ها قد أفصحتُ وخلصتُ روحي: حول الفكر الماركسي – لوي آلتوسير / ترجمة: هشام عقيل صالح

ها قد أفصحتُ وخلصتُ روحي: حول الفكر الماركسي – لوي آلتوسير / ترجمة: هشام عقيل صالح

 


“ ها قد أفصحتُ وخلصتُ روحي “ [ Dixi et salvavi animam meam]

 

          بهذه الكلمات الإعترافية للكنيسة اللاتينية أنهى ماركس نقده “ لبرنامج غوتا” (1875). جميعنا يعرف المسألة؛ كانت الحركة العمالية الألمانية ( التي كانت متأسسة للتو) منقسمة ما بين الحزب الماركسي (المتمثل بلبيكنيخت وبيبل) وحزب لاسال. أجري المؤتمر حول الإندماج السياسي في غوتا؛ بذلك إلتقى القادة ووافقوا على نص البرنامج. لم يعلم ماركس بهذه المسألة، لكنها من الصعب أن تبقى سراً ومخفية؛ سرعان ما وقع النص تحت ايدي ماركس، وبذلك دخل في حالة غضب عارمة.. فإنهم خانوا، عبر مفاهيمهم الخاطئة، المفاهيم الأساسية والمبدئية للماركسية: الثروة، والعمل، والدولة نفسها… وبقلمٍ إنتقامي صحح ماركس كل خطأ نظري، مرجعاً الأمور إلى مكانها الصحيح، لكنه لم ينشر نقده. هذا يفسر “ها قد أفصحتُ وخلصتُ روحي”؛ إنه تحدث فقط ليتحدث في عزلته. لم ينشر هذا النقد ليس لأن الحزب كان ضده وحسب (استغرق خمسة عشر سنة ليُنشر عبر مكر إنغلز ليظهره بشكل مهرب)، بل ايضاً لأن، مع الشكل البديهي والمغلوط الذي ظهر عليه – كمحاوريه “ الطبيعيين”، ليخلقون له مشاكل – أوهم الصحفيون البورجوازيون ذاتهم، وايضاً العمال، في إعتبار نص غوتا بأنه “نص شيوعي!”. إذا كان يتقدم التاريخ عبر هذا النوع من سوء الفهم للشيء ذاته، جل ما يمكن فعله هو رفع يدينا عنه وندع هذا الديالكتيك الغريب واللامتوقع أن يقوم بعمله. لـ “ها قد أفصحتُ وخلصتُ روحي” هذا المعنى كذلك. على أية حال، قمتُ بواجبي وحررت روحي من الغضب الإلهي، حتى لو كان معنى ذلك بقاء نصي في الدرج.

          إنه لمفهوم غريب حول القيادة السياسية صادر من قيادي معروف مثل ماركس؛ اتفق انغلز على ذلك ايضاً. ألم يشرح لبيبل، في رسالة ما، حين مات ماركس إن: (( أنا وماركس لم نتدخل في الحزب أبداً حول المسائل السياسية، تدخُلنا الوحيد كان لتصحيح الأخطاء النظرية)). فالسياسةُ، إذن، بيدٍ، والنظرية بيدٍ اخرى؛تقسيمٌ غريب للعمل بالنسبة لمنظري وحدة النظرية والممارسة. السياسة هي فقط شأن الحزب، بينما النظرية هي شأن النظريين. فلم تكن المسألة مسألة إستنكار أو غضب، بل تتعلق بالفهم؛ ولفهم هذه زلات اللسان، هذه العوارض، هو أن تدخل إلى منطق الواقع المتوحش للبداهة والتحريف الذي أطلق لمدة طويلة على نفسه تسمية الفكر الماركسي أو “ فكر ماركس وانغلز”. كم استعملنا هذا المصطلح دون أن نتسائل عن سبب وجوده! حين نعود إليه اليوم وإلى العبارات العارضية لما كُتب.. نشعر بالعار. كيف تمكنا من لفظ الصيغ التي تقف مع حماقات كتلك، معتقدين إننا كنا ننير المسألة برمتها؟

          من أجل فهم المسألة عن كثب علينا تحليل فكر ماركس وانغلز كلياً، حول تاريخ تكوينه، وعلاقته مع تاريخ الحركة العمالية، وبالتحديد التحريفات الفلسفية التي تكون بمثابة الضمان له.

          لكن هذه القصة، ككل القصص، يجب سردها – حتى لو بشكل موجز. فأسمحوا لي بأن اسرد هذه القصة للمرة الثالثة.

          تبدأ القصة في 1841؛ ما أدهش الناس بلحية ماركس اليافعة، وشعره الغليظ الشبيه بلبدة الأسد، بعد دخوله بيفاعته المنفجرة في الدوائر الهيغلية-الجديدة في برلين، هو النظرة التي دلت على “ العبقرية”.. “العبقرية الفلسفية”. ادهشَ الجميع بعلمه، وبصلابة معرفته الواسعة، وثقته المطلقة بأفكاره؛ لم يتجادل معه احد. إضطر انغلز أن يقول، مستحضراً زمن الدهشة: (( وحدهُ كان عبقريآً))، (( أما بقيتنا، فكنا على الاكثر مجرد موهوبين)). العبقري هو عبقري.. لا يمكن تفسير الأمر؛ كانت هذه العبقرية فلسفية، ويمكن تفسيرها بالعمل الجاد والمنهك الذي قام به لسنوات في دراسة تاريخ الفلسفة كله: من أبيقور إلى هيغل، مروراً بكانط، وروسو، وانتهاءاً بفويرباخ. ما كانت الفلسفة، اذن، بالنسبة الى ماركس؟ كانت، بإختصار، علم التناقض. أفضل من فَهِمَ هذا العلم هو هيغل، وفويرباخ كذلك، ولهذا لن تكون هناك أية فلسفةٍ دون قراءة منطق هيغل أو الفقرات الشهيرة من فلسفة الحق، وجوهر المسيحية. كلها كانت في حوزة ماركس، بشكل أفضل من فويرباخ وشتيرنر، ولهذا السبب كان الأفضل. كان يعلم ذلك؛ وكان يعلم إن بالنسبة لكل شيء ولكل من، استخدم علمه كضمان. إذا كانت الفلسفة هي علم التناقض فإنها ايضاً نظرية الضمان، وبذلك تصبح كافية للوثوق بها لفهم الجوهر المخفي للأشياء.

          انضم ماركس، بإعتداده المعروف، إلى عصبات اللاجئين الألمان في باريس ومن ثم في لندن، ولاحقاً إلى عصبة الحق، وبعد ذلك إلى الشيوعيين. كان عليه أن يبقى متخفياً لأنه كان يقابل اللاجئيين الحرفيين.. هؤلاء المناضلون القدامى الذين ليست لهم أية أوهام أو فلسفة بالأخص.. لكنهم في مثل الوقت لم يعتمدوا كثيراً على الصراع الطبقي؛ لحسن حظهم وجد بينهم أعظم فيلسوف عصرهم. جعلوه يعمل على مشروع كتابة بيان سياسي لإعادة جمع العمال ، في حزب واحد، الذين شعروا بالفعل الرياح القوية لـ 1848 تهب على اوروبا والتحالف المقدس. فوضوا انغلز وماركس للعمل على ذلك معاً ووضع ماركس الموعد النهائي، ولكن لأنه لم يبقَ على وعده غدت العصبة قليلة الصبر، وبنهاية 1847 اضطر ماركس أن يكتب، بعجلة، أطروحات البيان الشيوعي؛ الحكاية التي تتبع ذلك تقع في سوء الفهم المذهل لهذه الاطروحات.

          وبما إنها كلها أطروحات فلسفية، لن يكون صعباً تلخيصها على نحو عدد من المبادئ الأساسية.

          أول مبدأ: التاريخ بكليته هو تاريخ الصراع الطبقي؛ يقف مالكو وسائل الانتاج للمرحلة التي هم فيها ( الملاك الصغار في أثينا، الملاك الكبار في روما، “اصحاب الاموال” في عصرنا الحالي) في مواجهة المنتجين الصغار، والعبيد، والفلاحين الصغار المستغَلين، والمالكين المحرومين. طبقة ضد طبقة.. وبذلك تكون الأولية للطبقات فوق الصراع الطبقي.. هكذا يتقدم التاريخ، والصراع يكون “محركه”.

          ثاني مبدأ: التناقض هو مبدأ و”محرك” الصراع، أيّ جوهر الصراع. طبقةٌ تصارعُ طبقة أخرى فقط حين يدفعها التناقض على ذلك؛ تناقضها، في “تطوره”، هو الذي يحرك التاريخ.. يدفعه من شكل إلى آخر، وهو شكل أرفع ويؤدي إلى الشكل المسيطر الحالي: شكل التناقض ما بين الطبقة الرأسمالية مالكة وسائل الانتاج الحديثة، والطبقة البروليتارية المحرومة من كل شيء.. على شكل تناحر نهائي، يؤدي في النهاية إلى الشيوعية.

          ثالث مبدأ: كل تناقضٍ، محرك تطوره، يحتوي في ذاته مبدأ قمعه، ونفيه، وتعايشه مع نقيضه. هذا هو المبدأ الهيغلي الشهير للـ “ أوفنبانغ”، ونفي النفي الذي يضمن نظرياً غاية التاريخ، التعايش الكوني ما بين الاضداد، بعد تطور أشكال الديالكتيك التاريخي.

          رابع مبدأ: يتقدم التاريخ بالنفي؛ وإذا كان التاريخ يتقدم كذلك، فإن ذلك يحدث عبر “ الجانب السيء”، والطبقة السلبية، والمحكومين.. ليس عبر الطبقة الإيجابية المسيطرة. عبر المستغَلين لا المستغِلين، أو في عصرنا الحالي: عبر البروليتاريا لا الرأسماليين.

          خامس مبدأ: ليس كافياً أن تتوحد الطبقة السلبية  في ظرفها السلبي، ايّ تكون طبقة في ذاتها ( سلبية في الواقع) وطبقة لذاتها ( سلبية رسمياً). عبر هذا النفي تفتتُ وتهدمُ نظاماً كاملاً لسيطرة الطبقة الحاكمة، من حيث تدميرها للمؤسسات، والدولة، والعائلة، والدين، ورفضها للأفكار، وبذلك تصنف الناس على نحو معسكرين حيث صراع الافكار يغدو ممكناً كصراع الطبقات. في هذا الصراع الطبقي الأيديولوجي تصبح البروليتاريا واعية بنفسها وبمهمتها، وبذلك تؤسس نفسها كطبقة؛ في المقابل تشهر الطبقة الرأسمالية سقوطها الحتمي.( حلمَ غرامشي بهذا النص، واعطاه معنى “ فلسفي-معرفي” مذهل وخاطئ.)

          سادس مبدأ: ذروة هذه العملية النفييه والتناقضية، لأولية الطبقات على صراعها، وأولية السلبي على الايجابي ( السلبية)، هي غاية التاريخ، والثورة، والتحويل العظيم لـ “الـ لا” الكامن في الـ “ نعم”، وإنتصار المستغَلين على المستغِلين، ونهاية الدولة؛ بذلك تصبح البروليتاريا نفسها الدولة وأيديولوجيتها هي الأيديولوجيا المسيطرة. إنها نهاية الدولة، والأيديولوجيا، والعائلة البورجوازية، والأخلاق، والدين. وبعد ذلك يصبح كل يومٍ إجازة..يبدأ عصر“ الكسل”، الذي كتب عنه لافارغ بجدية، لكل العمال اليدويين والذهنيين.

          هكذا يؤدي “ عمل السالب” إلى الثورة، التي يعلنها بيان 1847-1848 كحقيقة بديهية. لا تنسَ أن هذا النص مر مرور الكرام دون أثر في عواصف ثورات 1847-1848، ولكن على الاقل بقى شيئاً منه: هذا النص نفسه في أرشيفات وذاكرة الحزب الاشتراكي الألماني.

          بقي النص هناك بوصفه العمل الجماعي لشيوعيي 1847، الذي خطه ماركس، وكتب عدد مسوداته انغلز لأن صديقه ماركس الذي لا يمكن الاعتماد عليه لم يكن جاهزاً. ( يمكن للمرء على الاقل ملاحظة قلم إنغلز في “ مبادئ الشيوعية” الواضح بوضوح الشمس). هذا الدمج ولّد أجمل قصة في القرن، وأكثرها فضحاً: قصة فكر ماركس وانغلز. هذان الرجلان اللذان عرفا كيف يبدءا كإثنين من أجل أن يحصلا على فكرٍ واحدٍ؛ مكرسان حياتهما لتطويره، وكتابته، وإثباته، في أعمال ضخمة مثل نقد الاقتصاد السياسي، ورأس المال، والمراسلات حول كتاب رأس المال، وضد-دهورنغ، والثورة والثورة المضادة في ألمانيا، إلخ.

          كان من الضروري البداية بأثنين للحصول على فكر واحد؛ هذا يقلب كل مبادئ علم نفس، وتقريباً يميل إلى مفهوم “ التذاوتية”. حقيقة ان من الضروري أن توّلد حياتين فكراً واحداً تفتح شكلاً جديداً لتقسيم العمل الذي يقلب النظرية الماركسية كلها حول هذه المسألة. لكن يجب علينا العبور خلال هذا لنفهم ملحمة العصر الحديث التي أدت إلى ما سيتم الاطلاق عليه للأبد بالفكر الماركسي.. فكر ماركس وانغلز.. المادية الديالكتيكية.

          ولكن لكي نفهم ذلك، علينا أن نحكي القصة مرة اخرى، كما لو يحكي أبٌ ما قصة لأبناءه. كان يا مكان ..

          كان يا مكان في أربعينيات القرن الثامن عشر شابان يافعان من ألمانيا.

          أحدهما يدعى كارل ماركس؛ كان أبوه ليبرالياً راينياً من مدينة تريفز، قد تحول عن يهوديته رغم أنه ينتمي إلى عائلة من رجال الدين اليهود. أما أمه، إبنة الأرستقراطية المحلية، فكانت أم متسلطة وجميلة. الآخر يدعى فريدريك إنغلز؛ كان أبوه صناعياً من الراين يمتلك مصانعاً في كل أوروبا الغربية تقريباً، وأكبرها في مانشستر. كلاهما درس القانون.. ثم درس ماركس التاريخ والفلسفة في برلين. إلتقيا في الـ “دكتور كلاب” ودوائر الهيغليين الشباب الأخرى؛ حينها كانوا يشربون كؤوس كبيرة من البيرة أثناء غنائهم وأوهامهم إحتفالاً بتولي فريدريك ويليام مقاليد الحكم، هذا الوريث المعروف بإنه ليبرالي وبالإصلاحات التي وعد بها. لكن حين استلم الأمير زمام الحكم، أصبح مستبداً ..جاعلٌ قانونه التعسفي مهيمناً على ألمانيا كلها، من ضمنها الراينلاند. أصبح الهيغليون الشباب ضحاياه وكبش فداءه.. فقد أرجع الفيلسوف الرجعي العجوز شيلنغ إلى برلين كي يطغي القانون هناك وبذلك تم كبح الفلسفة، بإستثناء فلسفة جانز الذي، محمياً من قبل عمره ومعرفته، أستمر بالتقليد الليبرالي في الجامعة. جميعهم ذهبوا للإستماع إلى جانز، ومن المؤكد في إحدى مقرراته ومحاضراته تمكن ماركس وانغلز من معرفة بعضهما البعض بشكل افضل.. وإلى الأبد!

          كان ماركس يشعّ بالمعرفة الفلسفية؛ أعجب به انغلز شديد الإعجاب، رغم أن كانت له موهبة بلاغية وذهناً صافياً وعملياً لا نظير له. مر الوقت! ولا زال فريدريك ويليام الرابع حاكماً صارماً. ارتبط ماركس بجيني، وفي النهاية تزوجها. افترضت عائلة انغلز بأنه قد تعلم بما فيه الكفاية وقررت وضعه مسؤولاً عن مصنع مانشستر.

          أوضب انغلز أغراضه متجهاً نحو المستقبل؛ استقبل في مانشستر من قبل مدير المصنع الذي عرفه على المصنع. وخلال زيارته الرسمية، لاحظ انغلز إمرأة يافعة في العمل، فقام بالتحري عنها وأكتشف أنها عاملة ايرلندية مهاجرة إسمها ماري. بقي انغلز صامتاً، وترك الاستقبال متجهاً إلى بيته. وبحلول الليل عاد إلى المصنع ليقابل ماري التي كانت تبدو أكثر جمالاً.. طلب منها أن تأخذه في جولة لرؤية المصنع مرة اخرى. تجولا لوحدهما وتحدثت ماري؛ لكن ما قالته لا يمت بصلة لما قاله المدير سابقاً. قالت: هناك ( “es gibt”) رجالاً ونساءاً ملقيون في الشوارع، حيث تم حرق بيوتهم وتجريدهم من أراضيهم ( هذا هو الواقع – Faktum)، الذين يجوبون شوارع المدينة، ببطونهم الفارغة، بحثاً عن مصدر للرزق.. مهما كان العمل ومهما كان الأجر، فقط كي يتجنبوا الموت جوعاً. قدموا إلى هنا ووجدوا أبواب المصانع مفتوحة، وتم استقبالهم كمشردين ومتسولي الخبز. وراء هذه الجدران الرفيعة، توجد البنايات الكبرى للطبقة الصناعية المحلية، التي كانت تملك كل شيء في المصنع وتحكم بقانونها المتوحش. أما أنا – ماري- فقد أتيت من ايرلندا مشياً كذلك، بحثاً عن العمل والأكل كي لا أموت؛ أنا أعيش لوحدي. أنت وسيم.. لكن لماذا عدت؟ أنت لا تنتمي إلى عالمنا، أنت تنتمي إلى عالمهم فلماذا عدت؟ جاوبها انغلز بينما كان ينظر إليها بحنان ورقة؛ فهمتْ إنه قد وقع في حبها. لماذا؟ ربما بسبب جمالها وشجاعتها.. وأيعلم المرء لماذا يقع الناس في الحب؟ لم ترفض حبه.. ورحلا معاً نحو المدينة.

          مع هذه التجربة المثمرة، بدأ انغلز بدراسته نظرياً وميدانياً وكتب كتاباً في 1845 عنونه بـ “ أوضاع الطبقة العاملة في انكلترا”، الذي انتهى بهزيمة التشارتية، والذي فيه ينكشف التاريخ الكوني بطريقة مختلفة عن مخططات البيان الشيوعي. كل شيء يعتمد على أوضاع الحياة ( Lebensbendingungen) وأوضاع العمل (Arbeitsbedingungen) المفروضة على المستغَلين. كل شيء يرجع إلى التجريد الكبير العائد للتراكم البدائي الذي ألقى بهؤلاء الناس خارج بيوتهم المحترقة في الشوارع وفي قبضة مالكي وسائل الانتاج المحليين. هنا لا توجد مسألة المفهوم، والتناقض، والنفي والسلبية، وأولية الطبقات على صراعها، وأولية السالب على الموجب. ولكن حالة واقعية فعلية، ناتجة عن عملية تاريخية غير متوقعة لكن ضرورية التي انتجت هذه الحالة الواقعية: المستغَلين تحت قبضة المستغِلين. أما بالنسبة إلى الصراع، فإنه ايضاً نتاج التاريخ الفعلي؛ قد كافح المستغَلون من أجل أراضيهم، ولكن تم ضربهم من أجل تجريدهم.. وخسروا المعركة، وأجبروا على أن يكونوا عبيد الإنتاج ورغم ذلك قاوموا على قدر امكانهم، يوماً بعد يوماً،  في أخوى وحدة المستغَلين، ولكن وحيدين ضد الشرطة التي وظفها صاحب العمل. جل ما فهموه هو أن المرء لا يكافح لوحده، بل من الضروري الدخول في وحدة من أجل تكوين قوة حقيقية لقيادة الصراع، ومواجهة خيبات الأمل، وإعادة جمع المناضلين بعد الهزيمة والإستعداد لمعركة الغد. فهموا أن وحدة هذا الصراع له درجتين، الإقتصادية.. حيث يؤدي الصراع إلى الأوضاع المعاشة، والسياسية حيث يؤدي الصراع الى القوة. فهموا هذه المسألة جيداً لدرجة قاموا بذلك بنفسهم دون مساعدة أي فيلسوف، بإستثناء أوين، الفلسفة العملية لتأسيس النقابات العمالية للحزب التشارتي التي جعلت من البورجوازية الانكلزية تقود أول إرهابها. حقيقة أن التاشرتية هزمت هي قصة اخرى، ولكن انغلز نفسه تمكن من إستخراج عبرة، والفضل يعود إلى ماري، مما تمكن من ملاحظته : بالفعل توجد فلسفة في التاريخ، لكن فلسفة دون فلسفة، دون مفهوم أو تناقض، وتعمل على مستوى ضرورة الحقائق الإيجابية لا على المستوى السلبي أو مبادئ المفهوم، انها لا تكترث بتاتاً بالتناقض وغاية التاريخ، ولا تكترث بالثورة بوصفها السلب والإنقلاب العظيم. إنها عملية، وفيها أولية الممارسة وإتحاد الناس على النظرية والإستقلال الأوحدي للفرد الشترنيري. بإختصار، هناك بعض من الحقيقة في البيان الشيوعي ولكن كلها خاطئة لأن تم قلبها.. ومن أجل الحصول على الحقيقة، علينا التفكير بطريقة مختلفة.

          كل هذا كان موجوداً، بشكل مباشر أو غير مباشر، في كتاب انغلز. ظهر الكتاب في 1845 في بريمن، وتم الاحتفاء به ونسيانه: في النهاية، أعتقد ماركس أن انكلترا هي انكلترا.. هي ليست بلداً كلاسيكياً للثورة مثل فرنسا، أو للفلسفة مثل ألمانيا، مدركاً بالطبع أن الثورة لا يمكن أن تكون سوى سياسية، أو: فلسفية. هذا ما قامت هزيمة التشارتية بإثباته: هؤلاء الانكليز لم يكونوا في ذروة تاريخهم. انغلز هو طيب، لكنه يعيش مع عاملة ايرلندية لم يتزوجها.. لنكن جادين: كيف يمكننا نفهم العالم والتاريخ الثوري من قبل عاملة شبه-ماهرة؟

          أساسُ هذا الفهم يبقى، وسيبقى كذلك للأبد، في المسودة الأولى (لأنها واحدة) لـ “ أطروحات حول فويرباخ” حيث تم تجميع كل سوء الفهم من قبل انغلز في مجموعة من احدى عشر أطروحة متميزة ولكنها حاسمة ومتسرعة. نشر انغلز هذه الأطروحات، التي كتبها ماركس بشكل متسرع، في ملحق كتاب ( ضد-دهورنغ) مطلقاً عليها، بعيداً عن الذوق،: “ بذرة مفهومنا حول العالم”. بإختصار، كوعد لثورة في الفلسفة، وضمان لكل ثورة ممكنة.. السياسية ضمنها.

          نحن نعلم أن “ أطروحات حول فويرباخ”، التي كان هدفها هو الإنقطاع من الرجل الذي ألهم كل اليسار الألماني ( “حينها جميعنا تحولنا إلى فويرباخيين”- انغلز)، قامت بإنتقاد فويرباخ بإسم فيخته، وبدمج لفويرباخ وفيخته، أكثر مما قامت بالإعتماد على “ المفهوم الجديد حول العالم”. مقارنة بهيغل، ستبدو على العكس، انسحاباً وخطوة إلى ما قبل نقد هيغل لفيخته. لكن لنرَ كيف تقدم نفسها، وكيف تعمل.

          أصبحت هذه الأطروحات بمثابة الدفاع عن البراكسيس المتمثل بالإنتاج الذاتي للذات غير المسمية (ما لم هي ذات فويرباخ، الإنسانية، “البشر”.. الذي بين شتيرنر، في غياب ماركس، أنها تمثل الجوهر الجديد لـ”دين عصرنا الحديث”) لهذا السبب كان آرفون على حق حين قال أن شتيرنر “كان هناك”.

          بإسم الدفاع عن البراكسيس هذا، الذي يُفهم كـ “ ذاتية الإنسان”، أنتقد ماركس فورياً: (( أن عيب كل الماديات الموجودة إلى يومنا هذا – ضمنها مادية فويرباخ)): هو أن الواقع، العالم الملموس، تم فهمه فقط على شكل الموضوع أو التأمل.. لكن ليس كنشاط انساني ملموس، بوصفه ممارسة..ليس كذاتية. أتحدى أي شخص أن يستخرج معنى واضح لهذا الكلام. ما يتبع ذلك، بالطبع، هو أن الجانب النشط، في تاريخ الفلسفة، تم تطويره من قِبل المثالية (!)، وأن فويرباخ الذي: (( يريد الموضوعات الملموسة أن تكون منفصلة حقاً عن الموضوعات الفكرية))، والذي :(( لا يرَ النشاط الانساني كعملية موضوعية نفسها))؛ وبذلك: (( لا يفهم أهمية النشاط “ الثوري”،”العملي-النقدي”)). وطبعاً! هذا الولاء لفلسفة فيخته، الذي يفتح هذه الأطروحات، المعدلة من قبل ثيمات فويرباخية، الأكثر “مادية “بكل المعايير..مثل تلك العائدة للـ “ الأساس”. فعلى سبيل المثال في النص الشهير حول الدين: من الضروري نقد الدين ليس بالشكل النظري وحسب بل عبر اكتشاف “ أساسه الدنيوي”، و”المادي”، ومعرفة أن العائلة المقدسة هي لا شيء سوى ترفيع للعائلة الدنيوية: (( حالما نكتشف أن العائلة الدنيوية هي سر العائلة المقدسة، سيكون على الاول أن يُدمّر نظرياً وممارساتياً…)). ولكن هذا أيضاً وهم. سيكون هذا النص مادياً إذا لم يحضر تعريف العائلة السماوية، بثقة تامة أنها ستجد “ سرها” في العائلة الدنيوية، بينما شيء آخر كامن هناك. يغدو العالم، إذن، خلاصة كاملة.. مليء بالاشياء الغامضة تخفي أسرارها ضمن نفسها، أو قربها. وبما أن كلها تحمل معناها في ذاتها والإنسان هو جوهرها، فلا حاجة إلا لهيرمونطيقيا جيدة تفككها وتفسرها. وعلى الرغم من العودة القوية لفيخته في الأطروحة الخامسة القصيرة ( “فويرباخ، بعدم رضاه للتفكير التجريدي، يختار التفكر: ولكنه لا يفهم المحسوس كشيء عملي، كنشاط إنساني حسي”)، إلا أن هيرمونطيقيا فويرباخ هي التي تفوز، في هذه الفرضية الشهيرة والنهائية لمثالية مذهلة: (( كل الحياة الإجتماعية هي أساساً عملية؛ كل الغموض التي أدت إلى نظرية الإيهام والتلغيز تجد حلها المنطقي في الممارسة الإنسانية وفي فهم هذه الممارسة)) ( يمكن للمرء مقارنة هذه الأطروحة مع فويرباخ، في المخطوطات الفلسفية صفحة 56، وجوهر المسيحية صفحة 431). ومن أجل أن يهرب من هذا الطريق الخطير، إنتهى ماركس بهتاف عالٍ في الأطروحة 11: (( اكتفى الفلاسفة بتفسير العالم بطرق شتى، بينما المطلوب هو تغييره.)). كم جميلة هذه العبارة! لكنها لا تعني شيئاً؛ ماذا سنكسب غير أن نربك أنفسنا أكثر حول هوية هؤلاء الفلسفة؟ على العكس تماماً، كل الفلاسفة أرادوا العمل على العالم، إما بشكل تقدمي أو رجعي، أو عبر إبقاءه كما هو. بالإضافة، من هم هؤلاء الفلاسفة المخولة إليهم هذه المهمة التاريخية لـ “ تغيير العالم”؟ يلاحظ المرء أن ماركس لا يحدد لهؤلاء الفلاسفة بالمهمة الخارقة سوى شيئاً مبهماً وهو: “من الضروري” القيام بها، ويبقى ذلك مجرد نداء.. ولكن لمن؟ يبقى ذلك غامضاً. وبما أن هذا النص المترنح لا يتحدث عن الطبقات الإجتماعية، فهناك لا خيار آخر سوى الإقرار بأن كل شيء يحدث في عقول هؤلاء الفلاسفة.. ومن هو المقصود غيرهم؟ هؤلاء الذي يكررون ويفسرون، الفرق هو بسيط.. لكن هذا مجرد لحظات في التاريخ المعذب لصغار ثوارنا.

          تُرك كتاب (أوضاع الطبقة العاملة في انكلترا) على رف الأعمال الكاملة في المستقبل، أما “ أطروحات حول فويرباخ”، الكراس الذي لم يكن معنوناً ( حيث انغلز من عمد هذه الاعمال لاحقاً)، فبقي في دفاتر ماركس، من غير أي نقد تاريخي-فلسفي.. كنصوص تأخذ بحرفية.. بحرفيتها. ورجع ماركس وانغلز إلى زيارة هؤلاء الحرفيين الثوريين الألمان في باريس ولندن ( حيث لم يكسرا علاقتهما معهم): يستطيع المرء أن يرى ضخامة إنتشار الأوضاع البشرية، وحراك “ الحاجة الإجتماعية” حين تحدثوا عن المستقبل المحايث للبشرية. على الأقل كانوا على دراية بما كانت السياسة والتنظيم عليه، وأنهم لم يكونوا منزعجين من قوة الفلاسفة، الذين كانوا على الأكثر يصلحون للتفكير الجيد والخضوع لقوانين النصوص التحريضية، من هذا البيان الشهير الذي لم يطلع.

          دعونا نعود إلى القصة مرة أخرى؛ كان يا مكان شابين يافعين مثقفين من ألمانيا، أحدهما كان يتردد على الدوائر الثورية لبعض من الوقت في باريس؛ هناك بدأ بنقل عدوى “ الديالكتيك الهيغلي” لبرودون عبثاً، دون أن يتمكن من جعله يفهم ما يمكن أن يكون تناقضاً حتى. بينما الآخر شغل نفسه في سكنه في مانشستر، مع ماري المتواجدة في سريره ومنزله، بالعمل في إدارة المصنع خلال الأسبوع وصيد الثعالب مع الأرستقراطيين المحليين يوم السبت. كافح الاثنان، كلٍ بطريقه الخاص، من أجل الثورة القادمة.. متحدين بالوهم الصامت لتوافق الفكر حول ما يمكن أن يكون عليه التاريخ، والصراع الطبقي، وغاية التاريخ. ففي النهاية: حتى سوء الفهم يصنع التاريخ.

          أحداث 1848-1849 في اوروبا، والإشتباكات في باريس، والثورة في الراينلاند وكولونيا، ومحاكمة الشيوعيين – بإختصار: الصراع الحقيقي وخيباته تعكس تشتت معين في الافتراضات النظرية وتوقعات هذا الزوج، الذي عاش لفترة طويلة جداً انتظاراً للثورة الانكليزية “من أجل الغد”. بعد هزيمة 1850، قرر ماركس أن من الضروري جداً:(( البدأ من البداية نفسها))، ايّ مع الاقتصاد السياسي وأسراره، التناقض (؟) ما بين القيمة الاستعمالية والتبادلية، من سميث وريكاردو، ليكرس نفسه على العمل على عمله الضخم: (رأس المال).

          كان يعمل على النظرية أحياناً في باريس، ثم في بروكسل، وفي النهاية في لندن. بينما عمل انغلز في ضبابه الانكليزي على الانتاج. لم يكن بحوزة المنظر اي مال، ولكنه كان يرزق بطفل وراء طفل، وعدد منهم قد مات جراء الجوع أو المرض، رغم الأموال التي كان يرسلها الوفي انغلز بشكل يومي، وليس شهري وحسب، لعائلة ماركس، التي بقيت بشكل دائم كلاجئين في لندن.

          هكذا افتتح “ فكر ماركس وانغلز” شكلاً جديداً لتقسيم العمل: من جانب، المنظر الذي يبحث في وثائق أرشيفات المتحف البريطاني، ومن جانب آخر صاحب مصنع النسيج يكسب الأموال ويرسلها إلى ماركس – وبذلك من جانب، نظرية نقدية مكرسة للكشف عن غموض المال، وفي الجانب الآخر أموال متدفقة بإستمرار.. وفي الخلفية، ممارسة المناضلين الذين كرسوا أنفسهم للثورة، من حيث الكل عمل وفقاً لطريقه، وبذلك أموال “ المنطق الهيغلي” تتوافق مع أموال الصناعة وكفاح المناضلين.

          ذهبت الأمور أبعد من ذلك في هذا الطريق؛ في احدى الأيام، بعد أن سمع ماركس خبر وفاة ماري ( لم تحب جيني ماركس هذه العشرة كثيراً) تجرأ أن يتجاوب مع هذا الحدث بكلمات تعزية جافة.. وفي ملحق الرسالة كتب طلباً طويلاً للأموال. ظل انغلز، الذي كان عادة يكتب يومياً، صامتاً لمدة ثلاثة اسابيع؛ حينها علم ماركس أنه تقريباً قرر عدم رؤيته مرة اخرى. بأعصاب باردة، واصل ماركس بالكاتبة على اية حال، وبطلب الأموال، والحصول على معلومات ملموسة لا غنى عنها لعمله النظري: ليعرف كيف يضمن الرأسمالي الإنتاج البسيط أو الموسع لرأس المال، وكيف يحسب سعر مكائنه ومدى ديمومتها، وكيف يوظف عماله، وما هي المصروفات العرضية للإنتاج ( faux frais)، إلخ، بممارسة – بطريقة مشروعة- الشكل الأكثر كلاسيكياً لتقسيم العمل ما بين المنظر الذي يعرف ويفكر، ولكنه، في مثل الوقت، يحتاج أن يتعلم من صاحب العمل الذي كان من المفترض أن يعرف أكثر منه. تعاون لا مثيل له وغير مسبق، من حيث تعطينا المراسلات وثائق مذهلة ومتحركة، لا مثيل لها وحقيقية، خلالها تكمن حقيقة تقسيم عمل نظري وعملي حقيقي يحمل في ذاته تكوين عملاً مشتركاً حقيقياً. هذه كانت اللحظة المؤقتة العظيمة لوحدة فكر وماركس وانغلز، التي كانت موجودة حينذاك، بعلم من كليهما، أو على الاقل: بعلم انجلز، بماذا كان يتحدث عنه الاول وما يتحدث عنه الاخر. بقت في كتاب ( المساهمة في نقد الاقتصاد السياسي) الذي كان لماركس الجرأة أن يوقعه بإسمه فقط في 1859، وثم في النهاية في الجزء الاول من كتاب ( رأس المال) في 1867، حيث كان ماركس محقاً، هذه المرة، في وضع إسمه فقط، بما أن إلتزم بأفكاره الخاصة، أو قل: بخيالاته الفلسفية.

          بدأ ماركس أن يشيخ، وخسر سنة كاملة رداً على إفتراءات السيد فوغت، كانت أفكاره تنتشر في العالم والجميع بدأ في السطو عليها. قام لوريا بذلك في ايطاليا، وحتى في ألمانيا تمكن الرياضي الجاهل دوهرنغ من اكتساب واستقطاب جمهوراً عبر سرقته لأفكار ماركس، ووصل إلى حد تهديد وحدة الحزب الألماني الماركسي الذي كان قد تأسس للتو. كان من الضروري الرد بشكل سريع على كل هذا. كان ماركس مريضاً، فأتى انغلز ليدافع في ملخص فلسفي-اقتصادي الذي وافق ماركس عليه كتابياً في المقدمة؛ حتى في كتاب ضد-دوهرنغ الذي كان فيه فصلاً مخصصاً حول “ الاشتراكية: الطوباوية والعلمية” كان من أجل “ تعليم”، بشكل حقيقي، جيل الماركسيين الجديد في الأممية الثانية وما بعد ذلك. وفر انغلز لهم الفلسفة الناقصة من كتاب ( رأس المال)، تلك العشرون صفحة حول الديالكتيك التي لم يجد ماركس وقتاً ليكتبها ابداً ( لأن كان هذا المطلب مستحيلاً).

          في هذا الكتاب قام انغلز بتحديد تاريخ النظرية الماركسية، بوصفها النتاج لدمج العناصر الثلاثة للإقتصاد السياسي الإنكليزي، والفلسفة الألمانية، والإشتراكية الفرنسية، وتأسيسها في ظل الصراع ضد فويرباخ، وشتيرنر، وبرودون وفوضوية البؤس. وذكر مسألة تقسيم العمل الذهني الضروري لإنتاج هذه النتيجة غير المتوقعة: يكون ماركس في صلب تركيب عناصر ثلاثة أهمها الفلسفة الألمانية. شرح أن الماركسية بشكل أساسي هي فلسفة، ولكنها مادية (أكثر مادية ممكنة)، ايّ تعتمد على المادة الصرفة للعالم، وبذلك مادية تختلف عن كل المثاليات الفلسفية، ضمنها تلك العائدة لهيغل الذي كان من الضروري قلبه، بما أن هيغل هو مادية مقلوبة تحتاج إلى أن تقلبها مرة اخرى لتجد مادية صرفة، وهذه المادية هي ديالكتيكية ليست ميكانيكية، أنها مادية تعلم كيفية دمج الديالكتيك الهيغلي وشكل التطورية التي تمثلها في تاريخ الثقافة. ماركس موافقاً على كل ذلك، حتى أنه كتب فصلاً لكتاب ضد-دهورنغ (حول الفيزيوقراطيين) ليثبت موافقته هذه، معلناً للعالم أن عملهما كان مشتركاً حقاً بما أن انغلز كتب فلسفته وتحدث ايضاً عن الثورة والإشتراكية كما فعل في البيان الشيوعي.

          كان انغلز بارعاً في السجال، ولكتاب ضد-دهورنغ فصول عظيمة. ولكن ماذا عن العلاقة بماركس؟ العلاقة ما بين تلك الصفحات الطويلة حول الفلسفة والعشرون صفحة حول الديالكتيك التي ندم ماركس على عدم تمكنه من كتابتها؟ فهو إذا لم يستطع كتابتها فهذا ليس لأنه كان مرهقاً بل لأن كانت هذه المحاولة المجنونة يعصى تفكيرها. رغم ذلك إلا أن كل شيء كان هناك: التناقض، والمفهوم، والنفي، ونفي النفي، والـ”أوفنبانغ”، وكل معدات المصطلحات الهيغلية العائدة للبيان الشيوعي وكتاب (رأس المال)، بدون إستثناء. كانت موجودة بشكل مبالغ فيه، فائضاً من الفلسفة التي جعلت من الفلسفة- التي يجب أن تكتفي بمفهوم أو اثنين، كما يجد المرء عند العظماء مثل: أفلاطون، وأرسطو، وكانط، وحتى هيغل- أن تفيض بشكل اكثر من اللازم لتغطي الواقع كله، وتتحدث عن كل شيء: التاريخ الإجتماعي، وتاريخ العلوم..ولماذا ليس عن، إذا كانت هناك الموهبة لذلك، التاريخ الثقافي، والأدب، والموسيقى. أصبح فكر ماركس وانغلز بديلاً عن المعرفة المطلقة في ملخص يعتبر قاموساً لعصر الاشتراكية المعاصرة.

          لماركس إنفجار أخير في “ ملاحظات حول فاغنر” (1883) التي دحضت كل المزاعم المطروحة ( للقيمة بوصفها مفهوماً في القيمة الإستعمالية والتبادلية: إستنتاج يرمز للاخريات)، ثم سافر من لندن إلى الجزائر لينسحب نحو الموت، من دون التبرأ من انغلز أو مؤلفه (الإشتراكية: الطوباوية والعلمية) الذي كان يعكس سلطته العالمية. وبذلك أنه انغلز،“ الجنرال” انغلز الذي كان يحكم عبر التدخل في الحركة العمالية كل مكان، في الوقت الذي تبقى له للعيش، هو من وضع لنفسه مهمة إدارة الوحدة الوهمية لهذا “ العمل”. فأنه كان يكتب بوضوح شديد، الكل كان يفهمه، والجميع أعجب بعلمه الموسوعي الذي تحدث عن كل وأي تاريخ، تحت أسم هذه الفلسفة: المادية الديالكتيكية. مادية أكثر، ديالكتيك أقل؟ أم ديالكتيك أكثر، مادية أقل؟ هذه هي اشكالية الخلفاء، من بليخانوف وبيرنشتاين إلى لوكاش.. والكل سيجد موطنه الخاص، من دون إيجاد حلاً لهذه الاشكالية، كل منهم يمر عبر تطرفاً نحو آخر في رؤيته الخاصة، هذه علامة أن هناك شيئاً لم يعمل في هذا التعبير الوحشي، ايّ الوحشية الفلسفية، بما أن لا يجده المرء حاضراً في أى جزء من التاريخ الكلي للفلسفة.  هذا العجز في تفكير تاريخ الفلسفة عبر هذا التعبير، من أبيقور إلى لاسال ثم إلى بيليخانوف، وبيرنيشتاين، ولوكاش، يحمل على دلالات عظيمة: أنه يدل على أن المفاهيم المطروحة هي ليست مناسبة لأي شيء غير إقرارها لذاتها. الذين استفادوا هم بيلخانوف ولينين نفسه، ثم ستالين في الأيام القديمة حين كانت دوغمائية العِلمين تطغي، وبما أننا هنا لِمَ لا تكون هناك لغتان؟ وموسيقتان؟ وأدبان؟ (“ الواقعية الاشتراكية”) ومنظوران للعالم: أحدهما بورجوازي، وثانيهما بروليتاري؟

          الكل يعرف النتيجة: العمل الهائل، والسخيف، والمجهض لكهنة المادية الديالكتيكة والتاريخية، ولكل الفلسفة السوفيتية الرسمية وتوابعها في البلدان الإشتراكية، وعدد من الأعضاء أو الفلاسفة الحزبيين للنظرية الماركسية في الاحزاب الغربية (!): النتيجة كانت موت الفكر الماركسي، التي كانت تموت في إيطاليا حتى، أكثر البلدان ذكاءاً في العالم، حيث كانت تموت فعلاً في غرامشي، أكثر القادة ذكاءاً في العالم.. في ظلمة السجن. يقال أن “ للفرنسيين عقول سياسية، وللألمان عقول فلسفية، وللإنكليز عقول إقتصادية” (ماركس)؛ لكن تبقى الحقيقة أن شيء بمثابة الخلاص أتى من البلد الذي له عقلاً سياسياً، من دون أى فيلسوف عظيم: ليس من سارتر أو مارلو-بونتي، أو من مفسري الفيمونولوجيا، أو من هزة ديلا فولب، بل من عشرة صفحات كُتبت، أيضاً في السجن- لكنه كان سجناً ألمانياً، كتبها كافالييس (حول نظرية العلم) حيث تم تلخيص كل الصرامة للفلسفة الجادة، ليست تلك العائدة للمؤلدجين، بل من أرسطو إلى هوسرل، مروراً بـ: ديكارت، وكانط، وهيغل. ومن عشرة صفحات كتبها كافالييس في السجن، غير معروفة عند الكل في الخارج بالضبط كما كان فيتغينشتاين في فرنسا، وبطريقته الخاصة في مستوى فيتغينشتاين؛ ومن مقالات مخفية كتبت قبل أوانها من قبل أسوأ شخصية في العالم: كانغيلام، الذي أمضى خمسة عشر سنة مربكاً للفلسفة، طاغياً على الصفوف الفرنسية بإرهاب وصرامة التي استمدها من ديكارت ونيتشه. هكذا في فرنسا وُجد جيلاً أعاد تعلم كيفية التفكير بشكل ماركسي خارج الماركسية وقام بتعليمها لعالم مصدوم.

          هكذا هي الطريقة الغريبة التي نهضت وبعثت فيها الماركسية، المدفونة منذ بدايات التحول الذي أجراه ماركس على إكتشاف انغلز. يجده المرء بسعادة في الفصل حول التراكم البدائي، الذي نجد فيه إعادة إحياء للثيمات الموجودة في كتاب (أوضاع الطبقة العاملة الإنكليزية)، رغم تجليات البيان الشيوعي في الفصول التي سبقت هذا. هذا الفصل لم يقحم نفسه إطلاقاً، كما هو الحال في (أوضاع الطبقة العاملة في إنكلترا)، في تطورات “ التناقض” ما بين القيمة الإستعمالية والقيمة التبادلية، وفي “نفي النفي” الذي يمثل البروليتاريا والثورة. لقد طفى هذا الفصل في الهواء، مثل الكثير من نصوص ماركس المذهلة، عبر التخلي عن عمله لينقذ المنطق “ الفلسفي”. هذا هو موقع “ العبقرية” الذي تخلى عنه انغلز، سعيداً بموقعه بوصفه الـ “ موهوب” الذي يخدم الفيلسوف العبقري بإخلاص.

          هذا ما يفسر خصوبة الماركسية. التي أجهضت كفلسفة، وأُنقذت كتكوين تاريخي لصراع وتشكل الطبقات، ومصيرها كله مرهون في هذا الـ“ ما-بين”. فالأمر يعود إلينا، فضلاً عن الإدانة أو المهادنة، أن نلعب في الـ “ما-بين”، أن نرتب ما بين لمحات العبقرية، التي أولاً تأتي الينا عبر انغلز، والغباء الهائل، ومحاولة جعل هذه العبقرية تعمل على الغباء الفلسفي العائد إلى ماركس. هذه ايضاً طريقة لإدراك أن لم يكن انغلز، الذي كان احمقاً بما فيه الكفاية أن يكتب (ضد-دورهنغ) الذي روج له ماركس، ولا ماركس، الفيلسوف الذي تمكن، في “ التراكم الرأسمالي” و”ملاحظات حول فاغنر”، من الإنقطاع عن غباءه الفلسفي، مجرد رجلين شاركا هذين الدورين بين العبقري والموهوب، بل هما مفكران معقدان خلالهما عاد المكبوت بأسوأ شكل من الشذوذ.. أنها حقيقة يمكننا التعلم منها مراراً وتكراراً.

          إذا كانت ماركسية (البيان الشيوعي) وجزء كبير من (رأس المال) قد ماتت، فإنها، على أية حال، تعيش عبر هذه العودة للمكبوت، الذي لم يتمكن لا ماركس ولا انغلز من الإشتباه على وجوده. إن ماتت الماركسية، فأننا لا زلنا بإمكاننا أن نجد شيئاً فيها لتفكير واقع الرأسمالية، والصراع الطبقي -الذي يعتمد عليه كل شيء آخر، والطبقات المشروطة بهذا الصراع، وواقع الإمبريالية التي هي نتاجه.. واقع كل هذا وكل شيء آخر حتى.

          إذا كانت هذه الرجعة لجانب فكر ماركس وانغلز لا تزال متاحة لنا، فإن المسألة للأسف الشديد ليست بالمثل بالنسبة للأحزاب الشيوعية. هذه المنظمات، المبنية على أسس فلسفة (البيان الشيوعي) و(ضد-دهورنغ)، تقف فقط على أكاذيب محضة، وعلى جهاز القوة الذي يبني نفسه في الصراع وتنظيمه. هذه الأحزاب، التي تعتمد على النقابات والأرستقراطية العمالية، هي الاحياء الموتى، التي ستدوم ما دام أساسها المادي يدوم (النقابات التي لها سلطة في مجالس الأشغال، والأحزاب التي لها سلطة في البلديات)، ومادامت  قادرة على إستغلال وفاء طبقة البروليتاريين والظروف القاسية لفقراء البروليتاريا والمأجورين. من الآن فصاعداً سيكون هناك تناقضاً متضارباً ما بين ملامح العبقرية في فكر ماركس وانغلز والتقليدية العضوية في الأحزاب والنقابات. ولا شيء يشير أن صراع هؤلاء الاكثر حرماناً سيكون بقوة صراع ذوي الامتيازات الذين يسيطرون على جهاز القوة. إذا تمكنت الماركسية، في برهة، أن تحيا مرة اخرى، فأن الاحزاب هي الأحياء الموتى، مجمدة بالقوة وجهازها الذي يحمل هذه القوة، وتعيد إنتاج نفسها لتسيطر عليه بسهولة وتحمل الإستغلال ضمنه.

         نحن نعيش هذا التناقض، وأنه قدر جيلنا أن يقوم بتفجيره. سينفجر رغم الصعاب، في تمرد شباب العالم الجدد.

 

 

 


المقال الأصل: On Marxist Thought – Louis Althusser

للتواصل مع المترجم: h.aqeel.saleh@gmail.com

 

error: المحتوى محمي