حول تجربتي الدينية – جون رولز / ترجمة: مريم علي السيد

حول تجربتي الدينية – جون رولز / ترجمة: مريم علي السيد


1. تجربتي الدينية إنما ترجع إلى إهتماماتي الخاصة، حيث أن مراحلها المختلفة وكيفية تتابعها لبعضها البعض لم تكن استثنائية، أو مفيدة على نحو خاص. ولدت لأسرة متدينة بشكل تقليدي. والدتي تنتمي إلى الكنيسة الأسقفية الأمريكية (Episcopalian)، والدي يتبع الكنيسة الميثودية الجنوبية (A Southern Methodist)، ولكنهما كانا يذهبان إلى الكنيسة الأسقفية نفسها في بالتيمور (Baltimore). لم أكن أشعر سوى أنني متدين بشكل  تقليدي. واستمرَرتُ على هذا الحال من التدين حتى آخر سنتين لي في جامعة برنستون.

اذ سرعان ما تغيرت الأمور، فقد أصبحت مهتماً وبعمق باللاهوت وبمعتقداته. فعلى سبيل المثال، اختلاف التصورات حول الثالوث المقدس، وكيف لمثل هذا المفهوم المظلم على ما يبدو، أن يعبّر عن أشكال مختلفة في المسيحية. حتى أنني فكرت بالإلتحاق بمعهد للدراسات اللاهوتية، الا أنني قررت أن أنتظر لحين إنتهاء الحرب، لا أستطيع اقناع نفسي بأن دوافعي وتوجهاتي كانت صادقة، وعلى كل حال شعرت بأن عليّ أن أشارك في الخدمة العسكرية كما فعل العديد من أصدقائي وزملائي في الدراسة. استمرّت هذه الفترة طوال أيام الحرب، الا أن ذلك تغيّر في آخر سنة تقريباً. فمنذ ذلك الحين لم أعد أعتبر نفسي أرثودوكسياً، كما يمكن صياغتها، ذلك أن التعبير عنها غامضٌ بما فيه الكفاية، وعليه فلم تستمر آرائي وأفكاري كما كانت عليه من قبل.

لطالما تساءلت في الكثير من الأحيان لماذا تغيرت معتقداتي الدينية، وتحديداً خلال فترة الحرب. لقد دخلت الحرب وأنا مؤمن بالمسيحية الارثودوكسية ومنتمي إلى الكنيسة الأسقفية، وتخليت عن ذلك تماماً بحلول يونيو 1945. أنا لا أفهم على الإطلاق لما تغيرت معتقداتي، ولا أعتقد أنه من الممكن فهم هذه التغيرات تماماً. ولكن كل ما نستطيعه هو أن ندون ونسجل ما حدث، نروي مجرى الأحداث ونطرح التخمينات، ولكن يجب أن تؤخذ على هذا النحو. فيمكن أن يكون هنالك مغزى فيها، ولكن ربما قد لا يكون.

ثلاثة وقائع لا تغيب عن ذاكرتي: كيلي ريدج (Kilei Ridge)، مقتل ديكون (Deacon’s death)، والاخبار عن والتفكير بمحرقة الهولوكوست. الحادثة الأولى وقعت في منتصف ديسمبر من عام 1944. نزاع “مجموعة الاف” (F company) من فوج المشاة 128، من الفرقة 32، عندما انتهت من السيطرة على قمة الجبل المطل على بلدة ليمون (Limon) في ليتي (Leyte)، وثبات المجموعة بعد النزاع. في أحد الأيام، تقدم قسّ لوثري وقدّم خطبة قصيرة في أثناء خدمته، قال فيها: إن الله يوجه رصاصنا نحو اليابانيين بينما يقوم بحمايتنا منهم. لا أدري لما استثارتني هذه الكلمات وجعلتني غاضباً جداً، اذ أنها كانت كذلك. وبخت القس (والذي كان ملازماً أول) لقوله ما أعتقدتُ أنه يعلمه بشكل جيد (بسبب كونه لوثرياً) أن خطبته وكلماته مجرد افتراءات حول مفاهيم العناية الإلهية. أي سبب ذلك الذي يجعله يتفوه بذلك، أكانت محاولة لطمأنة الجنود؟ ولكن المعتقدات المسيحية يجب أن لا تستخدم على هذا النحو، على الرغم من أنني كنت أعلم تماماً أنها كانت تستخدم كذلك.

الحادثة الثانية –مقتل ديكون- والتي وقعت في مايو 1945، وبالتحديد في المرتفعات على الطريق من منطقة فيلا فيردي (Villa Verde) في لوزون (Luzon). ديكون كان رجلاً رائعاً، أصبحنا أصدقاء وتشاركنا الخيمة نفسها في الوحدة العسكرية. في أحد الأيام، جاءنا الرقيب الأول يبحث عن متطوعين اثنين، أحدنا ليرافق العقيد العسكري في مراقبة الوضع عند اليابانيين، والآخر ليتبرع بالدم لأحد الجنود الجرحى في مستشفى ميداني قريب. فوافقنا كلانا على ذلك، وعلى أساس من يمتلك زمرة الدم المطلوبة سيتم توزيع المهمة. فقد كنت أنا من يمتلك زمرة الدم المطلوبة، وعليه فقد ذهب ديكون مع العقيد العسكري. وعلى الأغلب كانوا مراقبين من اليابانيين، لانه سرعان ما سقطت مئة وخمسون قذيفة هاون باتجاههم. فقفزوا نحو حفرة للاحتماء، الا انهم قتلوا على الفور لسقوط قذيفة أخرى من الهاون معهم. لقد كنت حزيناً جداً، وتعذر علي التوقف عن التفكير في الحادثة. لم أدري لما أثّرت هذه الحادثة في نفسي بعمقٍ، إضافة إلى تعلقي بديكون، والموت كان حدثاً شائعاً بيننا، ولكنني أعتقد أن تأثري كان عميقاً، بسبب ما سأذكر بعد قليل.

الحادثة الثالثة هي بالتأكيد تعد أكثر من كونها واقعة، حيث دامت لفترة زمنية طويلة. ابتدأت -على ما أذكر- في ابريل في مدينة اسينغان (Asingan)، عندما انتهت الوحدة العسكرية من تدريباتها وأتمت اجراءات المبادلة. ذهبنا لمشاهدة عرض الأفلام العسكرية التي تعرض مساءاً، وقد كان لديهم أيضاً تقارير مخبرية من دائرة المعلومات العسكرية. أظن أنها كانت المرة الأولى التي أسمع فيها عن الهولوكوست. هذه التقارير الاولى للقوات الأمريكية، جاءت من معسكرات الإعتقال التي كانت معروفة آنذاك. بالطبع العديد من الامور كانت معروفة قبل ذلك بفترة طويلة، ولكن لم تكن هذه الأخبار متاحة ومعروفة للجنود بأرض المعركة.

هذه الوقائع، وبخاصة الواقعة الثالثة أصبحت معروفة على نطاق واسع، وأثرت في نفسي على نحو كبير وعميق. امتدت داخلياً حتى أنني أخذت أشكك ما اذا كانت الصلاة ممكنة أم لا. فكيف لي أن أصلي وأن أسأل الله بأن يمد يد العون لي أو لعائلتي أو لموطني أو لأي شيء آخر عزيز علي، في الوقت الذي لم يحمي الله الملايين من اليهود من هتلر؟  عندما فسر لينكولن الحرب الأهلية على أنها عقاب من الله على خطيئة العبودية، استحقها بالتساوي أهل الشمال والجنوب، عدت أفعال الله بالعادلة. ولكن لم يكن للهولوكوست أن تفهم على هذا النحو، فقد كانت شر فظيع بحسب محاولاتي المختلفة لقراءتها. لكي نفسر التاريخ كونه تعبيراً عن ارادة الله، يجب أن تتفق ارادة الله مع أبسط قواعد العدالة كما نعرفها. والا ماذا ستكون أبسط قواعد العدالة؟ وعليه، فسرعان ما رفضت فكرة سيادة الإرادة الإلهية (divine will) كما أيضاً مفهومي القباحة (hideous) والشر (evil).

 

2. في الأشهر والسنوات التالية، ازداد رفضي للعديد من المعتقدات الرئيسية في المسيحية، وأصبحت أكثر بعداً عني. الإشكاليات الفكرية التي واجهتها على الدوام كانت ذات بعد أخلاقي، اذ بقي مذهبي الايماني راسخاً أمام كل المخاوف بشأن وجود الله. ما يسمى بالأدلة على وجود الله في كتابات القديس توماس (St. Thomas) وعند غيره، لا تثبت أي أهمية دينية تذكر على كل حال، وقد كان ذلك واضحاً. الا أن أفكار الحق والعدالة كما تظهر في المعتقدات المسيحية كانت مسألة مختلفة.

بدأت أعتقد أن العديد من هذه الأفكار خاطئة من الناحية الأخلاقية، بل كانت مبغضة في بعض الأحيان. ومن بين هذه المعتقدات فكرة الخطيئة الأصلية (original sin)، الجنة والجحيم (heaven and hell)، الخلاص بالإيمان الصحيح المبني على أساس قبول من السلطة الكهنوتية(salvation by true belief and based on accepting priestly authority).

واذ كان بالامكان ان يستثني الواحد نفسه ويظن أن بإمكانه حمايتها، أصبحت أشعر أن عقيدة القدر (the doctrine of predestination) مرعبة عند التفكير فيها وادراك ما تعنيه. وأن عقيدة القدر الثنائية (Double predestination) كما عبّر عنها بطريقة صارمة مرعبة القديس أوغسطين (Augustine) وكالفن (Calvin)، وعلى الرغم من أنني مضطر أيضاً بأن اعترف أن القديس توماس ولوثر قدماها أيضاً، هي في الحقيقة جاءت كنتيجة لفكرة القدر نفسها. هذه المعتقدات كلها أصبحت من المستحيل عليّ أن أتلقاها على محمل الجد، وليس ذلك بسبب كون أدلتها ضعيفة أو مشكوك فيها، ولكن بسبب تصوراتهم المرعبة عن الله، هذه التصورت قدمت الله على هيئة كائن مخيف، موجّه من قبل قوته وجبروته، كما وأن هؤلاء البشر كما تم وصفهم دمى بائسة ومشوهة يمكن لها أن تمجد أي شيء. أصبحت أيضاً أعتقد بأن قلة من الناس تقبل حقاً هذه المعتقدات، أو حتى تفهمُها. فتبعاً لهم، يبقى الدين مجرد دين تقليدي ومصدر راحة وسلوان في الأوقات الصعبة.

في السنوات الأولى بعد الحرب، اهتممت بدراسة تاريخ محاكم التفتيش، وكيفية تطورها. قرأت عنها العديد من الكتب، منها كتاب تاريخ محاكم التفتيش في القرون الوسطى (A History of the Inquisition of the Middle Ages) لهنري ليا (Henry Lea). ففي مقدمة الكتاب تناول لورد اكتون (Lord Acton) في مراجعته للكتاب فساد سلطة الكهنة وفساد سلطتهم السياسية أيضاً. اذ أصبحت أشعر أن اللعنة الكبيرة التي أصابت المسيحية كانت بسبب اضطهادها للمنشقين واتهامها لهم بالإلحاد منذ البدايات في زمن اريناوس(Irenaeus) وتيرتليان (Tertullian).

ولدي رأي قد يكون جديداً على نحو ما: وهو أن الدين في زمن اليونان والرومان كان دين مدني، حيث كان الولاء للمدينة أو للامبراطورية، وخصوصاً في زمن الحروب والأزمات. وكان ذلك بإصرار منهم، وأكثر من ذلك، أن المجتمع المدني كان بشكل كبير يتمتع بالحرية، بل أن العديد من الديانات ازدهرت في المدينة وفي الامبراطورية. إن تاريخ الكنيسة بالمقابل يتضمن قصة ارتباط تاريخي امتد مع الدولة، اذ استخدمت الكنيسة السلطة السياسية لتثبيت هيمنتها وقمع الديانات الأخرى.

كونه دين يقوم على فكرة الخلاص الأبدي بضرورة الإيمان الحقيقي، بسبب ذلك وجدت الكنيسة لنفسها مبررات تقمع فيها الالحاد. وعليه فقد بدأت أعتقد بأن انكار الحرية الدينية وحرية الضمير هو شر عظيم، بل وقد كانت عصمة البابوات (Popes) فكرة من المستحيل لي قبولها. صحيح أن ادعاء الكنيسة بالعصمة هو فقط في مسائل الإيمان والقيم الأخلاقية، الا أن ذلك لم يكن يعني تبعاً للمعتقدات الدينية أن البابا هو رجل معصوم، ولكن بمعنى أن الله يرى أن العصمة، هي أن البابا لا يتكلم على نحو زائف. ولكن إن لم تكن الحرية الدينية وحرية الضمير من مسائل الإيمان والأخلاق، فماذا سوف تكون؟ هذه الحريات أصبحت تشكل أحد المبادئ الثابتة في معتقداتي الاخلاقية والسياسية. وفي نهاية الأمر، أصبحت أيضاً أحد العناصر الأساسية في تصوراتي حول الديمقراطية الدستورية، وتحققها في المؤسسات من خلال الفصل بين الكنيسة والدولة.

وقد أخذتُ المسيحية على محمل الجد، إلى الحد الذي جعلني أفكر بتأثيراتها الضارة على شخصية الفرد. المسيحية هي دين يقوم على الفردانية: فكل فرد يمكن أن يعتق أو يلعن بمفرده، ونحن بطبيعتنا نسعى لخلاصنا الفردي إلى حد يصبح فيه أي شيء آخر غير ذا أهمية. في حين أنه في الحقيقة، من المستحيل أن لا نعتنى بأنفسنا، إلى حد ما على الاقل، الا أن روحنا الفردية وخلاصها هي بالكاد ذات أهمية مقابل الصورة الاكبر للحياة المدنية، وغالباً هو ذلك بالتحديد ما علينا أن ندركه.

وعليه، فما أهمية أن أحافظ على نفسي، مقابل أن أخاطر بها بمحاولة اغتيال هتلر، اذا أتيحت لي الفرصة؟ إنها غير ذات أهمية على الأطلاق. بالتأكيد يجب على المرء أن يحظى بتلك الفرصة، وأن يقدم على ذلك العمل، ولكن بحسب قول كانط، لا أحد يمكن أن يكون واثقاً في وقت مبكر بإقدامه على ذلك. لقد ذكرت مسألة اغتيال هتلر لأنني فكرت كثيراً بتلك الاوقات، وتساءلت فعلاً إن كنت أملك الشجاعة في ذلك الوقت للاقدام على ذلك. من المؤكد أن هذه الأفعال ليست بالسهلة. وقد كان من الخطأ الكبير بالنسبة لي انزعاج المقاومة الألمانية وارتباكهم ضد مسألة الاغتيال، أو مسألة القتل نفسها، أو حتى ضد مهاجمة رئيس الدولة. لقد كان ستاوفينبرغ (Stauffenberg) على حق عندما قال: أن هذه المخاوف كانت أثقل وزناً من الشر الكبير الذي تسبب به هتلر، وأنه من الصعب اعطاء أهمية لمنطقهم والاعتقاد بأنهم لم يتحركوا بسبب مخاوف أخرى لم يرغبوا في ذكرها.

 

3. قليل من الكتب المختلفة والعديدة التي قرأتها حول الدين أصابتني بالذهول، كأفكار بودن (Bodin) التي قدمها في كتابه (Colloquium of the Seven) [2]. ثلاثة أمور بالتحديد أثارت اندهاشي بأفكار بودن. أنه أولاً، كان طيلة حياته- على حد ما نعلمه- كاثوليكياً مؤمناً. فقد طلب أن يتم دفنه وفقاً للتعاليم الكاثوليكية، وقد كان اضافة الى ذلك عضواً بارزاً في مجموعة البولوتيكس (Politiques)[3]. لم يكن بودن متسامحاً بعد أن رفض وغير معتقداته الدينية كاسبينوزا (Spinoza) مثلاً. بل إن التسامح تبعاً له يتمثل بكونه أحد مظاهر ونتائج التجانس بين مظاهر الطبيعة، كما تجلى بخلق الله. وعلى الرغم من ادراك بودن للأهمية السياسية لمبدأ التسامح، وكيف أن على الدولة أن تتمسك به دائماً، الا أن معتقدات بودن وارآئه في التسامح جائت من منطلقات دينية وليس فقط سياسية.

أحد المميزات الاخرى لأفكار بودن، هي أنه من الخطأ أن يتم مهاجمة دين الشخص الآخر، وبخاصة اذا لم يحاول الشخص في الوقت نفسه تقديم صورة أفضل ليضعه في مكانه. ففي نهاية كتاب بودن، يتفق المتحدثين السبعة أن يكفوا عن محاولاتهم المختلفة لدحض الأفكار الدينية بين بعضهم. بل وفي المقابل أن يقوموا بتشجيع بعضهم البعض لكي يصفوا ويعبروا عن ارآئهم الدينية، فيتعلمون جميعاً بماذا يفكر الافراد الاخرون، ويتمكنون من فهم ماهية معتقداتهم. وعليه، فعندما يتم تقبل الحوارات والنقاشات للمعتقدات بشكل ودي، من حيث كونها جزء مهم في الحياة الدينية، لن يكون للجدال والخلاف أي دور، اذ أنه في ظل الوئام والتجانس بين التعددية الدينية، أي أهمية يمكن للجدال والخلاف أن يخدم؟

وفي النهاية، يؤكد بودن على بعض المحددات التي تجعل من الاديان مقبول بها. الا أنه لا يناقش بودن هذه المحددات بشكل واضح كما يسعى، ولكن أحد هذه المحددات والتي تظهر بوضوح هي تأكيده على ضرورة التسامح كجزء من العقيدة الدينية، متمايزة عن الأفكار السياسية. ومن هذه النقطة قد نتجه بخطوات نحو الليبرالية السياسية فنقول: أن ديانة كل واحد من المتحدثين السبعة هي معقولة (reasonable)، وتقبل فكرة العقل العام (public reason) وفكرتها في مجال السياسية. أحد أبرز الجوانب المهمة في ذلك، يكمن في أن دين الفرد لا يجعل منه فرداً أفضل أو أسوأ مما هو عليه كفرد، وكما أن فكرة المعقولية، أو بعض الأفكار الممائلة، يجب أن تبقى دائماً محل افتراض.

 

4. من الواضح أن الإلحاد (atheism) هو أحد الافكار التي لا يقبل بها بودن. اذ أنها لا تقتصر عنده فقط على فكرة أن الله غير موجود ولكنها تشمل أيضاً رفض مبادئ الحق والعدالة. اذ أن انكار وجود الله يستتبع كما يرى بودن انكار هذه المبادئ والقواعد أيضاً. يعتقد بودن أن الناس سيحظون ويحترمون مبادئ الحق والعدالة عند ايمانهم بوجود الله وخوفهم من عقابه. وعليه فإن انكار الله يؤدي بحسب بودن إلى خراب العالم الاجتماعي، بحيث لن يصبح أحد قادر على وضع حدود لمصالحه الذاتية بما في ذلك أي أفكار أو استراتيجيات مقترحة. وعندما نشكك ونتسائل بفرضية بودن -بما يتوافق مع عصره- فان اللاارادية في الالحاد (non-voluntarism theism) والتي هي على الضد من الالحاد، لا ينبغي عليها أن تشمل هذه النتائج، وأن تكون متوافقة مع الايمان بالله. فلو افترضنا أن ارادة الله هي مصدر كل الوجود، بما في ذلك القيم الاخلاقية والسياسية، وعليه فإن انكار وجود الله يتضمن انكار هذه القيم أيضاً. ولكن اذا قلنا أن أسس ومضامين هذه القيم هي العقلانية الالهية (God’s reason) أو أشياء اخرى مرتبطة بالعقلانية الالهية، فان الارادة الالهية لن تؤدي الا دوراً تابعاً لصدق النوايا الالهية التي ينظر اليها الان على انها تستند على العقل. ففي هذه الحالة، إن انكار وجود الله سيؤدي إلى انكار الصدق الالهي، وليس انكار القيم.

وينبغي أن ندرك كيف يمكن تصور العقلانية الالهية وعلاقتها بالقيم والأخلاق السياسية. فيمكن القول: بأنه في حين أن العقلانية الالهية والعقلانية الانسانية يمكن أن تتشابه في بعض النواحي، الا أنهم مختلفتين في نواحي أخرى. اذ تختلف العقلانية الإلهية من حيث أن قدرتها تتجاوز قدرتنا إلى حد بعيد: فهي تشمل كل المعارف الممكنة إضافة إلى قدرتها على معرفة الاستدلالات الممكنة. فعلى سبيل المثال، يمكن لهذه القدرة أن تدرك في وقت واحد جميع العلاقات والحقائق بين الاعداد، فالله يعلم بأن نظرية فيرمات (Fermat’s theorem) صحيحة دون حاجة إلى اللجوء لتجربة الرياضيات الجديدة، كما نقوم نحن بذلك للتثبت منها. الا أن أوجه التشابه بين العقلانية الإلهية والانسانية هي كما أعتقد في أن كلاهما يدركان صحة الاستنتاجات والحقائق. وأبعد من ذلك، أنني أفترض بأن العقلانية الالهية متسقة مع العقلانية الانسانية، بقدر ما يمكننا فهم هذه المسألة، وهي أن علم الله لفكرة المعقولية ومعرفتنا بها تنتجان الحكم نفسه.

دعونا نتفق بأن هذه الملاحظات قدمت بشكل كاف. وعليه فإننا اذ انكرنا وجود الله، فاننا ننكر وجود عقلانية ترتبط بالقوة الالهية، ولكن هل هذا يعني انكار مضمون العقلانية نفسها؟ في هذه النقطة بالتحديد هنالك العديد من الافكار المختلفة في ذلك. فمن ناحيتي، لا أعلم كيف يمكن أن تتأثر مضمون وصلاحية العقلانية نفسها من خلال اثبات او نفي وجود الله، أي التفكير بالله من حيث كونه “موجود” (being) وارتباط الارادة (will) به. لايمكن انكار صحة تلك الاستدلالات أو حقيقة الوقائع المعترف بها على أنها صحيحة. فاذا فعلنا ذلك، فنحن نقوض منطقنا وعقلانيتنا حول مختلف الاشياء، بل وربما أيضاً كان مجرد كلاماً عشوائياً.

فلنفترض اذاً، أن العقلانية في أبسط أشكالها هي ثابتة تبعاً للأنواع المختلفة التي تمارسها. وعليه، فوجود الله من حيث كونه قوة إلهية عظيمة، لا تحدد القواعد الرئيسية للعقلانية. اضافة الى ذلك، مضمون الاحكام للعقلانية العملية تعتمد على حقائق اجتماعية، من حيث كيفية ارتباط الافراد داخل المجتمع وعلاقاتهم بعضهم ببعض. إن العقلانية الإلهية العملية هي أيضاً مرتبطة مع هذه الحقائق، مثلما أن عقلانيتنا هي أيضاً كذلك، وهي كذلك حتى وإن كانت هذه الحقائق نفسها هي بسبب كونها نتيجة خلق الله. تقديم هذه الحقائق كحقائق لا يمكن انكارها هي تبعا لعالمنا الاجتماعي، احكام اساسية للمعقولية نفسها، سواء أكان مصدرها العقلانية الالهية أم عقلانيتنا الانسانية. هذا المضمون الثابت من المعقولية -والتي بدونها ينهار منطق تفكيرنا- لا يسمح بغير ذلك، وذلك بأن ينسب الايمان كل شيء ويرده إلى فكرة الإرادة الإلهية.

وعليه، أنحاز مع المفكر بودن (Bodin) إلى هذا الحد فأقول: الالحاد (كما فهمه هو) هو كارثي، ولكن اللاالهية (non-theism) لا ينبغي التخوف منها، من الناحية السياسية. إن اللاالهية تتوافق مع المعتقد الديني، بل ويجب أن تتعامل وفق أن ما يجب أن يعاقب عليه في الدين هي الافعال لا المعتقدات.

 

 

 


[1] John Rawls, )2009). A Brief Inquiry into the Meaning of Sin and Faith (with On My Religion), (ed.) Thomas Nagel, Harvard University Press, pp: (259-269).

[2] Jean Bodin, Colloquium of the Seven about Secrets of the Sublime, trans. Marion Leathers Daniels Kuntz (Princeton: Princeton University Press, 1975).

[3]  أحد المجموعات التي كانت تضم مجموعة من المعتدلين الفرنسيين في أوقات النزاعات الدينية في القرن السادس عشر، هذه المجموعة كانت تؤكد على أهمية الوحدة الوطنية بدلاً من هيمنة طائفة واحدة بشكل مطلق، وكانت تدعو إلى ضرورة التسامح الديني.

error: المحتوى محمي