حقوق الإنسان موضوع للتفكير الفلسفي – لوك فيري وآلان رونو

حقوق الإنسان موضوع للتفكير الفلسفي – لوك فيري وآلان رونو

الأسس الفلسفية لخطاب حقوق الإنسان – ترجمة: عبد الله المتوكل (مدارات فلسفية) نسخة PDF


سجل تاريخ الأفكار المعاصر في بداية عقد الثمانينيات، وهو يتأمل في ما أمكن تسميته بنوع من الترحيب بـ “التحدي البولوني”1 أو “النموذج البولوني”2 أو “الفجوة البولونية”3، ظهور حركة عودة إلى مطلب الحق، أو قل هي حركة عاد من خلالها هذا الأخير إلى الواجهة. وقد سجل بصفة خاصة رجوعا إلى الإحالة إلى حقوق الإنسان كلحظة من لحظات السياسي، سواء على المستوى النظري أو العملي. ويجب التذكير ببعض الشواهد على ذلك:

– العمل الذي أنجزته مجلةEsprit. في عدد يناير 1981، تحث عنوان ً بولونيا: تحدي و أمل ً والذي أظهر من خلال ملف هام، خصوصية المطلب الحقوقي داخل حركة تذكر ً بحقوق الحياة التي لا يمكن التنازل عنها ً4. وهو عمل يكمل عددا سابقا، كان قد حلل وبالإحالة إلى الممارسة البولونية، إعادة تنشيط الدعوة إلى الحق 5.

– ما نشره كلود ليفور في هذا الباب، خاصة في مقاليه: حقوق الإنسان و السياسة وتوسيع حدود الممكن ً6. وقد وجد هذا المقال الأخير أيضا، في الحركة البولونية مصدر استلهامه.  وفي هذه المنشورات يتعلق الأمر بالتشديد على ً أن حقوق الإنسان تظهر من مكونات الفضاء الإجتماعي الديمقراطي وتجد تأكيدها في كون الدولة الشمولية، ليست دولة حيث يهيمن التعسف، بل هي دولة يقوم مبدؤها على نفي الحق ً 7.

يبدو أنه من الضروري، في لحظة تاريخية اتضح فيها أن كل شيء قد تجمد، أن نساءل موضوع هذا الإجماع8 العائد حول حقوق الإنسان، والذي دعمه فيلم9 المخرج السينمائي واجدا:الرجل الحديدي، القادم من بولونيا صيف1981 قبل حلول خريفها الصاخب: فإذا لم نتخذ من الإحالة إلى حقوق الإنسان مادة للسؤال، ولم نبتعد عن اتخاذها كشعار، فإننا نخاطر كثيرا، كما مثلنا على ذلك في مناسبات أخرى، أن نرى من جديد هذه الحركة، رغم جاذبيتها السياسية، تسقط في حبال الإيديولوجيا، أو تقضي على ذاتها. فمن هذا المنظور بدا لنا، أن تساؤلا فلسفيا معينا (وسنوضح وندقق، عبر خطوات هذا البحث، ما ينبغي فهمه من هذا التساؤل..وذلك مهما كان المظهر الذي يمكن أن يبدو عليه اليوم هذا الإنهمام بالتدقيق، سواء كان مظهر الادعاء أو الفظاظة) حول عودة الإحالة إلى الحق، وعودة حقوق الإنسان بصفة خاصة. ليس فقط تساؤلا مشروعا فلسفيا، إذا كان لفعل التفلسف علاقة بالتفكير في ما هو كائن10. ولكنه ضروري سياسيا، إذا اتفقنا أن التاريخ المعاصر قد كان في غالب الأحيان مسرحا للمشاريع التحررية التي انقلبت إلى أضدادها. لأنها لم تتخذ الحذر اللازم ولم تأخذ الوقت الكافي للتفكير.

لنحلل في البداية وباختصار، هذه الإحالة إلى الحق كممارسة عادت من جديد إلى الواجهة، لنبرز ما يمكن أن يشكل داخلها موضوعا للسؤال الفلسفي. فهذه الممارسة التي أصبحت جارية، حتى بالنسبة “لليسار” السياسي، يمكن أن توصف بسرعة، كأساس صلب لمواجهة الإضطهاد والنظام السياسي الشمولي على أرضية الحق. أو للاعتراض على القوة باسم الحق.فعلى مستوى العلاقات الدولية،على سبيل المثال،نجد أن إدانة التدخل السوفياتي في أفغانستان، قد تمت باسم حق الشعوب، هذا في الوقت الذي كان فيه نقد الإمبريالية، في ما مضى، كما يذكر بذلك تيبو11، لايتم بالإحالة إلى مبادىء حقوقية، بقدرما كان يصدر عن رؤية معينة للمستقبل (تحدد في الغالب من خلال منظور غائي يبشر بقدوم الاشتراكية).

إن الاحتجاج على القوة باسم الحق، حاضر كذلك على مستوى العلاقات بين الأفراد أو جماعات الأفراد (لنقل:المجتمع) والدولة. وذلك من خلال نشاط الجمعيات الحقوقية، كمنظمة العفو الدولية ومعاهدة 77…إن أهمية التحول الذي تم على هذا النحو سياسيا، يقاس بسهولة، بالمقارنة مع ما كان يهيمن في العقود السابقة، على الممارسات التحررية والمطلبية. أي تلك الإحالة لماركسية كان نقدها للحق باعتباره مجرد وهم صوري موجه لتكريس واقع الإستغلال والتستر عليه، يشكل إحدى اللحظات الأكثر طقوسية12.

إن التغيير الذي طرأ على المشهد الثقافي، بالإنتقال من التطلع إلى تجاوز القانون وإقامة مجتمع، على شاكلة ذلك الذي تخيله أوفيد في العصر الذهبي، حيث يمكن للإنسان أن يمارس “الاستقامة والعدالة في غياب القانون”، إلى إعادة الإعتبار للقانون وعودة الحق كقيمة13، هو إذن تغيير هام. ويمكن الإقرار بهذا التحول، إذا ما أمعنا النظر في فكرة الحق، وفي التمثل الذي تكونه حولها وتحمله معها هذه الدعوات إلى القيم الحقوقية. وبعبارة أخرى إذا ما تأملنا معنى هذا الحق العائد.

إذا كانت هذه الإحالة المستعادة إلى الحق، تأخذ شكل دعوة إلى حقوق الإنسان، فمن المؤكد أن ذلك أمر مفهوم غير أنه مع ذلك متناقض.فهو مفهوم، ليس فقط لأن الشمولية – والتي يعترف الجميع أنها الظاهرة السياسية الخاصة بالقرن العشرين- تتحدد بنفيها العملي لحقوق الإنسان. ولكن أيضا، لا يمكن لمن يفكر في هذا الموضوع أن يتخلى عن كل ما تضمنه النقد الماركسي للحق، خاصة عن نوع من الحذر إزاء الحق القائم، أي الحق الذي تحدده القوانين الوضعية، والذي تبقى علاقته بالدولة ( وبصفة خاصة الدولة الكليانية) جد واضحة. والذي لايمكن أن نجعل منه وبصفة دائمة قيمة مرجعية للدفاع عن الفرد أو المجتمع ضد هذه الدولة14:فحتى يتسنى للحق أن يشتغل فعليا، كقيمة مشتركة بين مختلف جماعات المجتمع الواحد، أوبين مختلف المجتمعات وحتى يمكن أن يكون بمثابة حس مشترك وكأرضية مشتركة للحوار والنقاش، وباختصار للتواصل، يجب أن يظهر- كما نتعلم ذلك من جديد، من خلال قراءة غيرنيتش15- كبعد من أبعاد الكونية، أو كشكل للكوني، فيما وراء المصالح الخاصة. وبعبارة أخرى يجب أن يظهر كمعيار مرجعي شمولي.

يبقى علينا، بطبيعة الحال، أن نفحص، نظريا، هذا البعد الكوني للحق (هل هو واقعي أم رمزي). لكن على المستوى العملي، فمن الواضح أن الحق القائم لا يمكنه أن يدعي هذه الكونية، مادام أن جماعات مجتمع معين، مثل الأقليات المضطهدة، يتعين عليها إدانته لكي يعترف بها. لكن هذه الإدانة للحق الوضعي، أي نقد القوانين الظالمة، تتم دوما وبصفة ضمنية باسم مبادىء أخرى للحق، باسم مفهوم للحق غير الحق القائم، والذي عبر عن نفسه في تقليد الحق الطبيعي، الذي يستحق أن يعاد بنائه من وجهة النظر هذه16، والذي وجد تتويجه التاريخي في إعانات حقوق الإنسان، أي ً الحقوق الطبيعية للإنسان بما هو إنسان ً17، باعتباره الشكل التاريخي المهيمن في نقد القانون القائم (من طرف الدولة وبالتالي للدولة) باسم القيم الحقوقية المأخوذة كقيم مكثفة في فكرة مشتركة ممكنة، وكأساس لإجماع حقيقي.غير أنه حتى إذا لم نفحص هنا طابع الكونية الذي يضفيه مضمون حقوق الإنسان عليها- نقصد الحقوق المتضمنة في إعلان الثورة الفرنسية، وأيضا تلك الواردة قبله، في الإعلان الأمريكي لسنة1776، تبعا لتاريخ يتعين التفكير في إعادة بنائه- فإنه يمكن الاتفاق على أن شكلها وحده يحمل دلالة تبعث على التفكير و التساؤل: فهذه الحقوق صادرة عن ًإعلاناتً وليس عن ً مؤسسة ً، وهي ليست قط مبتكرة، بل فقط مكرسة ومصادق عليها من طرف الدولة في مرسوم تنحصر مهمته في إظهار حقوق معترف بها كحقوق موجودة في ذاتها على الدوام. وهكذا نكون أمام وضعية فريدة، تمنح لوحدها لتلك الحقوق إمكانية أن تظهر مسبقا، كقيمة خارج الدولة وفوقها. وعليه فإذا كانت هذه العودة تفهم في سياق الدفاع عن الفرد والمجتمع ضد الدولة، فقد كان من الضروري أن تلوذ مثل هذه الحركة بحق قادر على تقديم نفسه للتمثل كحق خارج الدولة ولا يصدر عنها: فأن تتخذ العودة إلى الحق شكل إعادة تنشيط مفهوم الحق الطبيعي، وإعادة التقدير لحقوق الإنسان الطبيعية، فتلك ظاهرة يمكن تفهمها بسهولة.

غير أن هذه الظاهرة، مع ذلك، متناقضة من الناحية التاريخية. وذلك ليس فقط بالقياس إلى أن حقوق الإنسان، كانت قد اختزلت من طرف التحليل الماركسي، مند صدور كتاب المسألة اليهودية، إلى حقوق الإنسان الأناني، المعزول عن الجماعة. وإجمالا إلى حقوق المجتمع البرجوازي وإلى التعبير عن المصلحة الخاصة (وبالتالي فهي ليست كونية). ورغم أن المرجعية الماركسية تبقى بارزة، فإن الهزة التي تعرضت لها في العقود الأخيرة، جعلت القراءات المزعومة ً الفاضحة للأوهام ً التي قام بها ماركس، تكف عن رهن كل إمكانية لفهم الإعلانات بطريقة أخرى، ويشهد على هذا الإهتمام العائد بحرفية حقوق الإنسان مقال كلود ليفور “حقوق الإنسان والسياسة” من خلال قراءته لمنطوقات 1791 أو 1793 حول الحرية وتداول الآراء أو الأمن. و الواقع أن البعد العميق في هذا التناقض الذي سقطت فيه حركة إعادة تنشيط الإحالة إلى حقوق الإنسان هذه، يكمن في التنصيب الحتمي للإنسان بما هو كذلك، كقيمة. ويظهر ذلك في أن الإحالة الحالية إلى حقوق الإنسان، بدفاعها عن الإنسان بما هو كذلك، ضد نفيه من طرف النظام الشمولي:

1- تفترض فكرة الإنسان بما هو إنسان، أي فكرة تسلم بامتلاك الإنسان لطبيعة أو ماهية.

2- تنصب هذه الفكرة كأساس و كمصدر للقيم الحقوقية– وهذا ما يجعل الإحالة إلى حقوق الإنسان، فيما يبدو، تنتمي بطريقة مباشرة إلى ما ينبغي تسميته بالنزعة الإنسانية18.

والحالة هذه، فإذا كان من الواضح أن عودة الحق تتم على شكل عودة إلى حقوق الإنسان، فمن المفارقة أن نلحظ في ذلك، أيضا عودة للنزعة الإنسانية. وذلك لسببين على الأقل:

1- فهذا الإنسان الذي يتم التذكير اليوم بحقوقه، كما سبقت الإشارة إلى ذلك19، هو الذي ظلت فلسفات معينة، منذ ما يزيد عن عقدين من الزمن تتغنى بالإعلان عن تلاشيه20. والحالة هذه، كيف يمكن أن نفكر في ًً عودة الإنسان ً هذه؟ إن هذا المظهر الأول في هذه المفارقة، والذي سنعود إليه لاحقا، هو جد مدهش، إلى درجة أنه وجد نفسه مدعوما في مستوى ثان، إن صح التعبير.

2- وبالفعل في الفضاءات السياسية التي يمارس فيها اليوم خطاب حقوق الإنسان، والتي لم يعد فيها، التركيب الماركسي يحدد التفكير بالدرجة التي كان عليها سابقا، فإن

نمط التفكير الذي بقي مهيمنا على نطاق واسع هو التاريخانبة، بالمعنى الذي يعطيه لها ليو شتراوس كنسبية، وكرفض للتسليم بوجود معيار لا يكون مجرد مواضعة متغيرة تاريخيا21. والحالة هذه كيف يمكن لرفض الماهيات وللرغبة في إضفاء الطابع التاريخي على كل شيء وإخضاع كل شيء لمنطق الجدل، إذا ما أردنا أن نستمر في فهم الجدل بالمعنى الذي ذهب إليه إنجلز في الرسائل إلى فيورباخ “كل ما يولد يستحق التلاشي”، أن يتلا ئما مع خطاب يجعل من الإنسان وحقوقه نوعا من الكوني واللازماني، وقيمة فوق تاريخية، مطالبا هكذا بوقف عملية إضفاء الطابع التاريخي المنظمة على كل المفاهيم؟

لنلخص إذن هذه المفارقة: كيف يمكن الحديث عن حقوق الإنسان على أساس نزعة ضد إنسية وأخرى تاريخانية؟ إن من شأن توضيح هذه المفارقة أن يسمح بحصر ما يمكن أن يكون تساؤلا فلسفيا حول العودة المعاصرة للحق، ذلك أنه إذا كان فعل التفلسف يقضي أن يفكر الإنسان في فكره الخاص، وفي ما يفكر فيه أو يقوله، أي أنه يقوم على توضيح شروط الإمكان النظرية لما يتم النطق به22، “فلسفة الحق ” تقوم قبل كل شيء، على بناء شروط الإمكان النظرية – الشروط المتعالية للإمكان – لهذا الخطاب الحقوقي أو ذلك. والحال أنه يمكن أن نذهب في هذا الصدد، إلى أن العودة الحالية لنوع من الخطاب الحقوقي داخل السياسي بإمكانها أن تتوصل إلى توضيح الشروط المتعالية لإمكانها، وأن تكون بالتالي موضوع تساؤل فلسفي – بمعنى فلسفة متعالية للحق – شريطة أن يكون واضحا في أدهاننا كما رأينا من قبل، مشكل تلاؤم خطاب حقوق الإنسان مع أبرز مكونات الفكر المعاصر، خاصة مع النزعة المناهضة للإنسية والتاريخانية.

سنمهد لتحديد ملامح فلسفة حقوق الإنسان هذه، بطريقة سلبية، مقتصرين هنا على رصد (دون تحليل) تمثلات الواقعي (الأنطولوجيات) والتي يظهر بجلاء أن النزعة الإنسية الحقوقية لاتتلائم معها: وبعبارة أخرى سنرسم الأطر النظرية التي لن يكون لفكر حقوق الإنسان مكان فيها، اللهم إلا إذا كان ذلك يقوي التنافر. وانطلاقا من وجهة النظر هذه، يبدو أنه ينبغي إقصاء نمطين من أنماط تمثل الواقعي، أو بعبارة أخرى، نموذجين أنطولوجين:

1- في البداية، لتعيين هذا النموذج الأول من خلال حضوره التاريخي الأكثر إكتمالا، وهو ما يمكن إدراجه تحث اسم ًنظرية مكر العقلً، أي هذه الأطروحة المعروفة جدا والتي طورها هيجل، والتي تعتبر أن ً كل شيء يحدث بطريقة عقلانيةً في التاريخ، بما في ذلك، ما يبدو لاعقليا و عبثيا (الهوى، الحروب، الشر)، والذي ليس شيئا آخر، رغم كل شيء، غير ما تتحقق عبره عقلانية السيرورة التاريخية: فعلى أي أساس يتم تصور التاريخ باعتباره محكوما بقوانين من قبيل: لاشيء يحدث في التاريخ بدون علة. وعلى أي أساس يتم إخضاع التاريخي لمبدإ العلة. وعلى أي أساس تشكل التاريخانية المفهومة على هذا النحو23، إطارا نظريا غير متلائم مع النزعة الإنسية القانونية لحقوق الإنسان؟

إذا كنا لا نريد هنا القيام بتحليل صارم للطريقة التي يمكن أن يظهر بها عدم التلاؤم المشار إليه أعلاه، في الفكر الهيجلي حول الحق مثلا، فيمكن الإقتصار على الإشارة إلى أن هذا التصور يحمل دلالة هي بالضرورة ضد حقوقية: إذا كانت هناك عقلانية تعمل في قلب السيرورة التاريخية، فمن الواضح أن مجرى التاريخ سيكون ضروريا. وبالتالي فإن ما حدث كان ينبغي أن يحدث في اللحظة التي حدث فيها وبالكيفية التي حدث بها. وبعبارة أخرى، فإن ما يرتبط جوهريا ب ً نظرية مكر العقل ً هو أن تعمل على إزاحة كل تباعد بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون24. وبالتالي أن تجعل من المستحيل التمييز بين نظام الوقائع و نظام القيم: إن المثال و الخير، كما يمكن قراءة ذلك في أعمال هيجل، قد تحققا منذ الأزل بواسطة السيرورة التاريخية، وهذه الأخيرة هي الخير وهو يتحقق25.

وبهذا المعنى، رغم أن نظرية مكر العقل تتضمن ً نقدا للرؤية الأخلاقية للعالم ً، فإنها تجر معها أيضا نقدا لما يمكن تسميته ب ً الرؤية الحقوقية للعالم ً. بحيث أنها تلغي كل إمكانية للإ حتجاج على الواقعة باسم الحق26. مثل إدانة واقع سياسي ما، باسم قيم حقوقية متصورة كقيم متعالية على الواقع. خاصة إزاء الواقع التاريخي للدولة (وفي هذه المسألة فإن التاريخانية تسير في نفس اتجاه النزعة القانونية الوضعية). وباختصار، من الصعب أن نعرف ما هو المعنى الذي يمكن أن تأخذه فكرة الحق الطبيعي – فكرة مذهب الحق الطبيعي الحديث – في إطار سياق نظري لا تحظى فيه فكرة ما ينبغي أن يكون بأي معنى.

من هنا تكتسب العبارة التي استعارها هيجل من شيلينغ كل قيمتها: إن القول بأن تاريخ العالم هو محكمة العالم، يعني في الحقيقة الميل إلى افتراض أن النجاح أو الفعالية (إدماج قصد ما في التاريخ) يصبح معيار العادل. وينتج عن ذلك بالضرورة، أن تصور الإجتماعي كفضاء حقوقي، يميل بالنسبة لكل “نظرية في مكر العقل” ولكل تاريخانية، إلى ألا يكون إلا لحظة في سيرورة تبلغ أوجها في ما وراء الحق، كما هو الأمر عند هيجل في الإنتقال من الحق إلى الدولة – والتي بتحققيها لتطلعات الأفراد، تجسد الحق “القانون الأعلى ضد الأفراد” 27، ملغية بذلك فكرة الحق التي يمكن أن  ُيستند عليها للدفاع عن الفرد ضد الدولة. وهو أيضا أمر واضح عند ماركس وفي التقليد الماركسي، من خلال اعتبار الشيوعية كتجاوز للحق28.

إن هذا الإرتباط بين “نظرية (ات) مكر العقل” ونفي الحق معروف جدا لذلك لن نركز عليه29. وفي المقابل فما تجدر الإشارة إليه، هو الخطر الذي يمكن أن يمثله نوع من الخلاصات التي تستخرج بطريقة متسرعة من الإقرار بهذا الإرتباط، على ممارسة متماسكة للمرجعية القانونية، أو على إنسية حقوقية تريد أن تكون منطقية. وبالفعل حيث أن خضوع الصيرورة التريخاني لهيمنة “مبدأ العلة القوي” يظهر كخضوع يتضمن نفيا للحق. ويتكون منه النموذج النظري (نموذج نفي الحق كمعيار متعال على عالم الوقائع) فإنه يتم الإنتهاء بسهولة إلى الإعتقاد، الصحيح مع ذلك، إلى أن عودة للحقوقي تكون مؤسسة فلسفيا، ينبغي أن تمر عكس ذلك، عبر نقد فلسفات التاريخ “العقلانية”، والتي تؤكد حسب عبارة ب. تيبو  أنها “فضحت ادعاء التعبير عن التعالي”. والحال – وفي هذا المستوى تكمن، بدون شك الصعوبة الأساسية التي تعاني منها محاولات رد الاعتبار للإنسية الحقوقية – أن الخطر كبير، لأنه مع ذلك يمكن الانتقال من مثل هذا الاعتقاد الصحيح، للوقوع في نموذج نظري ثان، يبدو هو أيضا غير متلائم مع تصور لا وضعي للحق.

2- سيتم تعيين هذا النموذج الثاني بالإحالة إلى فكر هيدجر. ذلك أنه انطلاقا من التسليم بضرورة نقد “نظريات مكر العقل”. يمكن أن ننقاد إلى قرار محاولة تجريب فكر تاريخي يكون متخلصا من كل استعمال لمبدأ العلة: فمن رفض للأطروحة القائلة بأن في التاريخ “كل شيء يحدث بطريقة عقلانية” إلى الإعلان أن الحدث في التاريخ، مثل الوردة ً بدون علة ً، يمكن للنتيجة أن تبدو جيدة. وهكذا فإننا نوجد وعلى نحو محدد داخل المجال النظري الهايدجري: إذا كان نقد “العلة في التاريخ” يعني جعل التاريخ خاضعا للاستبداد الميتافيزيقي لمبدأ العلة، فإننا سنكون، شئنا أم أبينا إزاء مفهوم “تاريخ الوجود” الهايدجري وهو نموذج مناقض لنموذج” مكر العقل” 30.

والحال أن نموذج “تاريخ الوجود” يصعب أن يتلاءم مع خطاب حقوق الإنسان، مثله في ذلك مثل النموذج الهيجلي الذي هو في تضاد معه. وذلك لسببين: أولا، لأن من العسير أن نربط الإنسية الحقوقية بمسألة وضع النزعة الإنسانية موضع نقد وتساؤل، بوصفها عنصرا جوهريا في النموذج الهايدجري، إذ تبدو له النزعة الإنسانية صادرة عن ميتافيزيقا الذاتية، كإعلاء من قيمة الإنسان واعتباره مركزا مرجعيا، وعموما كتقويم. ما دام كما نعلم أن ًكل تقويم هو نوع من الذاتية”31. وثانيا من الجائز أن نتساءل عما إذا كان هذا النموذج لا يشكل وجها جديدا للتاريخانية32؛ وهو ما يمكن أن نبرزه بطرق متعددة، كتحليلنا، على سبيل المثال، للطريقة التي يقر بها هيدجر في مبدأ العلة (ص21) أن لكل حقبة تاريخية ً ضرورتها الخاصة بها ً وهي ليست ضرورة جدلية، ولا تتضمن أي استنباط ممكن لحقبة تاريخية معينة انطلاقا من الحقب السابقة عليها. بل هي ضرورة “متجذرة في التاريخ” أو “قدرية”، تقدم داخلها كل حقبة نفسها للتفكير كوجه للوجود أو “كإرسال” منه33.

غير أن العلامة الأوضح على تاريخانية هذا النموذج. هو أن تفكيك الميتافيزيقا عند هيدجر (مثلما هو الشأن عند نتشه) يمر عبر نقد الانفصال بين الواقع والمثال وبين الكائن وما ينبغي أن يكون. وهو الأمر الذي يمكن ملاحظته، خاصة في مدخل للميتافيزيقا، حيث يتم تقويم عملية الفصل بين الكائن وما ينبغي أن يكون، من التأمل الأفلاطوني حول فكرة الخير إلى فكر “القيم” الحديث، كأحد أوجه هذا “الحصر للوجود” والذي بواسطته ُيفرغ هذا الأخير تدريجيا من كل ما تتم معارضته به (الوجود والصيرورة، الوجود والفكر، الوجود والواجب)، ويرتد بهذه الطريقة إلى المفهوم الأكثر فقرا: إن الانفصال بين الكائن و الواجب، هو بالفعل، أحد الأشكال الأساسية لعملية الحط من الوجود، المنتمية لتاريخ نسيانه وبالتالي “لأفول الفكر”. ومادام أنه من خلال هذه العملية يتم فصل وتمييز الوجود عن”ما وراء الوجود” والذي” يتم تعيينه كمرجع للوجود ذاته” فإن “الوجود ليس أبدا ما يعطي المقياس”34

وتبعا لذلك، إذا كان التمييز بين المثال والواقع، الذي “يجد اكتماله عند كانط”35، يُسجل داخل منطق النسيان الميتافيزيقي، فمن الواضح بالنسبة للفكر الذي يحاول أن يكو ن وفيا “لسؤاله الأساسي”، أن الأمر يتعلق بأن ُيقصي أيضا من بين أشياء أخرى، هذا العائق أمام استذكار الجود. ولكن في ظل هذه الشروط يتسنى لنا أن نفهم بأي معنى لماذا نكون بالفعل في مجال التاريخانية، إذا كان التمييز بين الواقع والمثال لا يحظى بأي تنويه. ذلك أن اختفاء كل مقياس “ما وراء الوجود” للحكم على الوجود، يخاطر كثيرا أن يمنع أية إمكانية لإعطاء معنى لفكرة الحق. ومن هنا يمكن تفسير القسوة التي أبداها شتراوس وهو يتناول فكر هيدجر في الحق الطبيعي والتاريخ، والذي بذل فيه كل مجهوده الفكري لإرساء الحق ضد كل أشكال التاريخانية. هذا في الوقت الذي يمكن لتفكيكه للفكر الحديث أن يعتبر على أكثر من صعيد قريبا من التحليلات الهايديجرية.

وعليه لا يمكننا إلا أن نلاحظ أنه إذا كان النموذجين (بمعنى نمطين مثالين إزاء عالم الوقائع) الهيجلي والهايدجري (نظرية مكر العقل و تاريخ الوجود)، والذي بينا باختصار كيف يتضمنان التاريخانية ويتلاءمان بصعوبة مع تفكير أصيل في الحق (وهو على كل حال حق يسمح بالإحالة إلى “حقوق الإنسان”)، فإنه لن يكفي القيام بنقد”لفلسفات التاريخ العقلانية”، حتى يتسنى لخطاب حقوق الإنسان أن ينال الفلسفة التي يستحقها. وبالطبع فهذا الخطاب يتعين عليه أن يتجذر فلسفيا في نوع من نقد للعقل. ولكن يجب أيضا أن ندرك أن ليس باستطاعة كل نقد للعقل أن يؤسس نظريا مثل ذلك الخطاب. ما دام أن الإدانة الهايدجرية للعقل ك “عدو للفكر” تتم على نحو، يجعلها هي أيضا تحول دون منح معنى للعقل. وهكذا يبدو، انه للتفكير فلسفيا في حقوق الإنسان، يلزم القيام بنقد للعقل لا يلغي كل إمكانية للإحالة إلى “الإنسان بما هو إنسان”، ولا يدين كل تنصيب لمقياس يصدر عن ما وراء الوجود لقياس ما هو كائن.

أو بالمقابل، ونتيجة لهذا النمط من نقد العقل، فإن فلسفة حقوق الإنسان ستكون إنسية دون أن تنقلب إلى ميتافيزيقا ساذجة للذاتية. من حيث أن مثل تلك الميتافيزيقا قد بلغت أوجها كما أوضح ذلك التفكيك الهايدجري، في شكل النسق الهيجلي، حيث يشكل الأنا “كل واقع” ، وهو النسق الذي يدل بجوهره على تطابق الواقعي والعقلي ويمنع قيام كل تفكير في ما ينبغي أن يكون، وفي الحق تبعا لذلك (بالمعنى الذي اشرنا إليه أعلاه).

إن هذه الصياغات “للمتطلبات” الفلسفية التي ينبغي أن يقوم عليها خطاب حقوق الإنسان، ترسم، كما ندرك ذلك بسهولة، مكانا فلسفيا يمكن تحديده باعتباره مكان النزعة النقدية ذاتها.أي مكانا لنوع من نقد العقل، والذي لكي يكون جذريا36، عليه أن يسمح، كما كان ينبغي أن تبين ذلك قراء نقد ملكة الحكم، بالإحالة إلى “قيم” (جمالية وبالتالي، على نحو غير مباشر، إيتيقية، وذلك إذا كان الجميل هو “رمز الخير”) يمكن أن نتصور حصولً حس مشترك ً حولها، أو إن شئنا، نوعا من “البينذاتية”.

وفي هذا الصدد، ليس صدفة إذا كان تلامذة كانط وحتى قبل أن يصدر هذا الأخير كتاب مذهب الحق سنة 1797، قد أعربوا عن خصوبة النزعة النقدية في هذا المجال، من خلال كتاباتهم القانونية الغزيرة. يتعين مستقبلا متابعة مراحل هذا التاريخ الرائع للمدرسة القانونية الكانطية، عبر أعمال هوفلنت وشميت وميمون وراينهارت وإرادت وشيلينغ وفيورباخ، وطبعا فيخته والذي يشكل كتابه أساس الحق الطبيعي لسنة 1796، بدون شك، الشهادة الأعظم على قدرة نوع من نقد العقل (والذي يعثر فيخته على نموذجه في نقد العقل الخالص والذي يقدم كتابه مبادىء مذهب العلم نفسه كبلورة نسقية له) على تأسيس فكر غير “ساذج” (لا ينقلب إلى ميتافيزيقا ساذجة للذاتية ) للقيم الحقوقية.

من البديهي أن مجرد الدعوة إلى الوقائع (إلى الخصوبة القانونية الفعلية لتقليد فلسفي يتحدد قبل كل شيء كنقد للعقل) لا يمكنها لوحدها أن تثبت أن النزعة النقدية تشكل المكان الفلسفي الذي ينطوي على الشروط النظرية التي بدونها، يبدو من المستحيل إعطاء خطاب حقوق الإنسان أساسا متماسكا. إذ يلزم لبلوغ ذلك أن نبين، داخل النقد ذي النزعة النقدية للعقل، رغم مناهضته الجذرية للميتافيزيقا، ما يسمح بالاحتفاظ لمفهوم القيمة بمعنى ما، وذلك بعد نقد الميتافيزيقيا.

سنقتصر هنا، مؤقتا، على قول الأشياء على النحو التالي: إذا كانت الإحالة إلى القيم تبقى ممكنة، في إطار مثل هذا النقد للعقل(في حين، أن هذه الإحالة، ليست في السياق الهايدجري، كما رأينا، إلا علامة على أننا لم نتحرر بعد من الميافيزيقا)، فذلك لأن هذا النقد لدى كانط، وعلى خلاف التفكيك الهايدجري، لم يستنفد كل إمكانياته. وبالفعل إذا كان تقويم الجميل (وبالتالي الخير) قابلا لأن يكون موضوع تفكير انطلاقا من قراءة كتاب نقد ملكة الحكم، فذلك لأن الأفكار الميتافيزيقية بعد أن تخضع لعمليتي التفكيك و نزع الطابع الموضوعي عنها (نقد ادعائها الأنطولوجي) تحتفظ بشكل من المشروعية: فرغم أنها تنتقد بسبب قيمة الحقيقة المحتملة لديها (أي بسبب قدرتها الوهمية على بناء الواقع) فإنها تبقى محفوظة مع ما يميز وضعها كأفكار منتجة للمعنى، بصفتها متطلبات ذاتية خالصة خاصة بكل ذات إنسانية. وتبعا لذلك فإنها تنتقد بسبب قدرتها على تنظيم الاشتغال النظري والعملي للذاتية37.

لا ندعي أبدا أن هذه الإشارات، التي هي بالضرورة تلميحية ومليئة بالثغرات، تكفي لضمان إمكانية تنصيب النزعة النقدية ك ً فلسفة لحقوق الإنسان ً، إذ يلزم، خصوصا، إثبات كيف يمكن لمذاهب الحق لدى كل من كانط و فيخته، أن تحيل أيضا، وبطريقة مشروعة إلى مفهوم غير ًساذج ً لــ  ًالإنسانية ً، إلى مفهوم ً الإنسان بما هو كذلك ً والذي بدونه، كما رأينا، لا يمكن لخطاب حقوق الإنسان أن يوجد. وهو أمر يفترض أن نبين في نفس الوقت:

1- أن كانط ومنذ صدور تأملات في التربية، يرفض كل استعمال “ساذج” لمفهوم “الإنسان”، مادام أنه بين بوضوح أنه لا يمكن الحديث عن “طبيعة إنسانية” وبالتالي عن تصور ما هوي للإنسان38.

2- وأنه رغم هذا “النزع للتصور الماهوي” عن الإنسان، فإن مفهوم الإنسانية يمكن أن يحتفظ هنا، بمعنى، هو بالضبط على شاكلة الفكرة الناظمة، مع قيمة ذات معنى. أو كما يقول كانط أيضا، قيمة رمزية.

هنا أيضا، لا ندعي أن تسجيل هذا الوضع الرمزي لفكرة ً الإنسانية ً في الخطاب ذي النزعة النقدية يحل كل المشاكل. إذ ينبغي الدخول في تفاصيل (وصعوبات) النظرية العامة للنزعة التخطيطية، والتي ليست رمزيتها في نظر كانط، كما نعلم، غير حالة خاصة. وينبغي خاصة تحديد الأهمية الحقيقية لنقل ما كان يشغل وضع الحقيقة أو التصور نحو مستوى المعنى أو الرمز: فمن جهة، هل مثل هذا النقل كاف ليضمن نظريا، ً منفذا ً إلى خارج الخطاب الميتافيزيقي حول ً الإنسان بما هو كذلك ً؟ ومن جهة أخرى، هل يحفظ، عمليا، بالقدر الكافي إمكانية الإحالة إلى ً إنسان ً يمكن الدفاع عن حقوقه بطريقة ملموسة؟

بدون شك هذه هي الأسئلة الرئيسية التي تجعل العمل ضروريا والتي يمكن أن تقود البحث بعيدا عن مجرد العودة الحرفية إلى نصوص كانط وفيخته. لكن يبدو أنه إذا لم نستلهم في عملنا هذا ما هو نوعي في النقد ذي النزعة النقدية للعقل (أي ما يسمح به هذا النقد من دعم لما يمكن الاحتفاظ به من الميتافيزيقا بعد نقدها)، وبعبارة أخرى، إذا لم نستلهم ذلك في موضع آخر، لتغذية نقد عام  ً لنظرية مكر العقل ً، فإننا سنعرض أنفسنا لخطر ألا نستطيع قط تأسيس هذه الإحالة إلى بعض القيم و إلى فكرة عن  ً الإنسان ً والتي بدونها، كما يعترف بذلك كلود ليفور وهو يشير إلى ضرورة توفر حد أدنى من الإنسية المجردة، تبقى الدعوة إلى حقوق الإنسان غير مؤسسة وبدون معنى إلى الأبد، أو تبقى ً باروكية ً39، كما أقر بذلك مؤخرا ديريدا بكثير من الأمانة و الوضوح.

ولننبه إلى الخطر الذي يهدد الدعوة إلى حقوق الإنسان بالبقاء في مستوى هذه ً التفاهة ً أو هذا ً الباروك ً، سنختتم هذا العرض الذي هو بمثابة برنامج عمل فقط، بالرد على نوعين من الاعتراضات التي من الممكن توجيهها إلى الإشارات التي أتينا على اقتراحها. وإذا أردنا بالفعل أن نلخص الطريقة التي قادتنا إلى التفكير في العثور لدى النزعة النقدية الكانطية على عناصر التأسيس الفلسفي لخطاب حقوق الإنسان، فإن هذا البرنامج لن يقدم نفسه كبرنامج ضروري إلا في اللحظة التي يتم فيها التسليم بأن التضاد بين ً نظرية مكر العقل ً و ً تاريخ الوجود ً، لا يوجد له حل آخر إلا عبر الإحالة غير الحرفية للنموذج الكانطي. والحال فيما يبدو لنا، أن بعض المحاولات  يمكن أن تظهر كاعتراضات على ما ذهبنا إليه، وهو ما ينبغي الرد عليه قبل الشروع في العمل الحقيقي.

1- يبدو أن الاعتراض الأول يكمن في الدعوة إلى العودة للفكر الإغريقي كبديل عن النزعة النقدية لحل التضاد المذكور أعلاه. لاسيما وأنه لا يوجد لدى الإغريق نظام الذاتية الذي أدى، بعد أن بلغ ً أوجه ً مع هيجل، إلى النفي التاريخاني للحق. ولأنه وعلى خلاف ما يترتب عن المساءلة الهايدجرية للذاتية، نعثر لديهم على تفكير في الحق، خاصة عند أرسطو. وفي ظل هذه الشروط لماذا لاتتم تغذية حركة العودة إلى الحق والتي يبحث لها عن شروط إمكانها النظرية، بعودة إلى فلسفة أرسطو في الحق؟ نتعرف هنا، طبعا، على محاولة تم توضيحها بطرق كثيرة، من خلال أعمال ليو شتراوس و م. فيلي. ودون أن ندعي هنا الإنكباب على تحليل شامل لهذه الأعمال، يبدو لنا مع ذلك أن هناك ملاحظتين تفرضان نفسيهما:

أ- من المؤكد أن للعودة إلى المذهب الطبيعي الأرسطي، فائدة ثمينة في إطار نقد هذه التاريخانية الحديثة، المتعددة الأشكال والتي رأينا كيف تمنع قيام أي فكر مثمر في الحق. ويبدو بالفعل أن الفكر الأرسطي في الحق االطبيعي40، يمنح للحق شكلا من التعالي( والذي بدونه، كما رأينا، لن يكون للدعوة إلى الحق أي معنى)- وطبعا، ليس كما هو الشأن بالنسبة للمذهب الطبيعي الحديث، تعاليا لمعيار عقلاني (ذاتي، مباطن لعقل الذات) بل لمعيار طبيعي(موضوعي): إن ما يشكل هنا المعيار وما ينبغي أن يكون هو الغاية التي تبعا لها يكون كل كائن، بالطبيعة، هو ما هو عليه. وبالتالي فالتعالي هو تعال غائي للوجود المكتمل على الوجود بالقوة الذي ينزع بالطبيعة نحو ما به يتحقق اكتمال ماهيته. وبهذا المعنى فمن خلال ملاحظة الطبائع المختلفة للكائنات وبالتالي من خلال الانفتاح على الفزيس، يمكن أن نعين لها حقوقها والتي بدونها لن تعرف طبيعتها وماهيتها الاكتمال. هكذا يتأسس الحق كشرط لإمكان الحركة الطبيعية لكل كائن نحو ماهيته.

هكذا نرى في إطار أي منظور مناهض للتاريخانية بامتياز، يمكن الرجوع إلى أرسطو قصد محاولة بعث تعالي الحق الطبيعي على الوضعية (التي يمكن بالفعل نقدها إذا كانت تحول دون هذا الكائن أو ذاك و دون اكتمال ماهيته)-،وفضلا عن ذلك فهذا المنظور يعتقد أنه يحظى بامتياز بعث هذا التعالي دون تأسيسه في الذات( أي بطريقة ً غير ميتافيزيقية ً).

إذا سلمنا بما سبق، فينبغي مع ذلك ملاحظة أن الفكر الحقوقي الذي نعتقد أننا نؤسسه بهذه الطريقة، هو غير متلائم من حيث مضمونه مع فكر حقوق الإنسان. كما يعترف بذلك م.فيلي41 بشكل واضح وصارم: فما دام أن التصور الأرسطي يعتبر أنه توجد ً طبائع ً مختلفة تتوزع فيما بينها ما يسميه المحدثون ً الإنسانية ً، فحيث، على سبيل المثال، أن طبيعة النساء غير مطابقة لطبيعة الرجال، ولا طبيعة العبيد بمطابقة لطبيعة الأحرار، فمن الواضح أنه حيثما لاتكون للكائنات نفس الغاية، فإن هناك اختلافا في الحقوق. إن الفكر الحقوقي الذي ننتهي إليه بهذه الطريقة، ليس له ما يجمعه بفكر حقوق الإنسان. ويقود، خاصة بتبريره للعبودية، إلى مواقف مرفوضة أخلاقيا من طرف الفكر الحديث، كما يسجل ذلك، مثلا، أوبينك، وهو يعترف رغم ارتباطه الكبير بأرسطو، ورغم كل ما يمكن أن ُيعترض به على العقلانية الحديثة، أن ً النظريات الحديثة في الحق الطبيعي وفي حقوق الإنسان- هذا الإنسان اللازماني والمجرد- تمثل، رغم كل ما يمكن قوله ضدها، تقدما بالمقارنة مع مذهب الحق الطبيعي عند أرسطوً. وباختصار، إذا كان يتعين على عودة الحق في السياسة، أن تتم على شكل عودة إلى حقوق الإنسان، فلا يمكن بأي حال من الأحوال، للمرجعية الأرسطية أن تغدي نظريا مثل هذه الحركة.

ب- وفضلا عن ذك، فهل نحن متيقنين أن مذهب الحق الطبيعي الأرسطي لا يوجد مسبقا، بسبب تصوره للطبيعة، على طريق نمط فكري يؤدي، بحكم بنيته إلى النفي التاريخاني لفكرة الحق كمعيار متعال حقا؟ ذلك أننا إذا نفذنا إلى عمق هذا النوع من فكر الحق الطبيعي، سنجد أن حركة الطبيعة ذاتها هي التي تنجز ما يعتبر معيارا: فالطبيعة المتروكة لذاتها، تحقق غاياتها تبعا لتطورها الخاص والمحايث لها، وبالتالي ليس الحق( الطبيعي) إلا الأداة التي تستعملها الطبيعة لتحقيق غاياتها. ويمكن القول، في ظل هذه الشروط، كما ذهب إلى ذلك أوبينك(ن.م)، إن الطبيعة المتروكة لذاتها ً تستسيغ كل شيءً وتكتسي قيمة مقدسة تسمح بتبرير كل شيء شريطة أن يكون طبيعيا. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن القول على الخصوص أن البنية النظرية المحايثة لهذا التمثل للحق، تستدعي بشكل غريب بنية ًنظرية مكر العقلً؛ أو بعبارة أخرى، ألسنا هنا أمام نظرية ً مكر الطبيعة ً،  كما سجل ذلك بوضوح م.فيلي (ص64)؟

يتعين، في هذه الحالة، الإقرار بأن مذهب الحق الطبيعي الأرسطي، يقود في ما يتعلق بموضوع الحق، إلى صعوبات مماثلة لتلك التي تفضي إليها التاريخانية الهيجلية:إذ بالفعل، لا يمكن الحديث في هذا المذهب عن فصل حقيقي بين الواقع والمثال، بين الكائن وما ينبغي أن يكون، بين الحدث والمعيار، مادام أن حركة الواقع (الحركة الطبيعية) نفسها هي التي تحقق المعيار. إن منطق الحدث هنا هو اكتمال المعيار، والحق ليس إلا أداة لاكتمال غاية الطبيعة (أي تحقيق أكبر قدر ممكن من الكمال) التي يشارك فيها البشر دون وعي منهم بذلك. و عليه وانطلاقا من وجهة النظر هذه، يبدو أنه توجد وبطريقة بنيوية، بين مذهب الحق الطبيعي الأرسطي وفكرة الحق الطبيعي التي استند إليها أيضا هيجل في نفيه التاريخاني للحق، علاقة استمرار وليست علاقة قطيعة. وفضلا عن ذلك، يمكن أن نحدد تاريخيا من قام بدور الوساطة بينهما43.

وفي هذا الإطار، فإن كل المحاولات التي تسعى لإنقاذ الحق من النفي التاريخاني، والتي تتغذى من الفكر اليوناني، وخصوصا الأرسطي منه، كما هو الحال مثلا بالنسبة لأعمال ليوشتراوس والمدرسة الشتراوسية، ينبغي فحصها بحذر شديد.

2- إذا كان يبدو أن من السهل إقصاء هذا النموذج الأول من الاعتراض على الطريقة التي نقترحها هنا، فإنه يبقى علينا أن نثير شكلا ثانيا من الاعتراض على نجاعة فرضية عملنا، والتي تسلم بأنه لن يكون هناك تأسيس فلسفي ممكن لخطاب حقوق الإنسان خارج إطار النزعة النقدية. وهو لا يطرح هذه المرة من خلال أعمال ستجد لدى غير المحدثين، في تصور كلاسيكي للحق، بديلا للحل ذي النزعة النقدية. بل من طرف وجوه معاصرة في الفكر الحقوقي و السياسي، التي يبدو أنها عثرت في مكان آخر على مخرج للتضاد بين نظرية ً مكر العقلً ونظرية ً تاريخ الوجود ً، أي دون أن تستند إلى النزعة النقدية الكانطية. ويمكن أن نذهب بالفعل في هذا الصدد، إلى أن التقليد الظاهراتي، وغالبا الإحالة إلى أرنت أو أعمال ميرليبونتي الأخيرة، هو ما يصاحب فلسفيا عملية إعادة التقويم السياسي لحقوق الإنسان، كما هو الشأن لدى كلود ليفور مثلا44.

يتعين بالفعل تحليل أشكال هذه ً المصاحبة ً، لكننا سنقتصر الآن على صياغة هذا السؤال البسيط: هل نحن متأكدين من أن الإحالة إلى أرنت أو أعمال ميرلبونتي الأخيرة لا تقود بالفعل إلى الانضواء في إطار ما سميناه النموذج الهايدجري، والذي بينا بأي معنى هو غير متلائم فعليا مع الإنسية الحقوقية؟

لا شك أن طرح هذا السؤال يعرض صاحبه إلى تهمة ًالمماثلة ً و ً التبسيط ً بل ً الكاريكاتورية ً. ومع ذلك سيكون من السهل رفع كل أشكال سوء الفهم التي تنجم عن هذا الشك الذي أتينا على صياغته: إننا بتسجيلنا لفكر أرنت أو أعمال ميرليبونتي الأخيرة في إطار النموذج الهايدجري، لا نقصد أبدا المماثلة، بالاعتماد على استشهادات يسهل جمعها بسهولة، بين متون من الجلي أنها غيرمتجانسة، وتخترقها انشغالات مختلفة، و هي باختصار غير متطابقة. يبقى علينا أن نبين، أن ما نشير إليه بحديثنا هنا عن النموذج الهايدجري (أو النموذج الهيجلي)، هو موقف من الوضعية: إن النموذج، لنكرر ذلك مرة أخرى، ُيفهم بمعنى النموذج الأنطولوجي45، أي تصور حول واقعية الواقع (حول وجود الموجود، حول موضوعية الموضوع) والذي يمكن أن نبين أنه يشتغل في قلب مثن فلسفي ما-، وبالطبع فهذا المتن غير قابل، بالتعريف، للاختزال إلى هذا النموذج الذي يعمل داخله، مادام من الواضح، أنه لا وجود لمثن فلسفي يقتصر فقط على الإعلان عن أطروحة حول الموضوعية46.

إن النموذج الهايدجري المفهوم على هذا النحو، يتحدد حصريا، في نظرنا، بالفصل الجذري بين الواقعي والعقلي باسم الأخذ بعين الاعتبار للاختلاف الأنطولوجي، ولعدم قابلية الواقع للاستنباط الكامل، أي( إذا آثرنا ذلك) نظرا للإقرار بأن ما يوجد يحتوي على بعد لا يرتفع، هو بعد ًاللاعلةً. والمسألة الوحيدة المتبقية هي معرفة ما إذا كانت الإحالة إلى أرنت أو إلى أعمال ميرلوبونتي الأخيرة قصد العثور على أساس فلسفي(أي أنطولوجي) لخطاب حقوق الإنسان، تعني أنطولوجيا الانعطاف نحو موقف آخر من الوضعية، غير هذا الذي ذكرنا به.

عندما يحتفي كلود ليفور لدى ميرلوبونتي بتوضيحه أن كل فكر في الأسس ً يخفي أسسه ً(م.م، صXX I I)، منطلقا من فرض ً جعل وضعية الذات و الوعي والتمثل و المفهوم موضع تساؤل ً (صXI) و من ضرورة ً محاكمة المعرفة المطلقة ً(ص10) و ً التخلي عن صياغة علاقة جديدة مع الكائن بلغة النسق  ً (ص21 )؛ و عندما تدعو أرنت إلى تبني فكر منتبه ل ً معجزة الوجود ً47، وذلك ضد ادعاء الإيديولوجية، الذي حللته بمهارة، والذي يسلم باستنباط كل شيء من

مقدمة منطقية ما-، فكيف يمكن لهذا التمثل حول الواقع الذي يعبران عنه، أن يفلت من نموذج الاختلاف الأنطولوجي وتاريخ الوجود؟

ذلك هو سؤالنا الوحيد، ومن الواضح أننا لا نقصد أبدا من ورائه، نفي أنه توجد في المتن الأرنتي أو في أثر ميرلوبونتي أفكار تتجاوز هذا النموذج، من بينها ما به يمكن التفكير في موضوع الحق.غير أن المشكلة كلها، تكمن في معرفة ما إذا كان هذا الذي يتجاوز داخل أعمالهما النموذج الهايدجري، الحاضر بوضوح في فكرهما، تربطه به علاقة استتباع، وهو ما يبدو مستبعدا، أم أن الأمر يتعلق بالأحرى، بفكر مستقل بذاته عن هذا النموذج الأنطولوجي، و غير متلائم معه، وفي هذه الحالة فإنه لايزال ينتظر تأسيسه الفلسفي.

بهذا المعنى، أي أخذا بعين الاعتبار لهذه الأفكار التي عرضناها، لا يبدو لنا أنه يوجد في هذين الفكرين، طريق خصبة بإمكانها أن تؤسس فلسفيا وبطريقة غير ً باروكية ً، العودة الحالية إلى الحق( اللهم إلا إذا أمكن توضيح كيف يشتغل في متن أرنت وأعمال ميرلوبونتي الأخيرة، نموذج آخر غير نموذج الاختلاف الأنطولوجي). ومن وجهة النظر هذه، يمكن للمرء أن يقلق قليلا أمام عملية ً إضفاء الطابع الهايدجري ً المدهشة على الفكر الحقوقي والسياسي، والتي أصبحت تتم مثلا من خلال الأهمية التي أضحت تعطى لكتاب العين والروح أو لكتاب المرئي واللامرئي: فمن غير المؤكد أن يعثر خطاب حقوق الإنسان أخيرا في هذه الطريق على الفلسفة التي يتطلبها.

 

 

 


الهوامش:

*- أخذنا هﺫا النص عن كتاب للوك فيري و آلان رونو بعنوانً النسق و النقد ً. بروكسيل، Ousia،1984 . وقد سبق أن نشراه لأول مرة بمجلة Esprit ، مارس 1983 . و هو عبارة عن ً برنامج عمل ً سيطورانه في الجزء الثالث من كتاب

ً الفلسفة السياسية ً المتعلق بموضوع حقوق الإنسان. ( المترجم ).

1- ب. تيبو، Esprit، يناير1981. ص3.

2- ك. بوميان، Le débat، فبراير 1981.

3- Autogestion ، فبراير 1981.

4- ب. تيبو، مرجع مذكور. ص 4.

5- ً الحق والسياسة ً، Esprit ، مارس 1980.

6- ً حقوق الإنسان و السياسة ً،Libre، ع 7، 1980، و ً توسيع حدود الممكن ً، Esprit ، يناير 1981، و المقالان معا نشرا من جديد في

كتاب ً الابتكار الديمقراطي ً. Fayard ، 1981.

7- الابتكار الديمقراطي، مرجع مذكور، ص28.

8- لم يخرق هذا الإجماع إلا م. غوشي و م. فيلي. الأول في مقاله ً حقوق الإنسان ليست نشاطا سياسيا ً، Le débat، عدد يوليوز- غشت 1980 (حيث يتعلق الأمر، خاصة، بلفت الانتباه إلى الالتباسات المرتبطة ً بالنزعة الفردانية ً التي روجتها الإحالات التقليدية لحقوق الإنسان)، والثاني من خلال تدخلا ته (من قبيل ذلك الذي ساهم به في ندوة بمركز الدراسات و الأبحاث حول كانط و فيخته بتاريخ 6 فبراير و1981، بعنوان ً فحص نقدي لحقوق الإنسان ً)، ولكن النقد هنا أيضا لم ينصب على الإحالة إلى حقوق الإنسان في ذاتها، بقد رما انصب على ادعاء فكرة حقوق الإنسان حمل دلالة قانونية حقيقية: إن وجاهة مثل هذه الاعتراضات لا تقصي أبدا ممارسة هذه الإحالة، حتى ولو ذهبنا مع م.فيلي إلى أن الأمر يتعلق بممارسة ذات مطلب أخلاقي أكثر منه مطلبا قانونيا بحصر المعنى.

9- نتذكر جيدا كيف عبرً واجدا ً بوضوح على لسان أحد شخصيات فيلمه عن الإستراتيجية الحقوقية للحركة البولونية: من الأكيد أنه يتعين نقد القوانين الظالمة، لكن يجب أولا، على الأقل، ضمان ً تطبيق الحقوق التي يتضمنها الدستور ً.

10- نأمل في إمكانية حصول إجماع حول هذا الملفوظ، ما دام أنه يمكن أن يفهم انطلاقا من الدعوة الهيجلية إلى ً تصور ما هو كائن ً، مثلما يفهم كصدى للعنوان الهايدجري ً النظر إلى ما هو كائن ً.

11- انظر ب. تيبو ً الحق والسياسة ً، Esprit، مارس 1980. و ً كومبوديا، حقوق الإنسان والرأي العام الدولي ً.Esprit، شتنبر 1980.

12- انظر حول النقد الماركسي للقانون ك. ستويانوفيتش، الماركسية والقانون، مكتبة فلسفة الحق، 1964؛ وانظر أيضا العدد الصادر سنة 1963 من مجلة أرشيف فلسفة الحق، والذي يحمل عنوانا يعبر عن ما كان يشكل الإشكالية القانونية لتلك الفترة ً تجاوز القانون ً.

13- في هذا الصدد لا يمكن لمطلب ً تطبيق الحقوق التي يتضمنها الدستورً أن يشكل إلا خطوة أولى(في إطار ً نقد داخلي ً لقوانين الدولة) لمشروع تحرري يتم باسم الحق. انظر حول موضوع العلاقات بين السلطة الدولتية والقانون القائم، مقال ك. بوميان المنشور في مجلة Esprit، مارس 1980، بعنوان ً من يملك الحق ً.

15- انظر، على سبيل المثال، ب. تيبو، Esprit، مارس 1980، ص11 و 14.

16- انظر حول هذا الموضوع الأعمال المتميزة لميشال فيلي وفريق مجلة أرشيف فلسفة الحق. وسيكون من الضروري فحص الأطروحة التي تدافع عنها هذه الأعمال، والتي تذهب إلى الإقرار بوجود قطيعة بين الحق الطبيعي الكلاسيكي كما بلوره أرسطو و توما الإكويني و الحق الطبيعي الحديث و تسلم أن هذا الأخير وحده (والذي يجد أصوله في القرن الرابع عشر الميلادي، في نظريات المدرسة اللاهوتية الفرنسسكانية حول الحق) يحمل في ذاته فكرة حقوق الإنسان. غير أنه ينبغي أن نتساءل عما إذا لم تكن قد انبثقت قبل القرن الرابع عشر، وداخل تصور قديم للعالم باعتباره كوسموسا، فكرة حقوق الإنسان، مع رواقية مارك أوريل (انظر، مثلا، مؤلفه أفكار، الكتاب الثامن)؛ إن رهان مثل هذه البحوث في هذا الموضوع ليس فقط تاريخيا، إذا سلمنا (كما سيلي في هذا المقال) أن الأمر يتعلق من الناحية الفلسفية بتوضيح شروط الإمكان النظرية لخطاب حقوق الإنسان.

17- انظر بهذا الصدد نظرية وولف في الحق الطبيعي والكيفية التي تمت بها عملية استنباط ً الحقوق الطبيعية للإنسان بما هو إنسان ً.

18- بالمعنى الذي يحدد به هيدجر، مثلا، النزعة الإنسانية.أي كتصور للواقع يسلم أن ً الإنسان المنظور إليه فقط، من حيث هو إنسان، هو الذي يهم ً ( رسالة حول النزعة الإنسانية، Aubier، ص 119 ) و الذي بتنصيبه للأنا الإنساني كأساس( أنتربولوجي)، ينتمي لميتافيزيقا الذاتية، ( ص117).

19- انظر م.  غوشي، مقال مذكور، ص4.

20- انظر حول هذه النقطة، كلود ليفور، ًحقوق الإنسان والسياسة ً، مقال مذكور، ص24: ً بمجرد الإعلان عن حقوق الإنسان، نشأت فكرة الإنسان الذي لا يخضع لحتميات. وقد انبرى كل النقد ذي التوجه الماركسي والتوجه المحافظ أيضا، لتحطيم هذا الوهم. وهكذا أمكن لجوزيف دي ميستر أن يعلن: لقد صادفت إيطاليين و روسيين واسبانيين و إنجليزيين وفرنسيين، ولا أعرف الإنسان بصفة عامة؛ وذهب ماركس إلى أنه لا وجود إلا للبشر المشخصين الذين تحكمهم شروط تاريخية و اجتماعية وطبقية. و لا يزال عدد من معاصرينا، وبقليل من الموهبة، يسخرون من الإنسية المجردة.ً ولا يمكن هنا أن نذكر أسماءهم.

21- ليو شتراوس، الحق الطبيعي والتاريخ، Plon، 1969، ص19.

22- نتعرف هنا على تعريف ذي نزعة نقدية للفلسفة كانعكاس؛ انظر مثلا فخته، أعمال منتقاة من الفلسفة الأولى، Vrin، ص24.

23- تستعمل التارخانية، هذه المرة، بالمعنى الذي يعطيه لها كارل بوبر في كتابه المجتمع المفتوح، I ، Le seuil، ص15: “إن التاريخ تحكمه قوانين خاصة”؛ ولكن من الواضح أن التاريخانية التي ينتقدها بوبر تتضمن أيضا التاريخانية بالمعنى الذي يدينه شتراوس، ما دام أنه إذا كان كل شيء في التاريخ قد تم بطريقة عقلانية، وأن كل شيء  ضروري بحكم أنه ليس إلا لحظة داخل السيرورة التاريخية، فإذن لن  يكون هناك معيار متعال للحكم على الواقع؛ وتبعا لذلك فإن كل المعايير أيضا تعتبر تاريخية، و انبثاقها هو مجرد لحظة في السيرورة التاريخية– وهنا نعثر على التصور الشتراوسي للتاريخانية كنسبية.

24- انظر بهذا الصدد النقد الهيجلي لمفهوم ما ينبغي أن يكون عند كانط وفخته.

25- حلل ليو شتراوس الموجات الثلاثة لهذا الحذف لما ينبغي أن يكون في الفكر السياسي الحديث؛ انظر خاصة؛ ًالموجات الثلاثة للحداثة ً في كتاب الفلسفة السياسية، نيويورك 1975.

26- إننا لا نتجاهل، بطبيعة الحال، الصفحات الشهيرة (التي غرفت منها بعض محاولات “إعادة تقويم” الهيجلية، كمحاولات ج. ريتر و إريك فايل) والتي حرص فيها هيجل على إدانة ما يتضمنه هذا الشكل القانوني أو السياسي أو ذاك، من ظلم، مثل جور القانون الروماني أو ذلك الناجم عن سياسة الترهيب؛ كما أننا لا ننكر واقع الصفحات التي خصصها هيجل لنقد النزعة الوضعية القانونية للمدرسة التاريخية. وكما هو معروف فهيجل لا يريد أن يكون من أصحاب مذهب الحق الطبيعي ولا وضعيا. ومع ذلك، يبقى أن إدانة الظلم عند هيجل، كما بين ذلك هابرماز في كتاب النظرية و الممارسة، هي من فعل التاريخ، وأن التاريخ ذاته يلعب دور الهيئة النقدية إزاء الوضعية، وبعبارة أخرى، إن التاريخ هو الذي ينتقد التاريخ، وليس القانون هو الذي ينتقد القانون. سنعود لاحقا إلى هذه القضايا و كذلك إلى التعريف الهيجلي للحق كتجاوز للحق المجرد عند كانط وفخته.

27- م. فيلي، فلسفة الحق، Dalloz، I، ص177. من هنا يمكن أن نضيف، إذا صح القول أن مفهوم الحق هو بدون محتوى، حتى وإن استمر هيجل في استعماله، ولكن بطريقة تجعل فكره في الحق هدما حقيقيا لمفهوم الحق؛ انظر مثلا دروس في فلسفة التاريخ، Vrin، ص 40:”إن حق روح العالم يمتد ما وراء كل الحقوق الخاصة”، حيث لا يعتبر الحق سلطة تتعالى على كل الحقوق الخاصة، بل هو، وانسجاما مع التصور الهيجلي للكوني ومع بنية ً نظرية مكر العقل”، النسق الكلي للحقوق الخاصة.

28- انظر حول هذه النقطة المقال الجيد لراينو، “عالم الاجتماع ضد الحق”، Esprit، مارس 1980، حيث بين على وجه أكمل، وهو يقرأ كتاب التميز لبورديو (Minuit):            1- أن النموذج النظري للسوسيولوجيا ذات التقليد الماركسي، هو” نظرية مكر العقل” (فخلف الأذواق التي تبدو في الظاهر، ذاتية و محتملة، يتعلق الأمر بإبراز كيف “تشتغل” عقلانية نظام ما للهيمنة)؛2- أن علم الاجتماع، الذي يهتدي بهذا النموذج، يحطم فكرة الحق الاجتماعي، أي الفكرة التي تسلم أن”جماعة نشطة”، بتعبير غيرفيتش، لا توجد بالفعل (كجماعة مستقلة عن الدولة)، إلا من خلال نشاطها القانوني الخلاق أو مطالبها الحقوقية. وفعلا، بالنسبة لعلم اجتماع “نظرية مكر العقل”، فإن مطالب الذوات الإنسانية التي تتم باسم الحق، تجهل ماهيتها الخاصة، وحقيقتها الخاصة، وهي في الواقع تختزل في استعادة و في التعبير بطريقة غير واعية، وضد رغبتها، عن عقلانية ً السير بدون ذات ً التي هي التطور الذاتي لنظام الهيمنة، من حيث هي الذات الحقيقية الوحيدة والمطلقة للتاريخ. من هذا الجانب أيضا، يسهل علينا إدراك لماذا لا يوجد تلاؤم بين “نظرية مكر العقل” وإثبات الحق: إن هذه النظرية بمثابرتها على كشف أوهام ادعاءات الأفراد (أو المجتمع) كونهم حقا، الذوات الفاعلة في( الحق و التاريخ )، لا يمكنها الاعتراف بالفرد بما هو كذلك، كقيمة في مواجهة ما يشكل الذات الحقيقية و الوحيدة، أي سيرورة الهيمنة.

29- انظر مثلا، مقال ب. تيبو المذكور:”الحق والسياسة”، الذي يربط بين تراجع “فلسفات التاريخ” (المفهومة كفلسفات تفترض أن للتاريخ اتجاها أو غاية) وعودة الحق.

30- حول هذا التضاد بين هيجل وهيدجر فيما يتعلق بفكر التاريخ، ينبغي الرجوع قبل كل شيء إلى كتاب مبدأ العلة، Gallimard، ص201 وما يليها، وأيضا الصفحة 197.

31- انظر رسالة في النزعة الإنسانية، Aubier، ص129. وانظر حول هذه النقطة لوك فيري وألان رونو،”البعد الأخلاقي في فكر هيدجر (من هيدجر إلى كانط)”، ضمن كتابNachdenken uber heidegger،Gerstenberg،1980، ص36-54؛ وانظر أيضا في هﺫا الكتاب ( النسق والنقد): ً المسألة الأخلاقية بعد هيدجر ً.

32- حول هذه ً التاريخانية الوجودية ً، انظر ً من نقد التاريخانية إلىمسألة الحقً.

33- حول Geschichte، Geschick، انظر مثلا مبدأ العلة، ص 149. حيث أن العبارة التي تقول ً أن لكل حقبة تاريخية ضرورتها الخاصة ً تعود إلى كتاب هيدجر: نيتشه، II، Gallimard، ص161.

34- هيدجر، مدخل إلى الميتافيزيقا،  Gallimard، ص199.

35- نفس المرجع ص 200. و توخيا للدقة، نشير إلى أن فيخته سرعان ما اعتبر، هو أيضا، من أصحاب هذا ً الاكتمال ً.

36- تقاس هذه الراديكالية في آن واحد، في الجدل المتعالي على مستوى تفكيك الميتافيزيقا بإبراز عملية الإحداث انطلاقا من بنية العقل ذاته، وفي الجمالية المتعالية، عبر تسليط الضوء على بعد في الواقع غير قابل للمفهمة، لا يمكن اختزاله. وحول هذا التمفصل بين الجمالي والمتعالي، والذي ما يزال في حاجة إلى التطوير، انظر في العودة إلى كانط ( ضمن هﺫا الكتاب: النقد والنسق).

37- انظر حول هذه النقطة، ملحق للجدل المتعالي. ولتكوين نظرة مختصرة حولها، نحيل القارئ إلى خاتمة نصنا حول ً المسألة الأخلاقية بعد هيدجر ً، والحوار المنشور في مجلة Esprit، أبريل 1982، حول نقد العقل.

38- نعرف كيف يستعيد فيخته هذه الفكرة في كتابه أساس الحق الطبيعي: ً كل حيوان هو ماهو عليه ويبقى على طبيعته، والإنسان وحده هو في الأصل [يولد ] وهو لاشيء. ً انظر حول هذه النقطة، تقديم أ.فيلونينكو لكتاب كانط تأملات في موضوع التربية.

39- انظر مداخلته في يناير 1982 بمركز البحث في الشؤون السياسية( ENS )، حيث اقترح كلمة ًباروك ً لوصف العلاقة التي لم تكن قد تمفصلت بعد بين خطاب التفكيك الذي يمارسه هو نفسه فلسفيا وخطاب حقوق الإنسان الذي يبقى في نظره ضروريا لمواجهة النظام الشمولي.

40- انظر بالإضافة إلى تحليلات ليو شتراوس و م. فيلي، مقال ب. أوبينك ً القانون في منظور أرسطو ً أرشيف فلسفة الحق، 1980، والذي خصص للكتاب الخامس من الأخلاق إلى نيكوماخ.

41- انظر على سبيل المثال فلسفة الحق، مرجع مذكور، ص 161 وما يليها.

42- ب. أوبينك، مقال مذكور، ص 157.

43- نفكر هنا في تأسيس وولف للحق الطبيعي.

44- انظر بصفة خاصة، كلود ليفور على عمود غائب،. Gallimard

45- انظر حول هذا المفهوم، حوارنا مع كوليج الفلسفة،Esprit، أبريل 1981، وخاتمة مقالنا ً ماكس هوركهايمر والمثالية الألمانية ً.

46- توخيا للتدقيق، نقول إن وضعية مايتجاوز النموذج، داخل مثن ما، تختلف تبعا لما إذا كان الأمر يتعلق بمجرد استخدام النموذج في هذا الحقل الفكري أو ذاك ( فانطلاقا من نفس النموذج يمكن أن نفكر في الإنتاج الشعري، كما هو الحال عند هيدجر، أو في الفعل التاريخي كما هو الشأن لدى أرنت ) أو يتعلق بإضافة، أي ب ً زائدة ً غريبة عن النموذج، لا تربطها به أية علاقة استتباع، بل لا تتلاءم معه.

47- ح. أرنت، النظام الشمولي، Seuil، سلسلة ًPoints/politique ً. ص217. سنهتم بالطريقة التي تم بها تحليل الايديولوجيا وبنيتها (ص215 وما يليها) والتي تبين أنها تشتغل ك ً نظرية مكر العقل ً.

error: المحتوى محمي