حوار مع الدّكتور أشرف حسن منصور  فلسفة الدّين: تناقضٌ أمْ تكاملٌ؟

حوار مع الدّكتور أشرف حسن منصور فلسفة الدّين: تناقضٌ أمْ تكاملٌ؟

حوار مع الدّكتور أشرف حسن منصور

فلسفة الدّين: تناقضٌ أمْ تكاملٌ؟


مع ضيفنا اليوم نتذوّق متعة الفلسفة، وجمالية التقاطعات المعرفية. فالانغلاق في براديغمات ثقافية معينة لا ينتج إلا الانحصار والانحسار في الوقت نفسه. وما يحتاجه المرء اليوم، خصوصاً الباحثين والطلبة، هو هذا الطموح لاكتساب المعارف من خارج الأنساق والإطارات المسبقة. وإذا كنا نسعى إلى فكر بطابع نقدي إصلاحي، فالبداية هي الانفتاح على الآخر، والاستفادة منه في بلورة مشروع يركز على جوانب مضيئة من تاريخنا العقلاني، ويمدّ يده ليتلقى معارف الإنسان المعاصر، ويضيف إليها قدر الإمكان، حيث يتحول هذا الجهد لمشروع اجتماعي، حينما تكتمل صورته وتظهر ملامحه القوية.

مع ضيفنا، سنركز على أسئلة الواقع الفلسفي اليوم، وما موقع فلسفة الدين في الدراسات الإنسانية؟ ولمن يرغب في الاطلاع أوّلاً على بعض كتب الأستاذ أشرف حسن منصور، أستاذ مساعد في الفلسفة، جامعة الإسكندرية، فهذه أهمها: (نقلاً عن موقع الحوار المتمدن).

1) النقد المعاصر للفكر السياسي الليبرالي. المجلس الأعلى للثقافة، 2003، تيارات فلسفية حديثة. الرواد للكومبيوتر والتوزيع، 2008.

2) الاتجاه النقدي في الفكر الفلسفي المعاصر. الرواد للكومبيوتر والتوزيع، 2008.  الليبرالية الجديدة – جذورها الفكرية وأبعادها الاقتصادية. رؤية للنشر والتوزيع، 2008؛ الإصدار الثاني: مكتبة الأسرة، مشروع القراءة للجميع، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2009) نظرية المعرفة بين كانط وهوسرل: دراسة في الأصول الكانطية للفينومينولوجيا. مؤسسة حورس الدولية، الإسكندرية 2009.

3)  الرمز والوعي الجمعي: دراسات في سوسيولوجيا الأديان. رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة 2010.

4)  سبينوزا ونقد العقل الخالص: دراسة لنظرية كانط في المعرفة والميتافيزيقا في ضوء فلسفة سبينوزا.

5) رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة 2013. العقل والوحي: منهج التأويل بين ابن رشد وموسى بن ميمون وسبينوزا. رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة 2014.

المقالات والأبحاث:

6)      نقد هابرماس لتيار ما بعد الحداثة. مجلة قضايا فكرية، الكتاب التاسع عشر والعشرون، أكتوبر 1999.

7)      نقد هيجل لليهودية ودلالاته السوسيولوجية. تحديات ثقافية، يوليو 2001.

8)      قراءة جديدة لفلسفة هيجل في الدولة. أوراق فلسفية، ديسمبر 2002.

9)      نظرية المجال العام عند هابرماس. أوراق فلسفية، ديسمبر 2002.

10) فوكو وتكنولوجيا تصنيع الفرد. تحديات ثقافية، أغسطس 2002.

11) نادي القمار الدولي يعيد بناء الدولة. تحديات ثقافية، ديسمبر 2002.

12) قراءة نقدية في تقرير لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. تحديات ثقافية، يوليو 2003.

13) التفسير السوسيولوجي للفلسفة. تحديات ثقافية، سبتمبر 2003.

14) الإمبراطورية الرومانية والقمح المصري. تحديات ثقافية، العدد 16 ربيع 2004.

15) فلسفة سارتر بين تراث الفينومينولوجيا والماركسية الهيجلية، في الكتاب التذكاري المهدى لروح أ.د حبيب الشاروني، إشراف وتصدير أ.د أحمد صبحي، إعداد وتنفيذ د. صفاء عبد السلام جعفر، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، الإسكندرية 2003.

16) المؤثرات الغربية في عبقريات العقاد، ورقة قدمت في ندوة “العقاد مجدداً” بمركز الإبداع بالإسكندرية، يونيو 2004.

17) علم الاجتماع والليبرالية – دوركايم نموذجاً. تحديات ثقافية، شتاء 2005.

18) أنطولوجيا الوجود الإنساني بين هيجل وهايدجر. الفلسفة والعصر، العدد الثالث 2004-2005.

19) حسن حنفي والقراءة الفينومينولوجية للتراث الديني. تحديات ثقافية، العدد30، خريف 2007.

20) الفكر الاقتصادي لثورشتاين فبلن (1 من 3). تحديات ثقافية، العدد 31، شتاء 2007.

21) الفكر الاقتصادي لثورشتاين فبلن (2 من 3). تحديات ثقافية، العدد 32، ربيع 2008.

22) الفكر الاقتصادي لثورشتاين فبلن (3 من 3). تحديات ثقافية، العدد 33، صيف 2008.

23) نقد فوكو للنظرية الليبرالية في السلطة. كتاب مؤتمر كلية الآداب، جامعة بني سويف “مراجعات نقدية في العلوم الإنسانية”، أبريل 2009.

24) الصدام بين المجتمعات التقليدية والحداثة (1 من3). تحديات ثقافية، العدد 37، صيف 2009.

يوسف هريمة: في كتاباتكم غنى كبير على المستوى الفلسفي والمعرفي يبرز حضور حقول وتقاطعات معرفية عديدة في فكركم. لمعرفتكم أكثر، من هو الدكتور أشرف حسن منصور؟ وما هي ماهية هذا التنوع الحاضر في مختلف كتاباتكم؟

أشرف منصور: أنا باحث في العلوم الإنسانية، أعتقد في وحدة هذه العلوم وفي عدم إمكان الفصل بين تخصصاتها المختلفة، ولا أقتنع بالانغلاق في فرع علمي واحد، لأنّ هذا يضرّ بوحدة العلم وبتكامل المعرفة الإنسانية. إنّ المشكلة التي تواجه أيّ باحث في العلوم الإنسانية هو أنه تلقى تعليمه في قسم أكاديمي معين وتدرب على البحث في حقل علمي واحد فقط، وهذا هو ما يؤدي به إلى الاعتقاد الخاطئ في حدود فاصلة بين العلوم الاجتماعية وانغلاق كلّ علم منها على ذاته واكتفائه بنفسه. والكثير من ممارسي العلم الاجتماعي ينظرون إلى الانفتاح على التخصصات الأخرى على أنه خروج عن التخصص ومغامرة متهورة غير محسوبة وتعدٍ على تخصصات الآخرين كما لو كانت هذه التخصصات إقطاعيات متوارثة، وهذا يضر بالعلم الاجتماعي للغاية. ذلك لأنّ كل العلوم الاجتماعية تدرس ظواهر واحدة لكن برؤى وتوجهات منهجية مختلفة. ومع اشتراك الموضوع يجب أن تتكامل العلوم الاجتماعية وتتقارب لا تتباعد، ومن ثمّ تزداد الحدود الفاصلة بينها حدة وعمقاً. وربما كانت دراستي للفلسفة ـ وهي أم العلوم ـ قد أمدّتني بنظرة كليّة شاملة لوحدة العلم الاجتماعي، ذلك لأنّ الفلسفة قديماً كانت تقوم بهذا الدور بالفعل وحتى القرن التاسع عشر. بل إنّ رواد العلوم الاجتماعية الأوائل كانوا قد انطلقوا من خلفيات فلسفية قبل أن يطوروا علوم الاجتماع والنفس والتاريخ والسياسة والاقتصاد.

أمّا عن التنوع في كتاباتي فالسبب فيه يرجع إلى أنني اهتممت منذ المرحلة الجامعية بحقول معرفية كثيرة. فالتاريخ كان يستهويني، والفلسفة كانت عشقي، وعلم الاجتماع كان محلّ إعجابي، والاقتصاد السياسي والماركسي منه على وجه التحديد كان جاذباً لي. لذلك قرأت كثيراً في كل هذه الحقول منذ وقت مبكر. وقد زودتني هذه القراءات الواسعة بأرضية عريضة للغاية وبأساس متين انطلقت منه في دراساتي بعد ذلك، هذه الدراسات التي جاءت هي الأخرى متنوعة بتنوع اهتماماتي الأولى. أمّا الكتاب الأول الذي فتح أمامي مجال الدراسات الاجتماعية والفلسفية فهو كتاب هربرت ماركيوز “العقل والثورة”. وماركيوز هو فيلسوف ألماني وأحد الأعضاء البارزين في الجيل الأول من مدرسة فرانكفورت المعروف عنها اتجاهها التكاملي والبيني في العلوم الاجتماعية. وقد عرّفني هذه الكتاب على مدى التداخل بين الفكر الفلسفي والنظرية الاجتماعية والنظرية الاقتصادية. وبعد انفتاح المجال أمامي بهذا الكتاب توسعت قراءاتي كثيراً في الاتجاه النقدي سواء الفلسفي منه أو الاجتماعي أو الاقتصادي.

يوسف هريمة: كتبتكم كثيراً عن فلسفة الدين. ما دلالات هذا المصطلح؟ ألا ترون أنّ اجتماع كلمتين من حقلين مختلفين فيه نوع من التناقض؟ فالفلسفة هي نظرة الإنسان المحدودة لكل مظاهر الكون والوجود، أمّا الدين فهو نظرة خالق الكون المطلقة للوجود. كيف يجتمع النسبي مع المطلق في حقل معرفي كهذا؟

أشرف منصور: الحقيقة أنه ليس هناك تناقض في مصطلح “فلسفة الدين”، كما أنه ليس هناك تناقض بين الفلسفة والدين. ذلك لأنّ الاثنين هما نظرتان للوجود شاملتان: النظرة الفلسفية عقلانية وتفسّر الوجود تفسيراً طبيعياً، والنظرة الدينية ترجع الوجود إلى الإله مباشرة. وهذا لا يعني أنهما على خلاف. كل الفرق أنّ النظرة الفلسفية تبحث عن الأسباب والعلل القريبة للموجودات، وهي في الوقت نفسه تكشف عن الغائية في الطبيعة، والتي لا يمكن أن تأتي بالصدفة، بل ترجعها الفلسفة إلى مبدأ أول هو الذي رتّب الأسباب بالطريقة الغائية التي نشاهدها. أمّا الدين فلما كان هدفه تدبر خالق الموجودات وحكمته مباشرة، فهو ينتقل إلى هدفه هذا مباشرة دون المرور على الأسباب الطبيعية.

وأنا لا أعتقد أنّ العقل البشري محدود ومقيد بل هو مطلق القدرة. فلما كان هذا العقل يستطيع البرهنة على وجود الله الذي هو الموجود المطلق والغيب الأكبر، فهو مطلق القدرة. فالذي يصل إلى المطلق هو مطلق مثله.

يوسف هريمة: كتبتم كثيراً عن الفلسفة الوجودية خاصة من خلال روادها كسارتر وهيديجر وغيرهم. لماذا بنظركم ارتبطت الوجودية بالشقّ المادي فيها، فالكثيرون يعرفون سارتر، وكامي، وإرنست همنجواي. ولا يكادون يعلمون شيئاً عن كييركيجارد، وبول تيليش، وكارل ياسبرز؟ ما ملامح الخلل في هذا الغموض؟

أشرف منصور: الشق المادي من الوجودية هو الشق العلماني الذي يأخذ الوجود الإنساني في العالم على أنه واقعة معطاة وبغير حاجة إلى تفسير، لاهوتي أو غيره، ومن هنا أولوية الوجود على الماهية في هذا الاتجاه، وهو يجعل هدف الوجود الإنساني في العالم هو الإنسان نفسه: خيره وصلاحه وسعادته؛ وبذلك فمرجعية هذا الاتجاه إنسانية وليست لاهوتية. هذا الاتجاه هو الذي يضم سارتر وميرلوبونتي وألبير كامي. أمّا الشق الآخر من الوجودية، وهو الذي يربط الوجود الإنساني بالجانب الإلهي المطلق من الوجود، والذي يضم كيركجور وهايدجر وبول تيليش وياسبرز، فهو الذي ينظر إلى الإنسان على أنه التحقق التاريخي الزمني للجوهر الإلهي، وإلى المطلق على أنه جزء لا ينفصل من الكيان الإنساني. والحقيقة أنّ هذين الجانبين من الوجودية كانا في تناقض لفترة طويلة من القرن العشرين وكان هذا التناقض نقطة خلاف بين أقطاب الوجودية. لكنني أعتقد أنّ الاتجاهين يمكن أن يتكاملا، لا أن يتناقضا، فقط إذا نظرنا إلى الوجود الإنساني على أنه التحقق الفعلي للجوهر الإلهي على الأرض. وهذا يتطلب علمنة اللاهوت وأنسنة المطلق الديني من جهة، ورفع الإنسان إلى مرتبة المطلق من جهة أخرى.

يوسف هريمة: عندما نتحدث عن عصر التنوير، يسبقنا التفكير إلى مسألة النقد الديني. وبصفتكم من القارئين جيداً لهذه المرحلة، كيف انتقل الوعي الأوروبي إلى مرحلة نقدية بعدما كان غارقاً في ظلام العصور الوسطى؟ ما محددات هذا الانتقال؟ ومن هم رواد هذه الطفرة؟ خاصة أنكم كتبتم عن أحدهم هو هولباخ.

أشرف منصور: لم يكن من الممكن للوعي الأوروبي الانتقال من الرؤية اللاهوتية للكون إلى رؤية عقلانية وعلمية إلا بناء على التغيرات التاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية العميقة التي مرّت بها أوروبا. فالعلمنة كانت حركة اجتماعية وسياسية واقتصادية قبل أن تكون فكرية. لكن لم يكن هذا الانتقال الفكري ذاتياً بالكامل، أي معتمداً على الإمكانات الأوروبية حصراً. بل إنّ الذي مكّن الفكر الأوروبي من تغيير نظرته إلى الكون والتخلص من الفكر اللاهوتي للعصور الوسطى هو النزعة العقلانية التي كانت الرشدية في صلبها، إذ أعيد إحياء الرشدية في عصر النهضة على يد مفكري إيطاليا الرشديين أمثال أوغسطينو نيفو ومارشيليو فيشيني وبومبوناتزي الذين كانوا رواد الاتجاه الإنساني والطبيعي. فقبل أن يوجه عصر التنوير نقداً شاملاً للفكر الديني على يد ديدرو وفولتير وهولباخ وهلفشيوس ودالامبير، كان قد تمّ إعداد الوعي الأوروبي لهذا النقد منذ عصر النهضة الإيطالية بفضل المفكرين الرشديين هناك.

يوسف هريمة: حينما تثار فلسفة الدين، يثار معها أيضاً علاقة الدين بباقي القطاعات الأخرى، وخاصة الجانب السياسي. هل تعتبرون العلمانية ثمرة لمجهود كرّسه التنوير ضد الطبقة الكهنوتية؟ أم هي بالفعل إدارة الشأن العام وفق رؤية ماديّة كما ذهب إلى ذلك هوليوك؟

أشرف منصور: إنني أميل إلى الرأي القائل إنّ العلمانية هي إعادة ترتيب دينية وسياسية واجتماعية للمجتمع نفسه قبل أن تكون حركة فكرية. فالعلمانية تتطلب علمنة للدين نفسه كخطوة أولى. وبذلك يكون عصر التنوير هو الجانب الفكري اللاحق على عملية تحرير الإيمان من سلطة الكهنوت الكنسي أولاً، وهو ما ظهر في حركة الإصلاح الديني، ثم فصل المؤسسة الدينية عن الدولة والسياسة ثانياً والتي بدأت بعد الإصلاح الديني مباشرة. لا يجب بالتالي البحث عن تاريخ العلمانية في الغرب من عصر التنوير في القرن الثامن عشر، فهذا القرن يمثل الانتصار الفكري والإيديولوجي للعلمانية وحسب، ويجب بدلاً من ذلك العثور على البواكير الأولى للعلمانية من عصر الإصلاح والنهضة. ويجب أن تذكر دائماً أنّ الحروب الدينية الدامية التي نشبت بين الكاثوليك والبروتستانت هي التي مهدت الوعي الأوروبي لقبول العلمانية، إذ كشفت له عن الدمار الشامل الذي يمكن أن يؤدي إليه التعصب الديني. ولسنا بحاجة للمرور في الحروب الدينية الدامية نفسها لكي يتأكد لنا حجم خطر الفاشية الدينية، يكفينا ما نشاهده من الإخوان المسلمين وحلفائهم الإرهابيين من القاعدة وداعش.

يوسف هريمة: مبدأ صراع الحضارات الذي بشّر به صمويل هنتنجتون كل الوقائع والأحداث المعاصرة تؤيده. بنظركم هل هو ينتمي لجنس فلسفة النهايات؟ أم هي طبيعة الفكر الديني في رؤيته وفلسفته للحياة؟

أشرف منصور: الحقيقة أنّ هانتنجتون ليس مفكراً أصيلاً بالمرة، وذلك لأنّ نظريته في صراع الحضارات مستقاة بالكامل من المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي، ويشهد على ذلك كثرة إحالته لكتاب تونبي “دراسة للتاريخ” A Study of History، طوال كتابه “صدام الحضارات”. لكن كل ما فعله هانتنجتون هو أنه وظّف نظرية توينبي في صراع الحضارات ليقدم الحضارة الغربية في صورة الحضارة الرائدة التي لم تصل إلى السيادة العالمية إلا بصراعها مع الحضارات الأخرى السابقة عليها، وهذا كما هو واضح محاولة لتبرير الاستعمار والإمبريالية. وبالتالي فالحضارة الغربية وفقاً لهانتجتون لن تستطيع الحفاظ على السيادة العالمية إلا باتباعها لقانون الصراع نفسه الذي ساد العلاقة بين الحضارات منذ فجر التاريخ. لكن الحقيقة أنّ هذا التوظيف الإمبريالي لنظرية توينبي في صراع الحضارات يغفل عن فكرة هامة للغاية قدّمها توينبي في كتابه، وهي أنّ الحضارة الغربية قاربت على الانتهاء وأننا مقبلون على عصر ما بعد غربي وما بعد أوروبي وما بعد حداثي، عصر سوف تكون فيه تعددية حضارية لا صدام أو صراع حضاري. حتى أنّ توينبي قد دعا إلى تقارب بين الأديان وإيجاد صيغة دينية موحدة لأجيال المستقبل. وما تغافل عنه هانتنجتون تماماً هو رصد توينبي للأزمات الحضارية العميقة للحضارة الغربية مثل الصراع الطبقي والتفكك الأسري والتناقض بين الديموقراطية وديكتاتورية رأس المال، والأهم من ذلك كله تنبيه توينبي على خطورة النزعة الحربية وذهابه إلى أنها نزعة انتحارية في الأساس، تعصف بالمنتصر كما تعصف بالمنهزم تماماً، وهو بالطبع تحذير لا يرضي هانتنجتون، المخطط الإيديولوجي للسيطرة العسكرية الأمريكية على العالم، والمبرر للحروب الأمريكية العدوانية، المسماة استباقية واحترازية.

يوسف هريمة: هل الحداثة مرحلة حتميّة كما ينظر لها البعض للخروج من أزمة الأصوليات؟ فالعقل الإسلامي المعاصر أصيب بانفصام على مستوى الرؤية حين أخذ بمبدأ الحداثة في شقها التقني، ولم ينخرط بشكل إيجابي في مستلزماتها الفكرية والعقدية؟

أشرف منصور: إنني أتفق مع الرأي القائل إنّ الطريق الوحيد لتجاوز الأصوليات ومخاطرها هو التحديث، شرط أن يكون هذا التحديث اجتماعياً واقتصادياً لا فكرياً وحسب. ذلك لأنّ فكرنا العربي في القرنين الماضيين امتلأ بمشاريع تحديث فكرية كثيرة وبقيت بنية المجتمعات العربية تقليدية وظلت ذهنية العامة تراثية بميول أصولية. وبالتالي فالحداثة الفكرية لا تكفي، والمطلوب هو التحديث المادي العملي. أمّا عن السبب في الانفصال بين التحديث التقني والحداثة الفكرية والعقدية فسببه أنّ هذا التحديث التقني وقف عند مجرد استيراد التكنولوجيا الحديثة من الغرب بهدف استهلاكها. فنحن مستهلكون للتكنولوجيا ولسنا منتجين لها. ويرجع ذلك إلى أنّ عمليات التحديث السابقة في تاريخنا الحديث لم تطوّر البنى الإنتاجية اللازمة لحركتي التصنيع والأتمتة، نظراً لأنّ الاقتصاد العربي ظلّ تابعاً للهيمنة الغربية. وبالتالي فالمطلوب هو الانعتاق من الهيمنة الغربية على كلّ المستويات، فهي الشرط الضروري للتحرر من التراث الأصولي الماضوي.

يوسف هريمة: كتبتم كثيراً عن فلسفة فوكو ونظريته في السلطة. بنظركم أين تتجلى مظاهر سلطة التخلف الذي نعيشه؟ وماذا نحتاج لنبني فكراً فلسفياً مستقلاً يخرجنا من ظلمات تحيزاتنا وتخلفنا؟

أشرف منصور: إذا أردنا التفكير بمنطق فوكو في أسباب تخلفنا، فسوف ننظر إليها على أنها تتمثل في استمرار السلطة الرعوية، المتمثلة في المجتمع الأبوي. هذه السلطة التي تسود على مستوى السياسات الصغرى Micro-politics، أي العلاقات بين الناس من الأسرة إلى العمل إلى الشارع والمجال العام، والأنماط السلوكية الحاكمة لهم، تتجسد في الهيمنة الذكورية والمكانة المتدنية للمرأة وسيطرة جيل الآباء على الأبناء وسيادة ذهنية السمع والطاعة على مستوى البناء السياسي للدولة وعلى مستوى الخطاب الديني ومستوى البنية التنظيمية لجماعات الإسلام السياسي. ولعلنا نتذكر جميعاً كيف أطلق المصريون على جماعة الإخوان مصطلح “الخرفان”، تعبيراً عن خضوعهم الأعمى وطاعتهم الذليلة لقياداتهم وسلوكهم مثل القطيع، إلى حد دفعهم للتضحية بأنفسهم في عمليات انتحارية أو على الأقل في عمليات تخريبية.

لكن يجب أن ننتبه إلى مفارقة ضمنية هنا، وهي أنّ المجتعات الغربية قد تخلصت من السلطة الأبوية لكن على حساب قيم الأسرة والترابط الاجتماعي الذي تفكك هناك. وبالتالي فنحن لا نريد في الوقت نفسه أن ننجرّ إلى تضييع الرابط العائلي ونحن نواجه السلطة الأبوية. فما حدث في الغرب من ضياع للقيم الأسرية يجب ألا يكون هو الثمن الذي سندفعه للتخلص من الأبوية.

أمّا بخصوص بنائنا لفكر فلسفي خاص بنا، فيجب ألا ينطلق من الفكر الغربي، بل من تراثنا الفلسفي القديم الذي احتوى توجهات عقلانية كثيرة وأصيلة. وأقول “ننطلق” من تراثنا العقلاني القديم، أي نأخذه كنقطة بداية وليس هدفاً للاجترار وللتشرنق حوله. ذلك لأنّ التوجهات العقلانية في فكرنا القديم، وأنا أقصد تراث الفلاسفة في المقام الأول وتراث المعتزلة في المقام الثاني، قد تعرضت للتوقف، أو بالأحرى للإيقاف وللنهايات المبتورة نتيجة سيطرة الذهنيات الأصولية الماضوية المتخلفة ومحاربتها لهذه التوجهات العقلانية بالتكفير. وصلت هذه التوجهات العقلانية إلى ذروتها عند ابن رشد، وتعرض للمحنة في بلده وتمّ حرق مؤلفاته، لكن تلقفها الغرب الوسيطي وترجمها وأنتجت هناك تياراً عقلانياً قوياً استطاع عند إحيائه في عصر النهضة في صورتي النزعة الطبيعية والنزعة الإنسانية مواجهة سلطة الكنيسة وإنهاء عهود الظلام الفكري، حتى صارت الرشدية مكوناً أساسياً للعقلية الأوروبية الحديثة. وما نحتاج إليه الآن هو استئناف ما توقف من تراثنا العقلاني القديم، والإحياء المزدوج للمعتزلة ولابن رشد. وهذا هو السبب في اهتمامي بابن رشد في السنوات الأخيرة، إذ أجريت على فلسفته العديد من الدراسات، كان آخرها كتاب “العقل والوحي”.

أشكرك جداً عزيزي الدكتور يوسف على هذا الحوار الشائق المثير، المليء بالأسئلة الذكيّة العميقة.

error: المحتوى محمي