دور الزمان في حياة الإنسان – زكريا إبراهيم

دور الزمان في حياة الإنسان – زكريا إبراهيم

اعتاد الناس أن يقسّموا الزمان إلى ثلاثة أقسام: ماض قد انقضى فلم يعد له وجود، و حاضر يتحقق فهو في طريقه إلى الإنقضاء، و مستقبل لم يتحقق بعد فهو ما يزال يفتقر إلى الوجود ! و بين الماضي الذي لم يعد له وجود، و المستقبل الذي لم يوجد بعد، يبدو  الحاضر كما لو كان نقطة هندسية لا وجود لها لأنها مجرد ملتقى خطين: خط الماضي و خط المستقبل.

و لهذا فقد أنكر البعض على الزمان كل حقيقة واقعية، مادام الحاضر نفسه لا يملك أي كثافة وجودية، بينما يفتقر كل من الماضي  والمستقبل  إلى الطابع العيني المميز لكل موجود واقعي.

رد كل من الماضي و المستقبل إلى الحاضر:

 

      و راق لآخرين ــ على العكس من ذلك ــ أن يردوا أقسام الزمان جميعاً إلى 《الحاضر》، فأعلن القديس أوغسطين (مثلاَ) أن هناك 《حاضر الماضي》الذي يستند إلى ملكة التذكّر، و 《حاضر الحاضر》الذي يرتكز على ملكة الانتباه، و 《حاضر المستقبل》 الذي يقوم على ملكة الأمل أو التوقّع أو الاستباق. و كانت حجة أصحاب هذا الرأي أن الإحساس بالزمان وظيفة نفسانية بحتة، فنحن نستبقي من 《الماضي》ما نحبه و نتعلق به، و ننتزع من 《الحاضر》ما يروقنا و يستأثر بانتباهنا، و نستشف في 《المستقبل》ما نريده و نتطلع إليه. و بهذا المعنى تكون الصدارة للحاضر على باقي أقسام الزمان: لأن وجود 《المستقبل》رهن بمدى قدرته على استباق الزمان، وفرض نفسه على 《 الحاضر》! و سواء اتجهنا بأبصارنا نحوالمستقبل، أم عُدنا بذاكرتنا نحو الماضي، فإننا في كلتا الحالتين لا نستمد من المستقبل أو من الماضي، إلا ما من شأنه أن ينشط سلوكنا في 《 الحاضر 》، أو أن يعبئ قوانا في صميم حياتنا الراهنة.

و اختلف الفلاسفة في أيّها أول: الماضي، أو الحاضر، أو المستقبل:

 

بيد أن الفلاسفة يختلفون فيما بينهم حول أولوية هذا القسم أو ذاك من أقسام الزمان: فهناك من يرون أن الصدارة للحاضر على كل من الماضي و المستقبل، بينما يذهب آخرون إلى أن المستقبل يتمتع بصدارة مطلقة بالنسبة إلى كل من الماضي و الحاضر. و الذين يقدمون الحاضر على كل من الماضي و المستقبل، هم أولئك الذين يرون في الزمان صورة من صور الأزلية فهم ينظرون إلى الزمان على أنه حاضر مستمر يتمتع بالاتصال و الدوام والصيرورة الدائبة. و أما الذين يخلعون على الماضي ضربا من الأولوية أو الصدارة، فهم أولئك الذين يرون أن اليوم مجرد ثمرة للأمس و أن تراث الماضي هو وحده الذي يحدد طبيعة كل من الحاضر و المستقبل. ثم يجئ آخرون فينسبون إلى المستقبل أولوية مطلقة، لأنهم يرون أن الإنسان لا يحيا إلا من أجل مالم يوجد بعد، و كأن كل وجوده إنما ينحصر في العمل على تحقيق مستقبله !

الإنسان هو الموجود الزماني:

 

صحيح أنَّ الإنسان يحاول دائمًا ــ عن طريق فعله ــ أن يصحح الماضي و يغيَر من الحاضر، و لكن هذا كله ــ في رأي هؤلاء ــ نمهيد لذلك المستقبل القريب الذي يرجوه و يتطلَع إليه. و مهما يكن من شيء، فإن الإنسان هو الموجود الزماني (بمعنى الكلمة): لأن الحيوان لا يحيا إلا في الحاضر المباشر، دون أن يكون للماضي بالنسبة إليه أي تراث، و دون أن يكون للمستقبل بالقياس إليه أي معنى من معاني الأمل أو الرجاء، في حين أن الإنسان ــ و الإنسان وحده ــ هو الموجود الذي يستخرج من الحاضر خير ما فيه، و ينتزع من الماضي أجمل ما انطوى عليه، لكي يعمل من أجل ذلك المستقبل الذي يريده دائمًا خيرًا من الماضي و الحاضر على السواء. و الحق أن الإنسان لا يحيا إلا من أجل المستقبل: أعني من أجل ما لم يوجد بعد، أو ما لابد له من أن يوجد، أو ما يريده هوعلى أن يوجد ! و حين يقول بعض الفلاسفة إن الإنسان في جوهره مستقبل، فإنهم يعنون بذلك أن يتحرك دائمًا صوب الأمام، محققًا ما لديه من إمكانيَّات، آخذًا على عاتقه باستمرار أن يوسع من دائرة وجود المستقبل. و إذا كان الموت هو العدو الأكبر للموجود البشري، فذلك لأن من شأن الموت أن يحيل من الوجود الإنساني بأسره إلى ماض بحت.

هل يكون الإنسان أسير ماضيه ؟

 

و هنا قد يقول قائل: ” إن ما نسميه بالمستقبل هو مجرد امتداد للحاضر و الماضي “. فالذات تركة أو حصيلة أو تراث، و الوجود الشخصيّ الراهن هو ثمرة لخبرات الماضي و تجاربه، و أخطائه، و عثراته، و شتى أحداثه.

 و لعل هذا ما عبّر عنه الفيلسوف الألماني الكبير هيجل حين كتب يقول: “إن الكون هو ما قد كان” : يعني بذلك أنَّ ما هو متحقق الآن في الحاضر، ليس إلا نتيجة لمجموعة العوامل و الم}ثرات التي وجدت في الماضي. و لاشك أن الزمان الحيّ ديمومة متصلة، و استمرار دائب، وحركة غير منقطعة، فلا يمكن تصوّر الكائن الحي إلا على أنه ثمرة لما اختلف عليه من أحداث، و ما مر به من تجارب، و ما اجتازه من مراحل في تطوره المستمر.

 و بالمثل، يمكننا أن نقول عن الكائن البشري إنه حصيلة معقدة لسائر الخبرات و التجارب و الذكريات و الميول و الدوافع و البواعث التي يجرها وراء ظهره، أو يحملها خلفه، سواء أكان ذلك بعلمه أو على غير علم منه.

 و في هذا يقول برجسون: ” ماذا عسانا أن نكون في الواقع، أو ماذا عسى أن يكون طبعنا، إن لم يكن تلك الحصيلة المركزة التي تجمعت من تاريخ حياتنا السابقة، منذ ولادتنا حتى الآن، إن لم نقل قبل ولادتنا، مادمنا نحمل معنا ميولا وراثية أو استعدادات سابقة على الولادة ؟ ” ثم يستطرد صاحب كتاب 《 التطور الخالق》، فيقول:” صحيح أننا لا نفكر إلا بجزء ضئيل من ماضينا، و لكننا نرغب، و نريد، و نعمل، بماضينا كله، مع ما ينطوي عليه من اتجاه أصلي قد اتخذته نفوسنا منذ البداية. و إذن فإن من شأن ماضينا أن ينكشف لنا بأكمله من خلال قوته الدافعة على شكل ميل أو اتجاه، ولو أن جانبًا ضئيلًا منه فقط هوالذي يستحيل إلى تصور عقلي ” . و لكن برجسون لا يقتصر على القول بأن من شأن الماضي أن يظل حيًّا باقيًا في الحاضر، بل هو يقرر أيضًا أن من المحال الشعور أن يمر بنفس الحالة مرتين، وذلك لأنه مهما تكن الظروف متشابهة، أو مهما تكن الملابسات واحدة، فإنها لاتؤثر مطلقًا على شخصية واحدة بعينها، مادامت تعرض لها في لحظة جديدة من لحظات تاريخها. و لما كانت شخصيتنا في تكون مستمر، لإنها تبني ذاتها في كل لحظة، مستعينة بما تجمّع لديها من تجارب، فإن شخصيتنا في تغيّر دائم دون أدنى توقف أو انقطاع. و هذا هو السبب في أنه لا يمكن أن تتكرَّر في أعماق شعورنا حالة نفسية واحدة، حتى لو بَدَا لنا ــ لأول وهلة ــ أننا بإزاء ظاهرة واحدة بعينها.

  و حين يقول برجسون إن حياتنا الزمانية متجددة لا تقبل الإعادة، فهو يعني بذلك أنه ليس في استطاعتنا أن نعيش من جديد أدنى جزء من أجزاء حياتنا ! و لكن  استحالة الإعادة

ــ في رأي برجسون ــ ليست إلا نتيجة لبقاء الذكريات حيّة في باطن الشعور: إذ تتوالى الحالات النفسية في مجرى الشعور، مكتسبة في كل مرة صبغة جديدة، نتيجة لذكرى الحالات السابقة المختزنة من ذي قبل في صميم الوعي، و بذلك نجد أنفسنا دائمًا بإزاء لحظة جديدة أصيلة من لحظات تاريخ حيّ متجدد لشخصية متطورة نامية ! .

 و يبقى أن نتساءل: هل يكون معنى هذا أن الماضي ــ في رأي برجسون ــ هو العامل الفيصل في تكوين الشخصية ؟ هذا ما يرد عليه برجسون نفسه بقوله :” إن ماضينا بأكمله يظل يتعقبنا في كل لحظة من لحظات حياتنا: لأن ما شعرنا به، و ما فكّرنا فيه، و ما أردناه منذ طفولتنا المبكرة، ما يزال عالقًا بنفوسنا، متجهًا نحو الحاضر كما لو كان يوشك أن يتصل به، ضاغطًا بشدّة على باب الشعور الذي يريد أن يدعه خارجًا “.و لكن برجسون يعترف بأن جانبًا غير قليل من هذا الماضي يظل مكبوتًا في اللاشعور، حتى إذا ما ظهر موقف يستدعي إحياء بعض ذكريات الماضي، لم يلبث باب الشعور أن ينفتح أمام تلك الذكريات حتى تلقي بعض الأضواء على الموقف الراهن، أو حتى تقدم شيئا من العون للفعل الذي هو بصدد التكوين. و إذن فإن برجسون يسلم بأن ماضينا يظل حاضرا بالنسبة إلينا، و إن كام جزء ضئيل منه فقط هو الذي يسهم بالفعل في تكوين سلوكنا الحاضر. و تبعا لذلك فإن الإنسان ــ في رأي الفيلسوف الفرنسي الكبير ــ لا يمكن أن يكون مجرد أسير مستعبد تماما لماضيه.

  ولكن، هل يستطيع الإنسان أن يتحرر تماما من ماضيه ؟

 

 …إن الماضي ــ فيما يقول بعض الفلاسفة ــ لا يمكن أن يموت تماما: فإن شيئا لا يمحى على الاطلاق في حياتنا النفسية، خصوصا و أن لدى الإنسان ذاكرة تسجل الأحداث و تختزن التجارب ! و حتى لو سلمنا بأن بعض الذكريات قد تندس في طوايا اللاشعور، فلا بد لنا من التسليم بأن مثل هذه الذكريات قد تجد الفرصة للظهور على مسرح الشعور، أو هي قد تظل تعمل عملها حتى من خلف الستار! و قد يستحيل الماضي إلى جزء متصلب أو قطعة متحجرة من كياننا، حينما تثور عليه الذات أو تتنكر له. و لكن الذات حين تعمد إلى الانفصال عن ماضيها ــ فيما يقول بعض علماء النفس ــ فإنها قلما تنجح تماما في اقتطاع ذلك الماضي من حياتنا، بل كل ما قد تستطيع عمله هو استئصال شوكته أو تنحيته جانبا، دون التمكن من القضاء عليه بصفة نهائية. و آية ذلك أن هذا الماضي الذي قد تبدو الذات أبعد ما تكون عنه، قد تدب فيه الحياة من جديد، فلا يلبث أن يزحف إلى أعماق تلك الذات، لكي يعود فيؤثر عليها، و يخضعها لسطوته.

   بيد أن الماضي ــ مع ذلك ــ ليس قوة غريبة عنا، و كأننا مجرد نتيجة طبيعية له، بل ينبغي أن نقرر ــ على العكس من ذلك ــ أن قوة الماضي رهن بما نخلع عليه ــ نحن ــ من قيمة، و ما نضفي عليه من معنى. هذا إلى أن السبيل الحقيقي للتحرر من الماضي لا يكون بتجاهلنا له، بل يكون بمعرفتنا له. و من هنا كانت أهمية التاريخ : فإنه يسلط الأضواء على الماضي، لكي يضع بين أيدينا الكثير من الدروس التي تعيننا على مواجهة كل من الحاضر و المستقبل. و ربما كان الإنسان هو المخلوق الأوحد الذي لا يكاد يكف عن تشكيل ماضيه بنفسه، على ضوء ما يتصوره عن المستقبل ! فالمستقبل هو وحده الكفيل بخلع المعنى الذي الذي نريده على ذلك الماضي الذي لاسبيل إلى إعادته. صحيح أن كل حدث وقع لنا في الماضي هو واقعة قد انقضت إلى غير ما رجعة، فلا مجال لإلغائه أو جعله و كأن لم يكن، و لكن في وسعنا مع ذلك أن نقبله أو نرفضه، و بالتالي فإن في استطاعتنا أن نغير من معناه، أو أن نفصل في قيمته. و بهذا المعنى يمكننا أن نقول إن موقفنا من ذلك الماضي رهن المستقبل الذي ننزع إليه و نتجه نحوه. و حين يزعم بعض الفلاسفة أن الماضي هو صنيعة المستقبل، فإنهم يعنون بذلك أن هذا المستقبل نفسه هو الذي سيحدد معنى ذلك الماضي الذي قد يبدو لنا حملا ثقيلا ننوء به! و هذا هو معنى قول بعضهم : “إن الماضي هو مستقبل المستقبل ” !!

   هل يكون التاريخ نفسه شاهدا على أولوية المستقبل على الماضي ؟

 

 …و الواقع أن المستقبل لا يصدر عن الماضي بل إن الماضي هو الذي يصدر عن المستقبل. و إذا كان من شأن العلم أن يقف عند الظواهر، و أن يطبق عليها بالضرورة مبدأه في الحتمية، فما ذلك إلا لأن العلم يمضي دائما من الماضي إلى المستقبل، و بالتالي فإنه ينظر إلى كل ما سوف يحدث على أنه نتيجة ضرورية لما قد حدث. و أما الإنسان الحر الذي يفصل في مصيره بما لديه من قدرة على الاختيار، فإنه يمضي من المستقبل إلى الماضي. و ما أصدق أوسكار وايلد حين يقول :”إن ذك الذي يتجه نحو ماضيه، لا يستحق أن يكون له مستقبل “! ولا غرو، فإن الإنسان لا يمكن أن يحرز أي تقدم، اللهم إلا إذا انفصل ــ بوجه ما من الوجوه ــ عن ماضيه. و لكن من المؤكد أن التاريخ ليس مرتبطا بالماضي كما يبدو لنا لأول وهلة، بل هو أوثق اتصالا بالحاضر و المستقبل منه بالماضي. و آية ذلك أن الماضي الروحي الحقيقي ــ كما يقول لافل ــ هو ذلك الذي تعٍيدُ الذات خلقه في صميم الحاضر، فهو ليس بمثابة مجموعة من الذكريات التي يختزنها الوعي بقدر ما هو مقدرة على الاحتفاظ بتلك الذكريات و العمل على استثارتها عند اللزوم، بمقتضى فاعلية حاضرة تملك باستمرار بعث تلك الذكريات أو استحضارها. حقا إن التاريخ يمثل منظورا نطل منه على الماضي، ولكن النقطة المركزية التي يستند إليها هذا المنظور هي باستمرار الحاضر نفسه. و لما كان من شأن مركز هذا المنظور أن يتغيرباستمرار، فإن من واجبنا دائما أن نعمل على إعادة النظر إلى التاريخ، إن لم نقل أن نصنعه من جديد ! و بهذا المعنى، قد يصح لنا أن نقول إنَّ التاريخ نفسه شاهد على أن للمستقبل مركز الصدارة أو الأولوية بالنسبة إلى الماضي. و لعل هذا يعبر عنه هيجل حين كتب يقول: “إن المقولة الأولى مقولات الوعي التاريخي لا يمكن أن تكون هي الذاكرة أو التذكر، بل هي الترقب أو الانتظار، و الرجاء أو الاستباق ” .

    و هنا يظهر الفارق الكبير بين الندم و التوبة: فإن الندم متجه بتمامه نحو الماضي، في حين أن التوبة متجهة بتمامها نحو المستقبل. و الإنسان النادم هو إنسان بائس لأنَّه أسير لماضيه، لا يملك منه فرارا، و لا يكاد يقوى على النظر إلى شئ آخر سواه. فالندم وثيق الصلة باليأس: لأن الإنسان النادم يتجه بكل بصره نحو ماضيه الأليم، دون أن يكون في وسعه تجاوزه أو العمل على تخطيه. و أما التوبة فهي شعور ميتافيزيقي بإمكانه تعديل معنى الماضي، و تغيير دلالة الزمن، و كأن الإنسان التائب يعلم منذ البداية أن الماضي ليس شيئا متحققا مكتملا، بل هو شئ يقبل التعديل أو الصياغة من جديد ! و من هنا فإن الإنسان التائب يعلو على ماضيه، واثقا من أن مشاركته في الأبدية ستكون هي الكفيلة بتعديل معنى أفعاله المتحققة في الزمان.

ليس في العالم البشري وقائع بل أفعال !

 

بيد أن البعض قد يعترض ــ مرة أخرى ــ بقوله: ” إن الماضي ما مضى، و لكنه ما انقضى” ! و آية ذلك أن هناك ذكريات أليمة تظل تلاحقنا باستمرار، دون أن يكون في إمكاننا التخلص منها أو العمل على استبعادها نهائيًا. و ليس في وسعنا أن نشهد آثامنا الماضية،و كأنما هي وقائع غريبة عنا، لا تكاد تمت إلينا بصلة، بل نحن مضطرون إلى الاعتراف أن ذلك الوجه الكالح البغيض هو وجهنا نحن، و أن تلك الأفعال الشائنة القبيحة هي أفعالنا نحن ! و ربما كانت شناعة الخطيئة في أنها لا يمكن أن تنفصل عنا تمامًا، بل هي تبقى حاضرة فينا، دون أن تكون منا تمامًا ! ..إنها شيء يعترف به المرء و لكنه لا يتعرَّف فيه على ذاته الماضية، أو هي ــ على الأصح ــ شيء يحاول أن ينأى بنفسه عنه، و لكنه مع ذلك يظل يلاحقه، و كأنه يريد أن يلازمه ملازمة الظل لصاحبه ! .

و لكن، هل يكون معنى هذا أن ماهية الإنسان تنحصر بتمامها في ذلك الماضي الذي يلاحقه و يَرِين عليه ؟ ألسنا نلاحظ أن الله قد زود الإنسان بنعمة كبرى هي نعمة النسيان، التي كثيرا ما تجئ فتطمس معالم ماضيه بخيره و شره، أو تحيله إلى مجرد ذكريات باهتة قد خبت حدة آلامها و لذاتها؟ بل ألا تدلنا التجربة البشرية على أن آلام الماضي نفسها قد تتحول إلى ذكريات سعيدة، لمجرد أنها أصبحت أصداء خافتة بعيدة تذكرنا بعالم الشباب الذي انقضى، أو بفترة الصبا التي أصبحت في خبر كان ؟ وإذن، فلماذا يأبى بعض الباحثين إلا أن ينظروا إلى الماضي، و كأنه سجل خالد لا يغفل شيئا و لا يغيب عنه شيء ؟ ألا تكذّب الخبرة مثل هذه النظرة الصارمة إلى الماضي بسعده و نحسه ؟

 …إنهم ليقولون إن ” الإرادة قد تستطيع الكثير، و أما أن تمحو من الوجود ما أوجدته، فهذا  ما لا يقبل لها به على الإطلاق ” ! و نحن نقول إن أصحاب هذا الرأي على حق حين قولون إنه ليس في وسع الحرية البشرية أن تجعل ما كان كأنه لم يكن (في يوم من الأيام): فإن ما كان قد كان، و لا سبيل لأية قوة في الوجود أن تلغيه تمامًا، أو أن تزيله أصلًا من الوجود ! و لكن من المؤكد أن الماضي البشري ليس سلسلة من الوقائع، بل هو مجموعة من الأفعال. و على حين أن الوقائع ظواهر متحققة قد تمت أو اكتملت في العالم الطبيعي، نجد أن الأفعال أحداث روحية تكتسب دلالتها في صميم الواقع البشري. و حين أقام الفلاسفة المدرسيون ــ في العصور الوسطى ــ تفرقة واضحة بين الأفعال البشرية، والأفعال الإنسانية، فإنهم كانوا يعنون بذلك أن من بين أنشطة الموجود البشري أنشطة فسيولوجية تنتمي إلى عالم الطبيعة، و أخرى روحية تعبر عن فاعلية الروح و الحرية. و ليس من شك في أن ما يميز النشاط الإنساني (بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة) أنه نشاط تاريخي يتوقف على الدلالة الروحية التي ينسبها الإنسان نفسه ــ في كل لحظة ــ للواقع. وقد لا تستطيع التوبة أن تغير من واقع الأحداث، ولكنها تستطيع ــ على الأقل ــ أن تغير من دلالة الأحداث. و من هنا فقد يحق لنا أن نقول إنه ليس في حياة الإنسان شيء نهائي حاسم، لأنه ليس في وسع الموجود البشري (طالما كان حيًّا) أن يضع كلمة الختام، أو أن يعتبر حياته ماضيًا بحتًا ! و معنى هذا أن كل ما قد تحقق، قابل في أية لحظة لكتساب دلالة جديدة، بِشرْط أن تأخذ الإدارة علة عاتقها إعادة تقييمه ! و لو أننا تصورنا الحاضر على أنه صورة من صور حضرة الأزلية في الزمان، لكان في وسعنا أن نقول إن الحاضر هو الذي يخلع معناه على كل من الماضي و المستقبل على حد سواء ! و إذن فنحن الذين نصنع ماضينا في كل لحظة، و ليس ماضينا هو الذي يصنعنا مرة واحدة و إلى الأبد !.

هل يكون من مصلحتنا أن ننفخ في الرماد المنطفئ ؟!

 

هذا، وقد لاحظ بعض الفلاسفة أن هناك صورتين مختلفتين من صور التعبد للماضي: فهناك أولًا صورة مادية بحتة تتجلى في النظر إلى الماضي على أنه شئ متحقق قد اكتسب ضربًا من الوجود الضروري، و كأنَّ الماضي نفسه قد أصبح هو العلة الكافية التي تفسر كلًا من الحاضر و المستقبل، ثم هناك ثانيًا صورة أخرى أكثر روحانية، و تلك هي التي تبحث في الماضي عن أحلام جميلة، و تهاويل براقة، و كأنَّ من شأن ذكريات الماضي أن تعزي الذات عن نقص الحاضر و غموض المستقبل ! و الصورة الأولى من صورعبادة الماضي تمثل اتجاهًا حتميًا أو جبريًا لا يرى في الماضي سوى مجموعة العلل التي تسبب في حدوث الظواهر الحالية أو المواقف الراهنة. و لا ريب، فإن المستقبل هو عالم الإمكان، في حين أن الماضي هو عالم الضرورة. و لما كان تفسير أي شيء من الأشياء يستلزم الكشف عما فيه من ضرورة، فإن من طبيعة التفسير أن يتجه نحو الماضي، ما دام الأصل فيه أن نربط الشيء بعلته (أي بما قد تم حدوثه بالفعل). و من هنا فإن الماضي ــ في نظر أصحاب هذا الاتجاه ــ هو عالم الوجود و المعرفة على السواء. و أما الحاضر فهو عالم الفعل و النشاط، في حين أن المستقبل هو عالم الإمكان و الآمال. و لكن دعاة هذه النزعة يتناسون أن الحاضر و المستقبل ليسا ماثلين منذ البداية في صميم الماضي، و إلا لما كان في العالم أية جدة أو إبداع. و الحق أن الماضي لا يَرِينُ علينا بالقدر الذي يتصور هؤلاء، بل هو حقيقة مرنة تقبل التشكل باستمرار، دون أن يكون في وسعنا اعتبار الإنسان مجرد أسير مستعبد تمامًا لماضيه. و ما دامت حياتنا في تطور مستمر و تغير متصل، فإن كل ما حققناه في الماضي، و كل ما أنجزناه في حياتنا السابقة لابد من أن يكتسب طابعًا جديدًا، وفقا لما يطرأ على أهدافنا من تغير، و ما يستجد على مشروعاتنا من تعديل. و بهذا المعنى يمكننا أن نقول إن الماضي لا يمكن أن يعني شيئا إلا بالنسبة إلى ذلك الإنسان الذي يأخذ على عاتقه أن يستخدمه، وأن يخلع عليه باستمرار حياة جديدة.

و أما الصورة الثانية من صورعبادة الماضي، فهي تلك التي تنصرف فيها الذات عن الفعل أو النشاط أو بذل الجهد في صميم الحاضر، من الاقتصار على تأمل أشباح الماضي، و اجترار ذكرياته، و تذوق حلاوة أحلامه السعيدة ! و ليس من شك في أننا حينما نستعيض عن الحياة بالحلم، فإننا قد نجد في صور الذاكرة المختزنة ما قد يعوضنا عن آلام الحاضر و مصاعبه. و لكننا كثيرًا ما نتناسى أن هذه التهاويل البراقة التي تعمد الذات إلى بعثها من مرقدها، لتعوض نفسها عن إجداب حاضرها و إفقار  حياتها الراهنة، إنما هي أحلام كاذبة تسئ إلى الماضي نفسه، أو بالأحرى تحول بيننا و بين تفسير الماضي على حقيقته. صحيح أن الماضي ذخيرة حية نرتد إليها في كل حين، حتى تستند إليها في مواجهة حاضرنا و مستقبلنا، و لكنه ليس قيدًا يأسرنا و يحد من حركتنا في كل من الحاضر و المستقبل، كما أنه في الوقت نفسه ليس مرآة نرتد إليها في كل لحظة لكي نتملى جمال صبانا الراحل أو شبابنا الذابل ! وكثير من الأحداث التي وقعت لنا في الماضي هي مجرد عوارض عابرة قد قدر لها الزوال، فليس من حقنا ــ و لا من واجبنا ــ أن ننفخ من جديد في مثل هذا الرماد ! أجل، فإن من الماضي ما مضى و انقضى، و لا بد لنا من ندعه يذهب مع الريح ! و قد يكون من الحكمة ــ في بعض الأحيان ــ أن يدير ظهره لماضيه، أو أن يتنكر له تمامًا، لكي يتجه ببصره ــ في ثقة و أمل ــ نحو الحياة المليئة الوفيرة التي تتجدد دائما يومًا بعد يوم.

وجودنا البشري: أهو تحرر من الماضي، و انطلاق نحو المستقبل ؟

 

و هنا قد يقال: “كيف للإنسان أن يتنكر لماضيه، و ما وجوده نفسه إلا ماضيه: ألسنا نلاحظ أن الطفل الصغير يولد مزودا بماض طويل ؟ أليس بدن الوليد الجديد تراثًا يحمل آثار الماضي البعيد ؟ و إلا فماذا عسى أن تكون تلك الوراثة الثقيلة العمياء التي تجئ فترِين على كاهل الطفل الصغير، و تجعل منه مجرد نهاية مؤقتة لسلسلة طويلة من الأنساب، و الاستعدادات الوراثية، والصفات الخلقية، و السمات العرقية ؟ “.

و ردنا على هذا الاعتراض أن الطفل يولد ــ بالفعل ــ شيخا طاعنا في السن: لأنه يحمل تراث أجداده و آبائه، ولكنه لا يظهرإلى الوجود حقيقة مكتملة قد تحددت معالمها من ذي قبل، بل هو يظهر على صورة شخصية مرنة تقبل التشكل ! و ليست الحياة الروحية للموجود البشري سوى هذا الجهد المستمر الذي يقوم به الطفل من أجل تجديد حياته و استعادة شبابه ! فنحن لا نكف عن طرد عبوديات الماضي، و استبعاد أحماله الثقيلة، و كأن كل حياتنا هي مجرد سعي مستمر نحو الارتداد إلى الينبوع الأصلي لكل نشاط إبداعي! و من هنا فإن وجودنا هو في صميمه تحرر من الماضي، من أجل الانطلاق نحو المستقبل. و كثيرًا ما يستحيل الماضي نفسه ــ في نظرنا ــ إلى مجرد فكرة نخلقها لأنفسنا، و نخلع عليها ما نشاء من المعاني و الدلالات ! و حين تعمد الذاكرة إلى تخليص الصور المختزنة من شوائب الظروف العرضية التي أحاطت بنشأتها، فإنها قد لا تنظر إلى الذكريات على أنها موضوعات، بل أنها قيم أو دلالات. و هنا تتحول ذكريات الماضي من موضوعات تقتصر على تأملها إلى وقائع حية تحرك الإرادة و تنشط مقدرتنا على الحكم أو التفضيل. و ليس يكفي أن نقول إن معرفتنا لماضينا تتغير يومًا بعد يوم، بل يجب أن نضيف إلى ذلك أيضا أنَّ هذه المعرفة لا تلبث أن تنفصل عما اقترن بها من أعراض، لكي تستحيل إلى نشاط روحي أنقى و أعمق، فلا يكون على الذات من بعد سوى أن تستخدم تلك المعرفة في توجيه حاضرها و مستقبلها على نحو أفضل و أفعل.

…فإذا ما تساءلنا ــ بعد هذا كله ــ “هل يملك ماضينا أن يسعدنا أو يشقينا ؟ ” كان الجواب

الصحيح على هذا التساؤل:” لا، و نعم “!.. لا، لأن الماضي نفسه قد أصبح أثرًا بعد عين، فهو لم يعد يملك ــ بمقتضى قوته الذاتية ــ أن يسعدنا أو يشقينا ! و نعم، لأن فكرتنا عن الماضي تظل تؤثر على سلوكنا، ما دمنا نجد أنفسنا مضطرين ــ بين الحين والآخرــ إلى معاودة تأويل ماضينا من أجل المضي في طريقنا نحو المستقبل. و لما كان الماضي يمثل التحقق، والامتلاك، فستظل الإرادة البشرية في حاجة ماسة إلى الماضي، ما دام الماضي يمثل ــ بالنسبة لهاــ عالم الوجود و المعرفة. و الحق أنه لولا الماضي، لما توافر لدينا أي وعي بما حققنا، أوأي امتلاك لما أنجزنا. فنحن كائنات تحمل وراء ظهرها ماضيًا: لأننا موجودات تحقق ذواتها عبر التاريخ، و تتراكم أفعالها على شكل مكاسب. و لكننا في الوقت نفسه ذوات واعية تدرك أن ما قد تحقق، لا يرسم مرة واحدة إلى الأبد صورة ما ينبغي أن يتحقق ! فالماضي يدفع كلا من الحاضر و المستقبل، و لكنه لا يحددهما تحديدًا دقيقًا صارمًا، أو هو لا يشكلهما مرة واحدة و إلى الأبد ! و لو كان الإنسان أسير ماضيه إلى الحد الذي يتصوره البعض، لكانت الحياة البشرية هي اليأس بعينه: إذ ما اليأس إلا عبودية الماضي ! و أخيرًا، ألا ترى معي ــ يا قارئي ــ أننا نحيا في المستقبل، و للمستقبل، أكثر مما نحيا في الماضي و الحاضر، أو للماضي و الحاضر ؟ ألا تشعر معي بأننا نوجد من أجل ما لا يمكن التنبؤ به، أكثر مما نوجد من أجل ما لا يمكن استرجاعه ؟

*المصدر: سلسلة مشكلات فلسفية (مشكلة الحياة) – زكريا إبراهيم – مكتبة مصر 1970م

error: المحتوى محمي