خطأ ديكارت: العاطفة والعقل والدماغ البشري – انتونيو داماسيو / ترجمة: أحمد الغفيلي

خطأ ديكارت: العاطفة والعقل والدماغ البشري – انتونيو داماسيو / ترجمة: أحمد الغفيلي

antonio damasio

انتونيو داماسيو


 

كَدَرٌ في فيرمونت

فينيس ب. جيج

لم يخطر ببال فينيس ب جيج ذو الخمس وعشرون عاما، كبير العمال في أحد مشاريع روتلاند وبيورلنجتون لسكك الحديد أن ظهيرة يوم من أيام صيف 1848 ستغير حياته إلى الأبد، بل وستخلد اسمه في تاريخ العلم.

أوكل إلى جيج وعماله مهمة تميد الطريق لسكة حديد جديدة ستعبر فيرمونت. وخلال الأسبوعين الماضيين أنجزوا ببطء الجزء المتجه إلى بلدة كافنديش وهم الآن على شاطئ نهر بلاك. لم تكن مهمتهم بالسهلة بسبب طبيعة الأرض الصخرية المليئة بالنتوءات، وبدلا من البحث عن طريق أكثر تساويا تقوم الشركة بمساواة الصخور بالأرض باستخدام الديناميت. لم يكن جيج يكتفي بمهام الإشراف على العمال فقط وإنما كان يعمل معهم كما لو كان واحدا منهم. بطول يبلغ خمس أقدام وستة إنشات كان جيج يقفز بين مسارات السكة الحديدية بكل رشاقة وحيوية. ولكأني أراه ماضيا بينها بخفة لاتجاريها إلا خفة جيمس كارجني عندما يرقص على أغنية يانكي دودل داندي.

إنه ” أكفأ موظفي الشركة وأقدرهم”[1]، هكذا يتحدث عنه رؤسائه. وهذا شيء جيد لأن الوظيفة تتطلب الكثير من الإقدام والتركيز الشديد خاصة عندما يتعلق الأمر بتحضير التفجيرات. فيجب اتباع عدة خطوات لتحضير التفجيرات والعناية بها بدقة. فأولًا يُحفر ثقبٌ في الصخرة. ثم يُملأ نصف الثقب ببارود قابل للانفجار ويوضع الفتيل ثم يدفن البارود بالرمل. بعد ذلك يُضرب بحذر داخل الرمل بواسطة عصا حديدية عدة ضربات متتابعة ليشتعل الفتيل بالبارود جرّاء حركة العصا. وإذا مضى كل شيء على ما يرام فإن اتجاه انفجار البارود سيكون إلى داخل الصخرة، ولذلك يتم استخدام الرمل فبدونه سينعكس اتجاه الانفجار إلى خارج الصخرة عبر الثقب. ومن المهم ان تكون العصا ذات شكل دقيق ومواصفات خاصة، ولم يكن جيج بالغافل عن هذا فقد طلب صنع عصا بمواصفاته هو.

دعنا نعود إلى حيث بدأنا، ففي ظهيرة ذلك اليوم القائظ وعند تمام الساعة الرابعة والنصف عصرا. كان جيج قد انتهى لتوه من وضع البارود وطلب من مساعده تغطيته بالرمل. في تلك اللحظة سمع جيج مناديا يهتف باسمه فالتفت إلى يمينه ليرى مالأمر ولكنه في اللحظة ذاتها شرع في تحريك العصا غير منتبه إلى أن مساعده لم يدفن البارود بالرمل بعد. وفي لحظات معدودة اشتعل البارود داخل الصخرة وانطلقت العصا بالاتجاه الخطأ، باتجاه وجه فينيس جيج.[2]

تجمّد الجميع في أماكنهم من شدة الانفجار. أخذوا عدة لحظات كي يستوعبوا ما لذي حصل بالضبط. فصوت الانفجار ليس كالمعتاد والصخرة لازالت كما هي. هناك صوت جديد لم يعتادوا سماعه في الانفجارات السابقة، صوت صفير كصوت اندفاع قذيفة نحو السماء. صوت أشبه ما يكون بصوت قذيفة مدفعية باطشة. انطلقت العصا الحديدية لتشق خد جيج الأيسر وتواصل لتخترق قاعدة الجمجمة ثم تخرج بسرعة هائلة من أعلى رأسه قاطعة مقدمة دماغه في الطريق. سقطت العصا أخيرا على بعد مئة قدم مغطاة بالدم والأنسجة الدماغية. وسقط فينيس جيج على الأرض. بدا جيج تحت نور الشمس مصعوقًا وصامتًا ولكن واعيًا. وكذلك بدت وجوهنا نحن المتفرجون.

اعتلى الخبر الصحف المحلية واتفقت جميعها على وصف الحادثة بالمرعبة بعكس مجلة بوسطن الطبية والجراحية والتي فضلت أن يكون عنوان الحادثة “اختراق عصا حديدية للرأس”. ولكم يبدو هذا العنوان خاليا من المشاعر، مشوحا برعب الوصف الدقيق المروّع. بل قد يجزم المرء بأن من أتى بالعنوان كان متأثرا بأسلوب كتابة إدغار الان بو إلا أن قصص الأخير لم تبلغ شهرتها في ذلك الوقت وسيموت صاحبها في السنة اللاحقة معدما ومغمورا. وماكان هذا الرعب الوصفي بتأثير منه وإنما هو نابع من صميم هذا الحدث المريع.

ويشير خبر مجلة بوسطن الطبية أولا إلى دهشة شهود الحادثة من أن انفجارا بهذه القوة لم يصب جيج في مقتل. ثم يذكر أن جيج سقط على ظهره من شدة الانفجار وأخذت أطرافه بالتشنج بعد ذلك بقليل، إلا أنه كان واعيا طوال الوقت وعاد إلى الكلام مع رجاله خلال دقائق قليلة. حمله رجاله على أكتافهم حتى وصلوا به إلى الطريق والذي كان على بعد الخمسون قدما من موقع سقوط جيج. ركب جيج على عربة يجرها ثور ليتجه به صاحب العربة إلى فندق السيد جوزيف آدامز والذي كان على بعد ميل تقريبا. ويجدر بالذكر بأنه كان جالسا منتصب القامة طوال الطريق وأنه لم يحتاج إلا إلى قليل من المساعدة كي ينزل من العربة.

والآن من يكون السيد جوزيف آدامز؟ هو أحد أعيان كافنديش ومالك فندق البلدة وحانتها. كان فارع الطول، بدينا شبيها بفالستاف. هرع السيد آدامز نحو جيج وحينما لاحظ حاجته إلى طبيب أرسل في طلب د. جون هارلو، أحد أطباء البلدة. وكأني بالسيد آدامز يقترب من جيج ليصعق حالما يرى جرحه الغائر وإصاباته، فيمسك بيد مريضنا بيده ويقوده برفق تجاه شرفة الفندق الظليلة فيجلسه هناك ويقدم له بعضا من عصير الليمون المثلج.

مضى ساعة من الزمن منذ أن دوّى صوت الانفجار في الأنحاء. وبينما تمضي الشمس إلى مغيبها وتستطيل الظلال أكثر فأكثر يصل د. إدوارد وليامز “زميل د. هارلو” إلى الفندق. وسيصف د. وليامز لحظة وصوله بعد مرور سنوات بهذه الكلمات ” كان المريض جالسًا على مقعد في شرفة فندق السيد آدامز بكافنديش. وحال رؤيته لي قال: دكتور، قد أتيتك بما سيشغل وقتك. وكان أول ما لفت انتباهي وقبل نزولي من العربة ذاك الجرح في الرأس، كان نبض الدم داخل الدماغ واضحا جدًّا، وإزاء فحصي لم أنتبه إلى شكل أعلى الرأس والذي كان يبدو كقمع مقلوب، والسبب في هذا المظهر كما اكتشفت هو اتساع الكسر في العظم حول الفتحة الواقعة أعلى الرأس بمسافة انشين في كل اتجاه. كما أن قطر الفتحة المستحدثة في الجمجمة والجلد كان قرابة الانش ونصف الانش، وأما أطراف هذه الفتحة فكانت بارزة نحو الخارج وبدا كامل الجرح كما أن جسما على شكل الإسفين قد عبر من الأسفل إلى الأعلى.

وبينما كنت مشغولا بفحصي لرأس السيد جيج، كان يحكي للحاضرين كيف أصيب، كان يتحدث بكل عقلانية ووضوح، الأمر الذي جعلني أتوجه إليه بأسئلتي بدلا من سؤال رجاله الواقفين حولنا. بيّن لي السيد جيج بعض الملابسات المحيطة بما حصل. وأستطيع القول وبكامل الثقة بأن السيد جيج بدا لي شخصا محتفظا بعقله سواء في المرة الأولى التي التقيته بها أو فيما بعد باستثناء ما حصل بعد خمسة عشر يوما من الحادثة عندما بدأ بالإصرار على تسميتي جون كيروين، ولكن رغم هذه الإصرار على التسمية الجديدة الا ان إجاباته على كل أسئلتي كانت صحيحة”.[3]

إن نجاته لمدهشة بحق وخاصة إذا أخذت بالاعتبار شكل ووزن العصا الحديدية. ويصف هنري بيجلو أستاذ الجراحة في هارفارد هذه العصا فيقول ” تزن هذه العصا التي اخترقت الجمجمة ثلاثة عشر رطلا وربع الرطل. ويبلغ طولها ثلاثة أقدام وسبعة انشات أما قطرها ففي حدود الانش وربع الانش. وهي ذات رأس مدبب لا يتجاوز قطره ربع انش وهو الذي اخترق الجمجمة، وتستدق العصا من قاعها إلى رأسها. إن المريض لمدين بحياته لهذه التفاصيل الدقيقة التي صنعت عليها العصا. فهي لا تشبه أي عصا أخرى فقد صنعت من قبل حدّاد محلي لترضي ولع صاحبها بالدقة”.[4] كان جيج صارما فيما يتعلق بعمله وأدواته.

إن النجاة من هكذا انفجار ومع هكذا جرح في الرأس بل والقدرة على الحديث والمشي والبقاء محتفظا بالترابط المنطقي مباشرة بعد الحادثة لأمر يبعث على الذهول. ولكن المفاجأة الحقة هي قدرة جيج على النجاة من العدوى التي ستصيب جرحه. فمع أن طبيب جيج (د. جون هارلو) على علم ودراية بدور التعقيم المهم إلا أن المضادات الحيوية لم تكن قد اخترعت بعد. فلذلك كان لزاما عليه اللجوء إلى المواد الكيمائية كي ينظف الجرح بقوة وبشكل منتظم، وكذلك كان يضع المريض على وضعية شبه الاستلقاء ليسهل تفريغ الجرح وليكون بشكل طبيعي. وسترتفع حرارة جيج أكثر من مرة وسيتولد صديد في الجرح وسيزيله د. هارلو بمبضعه في الحال. وفي النهاية سيتغلب جيج بشبابه وبنيته القوية على هذه المصاعب التي داهمته الواحدة تلو الأخرى، وينسب هارلو نجاة جيج إلى قدرة الرب فيقول “كنت أنا من نظف الجرح لكن الرب هو من شفاه”.

وخلال أقل من شهرين من ظهيرة ذاك اليوم المرعبة يشفى جيج من جراحه. وإن كانت نجاته معجزة بحد ذاتها إلا أن هذه المعجزة ستتضاءل أمام التحول الذي سيطرأ على شخصية جيج. فطبيعة جيج وما يحب وما يكره وأحلامه وطموحاته كلها على وشك التغير. وإن نجا جسد جيج وعاد صحيحا إلا أن روحه استبدلت بأخرى جديدة.

فينيس جيج الجديد

بإمكاننا معرفة تفاصيل ما حدث إن نحن سبرنا سجلات د. هارلو عن الحادثة بعد مرور عشرين عاما على حدوثها.[5] وسجلاته جديرة بالثقة لتركيز نصوصه على الحقائق المجردة وخلوها من تحليل الكاتب الشخصي إلا في مواضع قليلة، كما أن كتابته تعني الكثير إنسانيا وعصبيا عضويا، ومن خلالها يمكننا فهم حالة جيج بل وفهم طبيبه أيضا. فجون هارلو كان معلما قبل أن يقرر الالتحاق بكلية طب جيفرسون في فيلادلفيا وعندما حصلت الحادثة لم يكن قد مر على بداية ممارسته للمهنة إلا عدة سنوات. شغف هارلو بحالة جيج وسيطرت على بقية حياته بل وأظنها جعلته يفكر في أن يصبح أستاذا جامعيا، الأمر الذي لم يكن في حسبانه عندما بدأ ممارسته للمهنة في فيرمونت. لقد كان علاجه الناجح لجيج وإعلانه النتائج على زملائه في بوستون ألمع نجاحاته وأكثرها إشراقا مما يفسر انزعاجه من حقيقة أن أمرًا ما يحوم في الأجواء يمنع جيج من الشفاء الكامل.

إن كتابات هارلو تصف بالضبط كيف استعاد جيج قوته وصحته البدنية بشكل كامل. فلقد صار بإمكان جيج أن يلمس وأن يسمع وأن يرى ولم يصب بأي شلل في الأطراف أو في لسانه. عميت عينه اليسرى ولكن عينه اليمنى كانت سليمة تماما. كان يمشي بشكل سليم ويستعمل يديه بكل مهارة، كما لم يواجه أي صعوبة ملاحظة في الكلام أو في اللغة. ومع ذلك، كما يصف هارلو فإن “التوازن بين قدراته العقلية وخصائصه الحيوانية، إذا جاز التعبير” أصيب بالتلف. وتجلت التغيرات حالما انتهت المرحلة الحرجة التي أعقبت إصابة الدماغ. صار “متشنجا ووقحا، ينغمس أحيانا في أشد الأمور دناسة الأمر الذي لم يكن من عادته، ولا يظهر إلا القليل من الاحترام للآخرين، يسأم من القيد أو النصيحة إذا تعارضتا مع رغباته وأحيانا يكون متصلب العناد، ومع ذلك فهو متقلب ومتردد، يضع الكثير من الخطط لمستقبله ويتخلى عنها حالما ينتهي من وضعها. . . . طفل في قدراته وتعبيراته العقلية ولكن مع الانفعالات الحيوانية للرجل القوي” كانت لغته من الوقاحة بمكان أن النساء نُصحن بالابتعاد عند تواجده في مكان ما، خشية أن تهان مشاعرهن. وحتى أقسى التوبيخ واللوم من هارلو نفسه لم ينجح في إعادة ناجينا إلى سلوكه الجيد.

هذه الطباع الشخصية الجديدة تضادت بحدة مع “العادات المعتدلة” و “الشخصية ذات الحيوية المعتبرة” التي اتصف بها فينيس جيج قبل الحادثة. فقبلها كان ” ذو عقل متزن، فطن وناجح، مليءٌ بالحيوية وصاحب إصرار على تنفيذ خططه.” لا شك في أنه كان شخصا ناجحا جدا داخل نطاق عمله. إلا أن ما حصل جعل منه شخصا مختلفا تماما، ينكره حتى الأصدقاء والأقربون. كانوا يشيرون بحزن إلى أن “جيج لم يعد هو نفسه”. أصبح شخصا آخر فلم يقبل رؤسائه في العمل بإعادته إلى العمل، وأعادوا قرارهم هذا إلى ” أن التغير في عقله كان ملاحظا إلى درجة لا يستطيعون معها إعادته إلى العمل.” لم تكن المشكلة أنه يفتقد إلى المهارة أو القدرة الجسدية، وإنما كانت شخصيته الجديدة هي المشكلة.

ويوما بعد يوم تكشف شخصية جيج الجديدة عن طبيعتها أكثر فأكثر. فبعد عجزه عن العمل مجددا ككبير عمال، اتخذ لنفسه عملا في مزرعة خيول. ولكن سرعان ما فارق العمل الجديد بسبب نوبات الملل المتكررة وقلة التزامه. ويصفه هارلو بأنه كان بارعا دائما في “العثور على مالا يناسبه”. انتقل بعدها إلى العمل في السيرك، كان يقف ممسكا بعصاه الحديدية وسط متحف برانومز في نيويورك مستعرضا جروحه بكل فخر وتباهي. (يذكر هارلو أن العصا كانت مرافقا دائما لجيج كما يشير إلى تعلقه الشديد بالجمادات والحيوانات، الأمر الذي كان جديدا عليه وخارج المعتاد. هذا السلوك، إذا صح لنا أن نسميه “سلوك الجامع” “Collector’s behavior” هو سلوك سبق لي ملاحظته عند المرضى الذين عانوا من إصابات كإصابة جيج وعند المصابين بالتوحد.)

في ذلك الزمان استفاد السيرك ماديا من قسوة الطبيعة. وتضمنت تشكيلتهم الهرمونية الأقزام وأسمن امرأة على وجه الأرض وأطول رجل وذو الفك العظيم. أما التشكيلة العصبية فتضمنت شبابا بجلد فيل، وضحايا الورم الليفي العصبي Neurofibromatosis-والآن جيج. يا لهذه المجموعة الباعثة على الشفقة والتي تبدو كثلة من الباعة الجوالة يطوفون الأرض ومصائبهم هي كل بضاعتهم.

وبعد مرور أربعة سنوات، اتخذ جيج خطوة مفاجئة أخرى وغادر إلى أمريكا الجنوبية. ولربما أنه عمل هناك في مزارع للخيول وفي بعض الأحيان كسائق لمركبة تقودها الجياد في سانتياغو وفي فالبارايزو. فمعرفتنا المتعلقة بحياته في الغربة ضئيلة جدا ولكننا نعرف بأن صحته أخذت بالتدهور عام 1859.

وفي عام 1860 عاد جيج إلى الولايات المتحدة ليعيش مع أمه وأخته التين انتقلتا لتعيشان في سان فرانسيسكو. وعمل في البداية في أحد مزارع سانتا كلارا، ولكنه لم يبق طويلا. وشرع في الانتقال من عمل إلى آخر، جلها أعمال مؤقتة. ومن الواضح أنه لم يعد شخصا مستقلا كما لم يعد بإمكانه تأمين ذاك النوع من الوظيفة المستقرة المجزية كالتي كان يعمل بها قبل الحادثة. الأمر الذي يجعلنا ندرك بأن نهاية جيج قد دنت وأن سقوطه المريع الذي بدأ ظهيرة ذاك اليوم قد أوشك على الانتهاء.

وتتراءى لي صورة سان فرانسيسكو في ستينات القرن التاسع عشر كمدينة صاخبة، ملأى برجال أعمال مغامرين يعملون في التعدين والزراعة والشحن. هناك هو المكان الذي نستطيع العثور فيه على أم جيج وأخته والتي تزوجت من تاجر ثري من سان فرانسيسكو (د.د. شاتوك، ازكواير) ولربما عثرنا أيضا على فينيس جيج وقد بلغ من العمر عتيا. ولكنه لن يكون داخل البيت وإنما منغمسا في الشرب وخوض الاشتباكات في أحد زوايا المدينة المريبة. يتحاشى الحديث مع القباطنة ولكن يشاركهم خوفهم من الهزات الأرضية. وهاهو جيج ينضم إلى مشهد مليء بأشخاص حزانى. أولئك الذين يصفهم ناتانيل ويست بعد عقود “بالذين قدموا إلى كاليفورنيا كي يموتوا.”[6]

إن الوثائق القليلة المتوفرة توحي بأن جيج بدأ بالتعرض لنوبات صرع (تشنجات). وفي 21 من مايو 1861  حلّت النهاية بعد مرض استمر لأكثر من يوم بقليل. ففيه تعرض جيج لتشنج شامل أفقده الوعي. تبعت ذلك سلسلة من التشنجات أعقبت بعضها البعض مما جعله لا يستعيد وعيه أبدا. وأعتقد بأنه كان عرضة لحالة صرع مستمرة Status Epilepticus  وهي الحالة التي تكون فيها التشنجات متواصلة وقد تقود إلى الوفاة. مات وهو يناهز الثمانية والثلاثين من العمر. ولم يكن هناك أي تأبين له في صحف سان فرانسيسكو.

 

لماذا فينيس جيج؟

لماذا تستحق هكذا قصة حزينة الرواية؟ وأي مغزى قد تحتمله هكذا قصة غريبة؟ إن الإجابة على هذه الأسئلة لبسيطة. فبينما كشفت حالات إصابات الدماغ الأخرى التي حدثت في نفس الفترة الزمنية أن الدماغ يحتوي على مراكز اللغة والإحساس والوظيفة الحركية، وبشكل عام قدمت تفاصيل أكثر جزمًا، إلا أن حالة جيج أشارت إلى حقيقة مدهشة: وهي أن هناك وبشكل أو بآخر، أجهزة في الدماغ البشرية متخصصة في التفكير أكثر من أي وظيفة أخرى، وبالتحديد بالأبعاد الاجتماعية والشخصية للتفكير. ويمكن لإصابة دماغية أن تتسبب بفقدان العادات المتصلة بالأعراف الاجتماعية والمبادئ الأخلاقية حتى وإن سلمت اللغة وأساسات التفكير. وبمحض الصدفة بينت حالة جيج أن شيئا ما في دماغ الإنسان يختص بخصال بشرية فريدة، من بينها القدرة على التطلع للمستقبل والتخطيط بناء على ذلك وتضمين هذا التخطيط داخل البيئة الاجتماعية المعقدة التي يعيش فيها، ومن بينها أيضا الإحساس بالمسؤولية تجاه النفس وتجاه الآخرين والقدرة على تنظيم بقاء الفرد بحر إرادته.

إن أكثر أوجه هذه القصة الحزينة لفتا للنظر هو التناقض بين البنية النفسية الطبيعية التي سبقت الحادثة وبين الخصال الشخصية الشقية التي ظهرت على السطح بعدها والتي بقيت مع جيج حتى نهاية حياته. ففيما مضى كان جيج عالما بكل ما يحتاجه ليختار ما هو صالح له. كما تمتع بحس المسؤولية تجاه نفسه وتجاه المجتمع وانعكس هذا على تقدمه في الوظيفة وعلى حرصه على جودة عمله ما جذب أنظار رؤسائه وزملاءه في العمل. كما كان متكيفا جدا مع الأعراف الاجتماعية ومن الواضح أنه كان أخلاقيا في تعاملاته. أما بعد الحادثة فلم يعد مكترثا بالأعراف الاجتماعية كما انتهك الأخلاقيات في معناها العام، ولم تعد قراراته في صالحه، وأصبح يخترع حكايات “لا وجود لها إلا في خياله” حسب وصف هارلو. ولم يعد هناك أي دليل على اكتراثه بمستقبله ولم تظهر أي علامة تدل على بعد نظره.

إن التغيرات التي طرأت على شخصية جيج لم تكن بالطفيفة والممكن تجاوزها. فلم يعد قادرا على الاختيار بشكل حسن، بل إن اختياراته لم تعد حتى مقبولة. ولم تكن هذه اختيارات متحفظة لرجل محصور الذهن متخوف من الإقدام وإنما على العكس، تصب ضد مصلحة صاحبها بشكل واضح. وقد يتجاسر المراقب لهذه التغيرات فيفترض بأن منظومة القيم لدى جيج قد تغيرت أو أنها لازالت كما هي لكن لم يعد بقدرته الاستفادة منها. ولا يوجد لدينا أي دليل ليخبرنا برجاحة أحد الرأيين على الآخر، ومع ذلك فإن تحليلي لمرضى تشابه إصاباتهم الدماغية إصابة جيج يقودني للتفكير بأن كلا الرأيين مجانبين للصواب. فهناك دليل على أن جزءا من المنظومة يبقى سليما وبالإمكان ملاحظته بصورة تجريدية ولكنه لا ينطبق على الحياة الواقعية. وعندما يحتاج أمثال جيج إلى التفاعل مع الواقع فلا تؤثر معرفتهم المخزونة لديهم على عملية اتخاذ القرار إلا لِمامًا.

وهناك بعد آخر لقصة جيج وهو التضاد بين تضرر شخصيته وتغيرها وبين السلامة الواضحة لعدة أدوات ذهنية لم تتأثر بالحادثة – الانتباه والإدراك والذاكرة واللغة والذكاء. في هذا النوع من التضاد والمعروف في علم الأعصاب النفسي “بالانفصال” dissociation، تتضاد وظيفة أو أكثر مع بقية الوظائف. وفي حالة جيج انفصلت شخصيته المعطوبة عن تفكيره السليم وسلوكه. كما أنه عند مرضى آخرين أصيبوا بمواضع أخرى بالدماغ تكون اللغة هي الجزء المعطوب بينما تبقى الشخصية وكل أبعاد التفكير سليمة، ففي هذه الحالات تكون اللغة هي القدرة المنفصلة.  وبدراسة لاحقة لمرضى مشابهين لجيج تبين أن الانفصال الذي حصل عنده متكرر باستمرار عند أمثاله.

لابد أن الاعتراف بدوام التغير في شخصية جيج كان صعبا، وحتى د.هارلو رفض الاعتراف بهذه الحقيقة في البداية. وهذا مفهوم بالطبع، كون أكثر عناصر قصة جيج درامية هي نجاته، وبالتحديد نجاته سالما من أي إعاقة دائمة وظاهرة للعين كالشلل أو صعوبة الكلام أو فقدان الذاكرة. وبشكل ما فقد كان الاعتراف بالضعف الجديد الطارئ على قدرات جيج الاجتماعية يعني جحودا للعلم وللعناية الإلهية. ولكن على أية حال فبحلول عام 1868 كان هارلو مستعدا للإبلاغ عن البعد الكامل للتغير الذي طرأ على شخصية مريضه.

لقيت نجاة جيج من الموت الاهتمام الكافي والواجب، ولكن كان هناك نوع من التجاهل تجاه الظاهرة الغريبة التي رافقت نجاته. مما عرّض القيمة التي تحملها تغيراته السلوكية للضياع. على أية حال ففي ذلك الوقت كان هناك أسباب جيدة تفسر سبب هذا التجاهل. فحتى العالم الصغير لعلوم الدماغ آنذاك كان محكوما بمعسكرين ناشئين. يعتقد الأول باستحالة نسبة الوظائف النفسية كاللغة أو الذاكرة إلى منطقة معينة في الدماغ. وإذا كان الاعتراف بأن الذهن ناتج عن الدماغ لازما وضروريا فإن هذا الاعتراف يأتي بشرط أن الدماغ ينتج الذهن ككل وليس كمجموع أجزاء متخصصة. أما الآخر فيعتقد بأن الدماغ ينقسم إلى أجزاء متخصصة ومسؤولية كل جزء عن عملية ذهنية محددة. لم يكن الانقسام بين المعسكرين مبشرا بل تسبب في توقف نمو أبحاث الدماغ عند سن الرضاعة لتبقى عند ذلك السن ناقصة النضج لقرن أو أكثر قليلا، والمدهش ان شيئا من هذا الصراع لايزال حيا حتى يومنا هذا.

إن الجدال الذي أطلقته قصة جيج، ركز فقط على مسألة تحديد مراكز اللغة والحركة في الدماغ. ولم يلتفت هذا الجدال أبدا للرابط بين السلوك الاجتماعي المعطوب وبين إصابة الفص الأمامي من الدماغ. وأتذكر هنا مقولة وارن مكولك Warren McCulloch: “عندما أشير باصبعي فانظر إلى ما أشير إليه لا إلى إصبعي.” (يعتبر مكولك من ألمع علماء الأعصاب النفسيين ورائدا في مجال علم الأعصاب الحسابي كما كان شاعرا ومتنبئا وهذه المقولة قطعا أحد تنبؤاته.) وكم كانوا قلة، أولئك الذين نظروا حيث كان يشير جيج بلا وعي منه. وبطبيعة الحال فإنه من الصعب أن نجد أحدا في زمن جيج وقد امتلك المعرفة الكافية والشجاعة اللازمة للنظر في الاتجاه الصحيح. ووقتها كان القول بأن القطاعات الدماغية المسؤولة عن نبض القلب وعن تنفس الرئتين بقيت سليمة عند جيج ولم تصبها العصا الحديدية بأذى مقبولا. وكذلك الأمر بالنسبة للقطاعات الدماغية المسؤولة عن اليقظة والوعي. بل إن القول بأن الإصابة لم تفقد جيج الوعي لفترة طويلة كان متقبلا أيضا. (إن ما اوحت به الحادثة عن إصابات الدماغ لسابق لزمانه، فنحن نعرف اليوم أن أحد أهم العوامل في تحديد مدى الضرر اللاحق بسبب الإصابة يعود إلى نمطها. فبإمكان ضربة قوية تصيب الرأس أن تسبب خللا عظيما في وعي المصاب لوقت طويل حتى وان لم تتسبب بكسر في الجمجمة ولم يكن سببها اختراق أداة ما للدماغ، فالقوى الناتجة عن الضربة تتسبب بخلخلة وظيفة الدماغ بشكل كبير. بعكس ما إذا تضمنت الإصابة أداة تخترق الدماغ حيث تتركز القوى هنا في مسار الأداة الثابت والضيق ما يجعل الضرر محصورا بالأنسجة المتأثرة بهذا المسار وبذلك تبقى الأنسجة البعيدة عن مسار الإصابة سليمة ومحتفظة بوظائفها.) وحتى تفهم التغيرات السلوكية الطارئة على جيج فإنه كان لزاما بأن يعتقد الواحد بمسؤولية منطقة معينة في الدماغ عن السلوك الاجتماعي الطبيعي، كما هو الحال بالنسبة للحركة والحواس واللغة، ولكم كان هذا الاعتقاد بعيدا كل البعد عن الأذهان في تلك الحقبة الزمنية.

والغريب هو أن معارضي نظرية ربط وظائف الذهن بمناطق دماغية معينة كانوا هم أكثر من استخدم حالة جيج. فبعد أخذهم لنظرة سطحية للدليل الطبي شرعوا بترديد مزاعم لا أصل لها من الصحة. كقولهم بأن سلامة جيج من أي قصور في اللغة أو الحركة إذا فإنه لا يمكن ربط هذه الوظائف بالمناطق الدماغية الصغيرة التي وصفها أطباء المخ بمناطق الحركة واللغة. وكانت حجتهم –والخاطئة تماما كما سنرى-هي أن إصابة جيج قد دمرت هذه المناطق الصغيرة.[7]

وكان عالم وظائف الأعضاء البريطاني ديفيد فيرير David Ferrier أحد القلائل الذين تكبدوا عناء تحليل نتائج دراسة الحالة بحكمة وجدارة.[8]

إن معرفة فيرير بالحالات الأخرى للآفات الدماغية المقترنة بتغيرات سلوكية وتجاربه الفريدة من نوعها في مجال التحفيز والاستئصال الكهربائي للقشرة المخية عند الحيوانات جعلت منه قادرا على تقدير قيمة نتائج دراسة هارلو لحالة جيج. وقد استنتج أن الجرح لم يصب “مراكز” الحركة واللغة بأي أذى وأن الإصابة كانت في الجزء الدماغي الذي كان هو نفسه قد سماه بالفص الجبهي Prefrontal cortex وأن هذه الإصابة قد تكون ذات علاقة للتغير الغريب في شخصية جيج، ووصف فيرير هذا التغير “بالتقهقر الذهني”. لم تحظ آراء هارلو وفيرير بالقبول ولم يجدا أذنا صاغية إلا عند أتباع مدرسة علم فراسة الدماغ Phrenology.

في علم فراسة الدماغ

بدأ علم فراسة الدماغ أيامه الأولى معروفا “بعلم الأعضاء” Organology وكان فرانز جوزيف جال Franz Joseph Gall المؤسس له في نهايات القرن الثامن عشر. وانتشرت فراسة الدماغ انتشار النار في الهشيم بين الدوائر الثقافية في فيينا وفايمر وباريس ثم بعد ذلك في أمريكا حيث تولى يوهان كاسبر سبيرزايم Johann Caspar Spurzheim طالب جال وصديقه مهمة تقديمها. وهكذا ظهر علم فراسة الدماغ كخليط غريب من بدايات علم النفس والمراحل المبكرة من علم الأعصاب والفلسفة العملية. وكان تأثيره هائلا على العلم وعلى العلوم الإنسانية أيضا في معظم القرن التاسع عشر وإن كان المتأثرون به ينأون بأنفسهم عن الحركة التبشيرية بهذا العلم الناشئ.

وكانت بعض أفكار جال سابقة لأوانها بشكل مدهش. فقد أوضح وبكل ثقة أن النفس مكانها الدماغ. ولم يتردد في تأكيد أن الدماغ مكون من عدة أجهزة، يختص كل منها بوظيفة نفسية معينة. وبهذا فهو لم يقطع الصلة مع التفكير الثنائي السائد ذاك الوقت، والذي كان يفصل بين العقل وبين علم الأحياء، بل أدرك بأن للدماغ أجزاء عدة وأن هناك عملية تخصيصية تجعل كل جزء منها متخصصا بوظيفة معينة.[9] وإدراكه الأخير هذا هو الأكثر إثارة للدهشة بل إنه يبدو كنبوءة فتخصص أجزاء الدماغ صار حقيقة مسلمة في أيامنا هذه. على أية حال، لم يستوعب جال وقتها أن هذه الأجزاء الدماغية بوظائفها ليست بمستقلة بذاتها وإنما يساهم كل منها في إنجاز وظيفة أعلى يختص بها جهاز دماغي ما. ولكن ليس من العدل لوم جال على عدم إدراكه هذا. فقد تطلب الأمر قرنين من الزمان حتى استطعنا القول وبكل ثقة أنه ليس هناك من “مراكز” منعزلة للبصر وللغة أو للعقل او للسلوك الاجتماعي. بل هي “أجهزة” يكوّنها ترابط أجزاء دماغية متعددة; وهذه الأجزاء (تشريحيا) هي ذاتها التي وصفت نظرية فراسة الدماغ “بالمراكز” ولكن ليس وظيفيا. وتجري داخل كل جهاز عمليات معينة ينتج عنها وظيفة ذهنية ظاهرة. وهذه العمليات هي نتاج نشاط الأجزاء الدماغية المكونة للجهاز، ويختص كل جزء بعملية محددة يحتمها الموقع التشريحي لهذا الجزء وبالتالي فمن الاستحالة أن يقوم جزء دماغي بعمليات جزء آخر. وهذه النقطة بالغة الأهمية: فليست بنية الجزء الدماغي فقط هي ما يحدد مساهمته لعمل الجهاز المنتمي إليه وإنما أيضا موقعه داخل الجهاز.

إن مكان الجزء داخل الجهاز لبالغ الأهمية. ولهذا السبب سأتكلم كثيرا عبر فصول الكتاب عن تشريح المخ والأعصاب وسأحدد مناطق دماغية مختلفة، واسألك أن تتحمل عناء قراءة اسماءها المتكررة مرة بعد مرة وأسماء المناطق الأخرى المتصلة بها. وفي أحيان عديدة سأقوم بذكر الوظائف المفترضة لمناطق دماغية، ولكن يجب وضع هذا في سياق الأجهزة التي تنتمي إليها هذه المناطق. وبذلك أتجاوز فخ فراسة الدماغ. ولتبسيط الأمر أقول: ينتج العقل عن العمل المنفرد لكل جزء من هذه الأجزاء المنفصلة عن بعضها البعض، وكذلك عن العمل المتناسق الذي تقوم به الأجهزة العديدة التي تكونها هذه الأجزاء.

وإن كان يجب علينا إعطاء التقدير اللازم لجال بسبب تقديمه لمفهوم تخصيص الدماغ، المفهوم الذي كان ثوريا في ذاك الوقت بسبب الشح المعرفي المتعلق بالدماغ إلا أننا يجب أن نلومه على مفهوم “مراكز” الدماغ الذي قدمه. فقد كان من المستحيل تقريبا الفصل بين مراكز الدماغ وبين “الوظائف الذهنية” في أعمال أطباء الأعصاب وعلماء وظائف الأعضاء في القرن التاسع عشر. ويجب أيضا أن ننتقد مزاعم فراسة الدماغ الهوجاء الأخرى، كالزعم بتوليد كل “عضو” دماغي منفصل لملكات عقلية تتناسب طرديا مع حجمه، أو الزعم الآخر القائل بأن كل الأعضاء الدماغية والملكات العقلية فطرية. والزعم الأول خاطئ تماما وإن كان بعض علماء الأعصاب المعاصرين لايزالون واقعين فيه. وهذا الزعم هو أكثر ما قوض فراسة الدماغ –وهو ما يتبادر إلى اذهان العديد من الناس عند ذكر فراسة الدماغ- وكانت الفكرة من وراءه هي أنه بالإمكان معرفة الأعضاء الدماغية عن طريق النتوءات في الجمجمة. أما الزعم بفطرية الأعضاء الدماغية والملكات العقلية فتجد تأثيره مسيطرا على القرن التاسع عشر، في الاعمال الأدبية وغيرها، وسأناقش أبعاد هذا الخطأ في الفصل الخامس.

وتستحق العلاقة بين علم فراسة الدماغ وقصة فينيس جيج اهتماما خاصا. فخلال بحث عالم النفس ام بي مكميلن M. B. MacMillan[10] في حالة جيج توصل إلى خيط يقود إلى هذه العلاقة. ففي بدايات أربعينات القرن التاسع عشر قام نيلسون سايزر Nelson Sizer الشخصية البارزة في أوساط فراسة الدماغ خلال القرن التاسع عشر بزيارة فيرمونت, قبل حصول حادثة جيج. والتقى سايزر بجون هارلو عام 1842. ويذكر سايزر في كتابه الممل[11] ” كان د.هارلو طبيبا شابا وقتها وقام بالمساعدة كعضو في اللجنة اثناء محاضراتنا في علم فراسة الدماغ عام 1842″. في ذلك الوقت كان أتباع فراسة الدماغ منتشرون في كليات الطب في شرق الولايات المتحدة الأمريكية وكان هارلو مطلعا على أفكارهم. ولربما أنه استمع إلى محاضراتهم في فيلادلفيا والتي كانت مأوى لهم أو في نيو هافن أو بوسطن والتي وصل إليها سبيرزايم عام 1832 بعد وفاة جال بقليل ليحتفى به هناك كرمز علمي. احتفلت نيو انجلاند واحتفت بسبيرزايم العاجز حتى وفاته. والتي وافته بعد وصوله بأسابيع ولكن التقدير استمر حتى بعد الوفاة ففي الليلة التي دفن فيها تأسست جمعية بوسطن لعلم فراسة الدماغ.

وسواء استمع هارلو لمحاضرات سبيرزايم أم لا، إلا انه المثير معرفة أنه قد تلقى درسا واحدا على الأقل في فراسة الدماغ من نيلسون سايزر والذي زار لاحقا كافنديش (حيث أقام في فندق السيد ادامز). ولهذا نستطيع تفسير استنتاج هارلو الراسخ بان التغير السلوكي الذي طرأ على جيج كان بسبب آفة دماغية معينة وليس بسبب ردة فعله تجاه الحادثة. ومن المثير للاهتمام أيضا عدم ارتكاز هارلو على علم فراسة الدماغ في تحليلاته.

كان سايزر مطلعا بشكل جيد على قصة جيج عندما زار كافنديش (وأقام مرة أخرى في فندق السيد ادامز وفي الغرفة التي عولج فيها جيج). وعندما كتب كتابه عن علم فراسة الدماغ عام 1882 ذكر فينيس جيج: ” لقد ترصدنا تأريخ هارلو للحالة الواقعة في 1848 باهتمام وعطف شديدين، ولا تنسى أن المريض المسكين كان مقيما في ذات الفندق وفي الغرفة نفسها.”[12] واستنتج سايزر أن العصا الحديدية قد مرت “بجانب إحسان Benevolence وإلى الأمام من إجلال Veneration.” إحسان وإجلال؟! لا يذهبن بك الظن عزيزي القارئ إلى أن إحسان وإجلال راهبتين ينتميان إلى الدير الكرملي. وإنما هي “مراكز” ابتدعها رواد مدرسة فراسة الدماغ، و”أعضاء” دماغية. ويفترض أن تعطي إحسان وإجلال الناس السلوك اللائق والطيبة واحترام الآخرين. والآن وبما أنك أصبحت ملما بهذه المعرفة فبإمكانك فهم رأي سايزر الأخير في جيج: ” بدا أن عضو الإحسان لديه قد تضرر، ولهذا السبب ظهرت البذاءة”. ولكم يبدو هذا الاستنتاج سخيفا وبعيدا عن الحقيقة!

إدراك متأخر لحدث فارق

ليس هناك أدني شك من أن التغير الطارئ على شخصية جيج كان بسبب آفة دماغية متحددة في موقع معين. ولكن هذا التفسير احتاج عقدين من الزمان بعد الحادثة لكي يظهر إلى السطح ولم يصبح مقبولا وإن كان بشكل مبهم إلا في القرن العشرين. أما وقت الحادثة فيقول جون هارلو أن غالب الناس اعتقدوا ” بأن القطاع الدماغي المصاب كان ولأسباب عديدة أنسب أماكن الدماغ لتحمل إصابة كهذه”[13] بمعنى أن الجزء الدماغي المصاب لم يكن ذا وظيفة وبالتالي فبالإمكان الاستغناء عنه. ولكم كان هذا الاعتقاد مجانبا للصواب كما أدرك هارلو بنفسه. ففي عام 1868 كتب التالي عن تعافي جيج الذهني ” كان التعافي جزئيا، فملكاته العقلية مصابة بالقصور ولكنها لم تختفي، فهذه الحالة مختلفة عن الخرف، فهنا نجد أن الملكات العقلية مصابة بالوهن وهي وإن كانت لاتزال سليمة من ناحية نوعيتها إلا أنها لم تكن كذلك من حيث مقدارها ومستواها”. إن الرسالة المبطنة التي حملتها حالة جيج هي أن مراعاة الأعراف الاجتماعية والتصرف الأخلاقي واتخاذ قرارات تصب في مصلحة بقاء الفرد وتقدمه تحتاج إلى المعرفة بالقواعد والاستراتيجيات وسلامة أجهزة دماغية معينة. ولكن هذه الرسالة واجهت إشكالا، ألا وهو افتقارها للدليل الذي يجعلها مفهومة وحاسمة. ولذلك اكتنف الرسالة الغموض ووصلت إلينا “كأحجية” وظيفة الفص الجبهي. لقد وضعنا جيج أمام الكثير من الأسئلة ثم غادرنا من غير أن يقدم لنا إجابة أي منها.

لنبدأ مع هذه الأحجية إذا. إن كل ما نعرفه حول آفة جيج الدماغية هو أنها في الفص الجبهي على الأرجح. وهذا مثله كالقول بأن شيكاغو تقع في الولايات المتحدة الأمريكية، عبارة صحيحة ولكن تنقصها الدقة. فإذا جزمنا بأن الإصابة كانت في الفص الجبهي، فيأتي السؤال، أين تحديدا؟ أفي الفص الأيسر؟ أم الأيمن؟ أم كلاهما؟ أم في مكان آخر؟ وسنرى في الفصل القادم كيف ساعدتنا تقنيات التصوير الطبية على جواب هذه الأسئلة.

ثم نأتي إلى طبيعة القصور الذي أصاب جيج. كيف نشأ هذا القصور؟ إن السبب الأولي لهذا القصور هو ثقب في الرأس، ولكن هذا لا يخبرنا الكيفية التي نشأ بها القصور وإنما السبب. وهذا ما يقودنا إلى سؤال آخر، ماذا لو أن الثقب كان في مكان آخر من الفص الجبهي؟ هل ستكون النتيجة نفسها؟ وهناك سؤال آخر محير بذاته أيا كانت إجابته وهو كيف يعقل أن يغير ضرر لاحق بمنطقة دماغية شخصية المرء؟ وإذا كان الفص الجبهي مكون من مناطق متمايزة عن بعضها فمالذي يكوّنها وكيف تعمل في الدماغ السليم؟ وهل هي “مراكز” للسلوك الاجتماعي؟ وماذا إذا كانت وحدات تعليمية اصطفيت عبر رحلة التطور، مليئة بخوارزميات لحل المشاكل ومجهزة لتعلمنا كيف نفكر ونتخذ القرارات؟ وإذا كانت فعلا وحدات كهذه فكيف تتفاعل مع البيئة خلال النمو ليكون الناتج عمليات تفكير واتخاذ قرار طبيعية؟ أم أنه ليس هناك من أي وحدات كهذه أصلا؟

ماهي الآليات المسؤولة عن فشل جيج في اتخاذ القرار؟ ربما أصيبت المعرفة الضرورية للتمعن بمشكلة ما بالضرر أو أن الوصول إليها أصبح مستحيلا ما جعله غير قادر على التقرير بشكل سليم. ومن الممكن أيضا أن هذه المعرفة بقيت سليمة وأن الوصول إليها بقي ممكنا أيضا ولكن ما تضرر هو استراتيجيات التفكير. وإذا كان الأمر كذلك، فأي خطوات التفكير فقدت؟ وهذا يقودنا للسؤال عن الخطوات الطبيعية؟ وإذا حالفنا الحظ وعرفنا بطبيعة هذه الخطوات فإن السؤال التالي يصبح ما هو الأساس العصبي لهذه الخطوات؟

وإن كانت هذه الأسئلة مثيرة للاهتمام إلا أنها قد لا تكون مهمة بقدر الأسئلة الأخرى التي تتناول حالة جيج كإنسان. فهل من الصحيح وصفه بإنسان ذو إرادة حرة؟ هل امتلك حسا لمعرفة الصواب من الخطأ أم أنه كان مجرد ضحية دماغه الجديد فلم تعد قراراته بيده؟ هل كان مسؤولا عن تصرفاته؟ وإن قلنا بانه لم يكن مسؤولا فمالذي تزودنا به حالته لفهم المسؤولية بوجه عام؟ إن أمثال جيج كثير من حولنا، وسقوطهم الاجتماعي مشابه لسقوطه بشكل يثير الانزعاج. والسبب عند بعضهم هو آفة دماغية ناتجة عن ورم دماغي أو إصابة بالرأس أو مرض عصبي آخر. أما عند البعض الآخر فلا علاقة بينة بين المرض العصبي وبين تصرفاتهم المشابهة لتصرفات جيج ولكن السبب عائد إلى أدمغتهم أو إلى المجتمع الذي ولدوا فيه. وإذا أردنا أن نحل المشاكل التي تترتب بسبب هذه التصرفات إنسانيا فعلينا أن نفهم طبيعة هؤلاء البشر التي جعلت منهم يقومون بأفعال تضر بأنفسهم وبالآخرين. ولن يساهم الاعتقال أو عقوبة الموت –وهذه بعض الممارسات التي يمارسها المجتمع في يومنا هذا مع هؤلاء الأفراد- في فهمنا لهم, لا ولن يحل المشكلة. وفي الواقع يجب علينا أن نتساءل أكثر عن المسؤولية القابعة على أكتافنا نحن الأفراد “الطبيعيون” عندما تزل بنا أقدامنا إلى اللاعقلانية، والتي كانت علامة سقوط فينيس جيج البارزة.

لقد خسر جيج شيئا يميزه كإنسان، ألا وهو قدرته على التخطيط لمستقبله ككائن اجتماعي. فهل كان مدركا لخسارته؟ وهل يصح وصفه كإنسان واع لنفسه كما يجري الأمر عليّ وعليك؟ وهل من المنصف القول بأن روحه قد تضاءلت أم أنه قد فقد روحه؟ وإذا كان الأمر كذلك فمالذي كان سيخطر على ذهن ديكارت لو أنه أحاط بمعرفتنا بحالة جيج وبمعرفتنا الحالية بالعلوم العصبية؟ هل كان سيتساءل عن غدة جيج الصنوبرية Pineal gland؟

 

 


[1] J. M. Harlow  (1868). Recovery from the passage of an iron bar through the head, Publications of the Massachusetts Medical Society, 2:327-47; and (1848-49).  Passage of an iron rod through  the head, Boston Medical and Surgical Journal,  39:389.

[2] J. M. Harlow  (1868). Recovery from the passage of an iron bar through the head, Publications of the Massachusetts Medical Society, 2:327-47; and (1848-49).  Passage of an iron rod through  the head, Boston Medical and Surgical Journal,  39:389.

 

[3] E. Williams, cited  in H.J.   Bigelow (1850). Dr. Harlow’s case of recoveryfrom the passage of an iron bar through the head, American Journal of the Medical Sciences,  19:13-22.

 

[4] راجع الحاشية 3

[5] راجع الحاشية 3

[6] N. West (1939). The Day of the Locust. Chapter 1.

[7] Exemplifyingthis attitude  is E. Dupuy (1873). Examen  de quelques points de la physiologie du cerveau. Paris: Delahaye.

 

[8] D. Ferrier (1878).The Goulstonian Lectures on the localisation of cerebral  disease, British Medical Journal,  1:399-447.

[9] لمراجعة أشمل وأكثر تقديرا لمساهمات جال راجع: J. Marshall  (1980). The new organology,The Behavioral and Brain Sciences,  3:23-25.

 

[10] M. B. MacMillan (1986).A wonderful journey through skull and brains,  Brain and Cognition,  5:67-107.

[11] N. Sizer (1882). Forty Years in Phrenology; Embracing Recollections of History, Anecdote  and Experience.  New York: Fowler and Wells.

 

[12] راجع الحاشية 11

[13] راجح الحاشية 11

error: المحتوى محمي