حياتي – ديفيد هيوم / ترجمة: مروان الرشيد

حياتي – ديفيد هيوم / ترجمة: مروان الرشيد

حياتي


قد يكون من الصعب على الإنسان أن يطنب في الحديث عن نفسه دون أن يقع في السخف والرقاعة، لهذا سأوجز. وقد يخطر في البال أن مجرد كتابتي عن حياتي هو في حد ذاته ضرب من العُجْب والادعاء، لهذا فالسيرة ستقتصر على تاريخ كُتبي ومقالاتي فحسب، وقد قضيت حياتي كلها تقريبا في مساع ووظائف أدبية وعلمية. وأما نجاحاتي في الكتابة فلن تكون مصدر تبجُّح[1].

لقد ولدت في عام 1711، في اليوم 26 من شهر أبريل وفقا للتقويم القديم[2]، بمدينة إدنبرة. لقد كنت من عائلة كريمة، من جهة أبي ومن جهة أمي؛ فعائلة أبي فرع من آل الإيرل[3] هوم، أو هيوم. فأجداي كانوا مالكين لعزب وعقار لعدة أجيال، وهي الآن في ملكية أخي. أما أمي فهي ابنة السير ديفيد فالكونر، وزير العدل في إسكتلندا، وقد أنتهى لقب “اللورد هالكرتون” إلى أخيها.

ومع ذلك، فلم تكن عائلتي غنية، وكوني الابن الأصغر جعل ميراثي – كما درجت العادة في هذا البلد – ضئيلا للغاية. ووالدي، الذي كان متعدد المواهب والقدرات، توفي عندما كنتُ رضيعا، فتركنا أنا وأخي الأكبر وأخواتي تحت رعاية والدتي، وهي امرأة ذات جدارة، وقد كرّست نفسها لتنشئتنا وتعليمنا، رغم شبابها وجمالها. ولقد أمضيت سني التعليم التقليدي بنجاح، وقد استولى عليَّ منذ طفولتي شغف بالأدب، وصار العاطفة المسيطرة على حياتي، ومصدر بهجتي وسعادتي. وعندما رأت عائلتي مثابرتي على الدرس، ورصانتي واجتهادي، بدى لها أن القانون هو المهنة الأنسب لي؛ لكني وجدت كل شيء خلا الفلسفة والاطلاع العمومي أمرا منفّرا بغيضا. فبينما كان أهلي يتوهمون أني كنتُ مكبا على فوت وفينيوس[4]، كنت في الواقع ألتهمُ كُتبَ سيشرون[5]وفيرجل[6].

لكن قلة مالي، وتهالك صحتي بعض الشيء[7]، بسبب انكبابي المحتدم على الدرس، جعل خطتي في الحياة غير ممكنة التنفيذ، لذا كنت منجذبا، بل مجبرا، على أن أقوم بمحاولة ما للدخول في معترك الحياة. فذهبت في سنة 1734 إلى بريستول، حاملا تزكيات إلى تجار مرموقين، لكن بعد مضي شهور عدة، وجدت أن هذا المكان لا يناسبني على الإطلاق. فتوجهت إلى فرنسا، على أمل القيام بدراساتي ومذاكراتي في مُعْتَزَلٍ ريفي، وهناك أمكنني تنفيذ خطتي في الحياة، تلك الخطة التي أردتُها دوما ونجحتُ في تنفيذها. لقد قررت أن اقتصد بصرامة لتوفير مالي الشحيح، كي لا أضرَّ باستقلاليتي، وأن أزدري كل شيء، عدا تحسين ملكاتي الأدبيّة والعلميّة.

إبّان اعتزالي بفرنسا – في البداية برانس، ثم بلافلاش في أنجو – صنّفتُ كتابي “مقالة في الذات الإنسانية”[8]. وبعد مضي سنوات ثلاث سائغة في هذا البلد، ذهبت عام 1737 إلى لندن، وفي نهاية هذه السنة نشرت كتابي، ومضيت فورا إلى أمي وأخي، اللذان كانا يعيشان في منزل ريفي. وكان أخي يدير أموره بتعقل ووفِّق في إرباء ثروته.

لم تكن محاولة أدبية أتعس من كتابي “مقالة في الذات الإنسانية”، إذ إنه ولد ميتا من المطبعة، وكان خامل الذكر، إلى حد أنه حتى لم يثر لغط المتزمتين. لكن لكوني ذا مزاج بهيج ومتفائل، تعافيت فورا من البليّة، واستأنفت دراساتي في الريف بحماس شديد. وفي عام 1742، طبعت بإدنبرة الجزء الأول من مقالاتي؛ وقد اُستقبلت استقبالا جيدا، وجعلتني أنسى اخفاقي السابق. وكنت لا أزال أقيم مع أمي وأخي في الريف. وفي هذا الوقت استعدت معرفتي باللغة اليونانية، التي اهملتها منذ فتوتي.

في عام 1745، تلقيتُ رسالة من الماركيز أناندال، يدعوني فيها للالتحاق به في إنجلترا والعيش معه، وقد علمت أن أهل وأصدقاء هذا النبيل الشاب كانوا طامعين في أن يكون تحت رعايتي وتوجيهي، إذ أن حالته العقلية والصحية تقتضي هذا. فعشت معه اثنا عشر شهرا، فكان عملي في هذه الفترة سببا لنمو ثروتي الصغيرة بشكل ضخم. ثم إني تلقيت دعوة من الجنرال سانت كلير لأكون سكرتيرا له في حملته العسكرية، التي كانت موجهة إلى كندا في البدء، لكن أنتهى بها الحال على سواحل فرنسا. وفي السنة التالية، أي سنة 1747، تلقيت دعوة من الجنرال لأخدمه في المنصب نفسه، في سفارته العسكرية في بلاط فيينا وتورينو. ساعتئذ ارتديت بِزَّة ضابط، ونودي بي في هذه البلاطات بصفتي ضابطا مرافقا للجنرال، إلى جانب السير هاري إرسكين والكابتن غرانت، الذي صار الآن الجنرال غرانت. كانت هتان السنتان هما الانقطاع الوحيد لي تقريبا عن طلب العلم طوال حياتي، وكانتا سائغتين ووجدت فيهما صحبة طيبة، ووصلت فيهما، بسبب مرتباتي واقتصادي الشديد في المال، إلى حالة يمكن وصفها بالاستقلال، على الرغم من أن أصدقائي نزعوا إلى الابتسام حين أخبرتهم بهذا. وبالإجمال، لقد صرت أملك ما يربو على ألف جنيه من المال.

لطالما خامرتني فكرة أن رغبتي الشديدة في نجاح كتابي “مقالة في الذات الإنسانية” قد نجم عنها جودة في الأسلوب لا في المادة، وأني بإرسالي الكتاب إلى المطبعة على عجل كنت طائشا. لذا صُغت الجزء الأول من الكتاب في كتاب جديد هو “بحث في الفهم الإنساني”[9]، نُشر أثناء وجودي في تورينو. لكن هذا العمل لم يكن له حظ يفوق حظ “مقالة في الذات الإنسانية”. وفي عودتي من إيطاليا، شعرت بالخزي والعار أن وجدت إنجلترا كلها تغلي وتضطرب، بسبب كتاب “التحقيق الحُرّ” للدكتور ميدلتون[10]، بينما تمَّ تجاهل كتابي وإهماله. كذلك نُشِرت طبعةٌ جديدةٌ من مقالاتي السياسية والأخلاقية، في لندن، ولاقت المصير ذاته.

وبسبب طبيعة مزاجي، لم تؤثّر هذه الخيبات عليَّ إلا قليلا، بل ربما لم يكن له أي أثر. وقفلت عام 1749 لأعيش مع أخي في منزله الريفي طوال سنتين، وكانت والدتي حينئذ قد توفيت. وهناك صنّفت الجزء الثاني من مقالاتي، وسميتها “مقالات سياسية”[11]، وكذلك كتاب “بحث في أصول الأخلاق”[12]، وهو صياغة جديدة لجزء من كتاب “مقالة في الذات الإنسانية”. حينها أخبرني ناشري، آي ميلر، أن كُتُبي (باستثناء “مقالة في الذات الإنسانية” تعيس الحظ) قد صارت موضوعا للنقاش، وأن مبيعاتها تتنامى بالتدريج، وأن طبعات جديدة صارت مطلوبة. وبدأت تَرِد عليَّ الردود من القساوسة والأساقفة، ربما اثنان أو ثلاثة ردود في سنة واحدة. ووجدت في سِباب الدكتور واربورتون[13] لي، أن كُتبي بدأت تحوز تبجيل معاشر كرام. لكن قررت قرارا صممت عليه، هو ألا أردَّ على أحد مهما كان؛ ولأن مزاجي لم يكن نزقا، فلقد استطعت بسهولة البقاء بمعزل من الشجارات الأدبية. ولقد زودتني دلائل صعود صيتي هذه بالحماسة، بما أني أنزع دائما إلى رؤية البشائر في كل شيء، والتهوين من البوارح؛ وهذه ميزة أحب أن تكون لي، على أن يكون لي عقار لا تُحيط به الأبصار ويأتي كل عام بآلاف الجنيهات.

في عام 1751، نزحتُ من الريف إلى المدينة، لأنها البيئة الحقيقية لطالب علم وأدب. وفي عام 1752، نُشِر بإدنبرة، حيث كنت أقيم، كتابي “مقالات سياسية”، وهو كتابي الوحيد الذي لاقى نجاحا فور نشره، فحَسُنَ رأي الناس به في الخارج والداخل. وفي العام نفسه، نشرت في لندن كتابي “بحث في أصول الأخلاق”، وهو في رأيي (الذي لا يجب أن يُؤخذ به في هذا الشأن) أفضل كتبي على الإطلاق، التاريخية منها والفلسفية والأدبية؛ وقد جاء إلى العالم ولم يكترث به أحد.

كذلك في عام 1752، اختارتني كُليّة المحامين أمينا لمكتبتها، وهو منصب لم أتلقى عليه أجرا إلا نزرا، لكنه وضعني على مكتبة هائلة. حينئذ اصطنعت خطة تدوين تاريخ إنجلترا، لكن خشيت من سرد تاريخ يمتد طوال 1700 سنة، لذا بدأته بتبوؤ آل ستورت للملك، فلقد شعرت أنه العهد الذي ساد في تدوينه تصحيف وتمويه من بعض الأطراف والأحزاب. وأقرُّ أني كنت شديد التفاؤل بنجاح هذا العمل؛ لقد اعتقدت، بما أني المؤرخ الوحيد الذي أستخفَّ بسلطان زمانه وتحرر من أهواء ناسه، وأن الموضوع الذي أطرقه يستولي على اهتمام الجميع، فإنه سيكون عملا يَكْتُبُ لي أمَانا من الدهر ويُهنيّني أبد العمر. لكن يا لشدة خيبتي وخذلاني: لقد رُميت عن قوس واحدة، فقرّعني واستهجنني، بل واشمأز مني: الإنجليزي والأسكتلندي والأيرلندي، الحرُّ والمحافظ[14]، الكاهن والمهرطق، الملحد والمتدين، المعارض والموالي؛ كلهم اجتمعوا على رجل واحد، من تُهمه أنه أسبل دمعا فيّاضا على مصير شارل الأول والإيرل سترافود[15]. الذي كان أكثر إذلالا، بعدما خبت نار غضبهم، هو أن الكتاب طواه النسيان. فلقد أخبرني السيد ميلر أنه طوال 12 شهرا، لم يبع منه إلا 45 نسخة. وبالفعل، فإني لم أسمع في الممالك الثلاث[16] برجل، له منزلة أدبية أو اجتماعية، تجشّم عناء قراءة الكتاب، إلا نادرا. ولا بد أن استثني رئيس أساقفة إنجلترا الدكتور هرينغ، ورئيس أساقفة إيرلندا الدكتور ستون، فهما الاستثناءان في هذا. وقد أرسل لي هذان الحبران المكرمان، على حدة، رسائل تحثُّني على عدم اليأس والقنوط.

أعترف، بأني كنت مثبّطا يائسا، وأني كنت أرتضع من الدهر ثديَ عقيم، وأن عثرتي لا تستقيل. ولولا أن الحرب[17] لم تنشب إذ ذاك بين إنجلترا وفرنسا، لكنت اعتزلت في مدينة ريفية في مملكة فرنسا، ولغيرت اسمي، ولم أعد أبد الدهر إلى موطني. لكن هذه الخطة لم تكن مستطاعة ولا صالحة، وكان المجلد التالي من الكتاب يوشك على التمام، فعزمت على استجماع جأشي وجسارتي.

وفي هذه الفسحة، نشرت بلندن كتابي “التاريخ الطبيعي للدين”[18]، وقد أضفت إليه بعض مقالاتي القصيرة الأخرى. ولم يحفل أحد بالكتاب، باستثناء كُتيّب كتبه الدكتور هورد ردا عليه، اتسم بالمكابرة والعجرفة والبذاءة، وكلها صفات تمتاز بها المدرسة الواربورتونية[19]. وفي هذا الكُتيّب وجدت العزاء والسلوان، فلولاه لشعرت بالاستقبال الفاتر الذي قُوبل به عملي.

في عام 1756، بعد سنتين من سقوط المجلد الأول، نشرتُ المجلد الثاني من تاريخي، وقد استغرق الحقبة الواقعة بين موت شارل الأول والثورة[20]. هذا العمل كان أقل ازعاجا لحزب الأحرار[21]، وتم تلقيه باستحسان. كذلك فإن هذا العمل لم يطفو بنفسه وحسب، بل وقد أنقذ أخاه سيء الحظ من الغرق[22].

ورغم أني أعرف، بالخبرة والتجربة، أن حزب الأحرار هو القادر على وهب كل المناصب والمراتب، الحكومية والأدبية، إلا أني لم أخضع لصخبه الفارغ، وتحريفاته وتصحيفاته، في شأن العاهلين الأولين من آل ستورت[23]؛ فبعد الكثير من الدرس والقراءة، والتفكر والتدبر، وجدت رأيي فيهما قد نحى جانب المحافظين[24]: وإنه لمن السُخف أن يُظنَّ أن الدستور الإنجليزي قبل هذه الحقبة[25] كان يسير بخطى متصلة نحو الحُريّة[26].

في عام 1759، نشرت تاريخي لآل تيودر. وكان الغضب إزاء هذا العمل مساو تقريبا لذلك الذي تلقاه تاريخي للعاهلين الأولين من آل ستورت؛ فعهد إليزابيث[27]، على وجه الخصوص، كان بغيضا. لكن جلدي الآن قد قسى، وصرت محصنا إزاء الحماقات التي تقال عني، وأكملت بسلام وطمأنينة، في مُعتزلي بإدنبرة، المجلدين الأخيرين مما تقدم من تاريخ إنجلترا[28]. ودفعت به إلى الملأ عام 1761، ولقي نجاحا مقبولا، لا أكثر.

ولكن على الرغم من هذه التحولات، في الأهواء والأجواء، التي تعرضت لها كُتبي، إلا أنها لا زالت تُحقق تقدما حتى أنها بدأت تُدرُّ من مبيعاتها عليَّ مبالغا تتجاوز كل الذي عُرف في تاريخ إنجلترا من مبيعات الكُتب. فلم أعد مستقلا فحسب، بل وصرت ثريّا. فرجعت إلى موطني إسكتلندا، عزما ألا أفارقه ما بقيت حيا. وصرت راضيا أني لن أحتاج إلى أن أطلب شيئا من أحد المتنفذين، أو أن أمد صلات الصداقة بأحدهم. وقد قاربت الخمسين، وفكرت أن أمضي البقية الباقية من حياتي في هذا الطراز والسلوك الفلسفي، إلا أن دعوة جاءتني عام 1763، من الإيرل هرتفورد، لأن استصحبه في سفارته إلى باريس، مع تأميلي بأن أكون سكرتيرا للسفارة، وأن أقوم، حتى يأتي التعيين، بمهام هذا المنصب. لكني رفضت هذا العرض، رغم أنه مغري، لأني كنت مترددا في استئناف علاقة بأحد المتنفذين، ولأني خشيت أن طبائع أهل باريس وصحبتهم لن تناسب عمري ومزاجي. لكن نزلت لطلب صاحب السيادة حين ألح علي. وإن لي كل الحق في أن أسعد بمعرفة هذا النبيل، وكذلك معرفة أخيه فيما بعد، الجنرال كونوي.

أولئك الذين لم يرو الأثر العجيب الذي تُحدثهُ الصرْعَات، لن يمكنهم تصور الاستقبال الذي لوقيت به في باريس، من رجال ونساء من كل المراكز والطبقات. وكلما صرت أكثر نفورا من طبائعهم، وجدتهم أكثر إقبالا عليّ. وفي الإقامة في باريس إشباع حقيقي، إذ تكتظ بأكبر عدد من العقلاء العارفين الكيّسين على وجه الأرض. ولقد فكرت مرة بالاستقرار فيها بقية العمر.

وقد عُيّنتُ سكرتيرا للسفارة، وفي عام 1765 غادرني اللورد هرتفورد عندما عُيّنَ نائبا للملك في إيرلندا، فصرت القائم بشؤون السفارة حتى قدوم الدوق ريتشموند نهاية السنة. وفي مطلع 1766 غادرت باريس، فكنت في الصيف التالي بإدنبرة، وفي بالي فكرتي القديمة: أن أطمر نفسي في اعتزال فلسفي. لقد عدت إلى هذا المكان بمال أكثر ودخل أكبر – بفضل صداقتي مع اللورد هرتفورد – لكني لم أكن أثرى مما غادرته. وكنت راغبا في تجريب حياة الرغد، بعد أن جربت حياة الشظف. لكني تلقيت في عام 1767 دعوة من السيد كونوي لأن أكون مساعدا له، ولم أستطع رفض الدعوة بسبب الشيم الكريمة لهذا الشخص، ولعلاقتي باللورد هرتفورد[29]. وعدت إلى إدنبرة عام 1769 وأنا غاية في الثراء (إذ أن إيراداتي في السنة كانت 1000 جنيه)، ومتمتعا بالصحة، رغم أن أثر تقدم السن بدأ يظهر علي، آملا أن يطول بي العمر في الرغد واليسر، وأنا أرى صيتي في صعود.

في ربيع عام 1775، أصابني مرض في أحشائي، لم أعبأ به حينها، وعندما ألتفت إليه كان الأوان قد فات، وصار مميتا ومستعصيا[30]. والآن أعتقد أني في طريقي إلى فناء مُحتّم. لم أعاني الكثير من الآلام من مرضي، والأكثر غرابة أن روحي – رغم تهالك جسدي – لم تعاني انكسارا للحظة، لغاية أنه لو أن أحدا سألني أي فترة من حياتي أحب أن أعيشها كرة أخرى، لقلت – ربما – هذي الفترة. ما زلت أحمل الحماس نفسه في الدرس، والبشاشة نفسها في الصحبة. كما أني أعتقد أن موت رجل في الخامسة والستين لن يسلبه إلا سنوات قليلة من السقم والوهن. ورغم أني أرى دلائل متظافرة على صعود نجمي الأدبي، وزيادة تلألؤه، إلا أني أعلم أنه لن يتاح لي إلا سنوات قليلة للتمتع به. ثم إنه ليصعب أن يوجد رجل أكثر زهدا بالدنيا مني اليوم.

وسأنتهي من ترجمتي بذكر صفاتي: إني، أو بالأصح كنتُ (إذ أن هذا هو الأسلوب الأمثل لأن أتحدث عن نفسي، حيث سيزودني بالمزيد من الجرأة في التعبير عن شعوري)، أقول: كنتُ رجلا منشرح الصدر سَجاح الطبع[31]، أستحطُّ العُصْم[32] بظرفي واستنزلُ النجم بلطفي، ثابت ركن الإخاء وصافي شرب الوفاء ولا يطرق قلبي طارق العداء، وفي عواطفي كلها أحبذُ الاعتدال؛ فحتى حبي الشديد للصيت العلمي والأدبي، لم يعكر قط مزاجي، على الرغم من الخيبات المتتالية. وكانت عشرتي ألطف من نسيم الصبا على الشاب الطائش، وكذا على المتأدب العالم. وكنت أجد لذة خاصة في رفقة النساء العفيفات، وأسعد باحتفائهن بي. وبالجملة: فإني لم أعبأ بالتشهير والوشاية رغم أن رجالا أحكم اشتكوا منها، ومع أني عرّضت نفسي باستهتار لغضب الطوائف والأحزاب المدنية والدينية إلا أني استطعت تجريدهم من غضبهم المعتاد. ولم يحتج أصدقائي أبدا لتزكية طبائعي وتصرفاتي، إذ أنه ليس سوى المتزمتين – كما أحسب – من سيسعد باختراع وبث قصص عن مثالبي، لكنهم لم يجدوا شيئا يمكن تصديقه عني[33]. لا أستطيع نفي وجود عجب وغرور في رثائي لنفسي، لكنهُ في محلّهِ؛ وهذه حقيقة لا يمكن المماراة فيها.

18 أبريل، 1776

 

 


الهوامش:

 

[1] يسخر من نفسه، كما سيتبين من هذه السيرة.

[2] يقصد هيوم قبل أن تتحول بريطانيا العظمى من التقويم اليولياني (نسبة ليوليو قيصر) إلى التقويم الميلادي أو الغريغيوري (نسبة للبابا غريغوريوس الثالث عشر)، عام 1752.

[3] لقب نبالة إنجليزي، هو أدنى من الماركيز وأعلى من الفيكونت، يقابل لقب الدوق عند أهل القارة الأوروبية، وإن كان له حق التصرف بمقاطعته خلافا للدوق الذي هو لقب شرفي وحسب.

[4] فقهاء قانون من أهل هولندة.

[5] سيشرون: خطيب وأديب روماني، كان ينسب نفسهُ إلى أكاديمية أفلاطون الجديدة، فاصطنع شكها الأكاديمي، وطبق هذا المنهج في نقضه للعيافة والتنبؤ بالغيب.

[6] فيرجل: أحد أعاظم شعراء الرومان، اشتهر بالإنيادة، وكان الشخصية الرئيسة في كوميدية دانتي.

[7] يُقال إنه حينذاك كان على وشك الإصابة بانهيار عصبي لشدة التهالك في القراءة والكتابة.

[8] Treatise of Human Nature

[9] Enquiry concerning Human Understanding، تُرجم إلى العربية بعنوانين، هما: “مبحث في الفاهمة البشرية”، و”تحقيق في الذهن البشري”.

[10] A Free Inquiry into the Miraculous Powers, which are Supposed to Have Subsisted in the Christian Church, 1749.

[11] Political Discourses.

[12] Enquiry concerning the Principles of Morals.

[13] ويليم واربورتون (1698-1779): كاتب وناقد أدبي ورجل دين إنجليزي، أسقف غلوستر، ممن ناصب هيوم العداء، وكتب في ثلبه.

[14] Whig and Tory: اسمان لحزبين إنجليزيين في ذلكم الوقت.

[15] وزير شارل الأول، الذي سبقه إلى الإعدام في الحرب الأهلية الإنجليزية.

[16] إنجلترا وإسكتلندا وإيرلندا.

[17] أظنه يقصد حرب السنوات السبع، من عام 1754 إلى 1763، وهي حرب يجدر أن تعدَّ حربا عالمية؛ لتعدد ساحات القتال، فقد شملت أوروبا والأمريكيتين وآسيا وأفريقيا، ولتعدد القوى العظمى المتحاربة: فمن جهة فرنسا والنمسا وروسيا وإسبانيا والسويد والإمبراطورية المغولية، ومن جهة أخرى بريطانيا وبروسيا وهانوفر والبرتغال.

[18] Natural History of Religion

[19] نسبة للأسقف ويليم واربورتون، الذي سبق أن أشرن إليه.

[20] يقصد الثورة المجيدة، التي تُسمى أيضا ثورة عام 1688.

[21] Whigs

[22] يقصد المجلد الأول من الكتاب.

[23] لعله يقصد جيمس الأول، وشارل الأول.

[24] Tory

[25] أي قبل حقبة آل ستورت.

[26] يتحدى هيوم سردية حزب الأحرار للتاريخ الإنجليزي؛ إذ إن الأحرار يصوّرون التاريخ والدستور الإنجليزي، منذ الماغنا كارتا، عام 1215، بل وربما قبله، كما لو أنه سير حثيث نحو الحريّة، وأن شارل الأول – هو وآل ستورت قاطبة – استحق الموت لأنه خرق الدستور وانتهك الحريات الواردة فيه، وهذا ما لا يقره لهم هيوم، بل أنه يرى أن الحرية أمرٌ مستحدث في التاريخ الإنجليزي، لم يُعْرف إلا في الثورة المجيدة لعام 1688، وما تلاها عندما وقع ويليم وماري إعلان الحقوق.

[27] التي أصبحت تدعى إليزابيث الأولى، تفريقا لها عن إليزابيث الثانية عاهلة بريطانيا الآن.

[28] كتب هيوم تاريخه لإنجلترا بصورة عكسية، فبدأ بالأحدث، وأنحدر إلى الأقدم.

[29] أخي كونوي، كما ورد سابقا.

[30] كان مصابا بسرطان معوي.

[31] سجاح الطبع: سهولة الطبع وليونته.

[32] الغزال ذا القوائم البيضاء.

[33] كأني بهيوم يتمثّلُ أبيات المتنبي:
كم تطلبون لنا عيبا فيعجزكم – ويكره الله ما تأتون والكرمُ
ما أبعد العيب والنقصان من شرفي – أنا الثريا وذان الشيب والهرمُ

 

error: المحتوى محمي