حوار: إسهامات حول فوكو – أنطونيو نيجري / ترجمة: نايف الهنداس

حوار: إسهامات حول فوكو – أنطونيو نيجري / ترجمة: نايف الهنداس

نايف الهنداس

المترجم: نايف الهنداس


 

السؤال الأول: برأيك هل كانت تحليلات فوكو لمسألة الآنية (actualité) مفيدة في سبيل فهم حركات المجتمع؟ وفي أي المجالات تحديدا بظنك يجب تجديد هذا المصطلح، وأين يجب إعادة صياغته، وأخيرا أين يجب أن يستمر كما هو؟

نيجري: إن أعمال فوكو لهي آلةٌ غريبة الطابع، فهي تجعل من المستحيل أن نُفكر في التاريخ سوى أنه تاريخٌ معاصر. ربما يجب إعادة كتابة أعمال فوكو اليوم كما أشار دولوز ذات مرة (وقد كان محقاً في ذلك). ولكن إن ما يثير الذهول والقلق، أنه لم يتوقف قط عن السعي لعمل شئ ما، فهو يقارب تارة، يفكّك تارة، يصوغ ويتخيل نظريته ، يصنع التماثلات ويفند الخرافات، يسك بعض المبادئ ثم يتراجع عنه ويعدلها. لقد كان رمزاً هائلاً من الإبتكار والإبداع. لكن هذا لم يكن جوهر أفكاره؛ فأنا أعتقد بأن طريقته في التفكير كانت مركزية التأسيس. فقد كانت ذات قدرة على تمكينه من دراسة الحركة من الماضي للحاضر وتوصيفها في ذات الوقت.كطريقة في الإنتقال تتعلق بكون الحاضر يمثل ثقل المركز. لكن فوكو كان بين بين، ليس في الماضي حيث ينشغل بأركيولوجيته، ولا في المستقبل والذي يحول صوره المستقبلية إلى رسومات تخطيطية مبدئية. لتبدأ أفكاره من الحاضر حتى يتمكن من تفريق أي أوانٍ نتحدث عنه. لطالما تمت الإهتمام بفوكو من أجل شرعيته وأهميته العلمية فيما يخص قدرته على التحقيب (periodization). وأستطيع تفهم المؤرخين بشأن هذه المقاربة، ولكن في نفس الوقت ليست هذه المشكلة الحقيقية، بل فوكو ذاته هو الإشكال حقيقي، فهو لطالما كان يصنع مفهوم الزمن الخاص به.

إن التحليل التاريخي لدى فوكو يتحول لفعل، ومعرفة الماضي تصبح نوعا من أنواع الجينيالوجيا، والمستقبل يتحول إلى ما يشبه الضابط للسلوك الخطابي (dispositifs)*. فبالنسبة لؤلئك الذين ينطلقون من تعصب لماركسية ستينات القرن العشرين (ولكن ليس تلك الماركسية الدوغمائية الكاركتيرية الخاصة بالأممية الثانية والثالثة) ، تكون وجهة نظر فوكو بهذا الشأن مُتلقاة كشرعية مطلقة، فهي تتوافق مع الإدراك العام لمفهوم الحدث، وتتوافق مع الصراعات ومتعتة المخاطرة بالخروج من حدود الضروريات والمسائل الغائية. ففي فكر فوكو تتفكك الماركسية على مستوى تحليل علاقات السلطة والغائية التاريخية، ولكن في نفس الوقت يتم إعادة اختراع وإعادة تشكيل الماركسية من منظور الحركات والصراعات على سبيل المثال، تمت إعادة دراسة على ذوات موضوعات هذه الحركات والصراعات فأنت عندما تعرف الشئ فأنت تنتج ذاتيته.

ولكن قبل المضي قُدُما، أريد العودة لبرهة إلى الخلف. من الشائع أن يُقسّم فوكو إلى ثلاث مراحل: مرحلة ما قبل نهاية الستينات، التي عرّف فيها أركيولوجيات المعرفة واقتصاداتها في القرون الثلاث الأخيرة، وقراءاته العظيمة في الحداثة الغربية من خلال مبادئ إبتسمية (épistème) معينة. ثم بعد ذلك مرحلة السبعينات حيث بدأت أبحاثه في علاقة المعرفة بالسلطة، وظهور مفاهيم الإنضباط والتحكم وأنماط السلوك والبيوطيقا، حيث تعمل الأخيرتان كأداة عامة لتحليل السلطة ولتتبع تاريخ تطور مفهوم السيادة وظهوره في النظرية السياسية حتى يومنا هذا. أخيراً، مرحلة الثمانينات وهي فترة تحليل مراحل التذويت (subjectivation) تحت العلاقة المزدوجة بين الإستطيقا والذات وبين الإستطيقا والعلاقة السياسية مع الآخر. لكن هذا بلا شك هو أحد مواضع التحقيق والإختبار، خاصة فيما يتعلق بتقاطع إستطيقا الذات والإهتمامات السياسية، والذي يمكن تسميته بالإيتيقا.

في الواقع، لا أعلم إن كان بإمكاننا التفريق بين هذه المراحل والنسخ الثلاث لفوكو، أو حتى التفريق بين اثنتين منها. فحتى قبل نشر مجموعة المقابلات المعنونة بـ”مقولات وكتابات” ونشر سلسلة محاضراته في الجامعة الفرنسية (كوليج دو فرانس)، لم يتم أخذ فوكو في سنواته الأخيرة على سبيل الإعتبار. فلقد بدا لي أن هذه الموضوعات التي ركز عليه فوكو بنسخه الثلاثة تم التركيز عليها بشكل مثالي ومستمر ومتماسك. متماسك بشكل ناجح بما أنه استطاع أن يصوغ منتج تنظيري موحد ومستمر. ما يتغير بين هذه النسخ ربما فقط هو نوعية الظروف التاريخية والحاجة السياسية التي واجهت فوكو والتي غيرت بشكل لا ريب فيه مجالات اهتمامه. وبهذا الإفتراض -وسأقول هذا بكلماتي الخاصة على أمل أنها كانت كلمات فوكو هو الآخر أيضا- ،الإفتراض القائل بأن منظور فوكو يستتبع وضع نمط معين للأفكار تُعرف كجينيالوجيا الحاضر، وأنها دائما منفتحة لدرجة أنها تتعامل مع إنتاج مفهوم التذويت في وضع تاريخي معين. وحيث هذا الوضع التاريخي المعطى إنما هو الواقع التاريخي لعلاقات السلطة. لطالما ردد فوكو هذه الأفكار، عندما تحدث عن شغف الأرشفة، وعن العاطفة النابعة من ما يخبرنا به هذا الأرشيف عن تشظي الوجود. والوجود هنا سواء كان حاضراً أم ماضيا، مكتوبا على ورقات مُصفرّة أو معاشة كواقع يوماً بعد يوم، هو دائما مواجهة مع السلطة وهو لا شئ غير هذه المواجهة والتي هي بحد ذاته اشئ عظيم.

عندما بدأ فوكو العمل على الانتقالة بين نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، على سبيل المثال عمله المعنون بالمراقبة والمعاقبة. هذا الكتاب الذي واجه فيه بُعدا محدد من علاقات السلطة، وضبطيات السلوك الخطابي (dispositifs) والاستراتجيات المتعلقة بها. بعبارة أخرى، واقعا لقد واجه فوكو نوعا جديدا من علاقات السلطة المتمحورة تماما حول تطور الرأسمالية. والأخيرة تستلزم إستثمارا كاملا للحياة بقدر ما يشكل قوة عاملة على صعيد وعلى الصعيد الآخر استثمارا في متطلبات ربحية الإنتاج من الآخر. “فالسلطة أصبحت سلطة حيوية بيولوجية”، يصح القول بأن وإن كان فوكو قد استخدم نموذج السلطة الحيوية في محاولته لوضع إطار أنطولوجي نقدي للحاضر، إلا أنك  ستبحث بلا فائدة وبشكل عقيم عن طريق تحليل مكرّس لبحث تطور الرأسمالية وتحديد فترة عبور دولة الرفاه لأزماتها. والبحث في العبور من الفوردية للتنظيم العمالي الما بعد الفوردوي، ومن المبادئي الكينزية إلى النيوليبرالية ونظريات الإقتصاد الكلي. ولكن يصح أيضا أنه بتعريف فوكو البسيط للإنتقال من نظام الإنضباط إلى نظام التحكم في بداية القرن التاسع عشر، نستطيع فهم أن ما بعد الحداثة لا تعني ولا تمثل انسحابا لهيمنة الدولة على العمل الإجتماعي وإنما تطورا لمفهوم فرض التحكم على الحياة.

ويطور فوكو هذا الحدس في أغلب أفكاره، كما لو أن تحليل ذلك الإنتقال للعصر الما بعد صناعي شكّل الأجزاء المركزية لأفكاره على الرغم انه لا يصرح بذلك مباشرةً. أما خارج هذا التحديد المادي للحاضر وخارج هذا الإنتقال مفضي إليه، فنحن لا نستطيع تصور مشروع جينيالوجيا الحاضر الآنف ذكره، والذي يشكل علاقة فوكو بالماضي في بداية السبعينات، ولا نستطيع التفكير في فكرته الخاصة بإنتاجية الذاتية والتي تسمح من داخل مفهوم السلطة بتعديل وإضعاف قدرتها الإستثنائية على تحويل السياسات الحداثية لسياسات ما بعد حداثية. فمفهوم السياسة لدى فوكو -وهنا السياسة تأتي في سياق البيوطيقا- يختلف بشكل جذري عن استنتاجات ماكس فيبر وتابعيه في القرن التاسع عشر، واستنتاجات التصورات الحداثية للسلطة عند هانس كلسن وكارل شميت. هذا وقد كان باديا على فوكو تحسسه من أطروحاتهما ولكن انطباعي الخاص أنه غيّر في عام 1968 الإطار الذي يعمل من خلاله تغييرا راديكالياً، فلم يستطع فوكو بعد ذلك إلا أخذ أطروحاتهم بالحسبان. لأمثالنا، أولئك الذين يستمرون في استخدام فوكو بالرغم من إرادته وبتخطيه فكرياً ،قد كانت عطيّته لنا كرماً بالغاً على الرغم من ذلك فقد كان معطاءً في أفكاره -وهذا أمر نادر الحدوث-، ليس هناك ما يعاد طرحه أو يُصحّح فيما يخص تنظيراته، فيكفينا لو أطلنا هذا الحدس الخاص بأفكاره بخصوص إنتاج الذاتية ومضامينها.

على سبيل المثال، عندما اشترك فوكو مع جيل دولوز وفيلكس غواتاري في دعم مسألة سؤال السجون في السبعينات، وقتها قد كانوا قد أقاموا علاقة بين المعرفة و السلطة. علاقة لا تشير فقط إلى حالة السجون وإنما إلى الحالة الكلية وإلى أي مكان يمكن أن نتبع فيه هذا الإطار لتطوير مساحات للحرية، ولتطوير استراتيجيات إلتفاف السلطة على السلطة التي بداخلها بالأساس. ولتطوير قدرة المرء على استشفاء ذاته وذاتيته الجمعية، وتطوير القدرة على اختراع صيغٍ للمجتمع وللحياة ولمعاني الصراع فيها. يمكننا القول باختصار أن هذا هو ما نسميه بالمراقبة. إن فوكو لم يكن عظيما فقط لأنه أنجز تحليلات للسلطة يُشار لها بالبنان، ولا لأفكاره التنويرية المنهجية، وليس أيضا من أجل طُرقه الجديدة في تهجين الفلسفة والتاريخ من أجل فهم الحاضر. ولكن لأنه قد أورثنا بدَهيات ستستمر صالحة للإستخدام فترةً من الزمن. بالتحديد أتحدث عن إعادة تشكيله للفضاء السياسي والصراع الإجتماعي ورمزية موضوعات الثورة فيما يخص الماركسيات الكلاسيكية. فالثورة بالنسبة لفوكو ليست -أو على الأقل ليست فقط- إمكانيةً للتحرر، وإنما هي تجديد اختراع للغات وشبكات مختلفة، وإنتاجٌ وإعادة صياغة قيمة العمالة النشطة. إن الثورة قُصد منها أن تعُم كشَرَكٍ للرأسمالية من داخل ذات الرأسمالية.

 

السؤال الثالث: لقد ذكرت أنت ومايكل هارت في كتاب “الإمبراطورية” أن البيوطيقا هي السياق للباراديغم الجديد الذي ترتكز عليه تحليلاتنا. هل تستطيه شرح هذا الربط -والذي لا يبدو واضحا من أول وهلة- بين الصيغ الجديدة والقوى الإمبراطورية والبيوطيقا؟*

 

السؤال الرابع: إنك مدين بشهادتك لميشيل فوكو ولكن هذا الدين لا يخلو من النقودات. فأنت كتبت بانه لم يستطع استيعاب ديناميكية الإنتاج في المجتمع البيوطيقي بشكل حقيقي. ماذا تريد القول في هذه الجملة ؟ هل علينا أن نستخلص إلى أن التحليل الفوكوي يقود بالضرورة إلى ما يشبه الطريق المسدود ؟

نيجري: على ضوء هذين السؤالين، أود أن أوضح ما يلي: أنه في كتاب الإمبراطورية استعرت أنا ومايكل هارت من فوكو وهو ما أثار بعض النقودات ضدنا. فنحن عندما تحدثنا عن الإمبراطورية لم نكن نبحث فقط عن تعريف صيغة جديدة للسيادة الكونية مختلفة عن صيغ سيادة دولة الأمة. فنحن سعينا أيضا لنتملّك الأسباب المادية والسياسية والاقتصادية لهذا التطور، وفي ذات الوقت نحاول تعريف شبكة من التناقضات التي كان من الواجب وجودها. بالنسبة لنا، ومن وجهة نظر ماركسية فإن تطور الرأسمالية (والمقصود هنا أقصى صيغ التطور للسوق العالمي) متجذر في كل من تحولات وتناقضات إستغلال الطبقة العاملة في ذات الوقت. فالنضال العمالي يقلب المؤسسات السياسية وسلطة رأس المال رأسا عل عقب. هذا القلب أدى لتأكيد مفهوم (hegemony) السيطرة الخاص الحكم الإمبراطوري ليس استثناءً، فمنذ عام 1968 ومنذ الثورة الكبرى لعمال الأجور في الدول النامية وللرازحين تحت الكولونيالية في دول العالم الثالث على الصعيد الإقتصادي والمالي والعسكري والثقافي، لم يستطع رأس المال التحكم واستيعاب موجات السلطة العمالية في داخل حدود دولة الأمة. فالنظام العالمي الجديد يتوافق مع الحاجة للنظام الجديد للعمل، تلى ذلك أن كانت ردة فعل الرأسمالية على مراحل مختلفة، لكن المرحلة الأكثر أساسية هي التنظيم التقني لسياسات الكدح.

أيضا كان سؤال أتمتة الصناعات وحوسبة المجتمع حقيقةً هو موضوع الإقتصاد السياسي لرأس المال وتنظيم الإستغلال وتطورهما من خلال العمل اللامادي (immaterial labour)، ومفاهيم التراكم المتعلقة بالأبعاد الإدراكية والفكرية للعمل، وحركيته المكانية ومرونته الوقتية.  لتصبح الحياة والمجتمع بعد ذلك موضوعات جديدة تسترعي الإهتمام بدلا من السلطة. وقد تنبأ ماركس (في كتاب حدود نقد الإقتصاد السياسي) بهذا التطور واذ1ي أسماه “الإبتلاع الحقيقي للمجتمع في رأس المال”. وأظن أن فوكو فهِم هذه النقلة التاريخية لأنه وصف في أطروحاته جينيالوجيا استخدام حياة الفرد كحياة معممة على المجتمع من قِبل السلطة. ولكن إدراج ابتلاع المجتمع في رأس المال هذا (تمام كما هو ظهور السلطة الحيوية) هو أوهن مما نظن نحن، ,وأوهن مما يظنه رأس المال نفسه ، أوهن مما تستطيع الإعتراف به الموضوعانية الماركسية عند الجيل الثاني من الماركسيين (مثل فلاسفة مدرسة فرانكفورت).

في واقع الأمر، إن إدراج مجتمع ما (على سبيل المثال المجتمع العمالي) تحت وقع رأس المال يُعمّم تناقضات هذا الإستغلال على جميع مراحل المجتمع ذاته. تماما مثل انفتاح السلطة الحيوية على البيوطيقا في انفتاحها على المجتمع. فلم يعد هناك سلطة تهيمن على الحياة، ولكن هناك سلطة في ذات الحياة موجودة كردة فعل على كل انواع القوى الخارجية. بالعموم، كل ما سبق يسمح بنوع من التمرد المؤدي لتوالد الحريات، وتكاثرها وإنتاج الذاتوية واكتشاف صيغ جديدة للصراع الطبقي. خلاف هذا، لا أعرف إن كان فوكو سيتفق معي تماما في تحليلنا –وإن كنت أتمنى ذلك-، لأنه من أجل إنتاج الذاتيه النسبة لهارت ولي فإنه يستوجب أن تكون جزءًا من التغيير البيوطيقي المنتج للشيوعية. بصياغة أخرى، أعتقد أن الوضع الإمبراطوري الذي نعيش فيه (أيضا الوضع الإجتماعي السياسي الذي نبني عليه عملنا ولغتنا، وبالتالي ذواتنا) يضع “مفهوم “المشترك” في مركز ومنتصف السياق البيوطيقي. والمشترك هنا هو ليس بشخصي ولا عام، ولا بفردي ولا اجتماعي، ولكنه كل ما سبق ذكره، هو كل ما نبنيه ليضمن فردٌ منا إمكانية إنتاج وإعادة إنتاج ذاته. في هذا المشترك لا شئ مما يجعلنا مميزين ملغيٌّ أو معلّق : فالتفرد يتمفصل حول تفرد اخر لينتج ما يسمى بالنسق بالمفهوم الدولوزي، حيث كل سلطة يتم هدمها من قِبل سلطة الآخرين وكل تخلّق هو تخلّق للآخرين. أؤمن أن هناك عدة طرق تستطيع من خلالها ربط مراجعة خلّاقة للماركسية (والتي بالرغم من مراجعتها فإننا نلتزم بها) لمصلحة مفاهيم ثورية للبيوطيقا ولإنتاج الذات كما يوضح فوكو.

 

السؤال الخامس: كان أخر عملين لميشيل فوكو عن أشكال التذويت قد استرعى اهتماما أقل من غيره لديك. هل كان بناء الاتيقا وأساليب الحياة الغريبة عن السلطة الحيوية بعيدة كل البعد عما تطرحه (كونك الشيوعي الملتزم) ؟ أم هنا احتمالات أخرى لم نستطع استيعابها ؟

نيجري: كان لأعمال فوكو الأخير أثرٌ كبير علي، وأعتقد أن ما قلته آنفاً عن الإمبراطورية يوضح ذلك. دعني أحكي لك حكاية من الذاكرة: في منتصف السبعينات في إيطاليا، كتبت مقالا عن فوكو عن ما أسميناه في هذه المقابلة بفوكو الأول أو المرحلة الأولى من فوكو، أعني فوكو الأركيولوجيات والعلوم الإنسانية. حيث حاولت توضيح أن مثل هذه الأطروحات لها حدود معينة وتمنيت أن تكون هناك ننقلة نوعية للأمام في هذه المجال، واهتمام أكبر بموضوع إنتاج الذاتية. وقتها كنت أحاول التملص من الماركسية، التي وإن كانت مبدِعة في المجال التنظيري -بما أنها انشغلت في البحث عن إمكانية وجود ماركس فيما بعد ماركس- إلا أنها كانت ما زالت في نطاق: الممارسة التنظيرية المتعصبة، ومجالاً لأخطاء كبرى.

أريد القول من هذا، أنه في سنوات الصراع الملئ بالعاطفة التي تلت مظاهرات عام 1968، وفي سياق القمع الوحشي الذي مارسته الحكومات اليمينية على الإحتجاجات الإجتماعية، كان كثيرٌ منا قد تسرع نحو هاوية العنف، وإن كان فقط البعض قد مارسه فعلياً. ولكن وراء هذا التطرف كان هناك دائما إدانة للسلطة وحدها، وأن السلطة الحيوية جعلت اليمين السياسي متطابق مع اليسار. وأن الخلاص فقط بيد الحزب السياسي. وإن لم يكن هناك حزب فهناك الطلائع التي شُكّلت كنسخة عسكرية من الأحزاب الصغيرة كما كان التقليد معروفا عند أنصار الأحزاب الكبرى في العالمية الثانية. لقد تفهمنا أن الانعطاف في عسكرة الحركة ستجعلنا في عزلة من أمرنا، أيضا لم يكن فقط خيارا شخصياً غير مقبول فحسب بل كان خطأً سياسياً فادحاً. حذرنا فوكو ودولوز وغوتاري من هذا الخطأ، حيث أتت النصيحة منهم بصفتهم ثوريون حقيقيون. فهم عندما انتقدوا الستالينية وممارسة “الإشتراكية الحقيقية” (السوفييتية)، لم ينتقدوها قاصدين الرياء كما فعلا الفلاسفة الجدد المشتغلين بالليبرالية. لكنهم كانوا يسعون في إيجاد طرق جديدة لترسيخ سلطة جديدة للبروليتاريا في مقابل السلطة الحيوية للرأسمالية.

إن مقاومة السلطة الحيوية وتشكيل صيغ جديدة لأساليب الحياة فيها، ليس بعيداً عن الإلتزام الشيوعي. فإذا ما وافق المرء منا على أن الإلتزام هو صور من صور ممارسات الحرية، وأن الشيوعية أيضا تساهم في ما أسميناه بـ”المشترك”. وكما في الإمبراطورية، ليست صور الملتزم الشيوعي مستعارة من نموذج قديم. بل على النقيض من ذلك، تُقدَّم كنوع جديد من الذاتية السياسية المبنية بداية من الإنتاج (بالمعنييْن: الأنطولوجي والذاتي) إلى الصراعات الخاصة بتحرير العمال وتشكيل مجتمع العدالة.

بالنسبة لنا، وأنا أفكر في الحركات الإجتماعية اليوم تظهر أهمية آخر أعمال فوكو كاستثناء .. فبعد موت الإله، نحن نتظر إعادة ولادة الإنسان. وهذا الإشكال ليس خاصاً بالحركات الإنسانية الجديدة، ولكن هو إشكال إعادة اكتشاف الإنسان من خلال أنطولوجيا جديدة. ومن على أطلال أنطولوجيتنا المعاصر سنكتشف هدفنا المادي النهائي.

* dispositifs: آثرت ترجمتها بضبطيات السلوك الخطابي. والسلوك الخطابي هنا يأتي بمعناه الواسع شاملا كل وسيلة كانت للحفاظ على هيمنة السلطة داخل الجسد الإجتماعي على شكل معين، أياً كانت هذه الوسيلة. ترد ترجمتها بالعربية كرديف لكلمة apparatus وتُترجم لجهاز وهذا لغط كبير. هذا طبعا إن سلمنا بصحة ترجمة apparatus إلى جهاز. فمن يترجمها بالجهاز يقتصها من مترجمي ألتوسير عندما يقول  state apparatusبمعنى أجهزة الدولة وهنا تصح الترجمة. لكن ترجمة apparatus وحدها من دون مضاف إليه يعرفها يجعلها عديمة المعنى بهذا السياق، فضلا عن أنها تترجم خطأً لجهاز.

 

 


* لم يُترجم السؤال الثاني كونه ملئ بالمصطلحات الفرنسية وأنا لا أجيدها ففضلت عدم ترجمة ما لا أعرف.

 

error: المحتوى محمي