيّة.

بالنسبة إلى ديوي، تَتضمَّنُ الديمقراطية عَلى أقلّ تقدير تعبيرًا عن رغباتٍ من جانِبِ النَّاخبين. يُساعدُ التصويتُ على حمايةِ الأفرادِ من الخُبراءِ الوهميين الذين يَرَون أنهم يصلحون لدور تحديدِ مَصَالِحِ الناس. ستنحَدِرُ فئةٌ من الخبراءِ حتمًا لتُصبِح فئة تختلف رغباتها عن رغبات البقيةِ، وتُشَكّل لجنة من القلة. لذا، فإن “أقوى نُقطة يُمكنُ اتخاذها نِيابةً حتى عن مثل هذه الأشكالِ السّياسية الأولية هي ما حَقَّقَتهُ الديمقراطية؛ التصويت الشعبي، وحكم الأغلبية، وما إلى ذلك، والتي تنطوي إلى حَدٍ ما على التَّشَاوُرِ والمُناقَشَةِ التي تتعلَّقُ بالاحتياجاتِ والمشاكل الاجتماعية” (The Public and Its Problems, LW2, p. 364‎). يؤكّد ديوي على أهمية النقاش، والتشاور، والإقناع، في صُنعِ القرارِ الديمقراطي. وتُوسّع هذه العمليات الوعي العام بالمشاكلِ الحالية وتُقوّيه، كما تُساعد على إبلاغِ المختص “الإداري” بالحاجات الاجتماعية.

هذه الطريقة في النَّظرِ إلى مَدى استصواب الديمقراطية هِيَ أداة فعّالة وأساسِيَّة؛ فعّالة، بحيث أن استصواب الديمقراطية مُستَمَد من حمايَتِهَا لمَصَالِح كُل فرد ضِدَّ نَهبِ طبقة النُّخبة. وأساسية، بحيث أنَّ الأساس المنطقي لِلمُشارَكة الشَّعبِيَّة يقتصرُ على الحاجةِ إلى إبلاغِ النُّخبةِ بموطنِ الخَلل إذا لم تَرغب لسياساتها أن تكُونَ مُضلِّلة. يُدعّم ديوي هذه الحُجج من خِلالِ جَعل الديمقراطية شكلاً من أشكال البحث الاجتماعي: يُنظر إلى الديمقراطية على أنها أفضل طريقة للتَعَامُل مع صراعِ المصالح في مجتمعٍ ما: “منهج الديمقراطية هو جعل هذه النزاعات علنيّة بحيث يُمكن مُناقَشَة مطالبها الخاصة، والحُكم عليها في ضوءِ مصالح أكثرَ شمولية من التي يمثلها أي منها على حِدة” (Liberalism and Social ActionLW11, 56). يُعتقد أن المجتمعات الديمقراطية تَسعَى إلى تحقيقِ أهدافٍ مَرغُوبة، وأن تَتَناقش حولَ كيفِيَّةِ القيام بذلك، وحول ماهيةِ الأهداف المرغوبة. بعبارة أخرى، ليست السياسة الديمقراطية مُجرَّد قناة يمكننا من خِلالها حفظ مَصَالِحنا (كما هو الحال بالنسبة للحُجَّة الأولى)، بل هِيَ مَجمُوعة أو نَمط من أنشطة تُمَكّننا من التَّوصُّلِ إلى تَصَوُّرٍ عام حولَ مصالحنا. وهذا لا يعني أننا بحاجة إلى مَعايِير مُسبَقَة لتحديدِ ما إن كانت هذه العملية ناجحة، كما يُؤَكّد التصوُّر التجريبي للبحث؛ بل يمكنُ التَّوَصُّلُ بدلاً من ذلِكَ إلى مقاييس لما يُعتَبَرُ حَلًّا مُرضِيَّا خلال عمليةِ البحث عن حل. الديموقراطية التجريبية عند ديوي تسمح، نظريًا على الأقل، بالتشكيك في الثوابت idées fixes  المُشَاعَة حولَ النظَامِ القائم، حتى وإن كانت العديد من السياسات الديمُقراطية بالطبع لن تَأخُذَ طابِع هذا النّوع من المُمَارَسات. القِسم الثالث من هذه المناقشة هُوَ كَون الديمقراطية مَطلبًا للحُرية في رؤيةِ ديوي للفردانية. تُعَدُّ المُمَارَسة الجماعِية للرُّوح التجريبِيّة مطلبًا أخلاقيًّا لهذا التَّعريف للحُريّة. تسمح هذه الروح التجريبية للأَفراد بالوُصُول “للصَّالح العام” إذا مُورِسَت بشكل صحيح، لذا، يَكتُب ديوي عن الديمُقراطية:

“من جانب الفرد؛ هي تتكوَّن عند امتلاكه حصة من المسؤولية في إمكَانِيَّةِ تكوينِ وتوجيهِ أنشطة المجموعات التي ينتمي إليها، والمشاركة وفقا لِحَاجَةِ القِيَمِ التي تدعمها هذهِ المَجمُوعَات. مِن جَانِبِ المَجمُوعَات؛ فإن الديمُقرَاطِيَّة تتطلبُ تَحرِير إِمكانيّات أعضاء مَجموعةٍ ما لِتَتَناغم مع المَصَالِح والمَنَافِعِ العامة (The Public and Its ProblemsLW2, 327-8)”.

يُمكِنُ لِلتَحريرِ الكاملِ لإمكانيّاتِ الفرد بأن يَحصُل ضِمنَ نِظَام اجتماعي ديمُقراطِي فقط، حَيثُ يَتِمّ التعامل مع الصراعات الاجتماعية على أنَّها مَوضوعٌ للبحثِ الاجتماعيّ. إنَّ فكرةَ ديوي القائلة بأنَّ الطابعَ التجريبي للديمُقراطية يجعلها مُفَضَّلة لا ينبغي أن تُفَسَّرَ من حيث الفَعَالِية فقط، هو لا يقول فقط بأن الديمقراطية تسمح برؤية أوضح للمشاكلِ الاجتماعية وكيفيةِ مُعالَجَتِها، بل يقترح أيضًا بأنَّهُ لا يُمكِن التعبير عن الفردانية بشكل صحيح إلا إذا شَارَكَ الفَرد في المُمَارَساتِ الديمقراطية، لأنَّ البحث الاجتماعي هو جزءٌ تأسيسيّ للمنفعة الفرديّة. وهذا عنصر من الفردانية بمعناها الأخلاقي المُحَدَّد الذي طَوَّرَ فيهِ ديوي جوهرَ موقفه الناقد لليبرالية الكلاسيكية.

تَنبعُ الطبيعة الراديكالية وغير التقليدية لِمَفهُومِ ديوي للديمُقراطِية وفلسفته السياسية عمومًا من جُرأتِه التي يَجِدُ بعض القراء صعوبةً في تَقَبُّلها. إنَّ الطابعَ التجريديّ لمفهومِ الديمقراطية أبعد ما يكون عنِ النَّظرةِ العامَّة و “الواقِعية” للديمقراطية كاسم جامعٍ لعدد من الإجرَاءَاتِ والمؤسساتِ السياسية المُحَدَّدةِ التي يُمكِن العُثُور عليها. قد لا تكون المشاركة من قِبَلِ كل فرد فكرة جيدة، كمُشارَكَةِ الأشخاصِ الخَجُولِين جدًا أو المشغولين. بالإضافة إلى ذلك، فقد تَكونُ فرضيةُ ديوي القائلة بأنَّ المُجتمعاتِ الصناعية المُعَقَّدة يُمكِن أن تَتَميَّز بمستوى عالٍ من الانسجام بَينَ مَصَالِحِ أعضائها، بحيثُ يَتِم تأمين المَصالِح من خِلاَل المُنَاقشة العامة والاتّصال، فكرة حالمة. وبالطبع، كثيرًا ما تكونُ هذه الجُرأة الحالمة جذَّابة للآخرين الذين يجعلهم الترابط الذي وضَعَهُ ديوي بينَ روحِ الانفِتَاحِ المَرِنة وبينَ الحُكم الذاتي الديمقراطي تحديًا دائمًا في وجه التشاؤم الديمقراطي المُقيَّد.


المراجع

أعمال ديوي:

The Early Works, 1882-1898, 5 volumes, ed. by JoAnn Boydston, Carbondale: Southern Illinois University Press, 1969-1975 (abbreviated here EW, followed by volume number).

The Middle Works, 1899-1924, 15 volumes, ed. by JoAnn Boydston, Carbondale: Southern Illinois University Press, 1976-1983 (abbreviated here MW, followed by volume number).

The Later Works, 17 volumes, ed. by JoAnn Boydston, Carbondale: Southern Illinois University Press, 1981-1990 (abbreviated here as LW, followed by volume number).

Debra Morris and Ian Shapiro, eds., John Dewey: The Political Writings, Indianapolis: Hackett, 1993.

Secondary Literature

Bohman, James, 1999, ‘Democracy as Inquiry, Inquiry as Democratic: Pragmatism, Social Science and the Democratic Division of Labour’, American Journal of Political Science, 43: 590–607.

Campbell, James, 1993, ‘Democracy as Cooperative Inquiry.’ In John J. Stuhr (ed.), Philosophy and the Reconstruction of Culture, Albany: SUNY.

Caspary, William R., 2000, Dewey on Democracy, Ithaca: Cornell University Press.

Cochran, Molly, 2010, The Cambridge Companion to Dewey, Cambridge: Cambridge University Press.

Damico, Alfonso, 1978, Individuality and Community: The Social and Political Thought of John Dewey, Gainesville: University Presses of Florida.

–––, 1986, ‘Impractical America: Reconsideration of the Pragmatic Lesson’, Political Theory, 14: 83–104.

Farr, James, 1999, ‘John Dewey and American Political Science’, American Journal of Political Science, 43: 520–541.

Festenstein, Matthew, 1997, Pragmatism and Political Theory: From Dewey to Rorty, Chicago: Chicago University Press.

–––, 1997, ‘The Ties of Communication: Dewey on Ideal and Political Democracy’, History of Political Thought, 18: 104–24.

–––, 2001, ‘Inquiry as Critique: On the Legacy of Deweyan Pragmatism for Political Theory’, Political Studies, 49: 730–48.

Fott, David, 1998, John Dewey: America’s Philosopher of Democracy, Lanham, Maryland: Rowman and Littlefield.

Hickman, Larry (ed.), 1998, John Dewey: Interpretations for a Postmodern Generation, Indianapolis: Indiana University Press.

Honneth, Axel, 1998, ‘Democracy as Reflexive Cooperation: John Dewey and the Theory of Democracy Today’, Political Theory, 26: 763–83.

Kaufman-Osborn, Timothy V., 1984, ‘John Dewey and the Liberal Science of Community’, Journal of Politics, 46: 1142–65.

–––, 1985, ‘Pragmatism, Policy Science, and the State’, American Journal of Political Science, 29: 827–49.

–––, 1991, Politics/Sense/Experience, Ithaca: Cornell University Press.

Kloppenberg, James T., 1986, Uncertain Victory: Social Democracy and Progressivism in European and American Thought, 1870-1920, New York: Oxford University Press.

–––, 1998, The Virtues of Liberalism, New York: Oxford University Press.

Pappas, Gregory Fernando, 2008, John Dewey’s Ethics: Democracy as Experience, Bloomington: Indiana University Press.

Putnam, Hilary, 1991, ‘A Reconsideration of Deweyan Democracy.’ In Michael Brint and William Weaver (eds.), Pragmatism in Law and Society, Boulder: Westview.

–––, 1994, Words and Life, Cambridge, Mass: Harvard University Press.

Rogers, Melvin, 2008, John Dewey: Religious Faith and Democratic Humanism, New York: Columbia University Press.

Rockefeller, Steven C., 1991, The Undiscovered Dewey: Religion, Morality, and the Ethos of Democracy, New York: Columbia University Press.

Ryan, Alan, 1995, John Dewey and the High Tide of American Liberalism, New York: W. W. Norton and Co..

–––, 2001, ‘Staunchly Modern, Non-Bourgeois Liberalism.’ In Avital Simhony and David Weinstein (eds.), The New Liberalism: Reconciling Liberty and Community, Cambridge: Cambridge University Press.

Savage, Daniel M., 2002, John Dewey’s Liberalism: Individuality, Community, and Self-Development, Carbondale and Edwardsville: Southern Illinois University Press.

Tiles, J. E., 1992, John Dewey: Critical Assessments, 4 vols, London: Routledge.

Welchman, Jennifer, 1995, Dewey’s Ethical Thought, Ithaca: Cornell University Press.

Westbrook, Robert B., 1991, John Dewey and American Democracy, Ithaca: Cornell University Press.

أدوات أكاديمية

How to cite this entry.
Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.
Look up this entry topic at the Indiana Philosophy Ontology Project (InPhO).
Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.

مصادر أخرى على الانترنت

مقالات ذات صلة

democracy | Dewey’s moral philosophy | liberalism | pragmatism

[1] Festenstein, Matthew, “Dewey’s Political Philosophy”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Spring 2014 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/spr2014/entries/dewey-political/>.

error: