دانتي (١٢٦٥-١٢٣١)

دانتي (١٢٦٥-١٢٣١)

220px-statua_di_dante_naplesعن الإنجليزية: مبارك إبراهيم

مجلة الثقافة، العدد رقم ٣٠٧

١٤ نوفمبر ١٩٤٤


في أحد شوارع مدينة (رافنا)، مدينة البعيدين والمنفيين، وفي إحدى الكنائس الصغرى يقوم نصب تذكاري منقوش عليه الكلمات الآتية:

“هنا أرقد، أنا دانتي، المبعد عن شواطئ موطني”! وقد رقد هناك نيفًا وستمائة عام، ولما طالب أهل فلورنسا- حيث شواطئ موطنه- أن تعاد لهم رفاته، لم يلبّ شعب (رافنا) الطلب، ولم يجيبون الدعاء؛ ذلك لأن أهل فلورنسا كانوا فيه من الزاهدين يوم كان حيّا، وكانوا عن عظمته من الغافلين.

وقد قال بعضهم في صدد غفلة أهل الجيل عن عظمة عظمائهم: “إذا تقدم العظيم زمنه بضع خطوات تبعه قومه، أما إذا تقدم زمنه ألف خطوة عميت عنه عيونهم، فغابت عنهم عظمته”. وكان هذا حال دانتي مع قومه، فهو بينهم نكرة من النكرات يُدعى: دانتي “اليجيري من أهل فورنسا” ؛ وكان خاملًا مجهول الذكر في تلك المدينة ذات الشوارع المظلمة المتعرجة، الملأى بقصور النبلاء، والتي تكثر فيها الكنائس بأجراسها التي لا ينقطع رنينها، كما تكثر بين أهلها العداوة والشحناء.

وكانت عائلة دانتي من عائلات الأوساط، وكان له- أيام صباه- نصيبه في القصف واللهو، كما كان له نصيبه في الحرب ثم في السياسة.

وقد شهر بالأدب، وبأن له بضع قصائد بليغة، وهذا كل ما ظفر به من تقدير أهل زمانه!

وكانت الفئة القليلة ممن يعرفون قدره، يرون فيه الرجل المحمود المآثر والمأثور المحامد، يوم كان فتى غض الإهاب، رضيَّ الأخلاق، ويوم كان جنديًّا، ويوم كان يشارك في دنيا المباهج ويساهم، ثم يوم تزوج، ثم يوم مسّته نار الأحداث السياسية.

أما مَن عرفوه يوم عضّه الفقر بنابه، ويوم غاضب بشاشته وطوى بساط أنسه، ويوم أصبح يهيم على وجهه يشكو الزمان ويضرب الأمثال، فقد رأوا فيه الرجل المهين الذليل.

وعلى الرغم من هذا، فقد كان كل ما يملأ جواب مخيلة هذا الحالم العابس، هو أن يصور عقيدته الروحية صورة خالدة تبقى على الزمن!

وقد عمل على بلوغ غرضه بذكاء يكاد يرقى إلى درجة الإلهام، مستعينًا بعلوم عصره، غير عابئ بعوائق التقاليد وقيود اللاهوت، وقد ملأ قصيده بالتأملات الفلسفية.

ولم تكن الصورة التي يطمح إلى تصويرها صورة يوم مضى أو يوم يجيء، وإنما هي صورة الآمال غير المستقرة، بل صورة الخوف في مختلف ألوانه، وآمال الروح الإنسانية في شتى أشكالها؛ وفيها تتجسد كل الانفعالات والأحاسيس، وفيها يتجسم العقاب والكره، وفيها تتمثل التوبة والندم.

ويرى كاتب المقال في لغته الأصلية أن الصورة التي صورها دانتي “للمظهر” وللجحيم وللجنّة هي صورة واضحة، وأنها تذكره بإحدى رباعيات عمر الخيام الشاعر الفارسي التي يقول فيها:

إنني أرسلت روحي آنفا

في دياجي الغيب كيما أكشفا

غامضًا من عالم الخلد اختفى

فانثني روحي ونبا إنما

أنا فردوس صفا، نار انتقام

(وهذه الرباعية منقولة من كتاب “رباعيات عمر الخيام” للمرحوم الكاتب الأديب محمد السباعي)

ولكي نحسن فهم الجانب غير الديني من قصيدة دانتي، يجب عليما أن نستقرئ أحوال الدنيا يوم كان دانتي من أبناء الدنيا.

فقد كان العالم يومئذ عالما ضيق الرفعة محدود المساحة، مثله كمثل إناء مقلوب، يحده من الأفق مدى ضيق، والشمس والقمر والنجوم تدور حوله كعوالم تؤدي عملا إضافيا. والنظرية العلمية القائلة إن الأرض تدور حول الشمس، وإن الأرض جزء صغير من عالم لا نهاية له، لم تكن قد عرفت بعد.

وكانت جمهوريات سينيا ويينرا وجينوه والبندقية- في نظر شعب فلورنسا- هي كل ممالك الأرض.

أما الخصام والجدل فكان مدارهما النزاع بين أنصار البابا ومخالفيه. وكان أنصار البابا- ودانتي منهم- يمثلون جماعة الأحرار من الطبقة الوسطى للشعب، حيث كان هدفهم أن تكون إيطاليا دولة مستقلة تحت حكم البابا؛ أما مخالفوهم في الرأي فكانوا يمثلون حزب الأمراء الأقوياء ومن لفّ لفهم من البلاء، الذين كانوا- إبقاء على ما لهم من امتيازات- ضالعين مع الإمبراطور.

ثم انقسم أنصار البابا إلى قسمين: البيض والسود. ،قد كانت العداوة والبغضاء بينهم لا تقل شدة وضراوة عن عداوتهم لخصومهم من الحزب المخالف.

إلى هذا الدرك الأدنى من الخصومة واللجاج انحدر الحزبان، حتى إن السود استصرخوا البابا أن يجعل من شارل أوف فالو (١٢٧٠-١٣٢٥) نائبًا له وممثلا.

أما البيض- ومنهم دانتي- فقد أدت بهم الخصومة والعرام إلى أن يعارضوا في كلتا الزعامتين: زعامة البابا وزعامة شارل.

وكان الفوز حليف السود. واستتبع هذا الفوز إقصاء دانتي من كل عمل حكومي ثم الحكم عليه وعلى أصحابه بالنفي؛ فقضى حياته بين البؤس والتشريد، وصودرت أملاكه، وحاول أن يستعيد مكانته فلم يفلح، بل ازدادت الحال سوءًا. وهناك في أضابير قسم المحفوظات بفلورنسا حكم يقضي بحرق دانتي حيّا أينما وجد! فكان رجلًا لا مأوى له، وكان طعم النفي عنده كأنه نقيع الحنظل.

واتخذ له حماة يعيش في كنفهم عيش السؤَّال، وكان يشكو مُرَّ الشكوى مما رماه به القدر.

أما نحن فما يحق لنا أن نجزع مما ناله من بؤس وتشريد. فلو سارت الأمور وفق ما يهوى لما زاد دانتي عن أن يكون عمدة لمدينته، وصاحب زوجة ورب عائلة. ولنسي حبه الأكبر أمام شبابه في شخص بياتريس التي تزوجت رجلا آخر.

أما وقد سارت الأمور وفق ما قدر لها، فإن العيش المرّ والاغتراب المضني، والبغض الذي طوى عليه صدره لهذا العالم الجاحد للجميل، كل أولئك قد استحال عنده وقودًا للرؤيا؛

وفي هذه الرؤيا كان عالم الخلود الذي صوره بشعره الصوفي العميق هو الحقيق ولا حقيقة سواه.

وكانت قمم هذا العالم وسفوحه، وعذابه وثوابه، كانت كلها حقائق ملموسة كأنها أوصاف لما يشاهده في الحياة الدنيا.

وفي هذه الرؤيا استحالت حياته المادية إلى حياة روحانية. واستحالت معبودة فؤاده بياتريس- تلك المرأة الطفلة التي أحبها ثم أضاعها- روحا للعتاب الرقيق وللندم الصحيح، والشعر الذي جعله وقفًا عليها هو بلا مراء أنقى وأصفى ما جاء به خيال شاعر محب ملهم.

وقد رسم- في قصيده- بريشة الفنان البارع وخيال الشاعر المبدع شعب بلاده، وقص قصصهم. فهنا القصة الخالدة، قصة باولو وفرنسيسكا، وهي قصة كأنها حكيت من أشعة قوس قزح على رقعة من سواد؛ وهنا مأساة (اجولينو) وقد أصابه- وأطفاله معه- سعار من الجوع وهو في السجن يرسف في قيوده؛ وهناك الطغاة وأصحاب الصورة في زمنهم، ومنهم البابا برنيغاش، ذلك الرجل العجوز الجافي الخليقة الذي ظل على كرسيه ثلاثة أيام لا يبدي حراكا، بينما أعداؤه واقفون ببابه ينتفضون من الغصب؛ وهنا أصحاب الخطيئة، وهنا البررة الأطهار؛ وهنا التقاضي وهنا العقاب. وأنى توجهت فإنك ملق صورة مزدوجة للأمل العريض والحزن الممض، وأن أنفاسًا رقيقة من التوبة تذهب صعدًا إلى عرش الرحمن.

ومهما أوتي المرء من بلاغة فليس بقادر على أن يجيء بوصف شامل أو وصف مقارب لهذا الشعر البالغ غاية السمو.

وكان من عادة نساء رافنا- كلما مرّ بهم دانتي- أن يشرن إليه ويتهامسن قائلات: “هذا هو الرجل الذي نزل إلى أعماق الجحيم” وإذا علمنا أن (دانتي) لم تزعزعه تلك الحوادث ولم تلن قناته للنائبات، بل سما بنفسه واتخذ من الشدائد دروعا، قصفت روحه وخلف للأجيال بعده هذه التراث الخالد؛ إذا علمنا هذا كان حتما علينا أن نسلكه في عداد الأبطال الخالدين فقد اتخذ من دم قلبه مدادًا لكلمات كتابه الذي أودعه تاريخ حياته.

وقد كانت حياته الفانية قصيرة، إذ مات في السادسة والخمسين. وقد أخذه حزن تنقضّ من الجوانح. ولكن الذي لا شك فيه ولا ريب أنه كان من الموسيقى الخالد الذي سجل بأنغامه ما مرّ بالقرون الوسطى من آراء وأفكار.