حوار مع عبد السلام بنعبد العالي: نتف ميثولوجيات – ترجمة: سعيد بوخليط

حوار مع عبد السلام بنعبد العالي: نتف ميثولوجيات – ترجمة: سعيد بوخليط

المترجم: سعيد بوخليط

المترجم: سعيد بوخليط

حاوره: فاطمة أيت موس وادريس كسيكس


تقديم : يمتلك عبد السلام بنعبد العالي مهارة أن يتكلم حِكما مثلما يكتب،تمرين يثيره بشكل خاص.عندما اتصلنا به لإجراء هذه المقابلة،بدأ في إظهار بعض التردد.ولد بنعبد العالي بسلا سنة 1945 ،حيث لازال مقيما،فهذا الرجل المتواضع،والمحتشم،يتملص من فكرة تقديم حوارات.حينما اقتنع بجدوى دعوة هذا اللقاء فاستجاب ،رد علينا : ((أتيت مثل طالب عاد من العطلة،وقد اكتنفه شعور بأنه نسي كل شيء)).يعتني فيلسوفنا بالنسيان الإرادي،وفق صورة هذا الأسلوب الذي يذكرنا بأن الثقافة،هي ما يتبقى لنا بعد نسيان كل شيء.

منذ الوهلة الأولى،يمكن أن يحدث لديكم الانطباع حين قراءة مؤلفاته،أنه ينجز شذرات، كتابات مكثفة،إلى حد ما على منوال رولان بارت،محلقا من إشكاليات في غاية الجدة كالابستمولوجيا،الترجمة وفكر الآخر،نحو موضوعات أخرى تبدو بلا قيمة،مثل مباراة في كرة القدم،أو خبر قضائي أو مواقع التواصل الاجتماعي.

حقيقة، ينتمي عبد السلام بنعبد العالي،إلى تلك الأقلية من الفلاسفة المنشقين،الذين تخلصوا من الدوكسا والايديولوجيا،وقد اتجه اهتمامهم بأناة،إلى عناصر التفاصيل المستلهمة للأدب وكذا اليومي،ثم تفكيك مجتمع الفرجة.ثم باعتباره نيتشويا ،اتجه اهتمامه متفانيا ووجد سعادة في تعرية الأفكار المبتذلة.يكتب، موصولا على نحو دؤوب منذ سنوات بمجلات (أقلام، فكر ونقد) والجرائد (الحياة) ،فهذا المفكر والكاتب باللغة العربية،المزدوج الثقافة،لايتوقف عن محاورة نظرائه ،بنصوص تتوسط.

يتواجد عبد السلام بنعبد العالي باستمرار بين مواقع القارئ والمترجم وكذا الفيلسوف.هذه الرشاقة تأتت له من تكوين مزدوج في الرياضيات ومؤرخ للفلسفة،قدر مصاحبته الطويلة لموروثات تتعلق بكتابات مقدسة،يرتحل بينها بيسر وله طريقة متفردة كليا للتمكن منها. في ذات الآن،أدرك كيفية مراعاة هاجس تبليغها.مما خول له اليوم نتاجا غزيرا قارب ثماني عشرة كتابا،صدرت جميعها بفضل دعم صديقه الشاعر محمد بنيس،مشعا بالتالي بفكره أبعد من الدوائر المطَّلِعة.

 

*لماذا الفلسفة ؟

س-تماثلون الفلسفة بانتشاء معرفي يحصن ضد الأفكار التي نتلقاها وتجسد نمط حياة.هل تتوخون إبداعا ثانيا الحكمة؟

ج-لقد استحضر جيل دولوز نوعا من تاريخ الفكر وكذا ”اللافكر” الذي اختزله إلى ثلاثة مراحل أساسية :في البداية،اتجه هاجس المعرفة والفلسفة نحو الهم الابستمولوجي قصد التصدي للخطأ،العدو الكبير.أيضا هل كان الفكر فقط محتاجا كي يتسلح بمنهجية من أجل مواجهة الخطأ.ابتداء من القرن التاسع عشر تحديدا،ظهر اللاوعي،فاتضح عدم خضوع كل شيء للمراقبة ،بالتالي لايكفي مجرد التسلح بمنهجية،فالعدو هذه المرة،ليس الخطأ،بل الوهم. توجه الفكر إذن نحو ما سمي بالصراع ضد الأوهام ونقد الايديولوجيا .أما اللحظة الثالثة فيمكنها وسمها بنيتشه الذي دعا إلى التفكير ضد البلاهة و” تقويض البلاهة”.أحس قريبا قليلا من هذه السلالة الأخيرة،وإذا أردت اختزال كل ماقمت به،أقول بأني أحاول تعريف ماهية”مجتمع الفرجة ”(بالإحالة على جي ديبور(1933-1994)صاحب : كتاب مجتمع الفرجة، باريس،1967).ربما يشكل هذا موضوعي الأساسي.أعتقد بأنه ليس ممكنا إعطاء ذلك تعريف سوى عبر مقاربات متنوعة تحاول ضبط مختلف أشكال إنتاج اللامعنى في مجتمعنا.لاينبغي أن نفهم من خلالها أن الفلسفة ستكون اكتشافا ثانيا للحكمة القديمة،إلا إذا قصدنا على الأقل بالحكمة هذا الصراع اللانهائي ضد البلاهة.

 

س- تقارنون الفلسفة بالايديولوجيا مع التأكيد على أن الأخيرة توحد بينما الأولى تفرق وتخلق المفارقات.أهذه طريقتكم لتعريف الفلسفة؟

ج-تاريخيا،عُرفت الفلسفة دائما بآخَرِها :البراكسيس أو الايديولوجيا،حسب العصور.خلال لحظة معينة،كان العمل الفلسفي بالضرورة عملا نقديا،ولا نتحدث عن التفكيك. إنه كل القرن التاسع عشرة،إلى حد تقريبا أن مختلف  الأعمال الفلسفية التي ظهرت خلال تلك الحقبة حملت اسم نقد (نقد كانط،نقد ماركس،إلخ).باختصار،هيمنت كلمة نقد.أما اليوم،فالكلمة المتسيدة هي تفكيك. لقد تبنيت هذا المفهوم لأني لاحظت بأن نظرائي أقصد الأساتذة المهتمين بالتراث وكذا العلاقة مع الأخر،توقفت عند البناء الإيديولوجي،ثم تشكيل نسق يعيد تعريف التراث و بناء ثان للعلاقة مع الآخر.بالنسبة إلي،كل هذا يندرج ضمن ميكانيزم إيديولوجي،وبنائي. والحال كذلك،فقد كان نيتشه صائبا،فأكبر عدو للفلسفة يتمثل في المبادرة إلى خلق وحدات. إذن،إذا كانت الايديولوجيا خلقا للوحدات- يقول لوي ألتوسير بأنها اسمنت المجتمع بحيث توحد وتخفي التناقضات- سيرتكز العمل الفلسفي على إبراز فجوات/تصدعات داخل هذه الوحدة الوهمية.ثم بينما تندرج الايديولوجيا ضمن التناهي،فلانهائية الفكر تمثل إحدى السمات الأساسية للفكر المعاصر.مثلما قال مارتن هيدغر،لا يقود طريق عمل الفكر إلى درب ما.هذا انفتاح جوهري بالنسبة للفكر المعاصر.

 

س-يعتبر بالنسبة إليكم،التحاور في الفلسفة بمثابة خلق لتسوية حول التساؤلات،وليس توافقا حول الأجوبة. من أي ناحية،يمثل الحوار بالنسبة إليكم حاسما في الفعل الفلسفي؟

ج-أستعمل الحوار حسب معنى جد خاص.مايهمني،الحوار خاصة مع الذات.لأننا في المعتاد،ننسى الذات ثم نتجه نحو الحوار مع الآخر.إذن بالنسبة إلي، يمثل أولا كل حوار انفصالا عن ذاتي.أخيرا،التفكيك هو ردة فعل،وبالفعل لانتوقف عن مباشرة تفكيك ذاتي. إنه خلق لخلل مع الذات الذي يعتبر أساسيا.إذن بالتأكيد،الحوار مع الآخر،لكنه خاصة مع الذات.

 

س-من أي ناحية يشكل هذا الحوار مع الذات محددا بخصوص الفعل الفلسفي؟

ج-لأن الفلسفة عدو كبير للبداهات.حينما أراد ديكارت تعريف البداهة،عمد إلى مفهوم الوحدة،الذي سماه ب :البساطة.هي الوضعية التي ينعدم معها كل مسلك يفصل  فعل التفكير عن الفكر. في المقابل، الفلسفة المعاصرة  لاديكارتية بالضرورة،وبداهاتها بمثابة نتاج،كما قال غاستون باشلار.تقتضي إذن،مسارا،وانعطافات وقطائع.سيكون بالتالي عمل الفكر عملا للتباعد،والانفصال والقطيعة وفق معنى اللاتناهي الذي تحدثت عنه من قبل.

 

س-تنتسبون إلى جماعة صغيرة من “الناجين”بعد تصفية الحساب مع الفلسفة في التعليم العالي.هل تشعرون بأنكم وحيدا؟

ج-سيكون الجواب بالأحرى مربكا.سأدلي لكم بمعاينة ولكم أن تستخلصوا منها ماتريدون.أساسا قرائي أدبيين،إن لازال بالإمكان القيام بتمييز بين الفلاسفة وكذا هواة الأدب. لذلك تشكل بامتياز أسئلة الكتابة وقضية المعنى مجال اهتمامي مقارنة مع الباقي.أتدرون،ليست لدي ثقافة فلسفية كلاسيكية حسب المعنى المتفق عليه.مثلا لم يسبق لي قط أن أطرت أو تبنيت أطروحة،سوى في حالات استثنائية. مادمت لاأشعر بامتلاكي القدرة على توجيه عمل مرتب.ليست فوضى من جانبي،بل يتعلق الأمر بإيقاع مختلف.بحيث أخاف جراء ذلك عودة إلى الانتظام ،وهذا العمل الموحِّد الذي يجرك نحو الأكاديمي،أي مايماثل في نظري شروعا لموت الفكر.عموما،ألاحظ بأن الفلسفة تشغل حيزا صغير على امتداد مجموع العالم العربي : بل في كثير من الأحيان لاتدرس في الثانويات،ثم بالكاد تلقن في جامعات بعض البلدان،وعند أخرى تسمى بمسميات ثانية،كالسوسيولوجيا مثلا.هذا ما أسميه بفزّاعة الفلسفة في البلدان العربية !لانتشالها من هذه العزلة،يمكن حسب ظني العمل على تدريسها من خلال حقول  الأدب،التاريخ، العلوم السياسية،وبالتأكيد مجالات أخرى.هذا تحديدا المكان الذي تشغله حاليا الفلسفة المعاصرة :بحيث تقتبس دروبا ملتوية.عندنا،ماأسسه أستاذ الفلسفة،هدم من طرف باقي زملائه.آنيا،أسهل طريق صوب الفلسفة يكمن في الولوج عبر النوافذ.لأنه أساسا،تعتبر أسئلة الأدب،الكتابة والترجمة أسئلة للفلسفة،ليس بمعنى أن الفلسفة هي الوحيدة القادرة  على تقديم رأيها حول هذه المجالات،لكن عندما يتعلق الأمر بأمكنة تنتقل الفلسفة من خلالها.

 

*اللغة، الكتابة وبناء الفكر :

س- يبدو أنكم تفكرون باليد مثل الياباني هاروكي موراكامي،الكاتب وعداء سباق الماراتون،الذي يفكر بالأرجل.لماذا، يبنى الفكر لديكم، وأنتم تكتبون؟

ج-تقريبا هذا ما أكده نيتشه : ((عندما أريد أن أستريح أتناول كتابا)).العمل الذهني هو أولا بمثابة عمل يدوي،أو على الأقل يجمع بين اليد والدماغ.صيغة جواب لحظي عن اهتزازات الحياة المعاصرة.هناك ارتدادات مضيئة وارتجاجات رنانة تقتضي من هذا العمل الإجابة عنها.لذلك توجهت صوب منبر الجريدة.تقريبا كل كتاباتي نشرت على صفحات جريدة الحياة منذ سنوات1992-1993 .ولإصدار مؤلفاتي،اقتضى الوضع ربما،العثور على شخص مجنون شيئا ما،مثل محمد بنيس (مطبوعات توبقال) ،كي يقبل نشر مؤلفاتي،لأن ذلك بمثابة مجازفة.فالمبادرة إلى تضمين كتاب واحد مقالات ظهرت في الصحافة،وأنا أقفز من ألتوسير إلى هيدغر،مرورا بالفارابي،يعتبر صعبا إلى حد ما بالنسبة للقارئ.في العمق،وجدتني بين طيات هذا النوع من التشتت إلى درجة صار مستعصيا علي جدا التحول نحو إنجاز عمل أكاديمي.أحس بذاتي بين ثنايا الكتابة المقتضبة.أعتقد بأن مقالات من هذا الصنف والمكثفة أكثر أهمية من نصوص طويلة مع استشهادات  بكتاب كلاسيكيين،إلخ.أشعر بموت لكل مايعتبر أكاديميا،تعريفيا.

 

س-الكتابة بالنسبة إليكم تساؤل دائم حول  دور الموروث والكتابة نفسها.هذا الموروث استفسر ثانية كي ينبعث بكيفية مختلفة؟

ج- بالتأكيد. حمولة الفكر المعاصر الأكثر أهمية مثلما أشار جاك ديريدا  هو جعلنا نتحقق بأن كل شيء قد قيل.هكذا يشعر من يكتبون حاليا. لكن موريس بلانشو يطمئننا،بأن هذا ربما يقال بكيفية مختلفة،وعلينا بحسبه الوصول مرة ثانية إلى قول ماقيل للمرة الأولى. تحدث ديريدا  عن مفهوم (iterum) ،أي ما يعني مرة ثانية بحيث يشكل التكرار  فرصة  حينما يتكرر بإضافة شيء ثان،إنه الانفتاح على الآخر،بما في ذلك آخر تفكيري. التعريف المعاصر للتكرار،هو تكرار منتج.لقد تكلم دولوز عن “تمديد النص”. تستهويني كثيرا كلمة تمديد،مما يعني استمرار الوفاء إلى فكر بخيانته.إذن كل قطيعة هي تمديد.التمديد بالتفكيك،ليس ضمن معنى أن تضيف.

 

س-تستحضرون مفهومان :سوق اللغات ثم اللغات كقيم اجتماعية.أين تموضعون تعلم اللغات ضمن هذا التمثيل (العربية الفرنسية والأمازيغية)؟

ج-على مستوى التدريس،أعتقد بأن الحل بالنسبة للغة في العالم العربي يعتبر حلا مزدوج اللغة، شريطة أن يكون في نطاق التعددية الحقيقية.لقد تكلم دولوز عن ذلك حينما استحضر ازدواجية اللغة،بمعنى أن التعددية لاتساوي قط العديد من أحاديات اللغة،وإضافة وحدات،بل تفكيك واحدية اللغة كوحدة. إن فكرة كون التعددية بمثابة تفكيك للواحدية وليس مجرد إضافة لها،طورها الانجليز. وقد اكتشفها دولوز منذ فترة بعيدة لدى هيوم، بفضل أستاذه جان وول.هذا الأخير،كان أحد الفلاسفة الفرنسيين الأكثر اهتماما بالفكر الانجليزي.نتكلم غالبا في الفكر العربي،عن التعدد والاختلاف،بضمهما،بينما هما مفهومان في الفكر المعاصر، ينبعثان من أصول مختلفة.إذا كان مفهوم التعدد قد وضعه الانجليز(هيوم) ،فمفهوم الاختلاف يعود إلى الألمان،على الأقل حسب معناه الحالي.

س –بناء نص، بالنسبة إليكم،يمر كذلك من خلال تهجين للغات. وفق أي مستوى يضمن مزيج السجلات وكذا المرجعيات حداثة الكتابة؟

جأقول بأن قدرنا ازدواجية اللغة. بالفعل،حينما ننفتح على لغة ثانية ومن ثمة ثقافة أخرى،يمثل ذلك فعل عرض يجعلنا واعين بحدود لغتنا (المفهومية، البلاغية…)وبين طيات  ذلك،حدودنا الخاصة.هكذا فكل ازدواجية للغة بمثابة إثراء من الناحية التعريفية.نقول مع المفهوم الكلاسيكي للترجمة، بأنه إذا ترجم الكاتب بنفسه عمله، سيكون النص المنجز أفضل !لا، المترجم، وقد واجه لغتين،يعري الواحدة حيال الثانية، ليس حسب المعنى الأخلاقي للكشف،بل الاكتشاف.يحدث معي أحيانا أن أعنون نصوصي بالفرنسية،بينما المتن النصي بالعربية.لدي نص بالعربية عنوانه :  ca dialogue،تلك طريقتي لتجريب كتابة أخرى.

 

* ترجمة وتجاوز للأصل :

س-بالنسبة إليكم،تلقي نص أو فكرة ليس إعادة إنتاج لنفس النص لكنه يمثل إنتاجا جديدا. من أين تأتت لكم هذه القناعة؟

ج-يظهر لي بأن ميشيل فوكو اختزل هذا السؤال في نص حول نيتشه، شارك به في ندوة ”رويومون”،عندما  قال بأن الحداثة في التأويل المعاصر تتأتى من لانهائية وكون ”العلامة ليست طيبة”(الطيبوبة بمعناها المسيحي).تكلم هيجل عن مكر التاريخ و فوكو عن ”دهاء العلامة”.إنه تقريبا التعريف الحديث للعلامة،في نطاق كونها مراوغة – ذاتيا،ولاتكشف عن نفسها كلية.في هذه الحالة، كل قراءة نص بمثابة تأويل،فلا يمكننا سوى أن نؤول ثانية،وأن نقرأ ثانية.القراءة الثانية بالنسبة إلى فوكو ليست اكتشافا ثانيا.إنها قدر،كل قراءة.

 

س-الترجمة،مثلما تعرضون لها،ليست نسخة باهتة للأصل.لكنها باعثة لحياة جديدة،للنص مثلما لثقافته.هل يمكن للترجمة باعتبارها تجاوزا للأصل الذهاب غاية اللانهائي؟

ج-يلزمني توضيح ضمن أي نطاق سأهتم بالترجمة ولماذا الفلسفة الحديثة،من الرومانسيين الألمان غاية ديريدا،مرورا بهيدغر،والتر بنيامن وبلانشو،شكلت لها اهتماما معينا.لا تندرج كتاباتي حول الترجمة ضمن البحث عن نظرية أخرى للترجمة،مثلما أنها لا تتوخى إعطاء مفهوم فلسفي للترجمة.بالنسبة إلي، الترجمة مناسبة جميلة من أجل تقويض العديد من المفاهيم- المفاتيح للفكر الحديث،مثل النموذج،والأصل،لنقول كل ميتافيزيقا التصور.إذا اعتبرنا،مثل نيتشه،أن الأفلاطونية بنية للميتافيزيقا،فمجال الترجمة يشكل مجالا مثاليا لهذه الممارسة.يمكننا البحث في المفاهيم الكبرى للفكر الحديث عبر أسئلة شعرية ولسانية.وهذا مالا يريد نظرائي تناوله.لاصلة للفلسفة مع الصخب وكذا الضجيج.لقد سبق لي أن كتبت بأن الترجمة مرتبطة عميقا بالفلسفة،مثل السينما مع سؤال السيمولاكر،بما أن خلق المعنى يرتكز على هذه الفكرة المتعلقة بالنموذج والسيمولاكر .أن ينظر إليها،على هذا النحو،فالترجمة باب أساسي في الفكر الحديث،ونافذة مهمة.

 

س-مايهمكم في الترجمة،ليس الأصل لكن النسخة،تلقي العمل من طرف المترجم ومافعل به،وليس ماكان.

ج-بهذا الخصوص نحت دولوز تعبيرا جميلا، بقوله: يلهم الثاني الأول.هذه الفكرة الجوهرية في الفكر الحديث،تسمى بالجينيالوجيا،صيغة للتاريخ وقد استعمله باشلار حينما تكلم عن الحاضر الذي يضيء الماضي.حسب هذا المعنى،بوسعي اليوم التكلم عن غاليلي أفضل مما يمكنه التكلم عن نفسه،لأنه تشكلت وتراكمت حمولة كاملة من تاريخ العلوم ،التي تمكننا ليس أن ندعي أهمية غاليلي ولكن حدوده.هذا تحديدا مافعله عبد الله العروي بخصوص ابن خلدون،بين طيات عمله الرائع مفهوم العقل.بوسع الفكر الراهن إضاءة الماضي.في هذا التعريف للجنيالوجيا،تمنح المشتقات قيمتها إلى الأصل.وبناء على هذا المعنى يساعد النص المُتَرجم القارئ كي يعري النص الأصلي.يلغي قداسته وكذا المفهوم الأخلاقي.النص المُترجم،مثلما قلنا،يلزمه كي يكون وفيا أن يخون شيئا ما النص الأصلي. أو لنستعير لغة أخرى غير أخلاقية،نقول ينبغي له الابتعاد عن الأصل،كي يقترب منه.

 

س-تعملون على تقييم الأثر الحاسم للفلسفة الألمانية قياسا لشقيقتها الصغرى الفرنسية،من خلال الترجمة. ولكونكم مترجما،هل تعتقدون بأن الترجمات التي تمت من الفكر المعاصر كان لها بعض التأثير على العالم العربي؟

ج-نعم، بالتأكيد.لقد أنجزت نوعا من الجرد ،لشعرائنا الكبار منذ بدر شاكر السياب غاية أدونيس،ثم مايقتضيه واجب ودين هؤلاء حيال القصيدة الحديثة وكذا ترجمتها.حتما،تسمح الترجمة بخلخلة الكتابة وكذا مفهوم القصيدة.نفس الشيء يستساغ بالنسبة إلى الفكر.لكن شح ما تمت ترجمته يعتبر مقلقا.ستلاحظون في ترجماتي للفكر المعاصر، أني أقصد نصوصا مقتضبة لاتبدو للوهلة الأولى بأنها مهمة.أستحضر مثال بارت :حاول بعض زملائي ترجمة جانبا من أعماله دون الاهتمام بتلقيها في السوق الثقافي العربي.والحال،أنها نصوص تحيل على كلاسيكيات الأدب الفرنسي مثل بلزاك وغوستاف فلوبير . نفس الشيء بالنسبة لميشيل فوكو وعمله الكلمات والأشياء،الذي زعزع الفكر الغربي في مختلف مجالاته.ليس أن يكون العمل صعبا،لكن طرحه على ذلك النحو، في السوق الثقافي للعالم العربي،سيجعله خارج التناول ،وإن ترجم، فلا شخص سيقرؤه،وحتى إذا أمكن شخص قراءته،فلن يفهمه تماما.إشكالية من هذا القبيل طرحتها على نفسي حينما اتجه تفكيري نحو ترجمة بارت. بدأت إذن بترجمة نصوص نظرية لا تحيل على المتن الأدبي الغربي.أيضا التفتت إلى عمل بارت المعنون ب :  le bruissement de la langue،ثم درس كوليج دو فرانس،لأنه ذاك ما بدا لي جديرا بالاستلهام .لا ترتكز الترجمة على تقديم نص ثم إخضاعه لموازنة السوق.يتعلق الأمر بالأحرى بتناول الممكنات.مثلا،لا يمكننا حقا اليوم ترجمة ديريدا :بل اللغة العربية لاتستوعب كتابته.يتمثل الحل في الذهاب رويدا مع النص الغربي،مثل طاجين ساخن نقترب منه عبر جوانبه. بمعنى ثان،البقاء منتبهين نحو ما يمكن التسليم به،يقرأ ويفهم.يعتبر اختيار النصوص جوهريا.صعوبة الترجمة ليست لغوية،لكنها ثقافية،وجراء ذلك يتعذر ترجمة مجموعة من النصوص.

 

* أفكار الآخرين وأفكار أخرى :

س-لقد أقمتم حوارا فلسفيا مع بعض المثقفين المغاربة :فكر الآخر،مثلما يراه الخطيبي،الصلة بالأدب مع كيليطو وكذا المجلات مع إبراهيم بوعلو،ثم العلاقة مع التراث الإسلامي عبر الجابري،والتاريخانية عند العروي.ماذا أحدث هذا التبادل في فكركم؟

ج- سأبدأ بعبد الفتاح كيليطو مادام التفاعل معه قد فتح  ذهني على أشكال أخرى من الممارسات الفكرية.انطلق حوارنا منذ ترجمتي لبارت،بمقدمة له.وحين أصدر عمله : الأدب والغرابة(دار الطليعة 1982) ،كنت فيما أظن،الأول الذي أنجز عرضا حوله.خلال تلك الحقبة،لم نكن نعرف بعضنا البعض كثيرا. فيما بعد،ترجمتي ل كتابه :  l auteur et ses doubles ،تمت انطلاقا من المسودة،وكذلك عمله : je parle toutes les langues بالتأكيد كانت مساهمته ضرورية من أجل مساعدتي كي أنفتح على صيغ أخرى للكتابة.أما بخصوص علاقتي مع عبد الكبير الخطيبي، فتميزت بكونها خاصة جدا.من واجبي الإقرار، بما يلي :لقد اطلعت على الأدب الحديث في مكتبته. أولى الأعمال الفلسفية المعاصرة التي قرأتها،واكتشفتها عنده،تتعلق بنصوص ديريدا ونيتشه وبلانشو.لم أكن على علاقة كبيرة معه. بداية،أتى لرؤيتي في كلية الآداب واستضافني إلى مقهى.خلال تلك الحقبة،عاد حديثا من فرنسا،وكان في قمته،وصاحب أثر بعد إصداره ل :الذاكرة الموشومة.أراد معرفة وجهة نظري بخصوص ترجمة :   (vomito blanco : le sionisme et la conscience malheureuse)   امتطيت دراجتي النارية وذهبت عنده إلى هرهورة كي أقرأ معه ثانية الكتاب وأطرح عليه أسئلة تتعلق بالترجمة.عموما،ترجمت العمل أخيرا وتوطدت علاقاتنا. فيما بعد، التمس  مني أن أجري معه حوارا يخصص للعدد الأول من مجلة الكرمل.ذلك ما تم فعلا،وصدر في العدد الثاني.أما عن إبراهيم بوعلو،وعلاوة على صداقة عميقة وعلاقة أسروية،فبفضله وكذا العديد من أمثاله، بدأت أصدر،بحيث ظهرت أولى مقالاتي في مجلة أقلام (صدر العدد الأول سنة1964).ثم لما أسس بجانب محمد عابد الجابري مجلة فكر ونقد سنة 1997،كنت ضمن هيئة التحرير.لم تكن فقط بالنسبة إلينا منبرا للنشر،بل أيضا مختبرا للكتابة،ومدرسة للتكوين.لاننسى بأن العديد من كتاب العربية بدؤوا مسارهم مع النشر في أعدادها الأولى.أما عن أستاذي عبد الله العروي ومحمد عابد الجابري،فقد تبلور معهما تفاعل ناجع لكن بمعنى ابتعاد التلميذ عن أستاذه.نستشهد غالبا وفق اللغة الخاصة بالفلسفة بأرسطو الذي قال :((أحب أفلاطون ،ولكني أحب الحقيقة أكثر)).يمكنني القول بأن الأمر يتعلق بأشكال من تباين الآراء مع اللذين أضمر لهما احتراما عميقا.ارتكزت  اختلافاتي مع عبد الله العروي حول مفهومه للفكر الحديث(مفهوم هيغيلي للتاريخ)وكذا الحالات القليلة التي خصصها لمساهمة الفلسفة.من جهة أخرى،أنظر بتقدير،إلى كونه ساهم أخيرا في تجاوز تقليد خطير في العالم العربي،يتمثل في النظر إلى الترجمة باستخفاف،كأنها مجرد عمل ثانوي يقوم به الطلبة،فانكب وقد بلغ سنا معينا،على ترجمة مفكرين كبار مثل روسو ومونتسكيو.أما محمد عابد الجابري الذي أحببته كشخص، فهو رجل طيب، لكن حدثت بيننا العديد من الاختلافات.حينما هيأت أطروحتي عن الفارابي تحت إشرافه،وقد أصدر وقتها عمله الشهير :نحن والتراث،تجلى اختلاف جوهري معه، ضمن نطاق كونه نظر إلى الفارابي بمثابة جان جاك روسو العالم الإسلامي،وأنا بالأحرى اعتبرته مثيلا لدينا للقديس أوغسطين.بل عنونت الفصل الأخير من أطروحتي ب”حاضرة الله”.في العمق،جعلنا الجابري جريئين بخصوص علاقتنا مع التراث. عشنا نحن كتاب العربية،علاقة خاصة مع التراث مثل علاقة الفقير بالبورجوازي.فقد تعذر الوصول إلى النصوص (في فرنسا،تركيا،إلخ)غير أن الجابري جعل الأمر متاحا للجميع.في الكتاب الصغير،الذي كتبته عنه،من خلال عنوان دال :سياسة التراث(توبقال 2011) ،تكلمت عن ماسميته بتأثير الجابري.لكن مداه يكمن ربما في إزالته لصفة القداسة عن النص،وليس المعنى.مسألة إيجابية في حد ذاتها.

 

س-تتأرجحون من خلال حواراتكم،مع الفكر الفرنسي،بين الذين مددوا بكيفية نقدية دوكسا ماركس (بورديو،غولدمان،ألتوسير) ،ثم الذين عادوا إلى الإطار النيتشوي(دولوز، ديريدا، فوكو).هل سيكون هذا البين- بين طريقتكم من أجل إرشادنا صوب ما تتموضعون عنده؟

ج-عندما أردت تسجيل أطروحتي حول أسس الفكر المعاصر،اقترح علي الجابري الاشتغال على مفكر واحد،كما فعلت مع الفارابي.ونتيجة اختلافي مع الجابري،الذي توخى مني البقاء ضمن سياق الفكر الإسلامي،ألزمني هذا الوضع الانتظار لمدة إحدى عشرة سنة بعد عملي على الفيلسوف الإسلامي قبل إنجاز مشروعي.بداية اقترحت تناول كتاب أحد المفكرين المعاصرين كُتب بالفرنسية ثم أترجمه إلى العربية،مع العلم أن كل مافعله الأوروبيون،نجحوا في ذلك بشكل أفضل منا لأنهم نفذوا إلى النصوص التأسيسية.لكن اتجه هدفي الجوهري نحو القيام بنوع من التركيب.لاأبحث على التعمق في تاريخ الفلسفة الفرنسية كي أتبين مضمون مقدمات ألتوسير بالنسبة إلى فوكو أو أيضا تأثير الواحد على الثاني.لكن بالأحرى أنا منتبه إلى كونهما يشكلان عائلة أو شبكة للتفكير.هو  شيء يسود أجواء الغرب أغناه العديد من المفكرين الذين، حسب التعبير الهيدغيري :”يقولون نفس الشيء”. هذا ماكان يهمني، فحاولت توضيحه من خلال أطروحتي عن أسس الفكر الفلسفي المعاصر.لايتعلق الأمر قط بأشياء مشتركة، لكن بِرهان للفكر.ليس أن يكون هؤلاء المفكرين متماثلين،بل يخدم اختلافهم نفس الشيء الذي يلزم إبرازه.بالتالي،اتجه اهتمامي،صوب التحولات التي أحدثتها تلك الشبكة  ثم طريقة تناول أسئلة مهمة أثارتها هذه التحولات :الكتابة، الترجمة، المفاهيم الفلسفية الكبرى،علاقة الفلسفة مع التاريخ،علاقة الرياضيات مع الفكر،سؤال الزمان… عرفت هذه الإشكاليات الكبرى تطورات ثم هناك حمولة إبستمولوجية،شعرية، لسانية، سوسيولوجية، وأنثروبولوجية.

 

س-وظفتم ثانية مفهوما الجذمور لدولوز.هل سيكون أيضا أكثر قوة من مفهوم الشبكة؟

ج-نعم بالتأكيد. لأن مفهوم الشبكة،لاسيما مع توظيفه المعلوماتي الحالي أصابه الإسفاف.في لغة التشجُّر ،فالجذمور بمثابة حلقة تصعد وتتألف من تفرعات،كالزنجبيل مثلا. تفرعات لامنطق ولامعنى لها،ولا تذهب نحو أعلى أو أدنى.هذا الشكل للتشعب الاحتمالي  يقابل الجذمور مع الشجرة،حيث يقتضي تجذرها والأغصان ثم وجهتها نحو الأعلى، عمودية،وهو أمر يستدعي النسق، والنظام و الذي استدعيته أعلاه.

 

*تشظية،تفكيك وحداثة

س-تكتبون مقاطع مكثفة. ماذا يمنعكم من أن تكونوا مثل أحد فلاسفتكم المفضلين،أي نيتشه ضمنيا؟

ج-لأن الحكمة صعبة.لم أدعو قط أنني أكتب شذرات، بالمعنى الكلاسيكي،مثل سيوران أو نيتشه.الشذرة ليست طريقة في الكتابة،بل مفهوما للوجود.من الصعب جدا،يمكن القول أني آثرت التكثيف والنزوع نحو التشظية،لكن الشذرة بمثابة الجنون تقريبا.فلا يمكن أن يكتب بالشذرة سوى نيتشه أو آخرين لايستندون على أي شيء،مادام كل شيء بالنسبة إليهم تشظيا. ولأن الكائن يتشظى يغدو الشيء صعبا.بالتالي ليست كل كتابة متقطعة، متشظية.يقول البعض مثلا بأن كتابة باسكال أو هيراقليطس متشظية، لكن لاعلاقة لهذا بالأمر.أما ظهور الشذرة الحقيقية فيعود إلى القرن التاسع عشر.لقد كتب الفارابي وكذلك ابن سينا نصوصا شذرية لكنها تشظية خيالية/ افتراضية، بحيث امتلكا في العمق مفهوما للوجود متينا جدا.بينما لا يوجد بالنسبة للشذراتيين، تراص كوني، ولا يتعلق الأمر قط بسؤال وثاق فكري، بل يتموقع هذا على المستوى الأنطولوجي وتصبح الكتابة شكلا ضمن أخرى.يبقى بارت أفضل شذراتي،لاسيما مع عمله :”بارت بقلم بارت”.شيء متداول جدا وقد اعتدنا على الاستشهاد بالشذرات مثل حِكم /أقول مأثورة.لكنها بالأحرى مختبرا للفكر،من هنا الكتابة باليد الذي تكلمنا عنه منذ قليل.بالتالي،ليست تبلُّرا.تقديم كتاب”الاسم العربي الجريح “،الذي أعتبره مثل أفضل كتاب للخطيبي،تحدث من خلاله  المؤلف عن هذا النص المتبلّر،مما يحيل على تبلّر الكائن.

 

ستميزون نقد التفكيك،مع التأكيد على انتفاء الاحتفاظ بالحقيقة في الوضعية الثانية.إذا لم ينصب الاهتمام على الحقيقة،فماذا سيكون محرك وقصدية التفكيك؟هل يتعلق الأمر بمجرد متعة؟

ج-تكمن نقطة الانطلاق في القول بأن هناك الكثير من الحقائق.يعتبر الفكر الكلاسيكي الحقيقة نتيجة لسيرورة، ونهاية مسار وخطاب.أما الفكر الحديث فينظر إلى الحقيقة كنقطة انطلاق.في الواقع،لا توجد سوى حقائق.يعيش الكائن حقائق أو حسب تعبير نيتشه،ينتعش بالحقائق.يأتي التفكيك كي يُفرغ تقريبا.العمل الذهني بمثابة عمل للتفريغ وليس البناء.يؤكد بلانشو بأن تفكر،يعني اعتيادك على أن تفكر أقل. إنه كبح. الذين يصفون خطأ،ديريدا بالعدمي ،ينسون أن الحقيقة بالنسبة إليه حاضرة، وازنة، متعددة، ولا نتوقف عن استهلاكها من خلال أشكال مختلفة(المدرسة، الإعلام، الصورة). لقد وظف نيتشه تعبيرا جميلا بخصوص الشكيين،حينما قال بأن الجميع يؤمن بالحقيقة،ومن ضمنهم الشكيين.يذهب الأفق المعاصر أبعد من الشكية،بحيث لايتموضع ضمن ثنائية خطأ/حقيقة.يكمن القصد في الانفلات من البلاهة،على حد قول دولوز.آنفا،تكلمنا عن تحرير الفكر،لكن مفهوما من هذا القبيل يعتبر فضفاضا،بحيث يعني الانفلات من البلاهة،تجاوز نوع  من الامتثالية con-formisme،والتي أكتبها غالبا مفصولة بعلامة وصل قصد الدلالة على انصهار أشكال موروثة ومعطاة.أما إن كانت من متعة فكرية اليوم،فالأمر يتعلق بهذا.

 

س-تقتضي الحداثة بالنسبة إليكم قبولا بحدود العقلانية والعلم.هل هي خيبة أمل أو قناعة من جانبكم؟

ج-حدود العقلانية والعلم ليست بحدود لما يمكن معرفته.كل شيء ممكن،العلم منفتح.أفهم بحدود العلم،مايلي :”العلم لايفكر قط”.لقد انتميت إلى كلية الآداب سنة 1976،وأصدرت بالتعاون مع زميلي سالم يفوت كتاب :”درس في الابستمولوجيا”.شكل ألتوسير النموذج المهيمن وقتها وفكرته المتعلقة بالانفتاح على تاريخ العلوم. اعتُبرت معرفة التاريخ وتطور المعارف مفتاحا من أجل فهم الفكر المعاصر. لكن تمت البرهنة على العكس.فالدعاية الكبيرة التي قام بها ألتوسير لصالح غاستون باشلار لم تعط ثمارها.بالتأكيد،قاد هذا إلى إعادة النظر في الدوغماطيقية الماركسية،وإلغاء صفة القداسة عن النص الماركسي،ثم وجود تأويلات وكذا إمكانية إعادة تقديم قراءة خارج إطار الحزب الشيوعي.إسهامه يقيني على نحو ثنائي :حينما أبرز إمكانية القيام بالماركسية دون إيديولوجية،ثم تصور تعريف آخر للتاريخ .مع الوقت،تأكد بأن موقع العلم في العالم العربي لا يمكنه توطيد ثقافة،عكس ما يجري في مكان آخر،فلا نمتلك عقلانية مادية ضمن الممارسة،بل عقلانية مجردة.لقد تأكد إذن بأن نقد العلم لا يسوغ سواء العثور على مسلك في عصرنا ولا تمثل اهتزازات الحياة المعاصرة.إجمالا،تاريخ العلوم لا يمدنا بأدوات تمكننا من الإحاطة بمفاتيح الفكر المعاصر.تلك قناعة بالنسبة إلي.

 

* الجوهري ثم ما لا قيمة له:

س-مقابلة في كرة القدم،أو قائمة بوجبات الطعام  تمثل بدورها لديكم مثل وقائع مختلفة أخرى،موضوعات فلسفية على غرار إرث هيغل.أي ترتيب تقيمونه بين المجرد والواقعي؟

ج-إذا أمكننا فقط التكلم عن هيغل،فإني أحرس على الثنائي مجرد/محسوس.أتكلم بالأحرى هنا على مناظرة بين اليومي والتاريخ.تبنى جان بودريار التقابل  بين واقعة/ارتقاء. يعتبر الاهتمام باليومي جديرا بالاهتمام على مستويات عدة . أولا،لا يمكن بالنسبة لعينة من القراء إدراك الفكر المعاصر سوى عبر هذه الهذيانات.الشيء الثاني معالجة قضايا شائكة انطلاقا من ترهات يومية،مثلا قضية الهجرة،ليس بناء على خطاب إيديولوجي،لكن بالعودة إلى ملعب لكرة القدم.إنها طريقة لتناول أهمية أشياء مبتذلة مظهريا. أنظر كذلك إلى هذا السعي مثل سخرية من الكتابة الفلسفية وكنت واعيا بذلك.أحد تلامذتي القدامى،وهو زميل حاليا،خاطبني ذات يوم :”ألن تتوقفوا عن الكتابة حول الرجاء والوداد”.طبعا لم أكتب قط شيئا حول هذين الناديين،لكنها كانت طريقته حتى يشعرني بضرورة أن أتطرق بالكتابة إلى موضوعات أكثر جدية.بالضبط، هذا النمط من الكتابة صيغة جواب على هذا النوع من التفاعل،كما أنها موقف حيال الفلسفة.

 

س-بالنسبة إليكم،لايمكن للعقل تناول العابر إلا إذا منح مكانا إلى الضحك والسخرية. هل الفيلسوف أو العاشق للأدب داخلكم من أدرك الأمر وفق هذا المنوال؟

ج-سأكون من جانبي مدعيا إذا قلت بأني عاشق للأدب.بل مجرد ضجر من المؤسسات(الكلية، البرامج، الإطار الأكاديمي، ثم جدية الزملاء).السأم من كل شيء وقور،كل ماهو نموذج ومراعاة.باختصار،إتيقا بيداغوجية مضجرة توطد سلطات للمعرفة. إنه السأم من ثقافة الأب(بيداغوجيا،فلسفيا).أعتقد بأن النزوع نحو السخرية يتأتى أساسا من هنا.

 

س-تحاولون في نصوصكم تناول مايجري ضمن عالم الميديا (الانتقال بين القنوات التلفزيونية،الراهن ،التدفق غير المنقطع للصور،ثم ترتيب نسق تسلية استهلاك الجماهير ).أي وضع للفكر نحو ذلك؟

جلقد قرأت وأعدت مرارا قراءة  كتاب ”مجتمع الفرجة”ل جي ديبور،بالفرنسية والعربية.لانعثر على تعريف لمجتمع الفرجة.يمكنني اختزال كل ما قمت به على هذا النحو :محاولة،وسعي لوصف مجتمع الفرجة كما قلت بداية هذا الحوار. إنه مفهوم- حقيقة،يصعب تحويله إلى مفهوم.حاولت، في العمق،القول كيف يتجلى المعنى في العالم المعاصر،وقد لعبت وسائل الإعلام دورا كبيرا بهذا الخصوص،إلى حد أنه لايمكننا التقدم   سوى بالتفكير في الآن،يعني مقاومة وسائل الإعلام.

 

س-بالنظر إلى صلة طويلة مع متن دولوز،والذي يقول بأن عمل الفيلسوف يكمن في خلق المفاهيم،أما بالنسبة إليكم فتحددون دوركم في وصف وقائع-مفاهيم.كيف تتصورن دور المفهوم ضمن الوصف؟

ج-عندما نذهب إلى أبعد مدى مع فكرة الفيلسوف باعتباره خالقا للمفاهيم،فيلزم الإقرار بقلة عدد الفلاسفة.في هذه الحالة،وبكل بساطة لست فيلسوفا مادمت لا أتبع مفاهيم ولا أومن قط بالمفاهيم.المفهوم بالنسبة إلي آلية للفكر،أيضا دولوز قال هذا.يمكنني القول بأن الممارسة الفلسفية المندرجة ضمن أفقي،كالتالي :الوصف.

 

سوالصلة مع العلوم المجتمعية بخصوص وصف اليومي؟

ج-لم يكن الخطيبي يحب الإفراط في الحديث عن الصلة مع العلوم الاجتماعية.لأنه بحديثنا عن الأخيرة ،نتكلم عن قواعد،ومناهج،وتقليد خاص.يقوم  نوع من الحميمية نحو العلوم المجتمعية.لكن ضمن معنى بورديو، دلالة التفكيك، نعم.التوضيح الذي وضعته في الصفحة الأولى من الكتاب الذي ترجمته ل بورديو(الرمز والسلطة،توبقال،1986 )يربط السوسيولوجيا مع تقويض الميتافيزيقا.لاننسى أن بورديو كان أولا فيلسوفا،و باستثنائه،فالسوسيولوجيين لهم طقوسهم.

 

ستستحضرون غالبا الوضع المتضخم لجان بول سارتر لدى مثقفي جيلكم. بماذا تقرون أو تؤاخذون على وضع سارتر،باعتباره رمزا للمثقف الملتزم؟.                    

ج-أنتمي إلى جيل فتح أعينه على هذه الفكرة المتمثلة في عدم وجود فرق كبير بين الأدب والفلسفة، مع هذه الفكرة،التي أعتبرها كما لو أنها ساذجة،حيث تجاوب بصددها سارتر وكامو واتفقا من خلال أعمال متداخلة.هذا مادرسناه إبان تلك الحقبة.القطيعة الحقيقية أو العلاقة الجديدة بين الأدب والفلسفة جاءت فيما بعد مع بارت  وآخرين.لكن بقي ذلك بالنسبة إلينا مكتسبا،على الرغم من هذه الحدود.لقد أدركنا للمرة الأولى،تضمن الأدب للفكر.النقطة الثانية ،تروم نحو العمل الذهني،مع تلك الدلالة للالتزام،حسب محددات وموضوعية.في إطار تكويننا بكلية الآداب،لم نعتبر سارتر فيلسوفا،ولم يلعب قط هذا الدور !لكنه غير  بالنسبة إلينا، مفهوم المثقف.أعتقد،في هذا الإطار،فقد لعب دورا أساسيا داخل العالم العربي.

 

ستظهرون بأنكم تدافعون عن وضعية مثقف مهموم بالحاضرة،لكنه يحافظ في ذات الوقت على مسافة حيال شؤون هذه الحاضرة.كيف يمكن التموضع ضمن هذا التأرجح دون الانفصال عن الواقع؟

ج-كل شيء يعود إلى ما توخينا قصده بالواقع.إذا انطلقنا من فكرة أن الواقع مؤول دائما،فالعلاقة لن تكون ممكنة إلا عن طريق تأويل للواقع.إذن، لعب بارت هنا دورا كبيرا.لقد سمح لنا برؤية أن الالتزام،بالمفهوم السارتيري، هو خيار يتحقق عند مستوى الكتابة الفلسفية، وإنتاج المعنى،وتعريف الفلسفة،وكذا الممارسة الفلسفية.والحال،كل ذلك يجسد السياسة أصلا.عندما نقول بأن الواقع دال، نلج حينئذ إلى خلق المعنى والتفكيك.غير ملائم الذهاب نحو السياسة أو شؤون الحاضرة.لأنه أصلا،على مستوى الكتابة، فالفيلسوف ابن الحاضرة.هذه الأخيرة بمثابة خلق للرأي العام،وانتقال للأفكار،ثم توطيد للحقائق.يأتي الحد من كون في حواضرنا،فالرأي العام بصدد البناء،ولازالت القراءة بعد جينية. من هنا اهتمامي بالأسئلة المبتذلة(مباراة في الملاكمة، كرة القدم،إلخ)،اختيار هذه الموضوعات يجعل القارئ مهتما ليس حقا بالفلسفة،لكن على الأقل برؤية فلسفية.أشرت سابقا بأن صنف قرائي ليسوا فلاسفة،بل محامين وأطباء،بالتالي بغية الوصول إلى إدماج  مفاهيم فلسفية معقدة مثل الجذمور ،ضمن  النقد اليومي،أعتقد بأن هذا اليومي بوسعه أن يساعد بشكل هائل.

 

 

 


**المرجع :  Fadma Ait Mous et Driss Ksikes :le metier d intellectuel ;dialogue avec quinze penseurs du Maroc.en toutes lettres ;2014.pp :127 -147.                                                     

http://saidboukhlet.com/

 

 

error: المحتوى محمي