حوار نادر مع د. محسن مهدي (1985م)

حوار نادر مع د. محسن مهدي (1985م)

محسن مهدي

د. محسن مهدي

 من مجلة البيان الكويتية، العدد 230، عام 1985


 تم العثور على هذه النسخة في أرشيف المجلة الموجود في مكتبة لندن المركزية حيث أنه كان مفقودا من أرشيف المجلة في الكويت إبان الغزو.

-المجتمع يؤدي رسالته وفيه إتجاهات ومدارس مختلفة.

-هناك اتجاه في الغرب يعتبر كل الحضارات غير الغربية حضارات متأخرة.

-الاستشراق ليس علما مستقلا- بل هو إحدى ثمار الحضارة الغربية.

-ألف ليلة وليلة..تلخيص لآراء الناس في السلطة والسلطان.

 

 

أجرى الحوار  مع محسن مهدي : حامد طاهر

بعد مائة وخمسين عاما من تداول (ألف ليلة وليلة)في مختلف أنحاء العالم، ظهر هذا العام أول تحقيق علمي لها. وقد قام بهذا التحقيق أ. د. محسن مهدي، أستاذ كرسي (جويت) للدراسات العربية في جامعة هارفارد الأمريكية (وهو الكرسي الذي كان يشغله من قبل المستشرق الشهير جب). ومحسن مهدي أحد الأستاذة القلائل الذين تميزوا بدقة التحقيق العلمي، على المستوى العالمي، فقد حقق بعض أعمال الفارابي الكبرى مثل كتاب (الحروف) وكتاب(الملة) وهو يرأس في الولايات المتحدة جمعية دراسة الفلسفة والعلوم في الإسلام، كما أنتخب منذ مطلع السبعينات عضوا مراسلا لمجمع اللغة العربية بالقاهرة. وله العديد من المقالات الفلسفية المنشورة في مجلات علمية مختلفة. كما أنه يعتبر أستاذا مباشرا لبعض أساتذة الفلسفة العرب الذين درسوا في الولايات المتحدة الأمريكية.

وبمناسبة حضوره مؤتمر مجمع اللغة الواحد والخمسين في القاهرة في شهر مارس من عام 1985، كان لي معه لقاء طويل وخصب، دار الحوار فيه حول تطوره العلمي، والتحولات الكبرى في حياته كدارس للفلسفة الإسلامية، وآرائه في أهم القضايا التي تشغل المفكر العربي في الوقت الراهن، كما كانت هناك فرصة للإقتراب من (ألف ليلة وليلة) التي عاش مع مخطوطاتها المتناثرة في مكتبات العالم مايقرب من عشرين سنة.

 

 

دور المجمع

بمناسبة حضورك مؤتمر مجمع اللغة العربية الواحد والخمسين بالقاهرة، مارأيك في دور المجمع حاليا، وامكانيات تطويره مستقبلا؟

محسن مهدي : ان المجمع مازال مستمرا في أداء رسالته بأمانة، وهي العمل على جعل اللغة العربية قادرة على مواجهة تحديات العالم الذي نعيش فيه، وذلك بإحياء التراث اللغوي القديم والتعرف إلى واقع الفصحى اليوم، ثم تقنين وتقعيد الألفاظ والإصطلاحات التي هي بأمس الحاجة إليها لتساير ركب الحضارة والفنون والعلوم المعاصرة. ولعل أهم ميزاته كمؤسسة لغوية أن اعضاءه يمثلون الإتجاهات والمدارس المختلفة فيتناقشون ويتوصلون الى قرارات تكاد تكون بالإجماع وهو إلى ذلك يستضيف أعضاء من مختلف أقطار الوطن العربي، يجتمعون ويبادلون الرأي في ماضي اللغة وحاضرها في الوطن العربي من العراق إلى المغرب. ولا أعرف مؤسسة أخرى تجمع هذه الميزات.

أما امكانات تطويره مستقبلا، فأنا شخصيا أعتقد أنه يجب أن توفر له الإمكانات المادية والفنية – كأجهزة الحاسب الإلكتروني، وأجهزة النسخ والطباعة الحديثة – التي تسهل عمله، وتساعد على إختصار الوقت والجهد الذي يبذله في نسخ أعماله وتصحيحها وطبعها. إن المجمع اللغوي مؤسسة ينتظر منها الوطن العربي الكثير، ويستحق أن توفر له الأجهزة الفنية التي تعينه على أداء رسالته أحسن أداء.

 

سيرة حياة

ماهو الخط الدراسي الذي سرت فيه؟

محسن مهدي : بعد الإنتهاء من الدراسات الأدبية في الإعدادية المركزية ببغداد-وأذكر من أساتذتي فيها صادق الملائكة في الأدب العربي، وجواد علي في التاريخ- التحقت بالجامعة الأمريكية ببيروت خلال الحرب العالمية الثانية. وكنت شغوفا بالعلوم الإجتماعية من اقتصاد واجتماع وتاريخ من جهة، وبالفلسفة من جهة ثانية وأهمية الجامعة الأمريكية لم تكن بالنسبة لي أكاديمية بقدر ماكانت اجتماعية وثقافية، أعني أنها أتاحت لي الفرصة للتعرف على عدد كبير من الأصدقاء العرب الذين جاءوا من مختلف الأقطار العربية، والعمل معهم في المجال القومي، كما أتاحت لي الفرصة للكتابة والعمل (الصحافي) كمحرر لمجلة الكلية، ومجلة العروة الوثقى ثم الإشتراك في جمعيات الطلبة ونواديهم الثقافية. ومع أني اطلعت على مبادئ كثير من العلوم الإجتماعية والإنسانية فعندما أقيم ثقافتي في تلك المرحلة يظهر لي أنها كانت جدلية وخطابية أكثر منها علمية.

 

في أي طور إذن اخترت دراسة الفلسفة الإسلامية كتخصص، ولماذا؟

محسن مهدي : قرأت جميع ماكانت المكتبة العربية تحويه من كتب الفلسفة قبل إلتحاقي بالجامعة الأمريكية ببيروت. ولم تكن المكتبة العربية تشمل إلا القليل من الكتب في الفلسفة الإسلامية في ذلك العهد، بل كان أغلبها يدور حول الفلسفة اليونانية والغربية. أما في الجامعة فكان الذي يدرس لنا هو الفلسفة اليونانية، والغربية في العصر الوسيط، والفلسفة الغربية الحديثة. وعندما إلتحقت بعد ذلك بجامعة شيكاغو في الولايات المتحدة للدراسات العليا وجدت محيطا يختلف كثيرا عما كان في بيروت. وذلك لأني وجدت فيها عدداً كبيرا من الأساتذة الأوروبيين-وخاصة الألمان- ممن كانوا قد هاجروا إلى الولايات المتحدة قبل الحرب العالمية، وكان كل منهم يمثل قمة ماكان قد وصلت إليه العلوم التاريخية والإنسانية في حقله من اجتماع وأدب وفلسفة وتصوف الخ. وهناك بدأت الدراسة الجدية للنصوص الفلسفية بلغاتها الأصيلة، وتفتحت لي أبواب مناهج البحث والتفسير في حلقات الدرس والنقاش، واقتنعت بأنه من الممكن حقا الوصول إلى مغزى فكر كبار الفلاسفة والعلماء والأدباء عن طريق القراءة الجادة، والتأمل في معاني ماخلفوه من روائع الكتب. وفي هذه الفترة تحولت هوايتي الأولى، وهي الفلسفة بعامة والفلسفة الإسلامية خاصة إلى دراسة جادة للنصوص الفلسفية العربية والإسلامية، مع ملاحظة الصعوبة التي واجهتها في هذا الصدد، بسبب أن معظم هذه النصوص لم يكن قد حقق وشرح شرحا كافيا.

والذي أذكره على سبيل المثال أني كنت أقرأ كتيب الفارابي (فلسفة أفلاطون) وكان قد حقق ونشر في إنجلترا، وكأني أنظر في طلسم أو رموز غير واضحة، مع أنه مكتوب بلغة عربية فصيحة، ثم أنظر في التعليقات التي تحاول أن ترجعه إلى أصول يونانية، فلا أجد علاقة بين النص العربي والأصول اليونانية التي ادعى المحقق أن الفارابي اقتبس منها.

أما السبب الذي دعاني إلى التأكيد على دراسة الفلسفة الإسلامية فهو أنني رأيت أن المطلب الأساسي الذي يواجه الوطن العربي، ويواجه كل مفكر عربي هو مكانة العلم ومستقبل الحركة العلمية، وأن الطريق الأمثل لفهم هذا المطلب هو التعميق في دراسة الفلسفة الإسلامية.

 

 

ابن خلدون وفلسفة التاريخ

كيف اخترت (فلسفة التاريخ عند ابن خلدون) موضوعا لرسالة الدكتوراة، ولماذا لم يترجم الكتاب حتى الآن إلى اللغة العربية؟

محسن مهدي : من الأمور التي شغلت بالي وأنا أتابع دراساتي العليا: مكانة التاريخ بين العلوم، وذلك لأنه كاد أن يحتل مكان الفلسفة، كعلم العلوم في الثقافة المعاصرة، بعد أن لم تكن له هذه المكانة عند القدماء. وكانت (التاريخانية) أي القول بأن كل شيء، بما في ذلك العلوم والأديان والفلسفة، يجب أن يفهم كأمر متبدل متغير بحكم زمانه وروح عصره، هي الفكرة السائدة في الدراسات الإجتماعية والحضارية خاصة. ومع أني كنت أرى أن هذه النظرة إلى الأمور غير متماسكة نظريا (وذلك لأنه إذا كان كل شيء، بما في ذلك العلم والفلسفة ليس إلا مظهرا لروح العصر، فعلمنا وفلسفتنا اليوم أيضا أمر نسبي ومظهر من مظاهر روح عصرنا، وهذا يعني أننا لايمكننا أن نعرف علوم الأقدمين، ولا أن نحكم عليها حكما (موضوعيا)-أردت أن أقوم ببحث يوضح لي منهج الدراسات التاريخية والحضارية وفضائلها وحدودها. وكان لابن خلدون الفضل في أنه بين قيمة التاريخ دون أن يغالي في اعتباره علم العلوم أو حكمة الحكم. كذلك فإنه نجح في أن يبدع علم العمران من أصول استقاها من الفلاسفة والعلماء الذين سبقوه، وخاصة ابن سينا وابن رشد. وهذا هو الأمر الذي حاولت أن أوضحه في رسالتي للدكتوراة.

أما عن عدم ترجمة هذه الرسالة، التي طبعت بالإنجليزية ثلاث مرات حتى الآن فذلك يرجع إلى الصدف. فقد ترجمت إلى اللغة الفارسية وكانت مؤسسة فرنكلين قد حصلت على حقوق ترجمتها من الناشر إلى العربية، ولكنها توقفت عن العمل. وقد أبدى إخواني المغاربة رغبة ملحة في ترجمتها نظرا لإهتمامهم الخاص بابن خلدون، ولأن الإنجليزية ليست شائعة بين مثقفيهم. ثم إني قد كتبت ونشرت عددا من المقالات عن ابن خلدون يبحث أغلبها موضوعات لم أتطرق لها في رسالتي، ولعل الفرصة تسنح لي، أو لغيري، لترجمتها أيضا حتى يستفيد منها القاريء العربي.

 –

 

الغرب والفكر الإسلامي

ماهي اتجاهات دراسة الفكر الإسلامي في الغرب حاليا؟

محسن مهدي : هناك تحول ملحوظ من تحقيق النصوص وتطبيق المناهج الفيلولوجية والتاريخية إلى تطبيق مناهج العلوم الإجتماعية المعاصرة ومناهج النقد الأدبي المعاصر. ومع أن الأعمال اللغوية والتاريخية حسب المناهج القديمة مازالت تظهر في ألمانيا خاصة، فإن أغلب الدراسات في فرنسا والولايات المتحدة قد ابتعدت عنها. فالظاهرة الشائعة اليوم هي الجمع بين دراسة علم من العلوم الإنسانية أو الإجتماعية دراسة نظرية متخصصة وبين دراسة ذلك العلم في التراث الإسلامي. فطالب الدراسات العليا اليوم يجمع على سبيل المثال بين دراسة الفلسفة بعامة، والفلسفة الإسلامية أو التاريخ الإقتصادي بعامة والإقتصاد في عصر من عصور الإسلام. وهكذا دواليك.

 

وهناك اهتمام خاص بالقرون التي لم تكن موضع بحث جدي من قبل، كالبحث في علم الكلام في أطواره الأولى في القرنين الأول والثاني من الهجرة، والبحث في الفكر الإسلامي في العصور المتأخرة والحديثة.

ويبدو لي أن الإتجاه العام بين الباحثين هو التعمق والتخصص في دراساتهم وإن كان هذا لايحول دون ماينشر أحيانا عن الفكر الإسلامي من جانب أناس لم يتحملوامشقة البحث والتأمل في مايكتبونه. ولكن هذه ظاهرة عامة في الغرب والشرق على السواء.

 

نظرة الغرب غير منصفة

هل يمكن أن تلخص لنا موقف الغرب من الفكر الإسلامي؟

محسن مهدي : (الغرب) عالم واسع. وله مواقف متعددة. ويلاحظ بين المختصين أن الإتجاه الذي ساد في القرن التاسع عشر (وكان فيه نوع من الرومانتيكية، والبحث عن جذور وأصول الفكر العربي، ولذلك كان يهتم كثيرا بمجالات تأثير الفكر الإسلامي في الفكر الغربي) كاد ينحسر. ولايجد المرء اليوم كثيرا من الأبحاث في تأثير الفكر العربي على الفكر الأوروبي في العصر الوسيط، بل هناك اتجاه إلى السكوت عنه، إن لم يكن إلى إنكاره. ولاشك أن ثورة البلدان الإسلامية على السيطرة الغربية، والصراع الذي أدى إلى استقلال هذه البلدان، ثم التطلع إلى إستقلال فكرى، كل هذا أدى إلى رد فعل في موقف الغربيين من الفكر الإسلامي. فهناك من يحاول أن ينكر استقلاله تاريخيا، وهناك من يحاول أن يحط من قدره وهناك من يحاول أن يظهره بمظهر المعادي للحضارة والتقدم والعقلانية الخ. وهذه اتجاهات تظهر غالبا عند المغرضين سياسيا، أو الجهلة من الصحفيين. وتغذي هذه الإتجاهات آراء في التاريخ، وفي موقف المثقف الغربي من الحضارات غير الغربية عامة، والتي يعتبرها حضارات متأخرة أو متحجرة.

 

دور المستشرقين

ونحن في منتصف الثمانينات من القرن العشرين، ماهو تقييمك لدور المستشرقين؟

محسن مهدي : لقد كثر الكلام عن الإستشراق والمستشرقين في السنين الأخيرة وسأقتصر على ملاحظتين في هذا المجال. الأولى هي أن الإستشراق ليس علما مستقلا، أو علوما مستقلة كما يظن البعض، وإنما هو إحدى ثمار الحضارة الغربية، وتطبيق لأفكار وآراء نشأت في الفلسفة والعلوم الغربية فالمستشرق يبدأ عادة باستيعاب علم من علوم زمانه، كما يدرسه على أساتذته أو يقرأه من الكتب المعاصرة له، ثم يجتهد في تطبيق هذا العلم أو منهجه عند دراسة موضوع يتعلق بحضارة أخرى غير حضارته. وهو إلى ذلك يتأثر غالبا بالآراء الشائعة في محيطه العلمي عن الحضارات الأخرى. فلفهم الإستشراق على الدارس أن يبحث عن جذوره وأصول منهجه عند الفلاسفة الغرب وعلمائه وهذا أمر يتبدل من جيل إلى جيل لأن الفكر الغربي هو في تطور وتبدل دائم.

أما الملاحظة الثانية فهي أن من طبيعة الإستشراق أن ينظر إلى الحضارات غير الغربية من الخارج على أنها حضارات تطورت في الماضي، ثم وصلت إلى حالة الجمود بينما استمرت الحضارة الغربية في ازدهارها وتقدمها. أما عندما يبحث في حضارة غير غربية معاصرة، فإنه ينظر إليها كحادث أو واقع قد يكون له تاريخه، وقد يدل على مستقبل، لكن المستشرق لايتقمص عادة شخصية المسلم أو العربي الذي ينظر إلى ماضيه وحاضره نظرة تسيطر عليها غايات يريد أن يحققها من تجديد أو إصلاح أو ثورة. وهذا أمر طبيعي لأن المستشرق لايعيش في محيط العربي أو المسلم، ولايعاني مايعانيه، ولايشاركه في شقائه وآماله.

 –

 

عودة للفارابي

ماسبب اهتمامك بالفارابي، وماقيمة انتاجه الفلسفي في مجال الفلسفة الإسلامية من ناحية، وفي الفكر العربي المعاصر من ناحية أخرى؟

محسن مهدي : السبب(التاريخي) هو أن ابن خلدون علمني أن التاريخ جزء من علم السياسة أو الفلسفة السياسية، أو الفلسفة الإنسانية. والفارابي هو بدون شك أهم فيلسوف مسلم كتب في هذا العلم. فأكثر كتبه-عدا الشروح، وحتى بعض الشروح-هي في هذا العلم.

والفلسفة السياسية في الإسلام تبحث في مطلبين أساسيين: فهي تبحث في أصول الحكم وأشكاله (أي أنواع السياسات والدساتير والرئاسات الممكنة في الإجتماع الإنساني، والتي ترتب العلاقة بين طبقات الناس، وبين الحاكم والمحكومين) من جهة، وهي تبحث في علاقة العلم أو الفلسفة بالشريعة أو النواميس من جهة أخرى.

ولما كنت أرى أن المشكلة الرئيسية في الوطن العربي المعاصر هي إحياء ودعم التفكير في هذين المطلبين، وأنه لاخلاص لهذه الأمة إلا إذا نشأت فيها فلسفة سياسية انسانية، وظهر فيها من يفهم مابين الحكمة والشرعية من الإتصال كما قال ابن رشد، انصب اهتمامي على الفارابي لأنه يكاد يكون الوحيد بين الفلاسفة المسلمين، الذي ركز جهوده على هذه الأمور، ولم يكن ابن باجة، وابن رشد، وابن خلدون إلا تلامذه له فيها.

ومما يؤسف له في تاريخ الفلسفة الإسلامية أن ابن سينا ترأس اتجاهات ابتعدت فيه الفلسفة عن الواقع، واقتربت من التصوف. وكانت النتيجة أن عصر النهضة في المشرق العربي افتقر إلى تراث في الفلسفة السياسية ينبني عليه بحثه في أصول الحكم والسياسة، فاتجه نحو علم الكلام، والفقه، والتصوف. وهذه علوم قيمة. لكنها تفتقد الأفق الواسع الذي لايتفتح إلا في الفلسفة السياسية.

ومع أن الفارابي كان معروفا وكان د.ابراهيم مدكور قد نشر كتابا يبين مكانتة في الفلسفة الإسلامية، فإن أغلب كتبه السياسية لم تكن معروفة ولامحققة لذلك رأيت أن أضع الأساس لدراسة فلسفته السياسية بتحقيق مالم يكن قد عرف أو حقق من كتبه، مثل (فلسفة أرسطا طاليس)و(كتاب الملة)و(كتاب الحروف)و(كتاب الألفاظ المستعملة في المنطق). والكتابان الأخيران أظهرا اهتمام الفارابي بمشكلة اللغة وتطورها، وبمشكلة المصطلح العلمي والفلسفسي، وهي مشاكل شغلت الفكر العربي المعاصر، وبدأ يتعرف إلى أهميتها في بناء صرح مستقبله الحضاري.

 

الإهتمام بألف ليلة وليلة

وإذن.. مالذي جعلك تتحول من تحقيق مؤلفات الفارابي إلى تحقيق نص (ألف ليلة وليلة)؟

محسن مهدي : الواقع أنه لم يكن تحولا. بل تزامن العملان. وذلك لأن اهتمامي بالفلسفة السياسية صاحبه اهتمام أوسع بالفكر السياسي عند العرب والمسلمين، وهذا أدى بي إلى الإهتمام بالفكر السياسي عند المؤرخين والفقهاء والمتكلمين، ثم آراء العامة من الناس في السلطة والسلطان والمجتمع. وكنت وما أزال أنظر إلى كتاب (ألف ليلة وليلة) كوثيقة تبين لنا آراء عامة الناس في هذه الأمور.

 

ثم بدأت منذ أوائل النصف الثاني من هذا القرن دراسات جادة لهذا الكتاب تحاول أن تبحث في تركيبه الأدبي، ولغته، ومايعكسه من أحوال اجتماعية، ومن مضمون حضاري، واتجاه أخلاقي. وهذه الدراسات الأسلوبية واللغوية والإجتماعية واجهت صعوبات كبيرة، لأنها تتطلب نصا محققا يعرف زمانه ومكانه، ولم تجد أمامها إلاطبعات ملفقة أخرجت على أساس نسخ خطية متأخرة، فأصبح من المتعذر على الباحث أن يقول شيئا محكما على أساس هذه الطبعات التي لاتشبع إلارغبة العامة من القراء، ولا فائدة منها إلا تسليتهم. فأصبح من الضروري إذن الرجوع إلى النسخ الخطية القديمة، والتعرف إلى شجرتها، وتحقيق أقدم وأصح نسخ منها، ثم المقابلة بين قراءات هذه النسخة والنسخ الأخرى، ثم وصف النسخ الموثوق بها والنسخ المختلفة ليكون الباحث على بينة من أمره عند القيام ببحث جاد أو رسالة جامعية في هذا الكتاب.

 

دستور لنوع خاص من الحكاية

هل يمكن أن تلخص لنا قيمة كتاب (ألف ليلة وليلة)عربيا وعالميا؟

محسن مهدي : إن أهمية الكتاب عربيا تتلخص في الجوانب الآتية: أولا في دراسة تاريخ اللغة العربية، وتاريخ اللهجات، والعلاقة المتبادلة بين الفصحى ولغة الكلام الدارج اليومي. وهذا أمر نحن بأشد الحاجة إليه، وخاصة في العصر الوسيط. ولدينا الآن نسخة من الكتاب من القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) بلغة ذلك العصر يجدر أن نقابل بينها وبين الوثائق والكتب التاريخية والأدبية التي ألفت في عصر دولة المماليك، في مصر والشام. ثانيا في دراسة أسلوب الحكاية المعقدة المؤطرة ولغة الحكايات والمستويات اللغوية المستعملة في سرد مثل هذه الحكاية. ثالثا في التعرف إلى ألفاظ الحضارة الشائعة بين العامة في ذلك العصر. رابعا في دراسة استعمال الشعر غير المعرب ضمن الحكايات. وأخيرا في دراسة النواحي الفكرية والنفسية الخ بين جمهور الناس في ذلك العصر، مما يعني الدراسات التاريخية.

أما القيمة العالمية لكتاب ألف ليلة وليلة، فقد كان هذا الكتاب ومايزال يعتبر دستورا لنوع خاص من الحكاية، هي الحكاية المؤطرة، وكتابا فريدا لما حواه من سعة الخيال والسحر الحلال. ولاشك في أن ترجمة النص المحقق الجديد إلى اللغات الأجنبية سيساهم مساهمة بالغة أثر، كما قال ناشر الكتاب الهولندي(بريل)، في بناء صرح الأدب العالمي، وفي كشف جوانب مهمة من تاريخ الحضارة العربية، واللغة العربية في العصر الوسيط.

 

ماهي أوجه الدراسة التي تراها ممكنة، وخاصة بعد نجاح تحقيق كتاب (ألف ليلة وليلة)في الأدب الشعبي؟

محسن مهدي : في الوطن العربي اهتمام يتزايد كل يوم بمايسمى بالأدب الشعبي والذي أرجوه هو أن يتسع صدر دراسات الأدب الشعبي إلى النظر في التراث الذي وصل إلينا مكتوبا من هذا التراث. فهناك الكثير من كتب أدب القصة التي تجمع بين الفصيح واللهجات والعديد من السير الشعبية. ولا يصح من الوجهة التاريخية واللغوية الإقتصار في دراسة هذه القصص والسير على الطبعات الشعبية التي يتداولها الناس اليوم، بل من الضروري الرجوع إلى أصولها الخطية وتحقيقها تحقيقا علميا نتعرف من خلاله على أقدم النسخ وتطور لغتها وروايتها على مر العصور.

والذي يهمني الآن هو نشر الوعي اللغوي والتاريخي عند دراسة هذ الأدب الشعبي، إذ أنه يقدم لنا الكثير ممانحتاج إلى التعرف عليه من تاريخ اللغة العربية، وتاريخ المجتمع العربي، وتاريخ الحضارة العربية. أما دراسة الأدب الشعبي الشفاهي الموجود اليوم في الوطن العربي فله مناهج معروفة وليست من الأمور التي تهمني إلا عندما توضح مشكلات لغوية وتاريخية.

 

البحث العلمي في الوطن العربي

وأنت تعيش في الولايات المتحدة منذ مدة طويلة، وتتاح لك فرصة زيارة العديد من جامعات أوروبا، ومراكز البحث العلمي بها.. ماهو تقييمك للبحث العلمي في الوطن العربي؟

محسن مهدي : يوجد بدون شك تقدم سريع وجاد في العلوم البحته والعلوم التطبيقية وكذلك في عدد من العلوم الإجتماعية مثل الإقتصاد والإجتماع وعلم النفس، أما فيما يخص التراث الإسلامي فهناك تقدم ملحوظ في دراسات مثل التاريخ الإقتصادي الإسلامي، كما أن هناك إزديادا كبيرا في تحقيق النصوص ونشرها، مع أن معظم المحققين لايؤدون هذا العمل بطريقة علمية، ويجب أن يعاد النظر فيها.

 وفي العلوم الإنسانية، يوجد تسرع إلى حد ما في تطبيق الإتجاهات المعاصرة وخاصة في دراسة الفلسفة الإسلامية والأدب العربي. ولم تتكون بعد مدرسة لها شيء من الإستقلال يمكن أن تسمى بالمدرسة العربية في هذا الصدد. فهناك من يتبع التراث اتباعا كاملا، ودون معرفة عميقة بتطور العلوم في العصر الحديث. وهناك من يتبع آخر الإتجاهات الغربية دون معرفة عميقة بالتراث. والأمل أن يتم الجمع بين هذين الإتجاهين، حتى يؤدي ذلك بالفكر العربي إلى ضرورة تكوين فكر جديد يستلهم من التراث ومن العلم الحديث. وهو في هذا وذاك يقوم على أسس نابعة من البيئة العربية الخالصة، مع فهم الطور التاريخي الذي يمر به الوطن العربي اليوم، واستشراف آفاق جديدة للمستقبل.

 

ما رأيك في عملية المزج بين هذين الإتجاهين اللذين مازلنا نسعى إليهما منذ بداية القرن العشرين، وفي حسباني أننا لم ننجح فيهما حتى الآن؟

 

محسن مهدي : إن المزج في حد ذاته لايؤدي إلى إبداع. كما أن الإبداع لايمكن أن يقنن له الإنسان. ولكن يمكن القول بصورة عامة انه سوف لايكون هناك إبداع في الفكر العربي المعاصر إلا إذا تمكن أحد المفكرين-أو عدد منهم- من الوصول إلى معرفة عميقة للتراث العربي وللفكر الغربي معا. ثم يفهم تاريخ أمته، ومشكلات مجتمعه الحالية، ثم يبدأ بالتفكير في الإتجاه الذي يسير فيه المجتمع حاليا، ويقدم له بديلا علميا يمكن أن يقنعه على السير في إتجاه أفضل.

 

 

 تحرير: عبير العبيداء

error: المحتوى محمي