خليل مالكي – كمال قائمي / ترجمة: سارة اللحيدان

خليل مالكي – كمال قائمي / ترجمة: سارة اللحيدان

مقالة حصرية لمجلة حكمة حول السياسي والفيلسوف اليساري خليل مالكي ، من كتابة صديقه: د. كمال قائمي


كان خليل مالكي فيلسوفا تجديديا اشتراكيا، ومنظّرا للحرب الباردة، إضافة لكونه قائدا لحركة اشتراكية مستقلة في إيران.

ولد خليل مالكي عام 1901 في أذربيجان في الأقاليم الشمال-غربية لإيران. تعرّض في بداية شبابه للحركات الدستورية في إيران وروسيا المجاورة، والتي تأثرت بالأنشطة الاشتراكية الديمقراطية في أوروبا. في عام 1922 كان خليل مالكي واحدا من مجموعة من الطلاب الذين أرسلوا إلى ألمانيا للدراسات العليا. درس الكيمياء في برلين لمدة أربع سنوات، حيث تأثر بالتعاليم الماركسية، وانغمس في الفلسفة الاقتصادية والسياسية، وأتقن اللغة الألمانية ببراعة.

اضطر خليل مالكي للعودة إلى إيران قبل أن يتمكن من التسجيل في برنامج الدكتوراه، وقام إلى جانب اثنين وخمسين آخرين من الشباب الماركسيين الإيرانيين بإنشاء خلية اشتراكية ماركسية تحت الأرض. والمفارقة أن أمر هذه الخلية قد كُشف عام 1938 من قبل أعضاء أصبحوا فيما بعد قادة للحزب الشيوعي الإيراني (أطلق عليهم حزب توده[1] Tudeh  أي حزب الجماهير.) لاحقا، قُبض على جميع أعضاء الخلية؛ وحُكم على خليل مالكي بالسجن أربع سنوات.

كان السجن بمثابة جامعة له، إذ قام، وتحت إرشاد زملائه السجناء، بدراسة اللغة الفرنسية والإنجليزية، وقراءة العديد من الكتب والمقالات المهربة. اُحتلت إيران من قبل بريطانيا وقوات التحالف الروسية، وذلك خلال الحرب العالمية الثانية، الأمر الذي أرغم الشاه رضا بهلوي على التنازل عن العرش، وأُطلق على إثر ذلك سراح السجناء. انضم ثلاثة وخمسون رجلا إلى حزب توده الشيوعي الجديد، ولكن خليل مالكي كان مترددا لمدة عام تقريبًا. كان خليل مالكي القائد الشجاع والناطق باسمهم في السجن، قد خلُص إلى أن بعض رفاقه كانوا انتهازيين، لذلك لم يثق بهم عندما أوليت له مسؤولية قيادة حزب توده الجديد. لم يكن تردد خليل مالكي شخصيا فقط؛ بل حتى فلسفيا وسياسيا. فمنذ بداية دراسته للماركسية، كان مشدوها بأن ماركس قد بدا وكأنه لا يقدّر بعض جوانب المجتمع الإنجليزي: فقد بدأ الرأسماليون مثل شركة لويدز اللندنية للتأمين ببيع ملكية الأسهم (والتي اشتراها ماركس أيضا) لمواطني الطبقة الوسطى؛ وإلى جانب ذلك، أصبحت الخدمات الاجتماعية والاقتصادية، رغم بدائيتها، تقدم للفقراء. أسهمت هذه العمليات في تحسّن حال الطبقة العاملة وتقليص الاستقطاب بين العمال والرأسماليين، والذي أدى إلى ثورة اشتراكية كان ماركس يراها أمرا حتميا.

كان لدى خليل مالكي شكوك حول الشيوعية الروسية، إلى جانب شكوكه حول النظرية الماركسية الأرثوذكسية. بالعودة إلى العشرينات في ألمانيا، كان مالكي قد حضر مناظرات حول البلشفية الروسية، والتي وصلت حديثا إلى السلطة عام 1917. قبل ذلك التاريخ، قامت الاشتراكية العالمية الثانية- بقيادة زعيم الحركة الاشتراكية الألمانية كارل كاوتسكي (والذي كان على معرفة شخصية بماركس)- بنقاش حاد حول ما إذا كانت ستقبل بأيديولوجية لينين الشيوعية. لقد كان لينين مُعارَضًا من قبل زعيم الحركة الاشتراكية الروسية جورج بليخانوف، والذي كان يؤمن من دون شك أن أي تجربة ماركسية ستكون عقيمة في روسيا. لقد آمن بليخانوف أنها ستفشل وسيكون من العسير إصلاحها أو تطويرها. لاحقا، خلُص كاوتسكي إلى الاستنتاج عينه، لكنه كان أكثر مرونة في البداية، وقبل الثورة البلشفية أعطى رسالة مشروطة بالموافقة على أنشطة لينين. اعترف خليل مالكي في وقت لاحق، بأنه كان يعلم في سرّه أن بليخانوف كان على صواب، إلا أنه بعد اتباع سياسة كاوتسكي المتعاطفة في بدايتها مع البلشفية، قرر مالكي، وبشكل متناقض، الانضمام إلى قيادة حزب توده الشيوعي.

وبذلك ميّز خليل مالكي نفسه فورا عن بقية القادة الشيوعيين الإيرانيين بإصراره على استقلال الحركات الاشتراكية خارج الاتحاد السوفيتي. وقد رمز لهذا النهج خلال جولة تفقدية قام بها في مكاتب حزب توده في أذربيجان، عندما أمر بإزالة صور ماركس، إنجلز، لينين، وستالين، واستبدالهم بصور لستّار خان وباقر خان زعيما الثورة الإيرانية الدستورية عام 1906، (ثورة قومية ضد الشاه أدت إلى تأسيس البرلمان والملكية الدستورية.) لم يكن القادة السوفيتيين راضين عن أنشطة مالكي، الأمر الذي أدى إلى جدل داخل قيادة حزب توده؛ فالبعض اتبع ما يُملى عليهم من السوفيتيين، والبعض الآخر انضم إلى خليل مالكي. ثم أصبح الجدل مريرا، خاصة بعد رفض السوفيتيين سحب قواتهم من إيران بعد الحرب، وسعيهم لانتزاع الامتيازات النفطية عنوة، حتى أنهم قاموا بوضع دول دمى[2] في الأقاليم الشمال-غربية لإيران.

لم تساعد أطروحة مالكي “مساران لهدف واحد  Two Courses for one Goal ” عام 1946 على رأب الصدع. ذلك لأن معظم زعماء حزب توده قد خضعوا لاتباع خط الكرملين، وعلى إثر ذلك غادر خليل مالكي الحزب متبوعا بجماعته. كانت ردة الفعل القاسية لراديو موسكو، إلى جانب الحزب الشيوعي السوفيتي وزعماء توده، قد أقنعت مالكي بأن التجربة اللينينية للاشتراكية الروسية قد فشلت بصورة بائسة.

بعد فترة قصيرة من العزلة، بدأ مالكي في تطوير نظريته الخاصة بالاشتراكية، والتي نشرها في كتاب آخر عام 1946 بعنوان “تصادم الآراء والمعتقدات The collision of beliefs and opinions-“. خلُص خليل مالكي إلى أن فشل الاشتراكية الروسية كان فشلًا لروسيا، وليس فشلًا للاشتراكية. وقام بطرح ثلاث نظريات أصيلة حول الاشتراكية حملت آراء مختلفة عن المعارضين الاشتراكيين للنظام السوفييتي مثل تروتسكي وتيتو:

الأولى، أكد خليل مالكي أن سير الاشتراكية لا يمكن أن يتقدم دون أن يوجد هناك أحزاب مستقلة في كل بلد، بحيث تراعي خصوصية ثقافتهم وظروفهم الاجتماعية والاقتصادية، باستخدام الوسائل الديمقراطية فقط. باختصار، قام مالكي برفض اشتراكية الاتحاد السوفيتي التي صممت على مقاس واحد يلائم الجميع.

الثانية، قال بأن النظام السوفييتي ليس اشتراكيا على الإطلاق بل “دولة رأسمالية” وهو بذاته نتاج للشمولية. وقد كان لهذه الأطروحة وقع كبير في أوروبا الشرقية، مما أثار غيظ الكرملين أكثر من ذي قبل.

الثالثة، وهي أكثر نظرياته أصالة، زعم خليل مالكي بأنه في الحرب الباردة بين الرأسمالية الغربية والشيوعية السوفيتية، احتاجت البلدان النامية إلى إنشاء حركات محلية مستقلة كـ “قوة ثالثة”. وقد رأى مالكي، في الخمسينات، أن هذه القوة الثالثة في إيران كانت حركة “الجبهة الوطنية”، والتي قامت تحت قيادة رئيس الوزراء الأسطوري محمد مصدق بتأميم امتياز النفط البريطاني، وتحييد المحكمة الملكية والمحافظين الرجعيين. لم تحظ حركات القوة الثالثة في إيران والبلدان النامية بالتنظيم ولا بحسن اطلاع من قادتها، أو حتى بأيديولوجية متطورة، على العكس من الأحزاب الاشتراكية في أوروبا. لقد سعى مالكي في كتاباته إلى توفير تلك الأيديولوجية لاشتراكية العالم؛ وحاول في ممارسته أن يقدمها للجبهة الوطنية الإيرانية.

سعت كتابات خليل مالكي في الخمسينات إلى إظهار كيف كانت الجبهة الوطنية نذيرا لحركة القوة الثالثة في إيران؛ إذا قامت هذه الجبهة بحراك برلماني رائع في حصولها على تأميم النفط؛ فقد بسطت قيادتها بحيث تتجاوز أحزاب اليمين واليسار؛ وكانت جماهيريتها ضخمة وهائلة بإجماعها العام على توطيد الحرية وإنهاء الديكتاتورية، إلى جانب إصلاح ما يتعلق بحقوق الإنسان في مواجهة الاستبداد. وقد أطلق عليها مالكي اسم “الجبهة الوطنية بمعناها العام” (بيه معناي عام)، والتي نجحت بشكل لافت في تحقيق أهدافها.

في الوقت نفسه، نشأت داخل الجبهة الوطنية، وبشكل تلقائي، مجموعات من الشباب الناشطين، المنضبطين، المتحمسين، والمفعمين بروح القتال؛ وهم الذين ارتكز نشاطهم على تحقيق الحريات الشخصية والانتخابية والحفاظ عليها. على عكس شريحة كبيرة من الجماهير، أظهرت هذه المجموعات الشابة عملا جماعيا جيدا، فقد تمتعوا بالليونة والمرونة في صناعة القرار، وبإمكانية تنظيمهم في هياكل الحزب. وقد أطلق خليل مالكي على هذه المجموعة اسم “الجبهة الوطنية بمعناها الخاص” (بيه معناي آخاس)، ورأى أن هذه الكوادر الشابة بمثابة حصن يمكن أن يحرك الحشود ضد الأنشطة التخريبية، وزعزعة أنشطة معارضي الجبهة الوطنية: مثل المحافظين المدعومين من المستعمرين الغربيين، وحزب توده الذي تدعمه الشيوعية الروسية.

ومن أجل تنظيم هذه الكوادر الشابة والانتفاع من هؤلاء الناشطين، قام خليل مالكي بتشجيع قادة الجبهة الوطنية على تشكيل الأحزاب. لكن لم يشاركه أحد في هذه الاستراتيجية إلا قائد واحد وهو مظفر بقائي (والذي، من المفارقة، أصبح لاحقا من أشد المعارضين لحكومة مصدق)؛ وقد شكل مالكي وبقائي معاً “حزب الكادحين الإيراني” وهو حزب اشتراكي مستقل. ازدهر هذا الحزب، بالرغم من انشقاق بقائي لاحقا، ليصبح ثاني أكبر حزب في الجبهة الوطنية، وثاني أكبر الأحزاب الإيرانية.

خلال فترة حكومة رئيس الوزراء مصدق (1951-1953)، حاول خليل مالكي وحزبه التأثير على حكومة الجبهة الوطنية لتحقيق تأميم النفط بشكل سريع، وتقديم تنازلات معقولة لإنهاء الخلاف مع إنجلترا قبل أن تصبح أزمة في الحرب الباردة بمشاركة الولايات المتحدة وروسيا. شعر مالكي بوجوب الحفاظ على حكومة الجبهة الوطنية بأي ثمن، حيث أنها كانت مصدر أمان للأحزاب المتقدمة. وعلى الرغم من وجود سياسات لا يحبّذها، تصوّر مالكي أن “حزب القوة الثالثة للكادحين” سيصبح معارضا مستقبليا مواليا في إيران الديمقراطية، ليقود الأمة في النهاية إلى سياسات اشتراكية.

أدرك خليل مالكي أن قادة الجبهة الوطنية لم يحسنوا تقدير الحتميات السياسية للحرب الباردة ولم يفهموا حدودهم التنظيمية، إذ لم يروا أنهم يحملون رسالة تاريخية، كما أنهم تجاهلوا مطالب الجماهير ونفاد صبرهم. قام مالكي بتوجيه نصيحة قوية لمصدّق للتفاوض على حل وسط مع إنجلترا والولايات المتحدة بشأن تأميم النفط، بدلاً من الدخول في معمعة كل شيء أو لاشيء. لسوء الحظ، لم يستمع رئيس الوزراء مصدّق ومستشاريه المقربين إلى نصيحة مالكي، حيث أوضح مصدق وقادة الجبهة الوطنية عن رغبتهم في الحفاظ على “سمعتهم” التاريخية في المستقبل؛ وقد رأى مالكي أن هذا الزعم المستقبلي الفارغ قد ضحى بالمصالح الحالية للأمة. ازداد الاقتتال الداخلي السياسي في الجبهة الوطنية إلى جانب تزايد التحريض ضد حكومة مصدق من قبل ناشطي حزب توده، ومع استمرار الحظر الاقتصادي من إنجلترا، تضخمت المصاعب الاقتصادية للبلاد وأدت إلى خيبة أمل كبيرة بين الجماهير.

لقد كان من الممكن تجنب هذه النتيجة المخزية: في أغسطس عام 1953 استسلمت حكومة الدكتور مصدق للاضطرابات الداخلية التي دعمها انقلاب خارجي. ثم سُجن مصدق و خليل مالكي مع عدة آخرين؛ وعاد الاستبداد إلى إيران لمدة 25 عامًا أخرى، ليؤدي إلى ثورة مستقبلية.

من بين حركات القوة الثالثة في دول العالم النامي، لم تنجح إلا واحدة: ألا وهي حزب الكونغرس الهندي بقيادة جواهر لال نهرو. كان المسار الذي سار عليه نهرو هو ما كان خليل مالكي يدافع عنه لعقود من الزمن، وهو ما حاول مالكي ممارسته في إيران مع حزب القوة الثالثة للكادحين. ولطالما دأب مالكي على كيل المديح لقيادة نهرو.

 في الفترة ما بين عام 1960-64، أتاح تحرير سياسي قصير فرصة أخرى لبقايا الجبهة الوطنية وحزب خليل مالكي للنهوض مرة أخرى. مع ذلك، اتبعت “الجبهة الوطنية الثانية” الاستراتيجية الضائعة عينها التي اتبعتها في المرة الأولى؛ إذ لم يكن لديها برنامج سياسي لتُقدّم تلك الحريات الديمقراطية المتقدمة، وتحسّن من البؤس الاقتصادي للجماهير. كان الدكتور مصدق يوجّه ​​قيادة الجبهة الوطنية الثانية بشكل علني، رغم بقاءه في الإقامة الجبرية. انضم مالكي إلى مصدق للمناداة بـ “الجبهة الوطنية الثالثة” بحيث تضم طلاب الجامعات والناشطين الشباب، وذلك للسعي نحو تحقيق أجندة اشتراكية ديمقراطية. رأى الشاه، الخائف المستبد، أن هذه الحركة الجديدة بقادتها ذوي الخبرة، قادرة على إدارة تنظيم حزبي نشط قد يشكل تهديدًا لنظامه، وسرعان ما اعتقل مالكي وقيادته الحزبية مجددا.

عاد خليل مالكي إلى السجن وحكم عليه بالسجن لثلاث سنوات أخرى، ثم وضع تحت الإقامة الجبرية إلى أن توفي في أغسطس عام 1969.


[1] حزب توده، جماعة من السياسيين الإيرانيين، قاموا بتأسيس حزبهم عقب عزل الشاه محمد رضا بهلوي، وقد أقام الحزب بمساعدة الاتحاد السوفييتي جمهورية مستقلة في أذربيجان عام 1945، لتقضي عليها الحكومة الإيرانية بعد عام واحد من إقامتها. استمر الحزب بعد ذلك بالعمل سرا رغم حظر أنشطته قانونيا. (ويكيبديا)

[2] الدولة الدمية، مصطلح يطلق على الدولة التي يُزعم أنها مستقلة، لكنها تعتمد في الحقيقة على قوة خارجية. (ويكيبديا)- المترجمة.

error: